القاعدة السابعة والأربعون [القضاء - الأداء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
القضاء بصفة الأداء أو معتبر بصفة الأداء (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالقضاء هنا: "فعل العبادة بعد وقتها المقدر لها شرعاً"، وليس المراد به الحكم.
والأداء: "هو فعل العبادة في وقتها المقدر لها شرعاً ولم تسبق بأداء مختل".
فمفاد القاعدة: أن المكلف إذا لم يفعل العبادة - المحدد وقتها - في وقتها الذي قدره الشارع لها وحدده، فإنه يجب عليه قضاء هذه العبادة، أي فعلها خارج وقتها بشرط أن تفعل بالصفة التي كان يجب عليه فيها الأداء.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
مَن فاتته صلاة العصر فلا يجوز له فعلها في الوقت المكروه - أي قبيل غروب الشمس -؛ لأن الصلاة ثبتت في ذمته بصفة الكمال، والفعل في الوقت المكروه نقص لها فلا يجوز؛ لأن القضاء يجب بصفة الأداء.
стр. 2627
ومنها: إذا قرأ الفاتحة فقط في الركعتين الأوليين من صلاة جهرية ولم يقرأ السورة بعدها فإنه يقرأ السورة في الركعتين الأخريين ويجهر بها - في قول عند الحنفية -؛ لأن القضاء بصفة الأداء.
ومنها: إذا نسي صلاة في يوم من أيام التشريق ثم صلاها في يوم آخر من أيام التشريق كبر عقيبها.
ومنها: أن مَن شرع في صلاة العيد مع الإِمام ثم فعل ما يبطل صلاته فإنه لا يقضيها - عند أبي حنيفة ﵀؛ لأنه لا يمكنه أن يقضيها مع التكبيرات؛ لأن ذلك غير مشروع إلا في صلاة العيد، والمنفرد لا يتمكن من أداء صلاة العيد، ولا يجوز أن يقضيها بدون التكبيرات؛ لأن القضاء بصفة الأداء.
стр. 2628
القاعدة الثامنة والأربعون [القضاء بالملك المجهول]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
القضاء بالملك المجهول لا يجوز (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق أن بيَّنا أن القضاء بالمجهول أو للمجهول لا يجوز، والدعوى لا تتم.
ومفاد هذه القاعدة يؤكد ذلك: وهو أن القضاء بالملك المجهول - من أرض أو عقار - لا يجوز؛ لأن الدعوى غير صحيحة، فما بني عليها غير صحيح.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
لا يجوز للقاضي أن يقضي بالشفعة لشخص حتى يتبيّن ويقيم الحجة على ملكه لما يشفع به، وإلا لا شفعة له.
ومنها: إذا وُكِّل في أخذ الشفعة لشفيعين وقال: إن أحدهما قد سلَّم شفعته وأنا أطلبها للآخر، فلا بد من تعيين مَن يطلب له الشفعة منهما؛ لأن الشفعة قضاء بالملك المشفوع به للشفيع.
стр. 2629
القاعدتان التاسعة والأربعون والخمسون [القضاء بالنكول]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
١ - القضاء بالنكول كالقضاء بشهادة الزور (١).
٢ - القضاء بالنكول ممنوع, إلا في مسائل (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
النكول معناه: رفض المدّعى عليه حَلف اليمين بعد توجيهها عليه في مجلس القضاء عند عدم وجود بيَّنة للمدعي.
والقضاء بالنكول محل خلاف بين الأئمة رحمة الله عليهم.
فعند أبي حنيفة وأحمد في أرجح قوليه وعليه المذهب (٣) أنه لا تُرَد اليمين على المدَّعي ويُقضى بالنكول على المدعى عليه.
وقال مالك رحمه الله تعالى: تُرَدّ اليمين على المدعي
ويُقضى على المدّعى عليه بنكوله فيما يثبت بشاهد ويمين وشاهد وامرأتين وهي الأموال والحقوق.
стр. 2630
وقال الشافعي رحمه الله تعالى: تُرَدّ اليمين على المدَّعي ويقضى على المدَّعى عليه بنكوله في جميع الأشياء (١).
وهاتان القاعدتان تمثلان الرأيين المتقابلين.
فمفاد القاعدة الأولى: أن القضاء بشهادة الزور نافذ ظاهراً وباطناً في العقود - كبيع ونكاح - وفي الفسوخ - كإقالة وطلاق - حيث كان المحل قابلاً، والقاضي غير عالم بزورهم، عند أبي حنيفة ﵀. وعند أبي يوسف ومحمد وزفرَ رحمهم الله تعالى تنفذ ظاهراً فقط وعليه الفتوى. - وهي من مسائل الخلاف - فكذلك القضاء بالنكول عندهم حكمه في النفاذ وعدمه حكم القضاء بشهادة الزور. وهذه القاعدة تمثل رأي الحنفية ومَن وافقهم.
أما مفاد القاعدة الثانية: فهي تمثل رأي الشافعية في القضاء بالنكول وهو أن القضاء بالنكول ممنوع ولا يجوز، وتُرَدّ اليمين على المدعي مع شاهده؛ لأن الشافعي ﵀ يعتبر نكول المدعى عليه عن اليمين وامتناعه عن أدائها إقراراً تقديرياً منه، ولذلك فهو يرد اليمين على المدَّعي مع شاهده (٢).
стр. 2631
ولكن الشافعية مع ذلك رأوا أنه يجوز الحكم بالنكول في مسائل عدُّوها.
منها: إذا طولب صاحب المال بالزكاة، فقال: إني أدّيت الزكاة. فاستحلف فلم يحلف. قضي عليه بالزكاة. وفي سبب وجوب الزكاة عليه في هذه الصورة خلاف هل هو بالنكول أو بالوجوب بالسابق؟.
ومنها: الذمي إذا غاب ثم عاد مسلماً وادعى أنه أسلم قبل تمام السنة، وأنكر عامل الجزية ذلك، يحلف الذمي، فإن حَلَف وإلا وجبت عليه الجزية بنكوله عن اليمين.
ومنها: إذا مات مَن لا وارث له فادعى الحاكم على إنسان بدين للميت وُجِد في دفتره فأنكره المدّعى عليه فَحُلِّف فنكل، يحكم عليه بالمال.
ومنها: إذا ادعى الأسير الصبي استعجال إنبات شعر العانة بالدواء فَيُحلَّف فإن حلف لم يقتل، وإن أبى ونكل عن اليمين قتل (١).
والسبب في القضاء بالنكول في تلك المسائل أن المدَّعي غير محصور لكي تُرَدّ عليه اليمين.
стр. 2632
ثالثاً: من أمثلة القاعدة الأولى ومسائلها:
إذا ادعى رجل على امرأة نكاحاً أو ادعت عليه طلاقاً، وأشهدا على ذلك شاهدين - وكانا شاهدي زور - بغير علم القاضي بزورهما - فحكم القاضي بشهادتهما، فإنه عند أبي حنيفة ﵀: أن هذا القضاء نافذ ظاهراً وباطناً. ظاهراً: أن يسلم القاضي المرأة إلى الرجل ويقول لها: سلمي نفسك إليه فإنه زوجك، ويقضي على الزوج بالنفقة والقسم.
وأما النفاذ باطناً: فإنه يحل للزوج وطؤها، ويحل لها التمكين فيما بينها وبين الله تعالى.
ومستند أبي حنيفة رحمه الله تعالى: قول علي ﵁ في مثل هذه القضية "شاهداك زوَّجاك" (١). وذلك حينما طلبت منه المرأة المنكرة للنكاح أن يجدد نكاحها من الزوج المدعي، فلو لم ينفذ النكاح باطناً لما امتنع رضوان الله عليه من تجديد العقد عليها عند طلبها.
وأما إذا ادعت المرأة طلاقاً وأشهدت على ذلك شاهدين - وكانا شاهدي زور بغير علم القاضي - فإن القاضي يفرق بينها وبين زوجها، ويوجب علي الزوج دفع مؤخر المهر إن كان، ويجوز لها أن تتزوج زوجاً غيره بعد انتهاء عدتها. ولو كان الزوج
стр. 2633
أحد الشاهدين. والشاهدان إذا كانا مزورين يتحملان التبعة والإثم أمام الله . وأما القاضي فإنما له الحكم بالظاهر ويترك الحكم على السرائر إلى الله .
والشاهد من المثالين أن حكم الناكل عن يمينه حكم هذين الشاهدين في أن نكوله يوجب جريان الحكم عليه ظاهراً وباطناً.
ومنها: ادعى عليه جارية أنه اشتراها بكذا فأنكر، فَحُلِّف فنكل، فقُضِي عليه بالنكول، تَحِلُّ الجارية للمدعي ديانة وقضاءً كما في شهادة الزور.
стр. 2634
القاعدة الحادية والخمسون [القضاء الضمني]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
القضاء الضمني لا يشترط له الدعوى والخصومة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالقضاء الضمني: أن يحكم بصحة شيء أو بطلانه ضمن شيء آخر تبعاً له ولا يكون هو مقصوداً بالحكم.
فمفاد القاعدة: أن القضاء بشيء ضمن شيء آخر وتبعاً له لا يشترط في صحته وثبوته دعوى من مدَّع ولا خصومة أمام القضاء.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا شهد شاهدان على خصم بحق لغيره، وذكرا اسم المدّعى عليه واسم أبيه وجده، وقُضي بذلك الحق، كان هذا القضاء قضاء بنسب المدَّعى عليه ضمناً وتبعاً، وإن لم تكن الدعوى في حادثة النسب.
ومنها: إذا شهدا بأن فلانة زوجة فإن وكَّلت زوجها المذكور
стр. 2635
في كذا على خصم منكر، وقُضِيَ بصحّة الوكالة كان قضاءً بالزّوجيّة بينهما.
ومنها: إذا ادَّعى كفالةً على رجل بمال بإذنه - فأقر المدّعى عليه بالكفالة، وأنكر الدين، فبرهن المدّعي على الكفيل بالدين، وقُضِيَ على المدعى عليه بالكفالة، كان قضاء عليه بالكفالة قصداً، وعلى الأصيل الغائب بأصل الدين ضمناً.
стр. 2636
القاعدة الثانية والخمسون [القضاء على الغائب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
القضاء على الغائب لا يجوز إلا أن يكون ما يدَّعى به على الغائب سبباً لازماً لما يدَّعى به على الحاضر (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
القضاء على الغائب لا يجوز, لأنه ربما لو حضر لأثبت براءَته مما ادُّعي به عليه، ولكن إذا كان ما يدَّعى به على الغائب سبباً لازماً لما يدّعى به على الحاضر جاز القضاء على الغائب ضمناً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ما سبق ذكره في القاعدة السالفة: أن القضاء على الكفيل بصحة الكفالة يكون قضاء على الغائب بصحة الدين؛ لأن ثبوت كفالة الكفيل يعتبر دليلاً على ثبوت الدين على الأصيل الغائب, لأن الدين سبب لازم للكفالة، هذا إذا كانت الكفالة عامة أو بأمر الغائب.
стр. 2637
القاعدة الثالثة والخمسون [صحة القضاء مع زوال سببه]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
القضاء متى اعتمد سبباً صحيحاً لا يبطل بعد ذلك وإن زال السبب (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا قضى قاضٍ في دعوى معتمدة على سبب صحيح ثم زال ذلك السبب الذي بنيت عليه الدعوى فإن ذلك الحكم المقضي به لا يبطل بعد ذلك؛ لأن الدعوى إذا حكم بها على الوجه الشرعي لا تنقض ولا تعاد، ولأن القضاء بعد صدوره صحيحاً لا يبطل بإبطال أحد، إلا في مسائل ظهر فيها بطلانه (٢).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ادعى عليه داراً في يده وأقام البيِّنة على ملكيتها، فَحُكِمَ له بها وقبضها، ثم ظهر أنها مستحقة. فالحكم السابق لا ينقض، وإنما تؤخذ من يد مَن حكم له بها بحكم جديد، إلا إذا خالفت الدعوى النص أو الإجماع والقواعد أو القياس الجلي كما سبق بيانه، وأما الأدلة الضعيفة أو المشتبه بها فلا تؤثر في الحكم بعد
стр. 2638
نفاذه، وإلا لا يستقر حكم ولا يطمئن صاحب حق لثبوت حقه.
رابعاً: من المسائل المستثناة من هذه القاعدة:
إذا أقر المقضي له ببطلان ما قضي له به - كمن ادّعى على شخص مالاً وأقام بيِّنة على ذلك فَحُكِم له بالمال، ولكنه بعد ذلك أقرّ بكذبه أو خطئِه، فإن الحكم يبطل ويرد المال لصاحبه إذا كان تسلَّمه المقضي له.
ومنها: إذا ظهر أن الشهود عبيد أو محدودون في قذف بالبيِّنة، فإنه يبطل القضاء لكونه بني على بيِّنة غير صحيحة.
стр. 2639
القاعدة الرابعة والخمسون [القضاء النافذ]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
القضاء النافذ لا يجوز إبطاله بدليل مشتبه (١).
وفي لفظ: القضاء النافذ لا يجوز إبطاله بطريق المعارضة (٢).
وفي لفظ: القضاء متى أمكن تنفيذه ينفَّذ (٣).
وفي لفظ: نقض القضاء بطريق محتمل لا يجوز (٤). وتأتي في قواعد حرف النون إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القواعد لها صلة بالقاعدة السابقة - وإن كانت تلك تخص جانباً غير هؤلاء - المراد بالقضاء النافذ القضاء الصحيح الذي يطبق حكمه على مَن حُكم عليه أو عليهم.
فمفاد هذه القواعد: أن هذا القضاء الصحيح بعد صدوره لا
стр. 2640
يجوز إبطاله بدليل أو حجة ضعيفة محتملة أو معارضة، وأن هذا الحكم يجب أن ينفَّذ متى أمكن تنفيذه، ولا يجوز تأخير التنفيذ عند الإمكان، وذلك لأنه - كما سبق القول غير مرة - أن الدعوى إذا تمت على وجه صحيح، وحكم الحاكم، أو قضى القاضي بما دلّت عليه الحجة الصحيحة، ونفذ الحكم عند إمكان تنفيذه أنه لا يجوز نقض هذا الحكم ولا إبطاله بمعارضته بخبر غير صحيح أو دليل أو دليل ضعيف، إلا إذا كان الحكم مبنياً على حجة باطلة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أقام رجل بيِّنة على أن فلاناً قتل أباه يوم كذا وقُضي له بالميراث والقصاص، ثم ادّعت امرأة أن أباه قد تزوجها بعد ذلك اليوم لم تقبل بيِّنتها للمعارضة.
ومنها: إذا أقام رجل البيِّنة على نكاح امرأة بتاريخ وقضى القاضي له بذلك، ثم أقام آخر البيِّنة على نكاحه بتلك المرأة بذلك التاريخ أيضاً لم تقبل بيّنته، ولا يبطل القضاء الأول بذلك؛ لأن الأول قد تأيد بالسبق وبِالقضاء.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القواعد:
ما سبق التمثيل له في القاعدة السابقة.
стр. 2641
القاعدة الخامسة والخمسون [القضاء تالٍ للوجوب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
القضاء يتلو الوجوب ولا يسبقه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالقضاء في هذه القاعدة: ما يراد بالأداء. يقال: قضى دينه: إذا أدّاه في وقته. ولهذا ساقها السرخسي.
فمفاد القاعدة: أن أداء الدين وإعطائَه للدائن يكون تالياً وتابعاً لوجوب الدين في ذمة المدين؛ لأنه لو لم يجب الدين في الذّمّة لما وجب أداؤه.
ويجوز أن يكون مدلول القاعدة أعمّ من ذلك: فيكون القضاء ما يقابل الأداء، وذلك في العبادات؛ فإن وجوب العبادة في الذمة سابق على وجوب قضاء الفائت منها. ويجوز أيضاً أن يكون القضاء بمعنى الحكم؛ لأن قضاء القاضي وحكمه إنما يكون مظهراً لوجوب الحق وأدائه لصاحبه، وذلك سابق على الحكم وقضاء القاضي.
стр. 2642
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا استقرض رجل من آخر مالاً ثم جحد المدين الدين وظفر الدائن بجنس حقه فأخذه، صار مستوفياً حقه بطريق المقاصة.
ومنها: إذا غصب رب السلم من المسلم إليه مقدار طعامه المسلم فيه - بعد ما حل أجل طعام السلم - كان مستوفياً حقه بطريق المقاصة؛ إذ كان آخر الدينين قضاء من أولهما.
ومنها: من فاتته إحدى الصلوات الخمس حتى خرج وقتها فيجب عليه قضاؤها بناء على وجوبها السابق في ذمته.
ومنها: إذا حكم قاض بوجوب أداء الدين على المدين الجاحد فإنما بنى حكمه على تعلق وجوب سابق في ذمة المدين أظهرته البيِّنة.
стр. 2643
القاعدة السادسة والخمسون [القضاء مقصور]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
القضاء يقتصر على المقضي عليه ولا يتعدى إلى غيره (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
القضاء إنما هو حكم للمدَّعي على المدَّعى عليه، ولذلك فالأصل أن الحكم مقصور على المدعى عليه ولا يتعداه إلى غيره؛ وهذا هو مفاد لفظ القاعدة، ولكن ليس ذلك على إطلاقه، بل إن القضاء الذي يقتصر أثره على المقضي عليه ولا يتعداه إلى غيره - إلا استثناءً - إذا كان قضاء بإقرار المدعى عليه واعترافه بالحق. وأما إذا كان الحكم والقضاء بالبيِّنة -أي الشهود - فإن الحكم يمكن أن يتعدى إلى غير المقضي عليه ممن له صلة بواقعة الحكم.
ولكن مفهوم القاعدة - كما أراده ابن نجيم - أن القضاء إنما يقتصر على المقضي عليه ومن له صلة بواقعة الحكم ولا يتعدى إلى غِيره أي إلى كافة الناس. إلا فيما استثني.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ادُّعي على شخص أنه قتل فلاناً من الناس وشهد الشهود بذلك فيحكم القاضي بالقصاص من القاتل إذا كان القتل عدواناً عمداً
стр. 2644
من مكافئ غير والد. ولا يتعدى الحكم إلى غير الجاني.
ومنها: إذا عُرِف نسب شخص من آخر أو قضي له به فلا يجوز لأحد بعد ذلك أن يدعي مشاركته في هذا النسب بنفس الحكم أو الواقعة.
ومنها: إذا ثبت نكاح رجل من امرأة ثبوتاً شرعياً فليس لأحد بعد ذلك أن يدعي نكاح نفس المرأة بنفس الواقعة.
رابعاً: من المسائل المستثناة من هذه القاعدة:
إذا استحقت عين من يد وارث بقضاء ببيِّنة، كان قضاء على سائر الورثة والميت، فلا تسمع دعوى ببيِّنة وارث آخر فيكون حكماً على الجميع.
ومنها: ولاء العتاقة إذا ثبت لشخص لا يمكن لأحد آخر أن يدعيه فكان حكماً على الجميع.
ومنها: إذا حُكم بحبس امرأة بدين لشخص آخر عليها، فإن الضرر المترتب على حبسها يصيب زوجها وأبنائَها فقد تعدى أثر الحكم إلى غير المقضي عليه وهو المرأة.
стр. 2645
القاعدة السابعة والخمسون [سقوط الوجوب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
القطع بسقوط وجوب ما لم يعلم أهل الزمان وجوبه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الواجب إنما يثبت في ذمة المكلف ويلزمه أداؤه إذا قام الدليل القاطع على ثبوته. فما لم يُعلَم دليل وجوبه لا يجب على أهل الزمان فعله.
ولذلك فنحن نجزم بأن ما لم يعلم دليل وجوبه يسقط التكليف به.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
قامت الأدلة القاطعة على وجوب خمس صلوات في اليوم والليلة - على المسلم - ولم يقم دليل على وجوب صلاة سادسة، فوجوب صلاة سادسة ساقط لأننا لم نعلم دليلاً موجباً لها. وقد قامت الأدلة على سقوط وجوب صلاة سادسة.
ومنها: فرض الله على المسلم صيام رمضان - مع القدرة - ولم يقم دليل على وجوب صوم المحرم - مثلاً - فوجوب صوم المحرم ساقط لعدم قيام الدليل على ذلك.
стр. 2646
القاعدة الثامنة والخمسون [قطع المنازعة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
قطع المنازعة واجب ما أمكن (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المنازعة: مفاعلة من نازع ينازع أي: خاصم يخاصم - ولا تكون إلا بين اثنين - فالمنازعة: المخاصمة والاختلاف.
فمفاد القاعدة: أن إزالة المخاصمة وإصلاح ذات البين بين المسلمين واجب على مَن يقدر على ذلك بحسب الإمكان.
والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (٢). والأمِر للوجوب والإصلاح مطلوب.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا تخاصم اثنان أو فئتان أو طائفتان بسبب أرض أو أموال أو مواريث فواجب على ذوي الحل والعقد ومَن يمكنه إزالة الخصام وإيجاد الاتفاق وإصلاح ذات البين أن يسعوا إلى قطع تلك المنازعة وإلى الإصلاح والتوفيق بين المتنازعين.
стр. 2647
ومنها: إذا ادّعى شخص على آخر وديعة أودعها إياه، وأنكر المودَع - ولم يكن للمودِع بيِّنة على الوديعة - ففي هذه الحالة الصّلح جائز بينهما - كدعوى الدين عند إنكار المدين، وعجز المدعي عن البيِّنة -؛ لأن المقصود من الصلح قطع المنازعة، "وقطع المنازعة واجب ما أمكن".
стр. 2648
القاعدة التاسعة والخمسون [حكم القلب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
القلب حَكَمٌ فيما ليس فيه دليل ظاهر (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالقلب هنا: الإحساس الداخلي للإنسان بأن ما يقوله شخص آخر أمامه أو يفعله إنه صادق فيه أو كاذب، مخلص أو مخادع. أو هو غلبة الظن وأكبر الرأي عندما لا يوجد دليل ظاهر يوجب العمل، فغلبة الظن حينئذ حَكَم ودليل في ذلك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا دخل عسكر من المسلمين أرض الحرب فأُخبِرُوا أن المشركين أتوا بعض أرض المسلمين أو بعض ثغورهم، فإن خاف أهل العسكر على أهل الثغر أنهم لا يستطيعون مقاومة العدو، وكان أكبر رأيهم وغلَبة ظنِّهم أنه ليس بقربهم أحد من المسلمين يعينهم فالواجب على العسكر أن يرجعوا عن غزوهم ليدافعوا عنهم؛ لأن الدفاع عن أهل الثغر فرض عين ودخول دار العدو نافلة، أو فرض على الكفاية.
стр. 2649
ومنها: إذا حُمِل سارق إلى حاكم بأنه سرق، وادعى السارق أن ما أخذه هو مال له، أو وديعة عند مَن أخذ منه - وليس عنده بيِّنة على ذلك - ولكن إذا غلب على ظن القاضي أو الحاكم أن هذا الشخص صادق فيما يدعيه وأن مَن اتهمه بالسرقة ظالم له، فإنه لا يجوز له أن يقطعه؛ لأن دعواه أن ما أخذه هو مال له شبهة قوية في إسقاط الحد عنه، وعلى القاضي أن يبحث في صدق دعواه.
стр. 2650
القاعدة الستون [القهر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
القهر يوجب الملك في محل مباح لا محل معصوم (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
القهر: هو الغَلَبة.
فمفاد القاعدة: أن التغلب على الخصم والانتصار عليه إنما يوجب الملك للغالب فيما يملك المغلوب إذا كان المحل - أي المتغلَّبُ عليه - مباحاً، كالكافر الأصلي، ولكن لا يجوز أن يكون القهر موجباً لملك معصوم كالمسلم وماله، والذمي وماله في دار حرب تغلب عليها المسلمون. فالمسلم يعصم ماله ودمه بإيمانه، والذمي يعصم ماله ودمه بأمانه وعهده.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا تغلب المسلمون على بلد من بلدان المشركين فوجدوا فيها امرأة مع أولادها الصغار، فقالت: إنها امرأة فلان المسلم وهؤلاء أولاده منها، وقامت البيِّنة على ذلك، فالمرأة وأولادها أحرار لا
стр. 2651
يجوز استرقاقهم؛ لأن المسلم معصوم الدم والمال حيثما وجد. وكذلك لو ادّعت أنها امرأة ذمي؛ لأن المرأة تابعة لزوجها.
ومنها: إذا أسلم حربي في دار الحرب، وله أولاد صغار كانوا مسلمين بإسلامه، فإن خرج إلينا وخلَّفهم كانوا مسلمين على حالهم، ولو تغلب المسلمون على هذه الدار فالأولاد أحرار لا سبيل عليهم؛ لأنهم مسلمون معصومون.
стр. 2652
القاعدة الحادية والستون [قوة السبب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
قوة السبب توجب الترجيح (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأسباب الموجبة للأحكام مختلفة، وبعضها أقوى من بعض.
فمفاد القاعدة: أنه عند تعارض الأسباب بدون مرجحات فإن السبب الأقوى للحكم يكون راجحاً ومقدماً على السبب الأضعف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ولاية النكاح تكون للأقرب عصوبة، فالأخت - عند عدم الأب - وليها أخوها، فإن كان لها أخوان: أحدهما: شقيق من أب وأم، والآخر من الأب، فإن الأخ من الأب والأم أقوى، فيقدم، وهو الأولى بميراثها ونكاحها لقوة السبب المدلي به.
ومنها: إذا استحق اثنان الشفعة وأحدهما شريك والآخر جار فيقدم الشريك على الجار في استحقاق الشفعة عند التعارض لقوة الاتصال. عند مَن يرون أن الجار له حق الشفعة.
стр. 2653
القاعدة الثانية والستون [القوْد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
القوْد سبب لوجوب الضمان (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
القوْد: هو الجرُّ من أمام بحبل أو غيره، والسوق من الخلف.
فمفاد القاعدة: أنه إذا وجد قائد يقود حيواناً أو سيارة أو غير ذلك فإن قيادته تلك تكون سبباً لثبوت الضمان في ذمته إذا أتلف الحيوان أو السيارة شيئاً لغيره سواء كان يعلم بذلك أو لا يعلم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قاد شخص قطار إبل فأتلفت بسيرها مالاً أو متاعاً لغيره فعلى قائد القطار ضمان ما أتلفت سواء علم بذلك أم لم يعلم؛ لأنه قائد.
ومنها: إذا ركب سيارة وقادها في الطريق فأصابت إنساناً أو حيواناً أو مالاً فعليه ضمان ما أتلفت؛ لأنه قائدها.
ومنها: إذا كانت سيارة محملة بالأمتعة أو البضائع فسقط
стр. 2654
منها شيء أثناء سيرها فقتلت إنساناً أو أتلفت مالاً أو عثر بها إنسان فتضرر فالضمان على القائد؛ لأن هذا مما يمكن التحرز منه بأن يربط الأمتعة أو البضائع ويحسن شدها على السيارة على وجه لا يسقط منها شيء، وإنما يسقط لتقصير كائن من صاحب السيارة، فلذلك فهو ضامن.
стр. 2655
القاعدة الثالثة والستون [قول الإنسان]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
قول الإنسان مقبول شرعاً فيما يخبر به عما في باطنه مما لا يعلمه غيره (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة معقولة المعنى؛ فإن باطن الإنسان وما في ضميره لا يعلمه غيره إلا الله . فإذا هو أخبر عن نفسه بأمر باطني فإن قوله هذا مقبول شرعاً وتبنى الأحكام؛ لأنه لا طريق لنا إلى معرفة ما في ضميره إلا ما يقوله بلسانه. ولكن عند الشك في صدق قوله يجب الاحتياط والتدبر.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الخنثى المشكل الذي لم يتضح أمره في صغره إذا بلغ واحتلم كما يحتلم الرجال فهو رجل، وقوله مقبول في ذلك؛ لأن هذا أمر في باطنه ولا يعلمه غيره.
وأما إذا رأى حيضاً كما ترى النساء فهو امرأة.
стр. 2656
ومنها: إذا اشتُبِه في أمر إنسان دخل الحدود وليس عليه سيماء المسلمين ولا المشركين، فإنه يُسأل عن اسمه ونسبه فيقبل منه ظاهراً؛ لأن هذا لا يعرف إلا من قِبَله، ثم يحتاط منه ويراقب حتى يتأكد الإمام من شخصه وبلده وحاجته من دخول البلد.
стр. 2657
القاعدة الرابعة والستون [قول الصبي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
قول الصبي هدر فيما يُلْزِمه الغرم (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الصبي: هو الصغير دون البلوغ، ذكراً كان أو أنثى، وهو لا يعقل تصرفاته لعدم كمال عقله.
وتصرفاته القولية إما أن تكون فيما يصلحه وينفَعه، وإما فيما يضره، فتصرفاته القولية النافعة له تكون مقبولة.
ومفاد القاعدة: أن تصرفات الصغير القولية فيما يضره ولا ينفعه أو تلزمه غرماً وضماناً مالياً فهي غير مقبولة، وقوله فيها لا يلتفت إليه. بخلاف تصرفاته الفعلية.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال صبي: إنه استدان من فلان مالاً وأتلفه، أو أن فلاناً أودعه وديعة فأتلفها، فقوله هذا ساقط ولا ضمان عليه؛ لأن صاحب المال وصاحب الوديعة هما اللذان سلطاه على المال والوديعة فيتحملان مسؤوليتهما. ولا ضمان على الصغير.
стр. 2658
لكن إذا أتلف الصغير مالاً لغيره، أو قتل شخصاً أو حيواناً فعليه في ماله ضمان ما أتلف، إلا القتل فإن الدية على العاقلة.
ومنها: إذا أمر الصبي الحر صبياً حراً آخر مثله بأن يقتل إنساناً فقتله، فإن الدية على عاقلة القاتل، وليس على الصبي الآمر شيء.
ومنها: إذا أمر رجل صبياً فقتل رجلاً، كانت الدية على عاقلة الصبي كمباشرته القتل باختياره، ولكن يرجعون بها على عاقلة الآمر (١)؛ لأن الآمر - وهو رجل هنا بخلاف المسألة السابقة - جانٍ في استعماله الصبي وأمره إياه بالقتل، وهو الذي تسبب في وجوب الضمان على عاقلة الصبي، فثبت لهم حق الوجوع بها على عاقلته.
стр. 2659
القاعدة الخامسة والستون [قول ذي اليد - تعيين الملك]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
القول في تعيين الملك قول ذي اليد، أميناً كان أو ضامناً (١).
وفي لفظ: القول قول القابض (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
ذو اليد: صاحب اليد وهو مَن كان بيده وتحت تصرفه المبيع أو الوديعة أو الرهن، فعلاً أو حكماً، وهو القابض.
فمفاد القاعدة: أنه إذا وقع اختلاف في تعيين الملك المبيع فإن القول في تعيينه قول صاحب اليد مع يمينه، سواء كان أميناً - كالمودَع - أم ضامناً - كالمرتهن؛ وكان القول قول صاحب اليد لأنه متمسك بالظاهر والأصل وهو براءته من الضمان أو ما زاد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا باع شخص سلعة لشخص آخر بشرط الخيار للبائع أو المشتري وقبض المشتري السلعة، ثم أراد صاحب الخيار رد
стр. 2660
المشتَرَى، وعند الرد قال البائع: هذه السلعة ليست هي التي بعتكها وتسلمتها. وأنكر المشتري أن تكون غيرها - ولا بيِّنة للبائع - فالقول قول المشتري مع يمينه أنها السلعة التي وقع العقد عليها.
ومنها: إذا باع خادماً بشرط الخيار للبائع أو المشتري، وقبض المشتري الخادم، ثم أظهر البائع عدم الرضا أو أراد المشتري رد الخادم فقال البائع: هذه ليست بخادمي التي اشتريت ولا بيِّنة لأحدهما - فالقول قول المشتري مع يمينه أنها خادمته التي وقع العقد عليها.
ومنها: إذا أودع شخص وديعة عند شخص آخر، ولما أراد أن يسترد المودِع وديعته أخرجها له المودَع، فقال المودِع: هذه ليست وديعتي التي أودعتكها، وأنكر المودَع. فعلى المودِع البيِّنة أنها ليست وديعته التي أودعها، وإن لم تكن له بيِّنة فعَلى المودَع اليمين أنها وديعته بعينها وليست غيرها، والقول له في ذلك مع يمينه.
стр. 2661
القاعدتان السادسة والستون والسابعة والستون [شهادة الأصل والظاهر]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
القول في المنازعات قول مَن يشهد له الظاهر (١).
وفي لفظ: القول قول المنكر الذي يشهد له الظاهر مع يمينه (٢).
وفي لفظ: القول قول من يتمسك بالأصل مع يمينه (٣).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
سبق معنى المنازعة ومعنى الظاهر.
فعند التنازع والاختلاف ورفع الأمر للقضاء فإن إثبات أو نفي المدّعى به يدور بين أمرين: البيِّنة من المدعي - وهي الشهود - لإثبات ما يدعيه عند إنكار خصمه المدّعى عليه، والأمر الثاني: يمين المدّعى عليه عند إنكاره ما يدَّعى به عليه مع عدم وجود بيِّنة للمدعى. هذا هو الأصل. ولكن في أحيان كثيرة قد يكون كل من
стр. 2662
الخصمين مدّعياً ومدّعى عليه ففي هذه الحالة - وعند عدم وجود بيِّنة لأحدهما، فلا بد من توجيه اليمين على أحدهما، ولا توجّه اليمين إلا على مدّعى عليه مُنكر.
فالمدّعى عليه هو مَن يتمسك بأصل أو يشهد له ظاهر الحال، فيكون القول قوله مع اليمين وعلى خصمه البيِّنة.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
اختصم شخصان في ملكية بعض الكتب - وأحدهما طبيب والآخر قاض أو إمام أو عالم شرعي - والكتب منها ما هو مختص بالطب ومنها ما هو شرعي أو لغوي، وادعى كل منهما ملكيتها، - ولا بيِّنة لأحدهما - فإنه عند الحكم يكون القول قول الطبيب مع يمينه فيما هو مختص بالطب، والقول قول القاضي مع يمينه فيما هو من كتب الشرع كالفقه والتفسير والحديث.
ومنها: إذا اختلف الرجل والمرأة في ملكية متاع البيت فإن ما كان من شأن النساء فهو للمرأة، وما كان من شأن الرجال فهو للرجل، وما كان مشتركاً بينهما فلِمَن يقيم البينة أو بحسب العرف والعادة، فما جرت العادة بملكية الرجل له فهو للرجل، وما جرت العادة بملكية المرأة له فهو للمرأة.
ومنها: إذا دفع إليه ألف دينار وقال: خذ هذه الألف مضاربة بالثلث أو بالخمس أو بالثلثين، فأخذها وعمل بها فهي مضاربة
стр. 2663
جائزة، وما شرطه من ذلك فهو للمضارب، وما بقي لرب المال؛ لأن المضارب هو الذي يستحق الربح بالشرط. فأما لرب المال فإنما يستحق الربح باعتبار أنه بما ملكه، فمطلق الشرط ينصرف إلى جانب مَن يحتاج إليه، وعرف الناس يشهد بذلك، وإذا قال رب المال: عنيت الثلثين لي. لم يصدَّق لأنه يدعي خلاف الظاهر المتعارف.
ومنها: إذا خرج عبيد لأهل الحرب إلى دار الإسلام وقالوا: إنهم كانوا عبيداً للكفار وخرجوا هرباً منهم مراغمين لهم ليكونوا ذمة للمسلمين، فهم أحرار لا سبيل لمواليهم عليهم، وإن قدم مواليهم فزعموا أنهم أذنوا لهم في الخروج إلى دار الإسلام للتجارة، فالقول قول الموالي؛ لأنهم متمسكون بما هو الأصل؛ لأنهم تصادقوا أنهم كانوا مملوكين لهم، ولا يصدق العبيد أنهم خرجوا مراغمين لهم إلا ببيّنة.
ومنها: إذا وهب رجل لرجل متاعاً ثم قال: إنما استودعتك إياه. فالقول قول صاحب المتاع مع اليمين؛ لأن المستودَع يدّعي تملك العين بالهبة، وصاحب المتاع منكر، فعلى المستودع البينة لإثبات السبب، وعلى المنكر اليمين، فإذا حلف أخذ المتاع، وإن كان هالكاً فالمستودَع ضامن للقيمة.
стр. 2664
ومنها: إذا اختلف المضارب ورب المال في الإطلاق والتقييد، فقال المضارب: أطلقت. وقال رب المال: قيدت المضاربة بنوع من التجارة أو ببلد أو سوق بعينه. فالقول قول المدعي لإطلاق العقد؛ لأن الأصل في المضاربة الإطلاق لا التقييد - عند الحنفية - وعلى المنكر للإطلاق البيّنة لأنه مدع ومتمسك بخلاف الأصل.
ومنها: إذا ادعت امرأة على زوجها أنه طلقها ثلاثاً. فقال الزوج: أصابني وجع أو جنون أذهب عقلي، فكان ذلك مني في هذه الحال - فإن لم يعرف أن ذلك أصابه - كان القول قولها. وأما إن عُرِف أن ذلك أصابه وشهد الشهود أنهم رأوه مجنوناً مرة، فالقول قوله؛ لأن القول قول المنكر الذي يشهد له الظاهر - وقد شهد له الظاهر أنه قد جُنَّ مرة فهي إذاً حالة معهودة تنافي الفرقة. فكان مقبول القول في ذلك مع يمينه.
стр. 2665
القاعدتان الثامنة والتاسعة والستون [قول الأمين]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
القول قول الأمين في المحتمل مع اليمين (١).
وفي لفظ: القول قول الأمين مع اليمين، من غير بيِّنة، إلا إذا كذَّبه الظاهر (٢). من حقيقة أو عادة (٣).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
الأمين مَن لا يضمن كالمودَع والمستعير والمضارب أو كان ضامناً كالمرتهن والمشتري وله الخيار وأشباه ذلك.
فمفاد هاتين القاعدتين: أنه عند وجود احتمال الصدق في سبب هلاك المدَّعى به ولا توجد بيِّنة للمدعي تؤيد دعواه - فإن القول قول الأمين مع يمينه, لأنه يدفع عن نفسه ضمان التلف بإنكاره التسبب في الهلاك، أو إنكاره تغير السلعة كما مر قريباً. لكن هذا مشروط بأن لا يكذبه ظاهر الحال أو حقيقة الأمر أو