← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14596

موسوعة القواعد الفقهية

محمد صدقي آل بورنو

Полный текст (5 326 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

القاعدة الثامنة والعشرون [الطّارئ المانع، الدّوام، الابتداء] . أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: قد يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء (١). وفي لفظ: المانع الطارئ هل هو كالمقارن؟ (٢). وتأتي في حرف الميم إن شاء الله. وفي لفظ: كل ما لو قارن لمنَعَ فإذا طرأ فعلى قولين (٣). وتأتي في حرف الكاف إن شاء الله. وفي لفظ: العقد على المنفعة مدة إذا طرأ فيها ما لو قارن الابتداء منع الصحة هل يبطله أم لا (٤)؟ وفي لفظ: يحتمل في الدوام ما لا يحتمل في الابتداء، وقد يُحتَمل في الابتداء ما لا يحتمل في الدوام (٥). وتأتي في قواعد حرف الياء إن شاء الله تعالى. وينظر في قواعد حرف الهمزة القاعدتين ٢٩٢، ٢٩٣.

стр. 2592

ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: التصرفات يشترط لصحتها ونفاذها شروط بحيث لو فقد بعضها عند ابتداء العقد أو التصرف، أو قارن مانع لمنع من نفاذ العقد أو التصرف. ولكن مفاد هذه القواعد: أنه إذا تمّ التصرف بشروطه ثم طرأ عليه ما يمكن أن يفسده ويبطله - من فقد شرط أو وجود مانع - مما لو وجد عند ابتدائه لمنعه فهل هذا التصرف يبقى صحيحاً ويغتفر بعض الشروط أو يحتمل وجود المانع؟ فالقاعدتان الأولى والأخيرة تفيدان صحة التصرف أو العقد قولاً واحداً؛ لورود القاعدتين بصيغة الخبر التي لا تشير إلى وجود خلاف. وأما القاعدتان الثانية والثالثة فهما تشيران إلى وجود الخلاف في الصحة والبطلان. وأما القاعدة الرابعة: فهي تخص العقد على المنفعة، وتشير إلى وجود الخلاف. ولكن يظهر أن الخلاف إنما هو بناء على المسائل المفرعة على تلك القواعد، فمن المسائل ما يصح التصرف فيها قولاً واحداً، ومنها ما فيه قولان؛ لاختلاف النظر والاجتهاد في المسألة:

стр. 2593

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: الإسلام يمنع الرق ابتداءً، لكن إذا استُرِقّ كافر ثم أسلم بقي رقه. وهذا باتفاق. ومنها: إذا طلع الفجر وهو مجامع أو يأكل فنزع في الحال أو كفّ عن الأكل صحّ صومه. ومنها: ماء دون القُلَّتين أصابته نجاسة حال التطهير به ثم طرأ عليه ما يكثره - أي يبلغ به القلتين أو أكثر. الأصح طهارة الماء. ومنها: مستحاضة شفيت أثناء الصلاة - أي انقطع نزيفها - قالوا: صلاتها صحيحة. ومنها: أحرم ثم ارتد والعياذ بالله - فالأصح بطلان إحرامه. ومنها: قدر على الماء أثناء صلاته بالتيمم - عند الشافعية لا تبطل صلاته، فالطارئ ليس كالمقارن. ومنها: اشترى ما يمكن أن تجب فيه الزكاة إذا كان للتجارة، ونوى به الاستخدام والقنية دون التجارة. ثم بعد ذلك بزمن نوى به التجارة. فلا تجب فيه زكاة العروض إلا بعد مُضي الحول من وقت نيَّة التجارة لا من تاريخ الشراء. فليس الطارئ كالمقارن في الأصح في هذه المسألة. ومنها: إذا أجَّر الموقوفُ عليه الوقف مدة فمات في أثنائها،

стр. 2594

أو انتقل الوقف إلى البطن الثاني ففيه وجهان عند الشافعية: أحدهما: بقاء الإجارة لأنها لازمة كما لو أجَّر ملكه. وثانيهما: المنعٍ؛ لأن المنافع بعد موته انتقلت لغيره ولا ولاية له عليها. رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة: الرضاع إذا قارن ابتداء النكاح منعه، ولو طرأ لقطعه أيضاً، ولا خلاف فيه، فهذا مانع ابتداءً وطروءاً ودواماً.

стр. 2595

القاعدة التاسعة والعشرون [القديم] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: القديم يترك على قدمه ولا يغيَّر إلا بحجة. ما لم يكن في ذلك ضرر (١). وفي لفظ: ما وجد قديماً يترك كذلك ولا يغيَّر إلا بحجة (٢). وتأتي في حرف الميم إن شاء الله. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بالقديم: ما لا يعرف مبدأ وجوده، أو هو ما لا يحفظ أقران المدعي والمدعى عليه إلا إياه. فمفادهما: أن ما وُجد قديماً في أرض أو عقار أو دار من شرب أو طريق أو غيرهما من المرافق بحيث لا يعرف واضعه ولا مبدأ وضعه أنه لا يجوز إزالته أو تغييره بغير حجة شرعية، وذلك من باب حسن الظن بالمسلمين وأنه ما وُضِع هكذا إلا على وجه شرعي بحجة شرعية.

стр. 2596

ولكن إذا ثبت ضرر هذا القديم فيجب إزالته أو إزالة ضرره؛ لأنّ الضّرر لا يكون قديماً، كما سبق بيانه (١). ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: لا يجوز إحداث بيعة ولا كنيسة في دار الإسلام، ولكن إذا كان لأهل الذمة بِيَع أو كنائس قديمة فإنها تبقى ولا يُتَعرض لهم في ذلك؛ لأن القديمة تترك على حالها. والمر اد بالقديمة ما كانت قبل الفتح الإِسلامي. ومنها: رجل ادعى شِرب يوم في كل شهر من نهر معلوم وأقام البيِّنة على ذلك صحت دعواه وتقبل الشهادة ويحكم بها، وإن جُهِل تاريخ بدء الشرب. رابعاً: من المسائل المستثناة من هذه القاعدة: بالوعة قديمة لرجل أصبحت تضر بالجيران والسكان، يؤمر الرجل بإزالتها أو إزالة ضررها، ولا يحتج بقدمها لأنها صارت ضارة، "والضرر لا يكون قديماً"، وهكذا كل ما ثبت ضرره وإن كان وضعه قديماً.

стр. 2597

القاعدة الثلاثون [الضرر الخاص والعام] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: قد يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: دفع الضرر قبل وقوعه واجب، ورفعه بعد وقوعه قدر الإمكان واجب أيضاً. والأصل أن دفع الضرر يجب أن يكون بغير ضرر أصلاً، فإذا لم يمكن إلا بضرر فيكون رفع الضرر الموجود بضرر أقل منه لا مساو ولا أكبر. والضرر العام الذي يصيب الجماعة يجب دفعه ورفعه، وإن كان على حساب ضرر خاص ببعض الناس, لأن الضرر الأشد يتحمل بارتكاب الضرر الأخف، كما سبق (٢). ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا كان لرجل أرض على شط نهر أو واد عام - كبير -

стр. 2598

واحتاج النهر أو الوادي إلى حفر وإصلاح وتنظيف ولم يمكن المرور إلا من أرض ذلك الرجل لإصلاح النهر العام فيجوز لهم الدخول في أرضه وإن تضرر بذلك؛ لأنه لا طريق لهم سواه ومصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد. ومنها: يمنع الطباخ من فتح محل للطبخ في سوق باعة الأقمشة دفعاً للضرر عنهم وإن تضرر هو بذلك. ومنها أيضاً: يمنع الرجل من تربية المواشي في حديقة بيته أو في حظيرة عنده إذا كان الحي كله للسكن وتضرر بذلك جيرانه من الروائح والحشرات.

стр. 2599

القاعدة الحادية والثلاثون [القرائن، الخبر] أولاً: لفظ ورود القاعدة: القرائن إذا احتفَّت بالخبر حصل به العلم (١). فقهية أصولية ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: القرائن: جمع قرينة. والمراد بها هنا: ما يوضّح عن المراد لا بالوضع، تؤخذ من لاحق الكلام الدال على خصوص المقصود أو سابقه (٢). وقال في التعريفات: القرينة أمر يشير إلى المطلوب (٣). احتفَّت بالخبر: أي أحاطت به في سياقه أو سباقه أو أمور خارجة عنه. والخبر: هو ما يفيد الظن لوجود شبهة في طريقه كخبر الآحاد.

стр. 2600

فمفاد القاعدة: أن الخبر سواء أكان حديثاً أم غيره - إذا وجدت معه قرائن توضح المراد منه حصل بمجموعها العلم، وارتفع الخبر عن مرتبة المظنون إلى مرتبة المعلوم - أي الذي يوجب العلم والعمل. وقد اعتبرت القرائن في مواضع وغالبها لإفادة الظن فيما لم يكن فيه ظن قبلها بل شك أو وهم. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: الاعتماد على قول الصب المميز في الإذن في دخول الدار وحمل الصبي الهدية على الأصح. ومنها: مسائل اللوث في باب القسامة دائرة مع القرائن، واللوث: شبه الدلالة على حدث من الأحداث ولا يكون بيِّنة تامة، وهو يفيد غلبة الظن بوقوع المدعى به. ومنها: أعطى الفقير صدقة فأخذها وهو ساكت. كان سكوته قبولاً قطعاً. ومنها: إذا نحر الهدي وغمس نعله في دمه كان إباحة قطعاً. ومنها: إذا وجدنا رجلاً بيده سكين تقطر دماً وعنده قتيل مذبوح حكمنا بأنه القاتل للقرائن الدالة.

стр. 2601

القاعدة الثانية والثلاثون [القرابة - الولاية] أولاً: لفظ ورود القاعدة: القرابة سبب كامل لاستحقاق الولاية (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: القرابة: في اللغة مأخوذة من القرب، وهو قرب خاص. فهي القرب في الرحم، والدنو في النسب. ويقال: القُرْبى والقرابة. فمفاد القاعدة: أن القرب في الرحم والدنو في النسب يعتبر سبباً كاملاً لاستحقاق الولاية - في النكاح وفي المال - وعلى الصغير والمجنون والمحجور عليه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: الولاية في النكاح لا تكون إلا لذوي القُربى الأقرب فالأقرب، الأب ثم الأخ لأبوين وهكذا. ولا تجوز ولاية الأبعد مع وجود الأقرب وصلاحيته للولاية.

стр. 2602

القاعدة الثالثة والثلاثون [قرابة الولادة والزوجية] أولاً: لفظ ورود القاعدة: قرابة الولادة والزوجية تمنع قبول الشهادة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: رأينا فيما سبق أن القرابة هي قرب الدرجة والرحم ودنو النسب، وهذه القاعدهَ تبين أن القرب يكون من ناحيتين أو جهتين: الأولى: من جهة الولادة، وهي جهة النسب والرحم. والثانية من جهة الزوجية، فتشمل الزوجين الرجل والمرأة، ولما كانت القرابة من هاتين الجهتين ذات منافع ومصالح مشتركة بين الأقرباء والأزواج فإن هذه القاعدة أفادت: أن الشهادة لقريب من إحدى هاتين الجهتين لا تقبل؛ لوجود هذه المصالح المشتركة، فكأن الشاهد حينما يشهد لقريبه أو الزوج لزوجه إنما يجر بشهادته هذه المنفعة لنفسه، ولذلك لا تقبل هذه الشهادة لوجود هذه التهمة، فشهادة الأصل لفرعه أو الفرع لأصله، أو الزوج لزوجته أو العكس لا تقبل، كما لا تقبل شهادة العبد لسيده ولا السيد لعبده، ولا الشريك لشريكه، ولا الأجير الخاص لمن استأجره، والتهمة المانعة

стр. 2603

أن يجر الشاهد بشهادته إلى نفسه مغنماً أو يدفع عن نفسه مغرماً. ولكن لو كانت الشهادة على القريب وليست له فهي مقبولة؛ لأنها بعيدة عن التهمة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: شهادة الجد لولد ولده على ولده جائزة, لأنها شهادة على الفرع لا له. ومنها: شهادة أبي الزوجة للزوج على زوجته التي هي ابنته جائزة كذلك. ومنها: شهادة الرجل لأم امرأته وابنها، ولزوج ابنته ولابن امرأته من غيره جائزة لعدم وجود التهمة.

стр. 2604

القاعدة الرابعة والثلاثون [القرابة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: القرابة يدخل فيها كل قريب له صغيراً كان أو كبيراً، ذكراً أو أنثى، مسلماً أو ذمياً، حراً أو عبداً، والقرب قرب الدرجة والرحم لا قرب الإرث والعصوبة، فلا يدخل في القرابة الوارثون (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة تختص القرابة غير الوارثين فيما لو أوصى أو أوقف لقرابته، فالوارثون لا يدخلون لأنه لا وصية لوارث، والوقف شبه الوصية. فمفاد هذه القاعدة: أن القرابة الذين يدخلون في الوصية والوقف للأقربين هم كل قريب للموصي والواقف قرب درجة ورحم لا قرب إرث وعصوبة، فكل قريب له صغيراً كان أو كبيراً، ذكراً

стр. 2605

كان أو أنثى، مسلماً كان أو ذمياً، حراً كان أو عبداً، يستحقون من الوصية والوقف إذا عمّ ولم يخص. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أوصى لأقرب الناس إليه، أو أوقف على أقرب الناس إليه فهو من ارتكض معه في رحم أو خرج معه من صلب - أي إخوانه وأخواته وأولادهم - إذا كانوا غير وارثين. ومنها: إذا أوصى أو أوقف وقال: على أقرب قرابة مني - وكان له أبوان وولد - لا يدخل واحد منهم في الوقف ولا في الوصية؛ إذ لا يقال لهم قرابة هنا.

стр. 2606

القاعدة الخامسة والثلاثون [القِران في الذكر والحكم] أولاً: لفظ ورود القاعدة: القِران في الذكر دليل القِران في الحكم (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: القِران والاقتران: أن يذكر الشيء وغيره جميعاً في سياق واحد بأن يعطف أحدهما على الآخر، فذكر أحدهما مقترناً بالآخر معطوفاً عليه دليل على أن الحكم فيهما واحد. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال: إذا جاء زيد وخالد وعمرو فأعطهم مئة دينار، أو فأكرمهم. فذكر الجميع مقترنين معطوف بعضهم على بعض دليل على أن الإكرام يعمُّهم ولا يُخَصُّ أحد منهم دون غيره إلا بدليل، وأنهم شركاء في المئة الدينار. ومنها: تحريم أكل لحوم الخيل عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى بدليل اقترانها في الذكر بالبغال والحمير، في قوله تعالى:

стр. 2607

﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ (١). لما كانت البغال والحمير لا يجوز أكلها بالاتفاق، فذكر الخيل معها في سياق واحد دليل على تحريم أكلها كحرمة البغال والحمير. فقد امتنَّ الله علينا حين ذكرها بأنها ركوبة وزينة وذلك متفق عليه في البغال والحمير - والخلاف في حل لحوم الخيل. فالحنفية استدلوا بالآية على أن الخيل كالبغال والحمير في حرمة لحومها بدليل الاقتران.

стр. 2608

القاعدة السادسة والثلاثون [القصاص] أولاً: لفظ ورود القاعدة: القصاص عقوبة لا تجري النيابة في إيفائها (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: القصاص في اللغة: المماثلة. وفي الاصطلاح: أن يوقع على الجاني مثل ما جنى، فإذا وجب القصاص على جان - سواء كان قصاصاً في النفس أو في عضو من الأعضاء - فيقتص منه لا من غيره. فمفاد القاعدة: أن النيابة لا تجري ولا تجوز في الوفاء بعقوبة القصاص؛ لأنه يكون إيقاع عقوبة على بريء غير جانٍ، وسلامة الجاني الظالم، وإن كان يجوز أن تجري النيابة في استيفائها بل قد تجب النيابة في الاستيفاء إذا كان الولي لا يحسن القتل أو القطع. وذلك بخلاف النيابة في أداء الأموال. ويدخل في هذه القاعدة الحدود كلها، فلا تجوز النيابة في إيفائها، فلا يقام الحد على غير الزاني أو السارق أو الشارب، وهكذا.

стр. 2609

وبناء على ذلك لا تجوز الكفالة بكل ما يوجب القصاص أو الحد، حتى لا يؤخذ الكفيل بشيء من القصاص، ولا من الأرش ولا من الحدود؛ لأن الكفالة إنما تصح بمضمون تجري النيابة في إيفائه، والقصاص والحدود عقوبات لا تجري النيابة في إيفائها فلا يصح التزامها بالكفالة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا وجب القصاص على قاتل، وتبرع أحدهم بأن ينوب عنه في إيفاء القصاص فلا يجوز؛ لأن النائب المتبرع غير جان، وفي النيابة تعطيل لأحكام الله، وتشجيع للمجرمين، وليس في قتل النائب شفاء للصدور، بل فيه إشعال لنار الثأر والانتقام.

стр. 2610

القاعدة السابعة والثلاثون [القصاص] أولاً: لفظ ورود القاعدة: القصاص ينبني على معرفة المساواة في البدل حقيقة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: وجوب القصاص: أي المماثلة في العقوبة ينبني ويعتمد على معرفة أن البدل والمبدل منه متساويان حقيقة. أما إذا لم تثبت المساواة فلا يجوز القصاص. وهذا خاص بالقصاص في الأعضاء لا في النفس. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: مَن فقأ عين إنسان عمداً وعين المجني عليه فيها نقص، فلا يجب القصاص من الجاني، ويجب فيها حكومة عدل؛ لأن كمال الأرش باعتبار تفويت البصر الكامل ولم يوجد. ومنها: من قطع يداً شلاء فلا قصاص فيها، وإنما فيها حكومة عدل لنقص منفعتها أصلاً.

стр. 2611

ومنها: من قطع من يد آخر إصبعاً زائدة عمداً فلا قصاص فيها أيضاً، وفيها حكومة عدل. ومنها: من قطع يد آخر عمداً ويد القاطع شلاء فالمجني عليه بالخيار إما القصاص وإما الدية. ومنها: مَن قطع يد إنسان من مفصل المرفق أو الكوع - أي الرسغ - عمداً ففيه القصاص لوجود المماثلة حقيقة، بخلاف ما لو قطعها من منتصف الساعد أو العضد.

стр. 2612

القاعدة الثامنة والثلاثون [القصد إلي الإسلام] أولاً: لفظ ورود القاعدة: القصد إلى الإسلام معتبر بحقيقة الإسلام (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بالقصد إلى الإسلام: إرادته. فمن أراد الإسلام بعد أن بُيِّن له فهو في درجة واعتبار مَن أسلم حتى يتبين أمره، فلا يجوز قتله ولا قتاله، وإن أسر فهو حر إن أسلم ورُدَّ مالُه إليه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا دُعِي قوم من الكفار إلى الإسلام فأسلموا، ثم قاتلهم المسلمون - خطأ - فظفروا بهم فيجب تخلية سبيلهم ورد أموالهم إليهم، وبَطَل كل حكم كان فيهم؛ لأنهم لما أسلموا صحّ إسلامهم؛ والمسلم لا يسترق ولا يغنم ماله، والمسلمون المقاتلون يضمنون ما أتلفوا من أموالهم وما أراقوا من دمائهم. ومنها: إذا قال كفار: نحن نُسْلِم فكفّوا عنا، فأبى القائد أن يجيبهم إلى ذلك، فقاتلهم ولم يسلموا، فأصابهم. فقد أخطأ فيما

стр. 2613

صنع - لأنهم لو طلبوا أن يكونوا ذمة فيجب الكف عنهم، فإذا طلبوا الإسلام أولى أن يكف عنهم؛ لأنه إنما يقاتل لرفع راية الإسلام وإدخال الناس فيه. ولكن مَن قُتِل منهم فدَمه هَدْر، وما استهلك من أموالهم فلا ضمان فيه؛ لأنهم قوتلوا ولم يسلموا بعد، ولكن مَن بقي منهم ومن أموالهم فإن أسلموا رُدَّ ذلك إليهم وكانوا أحراراً لا سبيل عليهم؛ لأنهم لما سألوا أن يسلموا ويُكَفَّ عنهم فقد حَرُم على المسلمين قتالهم وأسرهم، فلما حَرُم عليهم أسرهم لم يملكوهم بالأسر فبقوا أحراراً لا سبيل عليهم؛ لأنه ظهر خطأ القائد بيقين، فعليه أن يُمنع من خطئه ويردهم أحراراً؛ لأن "القصد إلى الإسلام معتبر بحقيقة الإسلام"، والمسلم حقيقة لا يحارب ولا يسبى فكذلك إذا قصد الإسلام.

стр. 2614

القاعدة التاسعة والثلاثون [قضاء القاضي الباطل] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: قضاء القاضي باطل فيما ارتشي به عند الكل (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الأصل أن القاضي والحاكم والموظف والمسؤول إنما يقضي ويحكم ويتصرف بالعدل والحق؛ لأن وظيفته إحقاق الحق وإبطال الباطل، وخدمة الناس وتسهيل أمورهم، فإذا قضى أو حكم أو تصرف بغير الحق عالماً فحكمه وتصرفه باطل. والقضاء بغير الحق له أسباب عدة منها: ما أفادته هذه القاعدة: إذ مفادها: أن القاضي أو الحاكم أو الموظف أو المسؤول إذا ارتشى - أي أخذ رشوة - وحكم لمن رشاه أو قضى له مصالحه على حساب الآخرين أصحاب الحق، فإن حكم هذا القاضي باطل، وتصرف ذلك المسؤول باطل - وذلك متفق عليه عند جميع الفقهاء. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:

стр. 2615

إذا ترافع زوجان عند القاضي - وكانت الزوجة تطالب زوجها بالنفقة - ورشا زوجها القاضي ليحكم له بأن لا نفقة لها - وحكم القاضي بذلك، فحكمه هذا باطل؛ لأنه خلاف الحق. ومنها: إذا عجز الزوج عن إيفاء المهر المعجل قبل الدخول، وطلبت الزوجة من القاضي أن يفرق بينهما، وأخذ منها القاضي على ذلك شيئاً رشوة، فلا ينفذ قضاؤه. ومنها: إذا ارتشى مسؤول لينفذ لأحد الناس غرضه خلافاً للأنظمة والقوانين المرعية، فإن تصرف هذا المسؤول باطل، وحق أن يحاكم ويلقى جزاءه الرادع.

стр. 2616

القاعدتان الأربعون والحادية والأربعون [قضاء القاضي المنقوض] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: قضاء القاضي بخلاف الإجماع باطل (١). وفي لفظ: قضاء القاضي يُنقض إذا خالف أحد أربعة أشياء: الإجماع أو القواعد أو النصوص أو القياس الجلي (٢). ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما: القاضي يجب عليه أن يلتزم بحكمه قواعد الشرع بأن يحكم بالحق مستمداً حكمه من الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح الواضح، وإن قضاء القاضي مستحق للإبطال إذا خالف باجتهاده عمداً أو خطأ أدلة الشرع الواضحة. فمفاد القاعدة الأولى: أن القضاء يكون باطلاً، إذا خالف القاضي بحكمه مسألة من مسائل الإجماع المتفق عليها؛ لأن ما أجمع عليه الصحابة رضوان الله عليهم، ثم أجمعت عليه علماء

стр. 2617

الأمة من بعدهم في عصورهم المختلفة لا يجوز مخالفته. ومفاد القاعدة الثانية: أن قضاء القاضي باطل ليس بمخالفته للإجماع فقط بل إذا خالف الإجماع أو قواعد الشرع العامة، أو نصاً من النصوص الشرعية الصريحة، أو القياس الجلي الواضح الذي لا اختلاف فيه. ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما: إذا حكم حاكم أو قضى في مسألة بأن حكم بعدم صحة رجعة الزوج لزوجته الرجعية بغير رضاها، فحكمه هذا باطل؛ لأنه مخالف للنص والإجماع. ومنها: إذا قضى قاض بأن البيِّنة على المدعى عليه واليمين على المدعي بطل حكمه أيضاً لمخالفته النص والإجماع وقواعد الشرع العامة. ومنها: إذا أجاز القاضي أن يحبس الرجل أباه لأنه أخذ بعض ماله، فحكمه هذا باطل؛ لأنه مخالف للقياس الجلي في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (١)؛ لأن الحبس أشد إيذاءً من التأفيف فهو أولى بالنهي والمنع.

стр. 2618

القاعدة الثانية والأربعون [القضاء يحمل على الصحة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: قضاء القاضي يحمل على الصحة ما أمكن ولا ينقض بالشك (١)، ما لم يتبين الجور (٢). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الأصل في القاضي المسلم أن يكون قضاؤه وحكمه مبنياً على قواعد الشرع وأدلته، فما حكم به أي قاض مسلم يجب أن يحمل على أنه حكم صحيح موافق لقواعد الشرع، وإن كان حكماً اجتهادياً خالفه فيه غيره، ولا يجوز نقضه لمجرد الشك - وهذا من باب حسن الظن بالقضاة وعدالتهم، فكأن هذه القاعدة قيد للقاعدتين السالفتين، ولكن إذا تبين بيقين مخالفة الحكم لقواعد الشرع وجب نقضه كما تقدم قريباً، أو تبين الجور من القاضي. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أقام المدعي شاهدين عند قاض أن قاضي بلدة كذا حكم له بأنه وارث فلان الميت وأن لا وارث له غيره - ولم يبينا سبباً للإرث الذي حكم به ذلك القاضي - فإن القاضي الثاني يسأل

стр. 2619

المدعي عن سبب الإرث، فإن بيَّنه حكم له بالإرث بناء على حكم القاضي الأول. ومنها: إذا حكم قاض بالتفريق بين الزوجين للإعسار، ثم رفعه الزوج إلى قاض آخر لا يرى التفريق بالإعسار، فليس للقاضي الثاني نقض حكم القاضي الأول لأنه مخالف له في ذلك، أو لأنه شك في حكمه؛ لأن قضاء القاضي يحمل على الصحة ما أمكن، وفي جواز التفريق وجه شرعي.

стр. 2620

القاعدتان الثالثة والأربعون والرابعة والأربعون [القضاء والحجة] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: القضاء بحسب الحجة (١). وفي لفظ: القضاء بغير حجة باطل مردود (٢). ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما: سبق معنى القضاء: والحجة هي البرهان والدليل على صدق الدعوى. فمفاد القاعدة الأولى: أن قضاء الحاكم إنما يكون بحسب الدليل والبرهان، والمراد به في الدعوى: الشهود، أو الأيمان، فإذا حكم بالشهود بعد تعديلهم كان حكمه صحيحاً ما لم يخالف نصاً أو إجماعاً - كما سبق قريباً - وكان الحكم في مصلحة المدعي وله، وينبني على ذلك الحكم والقضاء أحكام تخصه، وإذا كان الحكم بيمين المدعى عليه - عند عدم بيِّنة المدعي، كان الحكم لصالح المدعى عليه وردت الدعوى. وإذا رفض المدعى عليه الحَلف بعد توجيه اليمين عليه - فإن الحاكم يحكم بنكوله ويقضي

стр. 2621

عليه لصالح المدعي - عند قوم - أو يردّ اليمين على المدعي - عند قوم - فإن حلف حُكِم له بما ادعاه. ومفاد القاعدة الثانية: أن القضاء بغير البيِّنة أو اليمين عند عدم البيّنة هو قضاء وحكم باطل مردود؛ لأنه بني على غير أساس شرعي، وهو حكم بالهوى والتشهي وهو باطل. ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما: ادعى مالاً على آخر، وطلب القاضي يمين المدعى عليه، فنكل عن اليمين فحكم عليه القاضي بالمال لنكوله, لأن النكول إما يعتبر إقراراً أو بذلاً للمدَّعى به. والقضاء بحسب الحجة. ومنها: أقام شاهدين على حق له عند غيره والآخر ينكر فيحكم القاضي بالحق للمدعي بشهادة الشهود. ومنها: ادعى عند القاضي أن فلانة زوجته وهي تنكر، ولم يقم بيّنة على دعواه، فحكم له القاضي بها، فالحكم باطل لأنه قضاء بغير حجة. ومنها: ادّعت امرأة على زوجها أنه قذفها بالزنا، والرجل ينكر، فأقامت عليه البيِّنة بذلك، وزُكَّي الشهود، فأمر القاضي الزوج بالملاعنة، وهو أبى أن يفعل، وقال: إنه لم يقذفها والشهود شهود زور. فإن القاضي يجبره على اللعان ويحبسه حتى يلاعن، فإن لاعن بعد ذلك والتعنت هي أيضاً وفرّق القاضي

стр. 2622

بينهما، ثم ظهر أن الشهود عبيد أو محدودون في قذف فإن القاضي يبطل الملاعنة ويبطل الفرفة؛ لأنه ظهر أن اللعان إنما كان بالإكراه، والإكراه بالحبس يمنع صحة الإقرار، كما تبين أن القضاء كان بغير حجة، فهو باطل مردود.

стр. 2623

القاعدة الخامسة والأربعون [القضاء والسبب] أولاً: لفظ ورود القاعدة: القضاء باعتبار السبب (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق لهذه القاعدة مثيلات ضمن قواعد حرف الحاء تحت الرقم ١٠٢. ومفادها: أن الحكم مسبب، ولا بد لكل حكم من سبب يبنى عليه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: القتل العمد العدوان سبب للقصاص. ومنها: الحدث سبب للطهارة.

стр. 2624

القاعدة السادسة والأربعون [القضاء الصحيح] أولاً: لفظ ورود القاعدة: القضاء بعد صدوره صحيحاً لا يبطل بإبطال أحد، إلا إذا أقرّ المقضي له ببطلانه فيبطل (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: القضاء المستوفي لشروطه كاملة، وبناءً على ذلك صدر صحيحاً فإنه لا يبطل بإبطال أحد، ولا يمكن إلغاؤه. وينظر القاعدة رقم ٦٦ من قواعد حرف الشين. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: ادعى عليه دعوى قذف وأقام البيِّنة وحكم القاضي بإقامة الحد، فإن هذا الحكم لا يبطل بعد ذلك، إلا إذا ادّعى المقضي له - المقذوف - أنه مبطل في دعواه، أو ثبت أن الشهود عبيد أو محدودون في قذف. فإن الحكم يسقط ويعتبر استثناء من القاعدة. ومنها: ادعى ديناً على آخر وأقام البيِّنة، أو أقر المدين بالدين، فحكم القاضي للمدعي بدعواه، فإن هذا الحكم لا يبطل، ويجب على المقضي عليه أداء ما ثبت في ذمته. ولكن إذا أكذب

стр. 2625

المقضي له نفسه وأقر ببطلان دعواه سقط الحكم وبطل. ويعتبر ذلك استثناء من القاعدة. رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة: إلى جانب ما سبق وهو إقرار المقضي له ببطلان الحكم ببطلان دعواه فإن المقضي له بحريته لا تبطل حريته ولو أقر بالبطلان. ومنها: إذا ظهر أن الشهود عبيد أو محدودون في قذف بالبيِّنة فإنه يبطل القضاء لكونه غير صحيح لبنائه على شهادة غير مقبولة.

стр. 2626

القاعدة السابعة والأربعون [القضاء - الأداء] أولاً: لفظ ورود القاعدة: القضاء بصفة الأداء أو معتبر بصفة الأداء (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بالقضاء هنا: "فعل العبادة بعد وقتها المقدر لها شرعاً"، وليس المراد به الحكم. والأداء: "هو فعل العبادة في وقتها المقدر لها شرعاً ولم تسبق بأداء مختل". فمفاد القاعدة: أن المكلف إذا لم يفعل العبادة - المحدد وقتها - في وقتها الذي قدره الشارع لها وحدده، فإنه يجب عليه قضاء هذه العبادة، أي فعلها خارج وقتها بشرط أن تفعل بالصفة التي كان يجب عليه فيها الأداء. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: مَن فاتته صلاة العصر فلا يجوز له فعلها في الوقت المكروه - أي قبيل غروب الشمس -؛ لأن الصلاة ثبتت في ذمته بصفة الكمال، والفعل في الوقت المكروه نقص لها فلا يجوز؛ لأن القضاء يجب بصفة الأداء.

стр. 2627

ومنها: إذا قرأ الفاتحة فقط في الركعتين الأوليين من صلاة جهرية ولم يقرأ السورة بعدها فإنه يقرأ السورة في الركعتين الأخريين ويجهر بها - في قول عند الحنفية -؛ لأن القضاء بصفة الأداء. ومنها: إذا نسي صلاة في يوم من أيام التشريق ثم صلاها في يوم آخر من أيام التشريق كبر عقيبها. ومنها: أن مَن شرع في صلاة العيد مع الإِمام ثم فعل ما يبطل صلاته فإنه لا يقضيها - عند أبي حنيفة ﵀؛ لأنه لا يمكنه أن يقضيها مع التكبيرات؛ لأن ذلك غير مشروع إلا في صلاة العيد، والمنفرد لا يتمكن من أداء صلاة العيد، ولا يجوز أن يقضيها بدون التكبيرات؛ لأن القضاء بصفة الأداء.

стр. 2628

القاعدة الثامنة والأربعون [القضاء بالملك المجهول] أولاً: لفظ ورود القاعدة: القضاء بالملك المجهول لا يجوز (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق أن بيَّنا أن القضاء بالمجهول أو للمجهول لا يجوز، والدعوى لا تتم. ومفاد هذه القاعدة يؤكد ذلك: وهو أن القضاء بالملك المجهول - من أرض أو عقار - لا يجوز؛ لأن الدعوى غير صحيحة، فما بني عليها غير صحيح. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: لا يجوز للقاضي أن يقضي بالشفعة لشخص حتى يتبيّن ويقيم الحجة على ملكه لما يشفع به، وإلا لا شفعة له. ومنها: إذا وُكِّل في أخذ الشفعة لشفيعين وقال: إن أحدهما قد سلَّم شفعته وأنا أطلبها للآخر، فلا بد من تعيين مَن يطلب له الشفعة منهما؛ لأن الشفعة قضاء بالملك المشفوع به للشفيع.

стр. 2629

القاعدتان التاسعة والأربعون والخمسون [القضاء بالنكول] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: ١ - القضاء بالنكول كالقضاء بشهادة الزور (١). ٢ - القضاء بالنكول ممنوع, إلا في مسائل (٢). ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما: النكول معناه: رفض المدّعى عليه حَلف اليمين بعد توجيهها عليه في مجلس القضاء عند عدم وجود بيَّنة للمدعي. والقضاء بالنكول محل خلاف بين الأئمة رحمة الله عليهم. فعند أبي حنيفة وأحمد في أرجح قوليه وعليه المذهب (٣) أنه لا تُرَد اليمين على المدَّعي ويُقضى بالنكول على المدعى عليه. وقال مالك رحمه الله تعالى: تُرَدّ اليمين على المدعي ويُقضى على المدّعى عليه بنكوله فيما يثبت بشاهد ويمين وشاهد وامرأتين وهي الأموال والحقوق.

стр. 2630

وقال الشافعي رحمه الله تعالى: تُرَدّ اليمين على المدَّعي ويقضى على المدَّعى عليه بنكوله في جميع الأشياء (١). وهاتان القاعدتان تمثلان الرأيين المتقابلين. فمفاد القاعدة الأولى: أن القضاء بشهادة الزور نافذ ظاهراً وباطناً في العقود - كبيع ونكاح - وفي الفسوخ - كإقالة وطلاق - حيث كان المحل قابلاً، والقاضي غير عالم بزورهم، عند أبي حنيفة ﵀. وعند أبي يوسف ومحمد وزفرَ رحمهم الله تعالى تنفذ ظاهراً فقط وعليه الفتوى. - وهي من مسائل الخلاف - فكذلك القضاء بالنكول عندهم حكمه في النفاذ وعدمه حكم القضاء بشهادة الزور. وهذه القاعدة تمثل رأي الحنفية ومَن وافقهم. أما مفاد القاعدة الثانية: فهي تمثل رأي الشافعية في القضاء بالنكول وهو أن القضاء بالنكول ممنوع ولا يجوز، وتُرَدّ اليمين على المدعي مع شاهده؛ لأن الشافعي ﵀ يعتبر نكول المدعى عليه عن اليمين وامتناعه عن أدائها إقراراً تقديرياً منه، ولذلك فهو يرد اليمين على المدَّعي مع شاهده (٢).
следующие страницы →