القواعد الثالثة والرابعة والخامسة والعشرون [الكفَّارات]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الكفَّارات لا تجب على الصّبي والمجنون (١).
وفي لفظ: الكفّارة تسقط بالشبهة (٢).
وفي لفظ مقابل: الكفّارات لا تندرئ بالشبهات (٣) , وبخاصة في الأيمان.
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
هذه ثلاث قواعد اثنتان منها بينها شبه ارتباط، والثّالثة مقابلة لهما.
فأولى هذه القواعد تتعلق بوجوب الكفّارة على الصّبي والمجنون، فالكفّارات كالحدود قد تسقط بالشبهة الدّارئة؛ لأنّها عبادات. ولذلك فهي لا تجب على الصّبي والمجنون إذا فعلا ما يُوجب الكفّارة على الكبير والعاقل، وذلك لعدم القصد والنيَّة منهما، وعدم القصد شبهة دارئة للحد، وهي كذلك شبهة دارئة للكفارة،
стр. 2732
وهذا عند الحنفيّة، وأمّا عند غيرهم فقد يوجبون الكفّارة على الصّغير والمجنون إذا فعلا ما يوجبها ويكون ذلك في مالهما.
فالصّغر والجنون عند الحنفيّة شبهة مسقطة للكفّارة في حقّ الصّغير والمجنون.
وثالثة القاعدتين: مقابلة للقاعدة الثّانية نصّاً إذ مفادها أنّ الكفّارات لا تندرئ بالشّبهات، ولعلّ ذلك يخصّ كفّارة اليمين دون غيرها من الكفّارات، فعندهم إن كفّارة اليمين لا تسقط بالشّبهة. وإن كان يسقط غيرها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
رجل أصبح في أهله صائماً، ثمّ سافر، قالوا: لا يفطر؛ لأنّه لمّا أصبح مقيماً وجب عليه أداء الصّوم في هذا اليوم. ولكن إن أفطر فلا كفّارة عليه - ولو أفطر بالجماع - لتمكّن الشّبهة بسبب اقتران المبيح للفطر؛ لأنّ السّفر مبيح للفطر في الجملة.
ومنها: صبي أو مجنون قتلا عمداً، فعمدهما خطأ لعدم القصد، والدّيّة على العاقلة، ولا كفّارة على الصّبي والمجنون عند الحنفيّة لشبهة عدم القصد، وأمّا عند غير الحنفيّة فخلاف في وجوب الكفّارة عليهما، والصّحيح عدم وجوبها.
ومنها: الصّبي والمجنون اللذان يحجّ بهما وليهما، إن تركا رمي الجمار لم يكن عليهما شيء، ولا يجب عليهما دم بترك الرّمي
стр. 2733
قياساً على الكفّارات حيث لا يجب منها شيء على الصّبي والمجنون.
ومن أمثلة القاعدة الثالثة:
إذا حلف الرّجل على شيء لا يفعله أبداً، ثمّ حلف في ذلك المجلس أو مجلس آخر لا يفعله أبداً ثمّ فَعله، فعليه كفّارة يمينين لأنّهما عقدان وإن كان الجزاء واحداً، هذا إذا نوى يميناً أخرى، أو نوى التّغليظ، أو لم يكن له نيّة، فالمعتبر صيغة الكلام. والأيمان لا تتداخل ولا تندري كفّارتها بالشّبهات. بخلاف ما إذا نوى اليمين الثّاني اليمين الأوّل؛ لأنّه قصد التّكرار.
стр. 2734
القاعدة السادسة والعشرون [الكفيل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الكفيل بغير الأمر متبرع يلتزم ويؤدي (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الكفيل إنّما يلتزم بما يكفل إذا استدعاه الأصيل وطلب منه أن يكون كفيلاً عنه، ففي هذه الحالة إذا أدّى الكفيل ما أُمِر وطُلِب منه كفالته، فله أن يرجع على الأصيل بما أدّى.
ولكن إذا كفل بغير أمر أو طلب، والتزم بالغُرم والأداء فهو متبرع، وليس له أن يرجع على المكفول عنه بما أدّى؛ لأنّه أدّى بغير أمره.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كفل شخص عن آخر بألف دينار لمدة معيّنة - بدون طلب من المَدين - ثمّ عند حلول الأجل أدّاها للدّائن، فليس له مطالبة المدين بالألف, لأنّه أدَّى بغير أمره، أو طلبه، فهو متبرع بما التزم وأدّى.
стр. 2735
القاعدة السابعة والعشرون [الحذف والإضمار]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الكلام إذا تضمّن حذفاً، أو إضماراً، قُدِّر فيه ما دلّ عليه السّياق (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه قاعدة أصوليّة فقهيّة، فكلام المتكلّم إمّا أن يكون ظاهراً دالاً على المقصود فهذا يعمل فيه بدلالة ألفاظه وعباراته، فإذا كان صريحاً عمل فيه بصراحته وإن كان كناية اعتبر فيه كنايته.
ولكن إذا كان الكلام ليس ظاهراً بل اشتمل على إضمار أو حذف، فإنما يعمل فيه بدلالة السّياق للعبارة، وبما يصحّ تقدير ما حذف أو أضمر. وهذا يعتبر من المجاز بالحذف أو الإضمار.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
قوله ﷺ : "رفع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه" الحديث (٢) فلصحّة العبارة يجب
стр. 2736
تقدير مضمر أو محذوف وهو - حكم - أو - إثم -؛ لأنّ الخطأ واقع ولا يمكن رفعه، وكذلك النّسيان والاستكراه.
ومنها: قوله حكاية قول إخوة يوسف ﵇: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي أهل القرية, لأنّ القرية عبارة عن حوائط ودور وأشجار ولا يمكن سؤالها فلا بدّ من تقدير محذوف تتوقف عليه صحّة العبارة. وهذا المسمّى مجاز الحذف.
стр. 2737
القاعدة الحادية والعشرون [المجمل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلام صاحب الشّرع إذا كان محتملاً احتمالين على السّواء - وليس حمله على أحدهما أولى من الآخر صار مجملاً (١). أصولية فقهية
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
صاحب الشّرع: هو الله ، والمبلغ عن الله شرعه هو الرّسول ﷺ
المجمل: هو المبهم، من أجمل الأمر: إذا أبهمه. وأتى به جملة دون تفصيل أو بيان. والأصل في المجمل أنه لا يعمل به إلا بعد بيان من المُجْمِل.
فمفاد القاعدة: أنّ النّصّ الشّرعيّ - من كتاب أو سنّة - إذا ورد محتملاً معنيين مستويين لم يترجّح إدراك أحدهما على الآخر فإنّ هذا يعتبر في عرف الأصوليين والفقهاء مجملاً - أي مبهماً - ولا يجوز العمل بأحد احتماليه بالتّحكم؛ لأنّ المجمل لا يجوز العمل به إلا بعد بيانِه من المجمل، فما لم يُزَل إجماله لا يجوز العمل به.
стр. 2738
وكون بعض النّصوص مجمل أو غير مجمل محلّ خلاف كبير بين الفقهاء.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
قوله ﵊ في المُحرِم الذي وقصته ناقته: "لا تمَسُّوه بطيب فإنّه يُبعث يوم القيامة مُلبياً" (١). هذه واقعة عين في هذا المُحرم، وليس في اللفظ ما يقتضي أن يكون هذا الحكم ثابتاً لكلّ مُحرِم أو ليس بثابت (٢). وإذا تساوت الاحتمالات بالنّسبة إلى بقية المُحرمين سقط الاستدلال به على أنّ المُحرِم - عموماً - إذا مات لا يمسّ بالطّيب. فالحكم على شخص معين. فكان مجملاً بالنّسبة إلى غيره. وهذا عند المالكيّة والحنفيّة، وأمّا عند غيرهم فليس مجملاً بل أَجرَوه على كلّ مُحرم مات بإحرامه (٣).
стр. 2739
القواعد التاسعة والعشرون، والثلاثون، والحادية والثلاثون
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
كلام العاقل محمول على الصّحة والعمل به شرعاً، فلا يلغى مع إمكان الإعمال (١).
وفي لفظ: كلام العاقل محمول على الصّحة ما أمكن (٢).
أو مهما أمكن حمله على وجه صحيح يحلّ شرعاً لا يحمل على ما يحرم شرعاً (٣).
أو محمول على الفائدة ما أمكن (٤).
أو مهما أمكن تصحيحه لا يجوز إلغاؤه (٥).
وفي لفظ: كلام العاقل وتصرفه يحمل على وجه الصّحة بقضية الأصل (٦).
стр. 2740
وفي لفظ: لا يحمل كلام العاقل على اللغو إلا إذا تعذر حمله على الصحة (١). وتأتي - في حرف - لا - إن شاء الله تعالى.
وفي لفظ: مهما أمكن حمل الكلام على وجه صحيح لم يجز إلغاؤه (٢). وتأتي في قواعد حرف الميم إن شاء الله.
وقد سبقت لها أمثال ضمن قواعد حرف التاء تحت الرقم ١٠٠ وقواعد حرف الصّاد تحت الرقم ٨.
[كلام العاقل]
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
المسلم العاقل مَن تجري أموره كلّها على وفق مقتضيات العقل والمنطق بعد تدبر وتفكر.
فمفاد هذه القواعد: أنّ المسلم العاقل حينما يتكلّم أو يتصرف فيجب حمل كلامه وتصرفه على أمرين: الأول: على الصّحّة والصّواب ما أمكن ذلك؛ لأنّ عقله يمنعه أن يتكلّم أو يتصرّف باللغو والباطل أو غير المفيد.
والأمر الثّاني: أنّه إذا صحّ كلامه وتصرفه فيجب العمل به
стр. 2741
شرعاً؛ لأنّه يجب حمله على الحلّ والصّحّة، ويترتب على ذلك أن يُعمل بما يقول، ولا يجوز إهمال كلامه أو إلغاؤه ما دام يمكن حمله على وجه يصحّ.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
ادّعى شخص على آخر أنّ مورثه قد أقرّ له ببيع الدّار وشهد الشّهود بذلك، فيعتبر هذا الإقرار بالمبيع صحيحاً، وإن كان محتملاً أن يكون قبل البيع.
ومنها: إذا قال البائع للمشتري بعتك هذه السّيارة بكذا، فيجب حمل ذلك على إنشاء البيع، وإن كان اللفظ ماضياً, لأنّ صيغة الإخبار والإنشاء في البيع واحدة.
стр. 2742
القاعدتان الثانية والثالثة والثلاثون [كلام العاقل - الإفادة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
كلام العاقل مهما أمكن حمله على الإفادة لا يحمل على التّكرار والإعادة (١).
وفي لفظ: كلام العاقل معتبر لفائدته لا لعينه (٢).
وفي لفظ: الأصل في كلام العاقل أن يكون مفيداً (٣).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
سبق في القواعد السّالفة أنّ كلام العاقل يجب حمله على الصّحّة ما أمكن، وهذه القواعد لها صلة بما سبق، من حيث إنّ كلام العاقل إذا حمل على الصّحّة فمعنى ذلك أنّه مفيد؛ لأنّ الكلام الصّحيح والتّصرف الصّحيح يجب أن يكون مفيداً للمتكلّم أو غيره. ولكن إذا كرر العاقل كلامه وأعاده فهل يحمل على التّكرار والإعادة
стр. 2743
أو يحمل على الإفادة فائدة جديدة؟ منصوص القاعدة الأولى يفيد أنّ حمله على الفائدة الجديدة أولى من حملة على التّكرار والتأكيد, لأنّ التّأسيس أولى من التأكيد (١)، وإعمال الكلام أولى من إهماله (٢). وينظر القاعدة رقم ١٢٤ من قواعد حرف الحاء.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
من قال لزوجته: أنت طالق طالق طالق. طلقت ثلاثاً. فإن قال: أردت به التّأكيد. صدِّق ديانة لا قضاء؛ لأنّ القاضي مأمور باتّباع الظّاهر، وهذا عند أبي حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى. وقال الشّافعي وأحمد رحمهما الله تعالى لا يلزمه إلا واحدة (٣).
ومنها: إذا وهب داراً لرجلين على أن يكون لهذا النّصف ولهذا النّصف يجوز؛ لأنّ حالة التّفصيل لا تخالفه حالة الإجمال. خلافاً لما لو قال: لهذا الثّلثان ولهذا الثّلث، فعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لا يجوز؛ لتفرق العقد ووقوعه على جزأين مشاعين. وعند مَن يقول بجواز الهبة في المشاع فكلّ ذلك جائز.
стр. 2744
القاعدة الرابعة والثلاثون [الإطلاق - التّقييد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلام النّاس يجري على إطلاقه حتى يقوم دليل التّقييد (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الإطلاق والتَّقييد من صفات الكلام، فالكلام المطلق: هو ما يتناول الأفراد على سبيل البدل. كلفظ (رجل) مثلاً. والكلام المطلق: الخالي عن الوصف أو الشّرط أو الاستثناء، والمقيّد بخلافه كلفظ (رجل طويل).
فمفاد القاعدة: أنّ كلام النّاس يحمل على معناه العام دون تقييد حتّى يقوم دليل على تقييده، والدّليل إمّا حال أو عرف أو صريح قيد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال رجل لآخر: اشتر لي لحماً. فلفظ اللحم هنا مطلق فللوكيل أن يشتري أي نوع من أنواع اللحوم فيلزمه، لكن إذا قامت دلالة التّقييد كأَن يكون الوكيل يعلم أنّ موكّله لا يأكل إلا لحم الغنم،
стр. 2745
فلا يجوز له أن يشتري له غيره. لأنّ دلالة العرف هنا مقيّدة.
ومنها: إذا قال طبيب لشخص اشتر لي كتاباً - من أحد المعارض - فاشترى له كتاب هندسة، فلا يلزمه, لأنّ مهنة الموكّل مقيدة لإطلاقه لفظ كتاب، حيث إنّ الطّبيب لا يستفيد من كتاب الهندسة.
ومنها: إذا حَلَف لا يأكل البيض، فلا يحنث إلا بأكل بيض الدّجاج لأن الأيمان مقيّدة بالعرف.
стр. 2746
القاعدة الخامسة والسادسة والثلاثون [الحقيقة والمجاز]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الكلام محمول على حقيقته ولا تترك الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل (١).
وفي لفظ: الكلام محمول على حقيقته، لا يجوز تركها إلى نوع من المجاز إلا عند قيام الدليل (٢).
وفي لفظ: الكلام لحقيقته حتى يقوم الدليل على مجازه (٣).
وفي لفظ: الكلام إذا كان له حقيقة مهجورة ومجاز مستعمل يحمل على المجاز المستعمل بالإجماع (٤).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
الكلام الّذي يتكلّم به المتكلّمون إمّا أن يكون دلالته حقيقية من حيث الدّلالة اللغوية، وهي: دلالة اللفظ على المعنى الموضوع
стр. 2747
له وضعاً أولياً. وإمّا أن تكون دلالته مجازية، وهي دلالة اللفظ على غير المعنى الموضوع له لعلاقة مع قرينة صارفة عن إرادة المعنى الأصلي.
والأصل في الكلام الحقيقة، والمجاز فرع الحقيقة.
فمفاد هذه القواعد: أنّ الأصل في كلام النّاس أن يحمل على دلالته الحقيقيّة اللغويّة أو الشّرعيّة أو العرفيّة، ولا يجوز حمله على غير حقيقته إلا بدليل، كتعذر الحقيقة أو تعسّرها أو التّصريح بخلافها، ولا بدّ من وجود القرينة الصارفة للفظ عن حقيقته إلى مجازه. والكلام قد يكون له حقيقة ولكنّها مهجورة لتعذّرها أو لتعسّرها وله مجاز مستعمل، فعند الإطلاق يجب حمل الكلام على مجازه المُستعمل ولا يجوز حمله على حقيقته المهجورة والمتعسّرة غير المُستعملة؛ لأن كلام النّاس إنّما يحمل على حقائقهم العرفيّة لا اللغويّة، وبخاصة في باب الأيمان.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا قال شخص لآخر: وهبتك هذا الشّيء. فأخذ المخاطب الموهوب، ثمّ ادّعى الواهِب أنّه أراد بلفظ الهبة البيع مجازاً وطلب ثمناً لِمَا وَهَب. فلا يقبل قوله؛ لأنّ الأصل في الكلام الحقيقة. وحقيقة الهبة تمليك بدون عِوض.
стр. 2748
ومنها: إذا وقف شخص على أولاده، دخل الأبناء مع البنات؛ لأنّ لفظ الولد يشملهم جميعاً حقيقة.
ومنها: إذا قال: هذه الدّار لزيد كان إقراراً له بالملك.
ومنها: إذا حلف أن يأكل من هذه القِدْر. فيبر بأكل ما يطبخ فيها، لا بأكل من جرمها؛ لأنّ أكل جرم القِدْر حقيقة مهجورة، فلو أكل من جرمها. لا يبرّ في يمينه إلا إذا نوى ذلك.
стр. 2749
القاعدتان السابعة والثامنة والثلاثون [دلالة الكلام]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الكلام إذا سيق لمعنى لا يستدل به في غيره (١).
وفي لفظ: الكلام يعمل بدلالته إلا إذا صُرِّح بخلافه (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
الكلام إنما يصدر من قائله لمعنى يستدل به على قصده وغرضه من سوقه وصدوره. ولكن الكلام قد يُساق لمعناه الحقيقي، وقد يُساق لمعنى مجازي، وقد يُساق لمعنى مطلق أو مقيّد.
فمفاد هاتين القاعدتين: أنّ الكلام إذا دلّ على معنى مخصوص مقصود فلا يجوز أن يستدل به في غير ذلك المعنى إلا إذا وجد تصريح بخلاف ذلك.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (٣)
стр. 2750
فهذه الآية سيقت لبيان تحريم الجمع بين الأختين تحت رجل واحد في وقت واحد سواء أكانتا زوجتين أم رقيقتين أم إحداهما زوجة والأخرى رقيقة. فلا يجوز سياقها لمعنى آخر.
ولكن الآية الثّانية ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١) عامّة في الأختين وغيرهما، فكلّ واحدة من الآيتين أعمّ من وجه وأخصّ من وجه. ولكن رُجِّح تحريم الجمع بين الأختين بملك اليمين أيضاً؛ لأنّ الآية الأولى سيقت لبيان التّحريم، والثّانية سيقت للمدح بحفظ الفروج، فتكون آية التّحريم سالمة عن المعارض فتقدم.
ومنها: إذا قال: بعتك هذه السّيارة أو الأرض بكذا، فهذا الكلام سيق لبيان إرادة البيع فلا يجوز حمله على غير ذلك من أنواع العقود كالهبة أو الإعارة.
ومنها: إذا قال: وهبتك هذا الكتاب، فهذا الكلام سيق لبيان إرادة الهبة دون مقابل، لكن إذا قال: وهبتك هذا الكتاب بخمسين مثلاً، فيفهم منه إرادة البيع لِذِكر الثمن.
стр. 2751
القاعدة التاسعة والثلاثون [مطلق الكلام، قصد المتكلم]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الكلام مبني على غرض المُتكلّم (١).
وفي لفظ: مطلق الكلام محمول على قصد المُتكلّم (٢). وتأتي في قواعد حرف الميم إن شاء الله تعالى.
وفي لفظ: مطلق اللفظ يتقيد بمقصود الحالف. وتأتي في قواعد حرف الميم إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
هذه القواعد قريبة الدّلالة من سابقاتها.
فغرض المتكلّم وقصده ومقصوده: هو المعنى الّذي سيق له الكلام وأراده المُتكلّم.
فمفاد هذه القواعد: أنّ كلام المُتكلّم إذا أطلق بغير قيد فإنّه يجب حمله على مقصوده من وراء إطلاقه، وعلى غرضه من
стр. 2752
سَوقه، وبخاصّة في باب الأَيمان.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
من حلف أن لا يأكل خبزاً، فيحمل المراد بالخبز على نيّة الحالف وقصده إن كان له نيَّة، وإلا فيحمل على الخبز المُتعارف عليه بين النّاس في بلده - ولا يحمل على المعنى اللغوي للفظ الخبز - فإذا كان المُتعارف بينهم خبز البر - القمح - فلا يحنث بأكل خبز الأرز؛ لأنّه غير محلوف عليه.
ومنها: إذا قال المريض للطّبيب أو الصّيدلي: عندي سعال شديد، أو ألم وأريد دواءً. فإنّ على الطّبيب أو الصّيدلي أن يعطيه دواء يعالج السعال أو الألم؛ لأنه المعنى والغرض الّذي سيق الكلام لأجله.
стр. 2753
القاعدتان الأربعون والحادية والأربعون [الكلام المُبْهَم - التّفسير]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الكلام المبهم إذا اقترن به - أو تعقّبه - تفسير كان الحكم لذلك التّفسير (١).
وفي لفظ: الكلام المطلق إذا اتّصل به تفسير كان الحكم لذلك التّفسير (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
إذا ورد الكلام مبهماً مُجملاً أو مُطلقاً غير مقيّد، ثمّ اقترن به أو تلاه واتّصل به تفسير وبيان لذلك الإبهام أو تقييد لذلك المُطلق كان الحكم مبنيّاً على ذلك التّفسير والبيان. وينظر من قواعد حرفٍ الهمزة القاعدة رقم ٣٩٤.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا قال لوكيله أو لآخر: اشتر لي لحماً، ولا تشتر لحم بقر ولا جمل. كان المراد لحم الغنم؛ لأنّه قيَّد إطلاقه بنهيه عن شراء لحم البقر والجمل - فلم يبق إلا لحم الغنم الّذي يُسمّى لحماً في
стр. 2754
العرف.
ومنها: إذا قال: داري لك سكنى، تكون عارية لا تمليكاً.
ومنها: إذا استأجر أجيراً ثلاثة أشهر شهرين بدرهم وشهراً بخمسة، فالشّهران الأولان بدرهم، والشّهر الثّالث بخمسة دراهم.
ومنها: إذا قال الوصي أو الوكيل: قبضت جميع ما للميت أو الموكل على فلان وهو مئة درهم. فقال فلان: عليَّ ألف درهم وقد قبضها الوصي أو الوكيل.
فقال الوصي أو الوكيل: إنّما قبضت مئة، فإنّه يؤخذ من الغريم تسعمئة؛ لأنّ الألف عليه قد ثبتت بإقراره، والوصي أو الوكيل ما أقرّ إلا بقبض مئة؛ لأنّه فسر مطلق إقراره موصولاً بكلامه. ومطلق الإقرار قوله: قبض جميع ما للميت على فلان، وتفسيره قوله: وهو مئة درهم، فكأنّه قال: قبضت، مئة درهم.
стр. 2755
القاعدة الثانية والأربعون [الكلام المتّصل]
أولاً: لفظ ورود هذه القاعدة:
الكلام المتّصل بعضه ببعض إذا كان في آخره ما يُغَيِّر موجب أوَّله يتوقف أوَّله على آخره (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة لها ارتباط بالقاعدتين السّابقتين، وإن كانت أعمّ منهما دلالة.
إذ مفادها: أنّ الكلام المتّصل بعضه ببعض إذا وُجد في آخره كلام يغيِّر مفهوم أوّله، كان الحكم مبنياً على ما ورد في آخره. ولا يعتبر أوّله دُون آخره؛ لأنّ آخره منع أوَّله كالجملة الواحدة، ويتّضح ذلك بوجود الاستثناء أو الشّرط أو القيد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: مَن دخل داري فأكرمه إلا فلاناً وفلاناً، فوجود الاستثناء في آخره يقيّد عموم أوّل كلامه، ويجعل إكرامه مخصوصاً بغير فلان وفلان.
ومنها: إذا قال: أوقفت داري هذه أو مزرعتي على الفقراء
стр. 2756
من بني فلان. فلا يجوز إعطاء الفقراء من غير بني فلان بحجّة أنّهم فقراء.
ومنها: إذا قال: أُوصي بالثّلث لفلان وأُوصي به لفلان آخر. فالثّلث بينهما نصفان؛ لأنّه أشرك الثّاني مع الأوّل في الثّلث؛ والعطف للإشراك، وجاء بالكلام متّصلاً لا منفصلاً، فكأنّه قال: أُوصي بالثّلث لفلان وفلان.
стр. 2757
القاعدة الثالثة والأربعون [الكلام المقيّد بالاستثناء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الكلام المقيَّد بالاستثناء يكون - أو يصير عبارة عمّا وراء المستثنى (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه قاعدة لغويّة فقهيّة - لها ارتباط بسابقاتها - فالكلام إذا صدر عن المكلّف مقيّداً بالاستثناء - بإلا أو إحدى أخواتها - فإنّ مدلول الكلام إنّما يكون عبارة عمّا بعد الاستثناء، ولا يعمل بالمستثنى منه على إطلاقه, لأن المستثنى مع المستثنى منه كالجملة الواحدة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا عقد الأمير أو الإمام أو الرئيس لواء لقائد وقال: لا يخرج معه إلا ثلاثمئة فلا يجوز أن يخرج معه أكثر من ذلك.
ومنها: إذا قال لعبيده كلّكم أحرار إلا فلاناً وفلاناً، عتق الجميع غير مَن استثنى.
стр. 2758
ومنها: إذا قال ربّ المال للمضارب: شرطت لك ثلث الرّبح إلا مئة، فلا يستحق المضارب الثّلث كاملاً بل يجب أن ينقص مئة، إلا إذا أقام بيِّنة على استحقاق الثّلث كاملاً.
ومنها: قوله ﵊: "لا تبيعوا البرّ بالبرّ إلا سواء بسواء" (١).
ففي الحديث نَهيٌ عن بيع البرّ بالبرّ إلا متساوياً. فإطلاق النّهي عن البيع قُيِّد باستثناء المتساويين، فالبيع مع التّسوية جائز وبدونها ممنوع محرّم؛ لأنّه ربا.
стр. 2759
القاعدة الرابعة والأربعون [الكلام عزيمة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الكلام يصير عزيمة بالنّيَّة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
العزيمة من: عَزَم الأمرَ إذا أكَّده وقوّاه، وأراد فعله وقطع عليه. أو جدَّ في الأمر (٢). فالكلام قد يكون هزلاً غير جد، وقد يكون مزاحاً، وقد يكون سهواً وغفلة، وقد يكون عزيمة مؤكّداً.
والعزيمة في الفقه: اسم لما هو أصل الأحكام غير متعلّق بالعوارض، ويقابلها الرّخصة (٣).
فمفاد القاعدة: أنّ الكلام إنّما يصير عزيمة ومؤكداً إذا صحبته النّيَّة؛ لأن النّيَّة هي القصد المؤكّد. فمن نوى فعل ما نطق به أو أسرّه في نفسه يكون كلامه معزوماً به مؤكّداً.
وعليه فإنّ مَن عزم على فعل أمر أو تركه فإنّه يُحاسب على هذه النّيَّه سواء فعل أو ترك.
стр. 2760
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
مَن عزم على فعل خير ومنعه منه مانع من خارج: فله أجر ما نوى.
ومنها: من قال لزوجته: حبلك على غاربك. ونوى الطّلاق فهو طلاق.
ومنها: من عَزم على فعل مُنكر أو فاحشة، ومنعه منه مانع من خارج فعليه إثم ما نوى.
ومنها: أن المصلّي عليه أن ينوي بالتّسليمة الأولى مَن عن يمينه من الحفظة والرّجال. وبالتّسليمة الثّانية مَن على يساره منهم، فعليه أن ينويهم بقلبه مع مخاطبته بلسانه.
стр. 2761
القاعدة الخامسة والأربعون [المُؤتَمَن]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ أحد مؤتمن على ما يدعيه، مما هو تحت يده (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
من باب حسن الظّنّ بالمسلمين، ودفع الشّبه والتّعسير عن المتعاملين، فإنّ كلّ واحد منهم أمين على ما هو تحت يده، ويدّعي ملكيته أو أنّه وديعة عنده، أو أنّه وكيل في بيعه أو إعطائه، أو غير ذلك من التّصرفات؛ أي أنّه مؤتمن ومصدق حتّى لا يتعرض له أحد برفع يده عنه. وليس المعنى أنّه محقّ في دعواه، ولكن أخذاً بالظّاهر أنّ ما في يد الإنسان فهو مصدق فيما يدّعيه فيه.
ولا يختصّ هذا بالمسلمين بل الذّمييّن والكفّار مقبولة أقوالهم وادعاءاتهم فيما تحت أيديهم، حتّى تقوم البيّنة على خلاف ما يدّعون. لأن هذا من باب الضّرورة للزوم المشقّة على عدم التجويز.
стр. 2762
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ادّعى الجزار أو القصّاب: أنّ هذه الذّبيحة ذكرٌ أو أنثى وأنها ذكيّة، فإنّه يقبل قوله في ذلك، إذا كان مثله يذبح.
ومنها: إذا أراد شخص بيع سلعة في السّوق فيجوز شراؤها منه، ولا يلزم إقامة البيِّنة على ملكيته لها. إلا عند وجود قرائن على أنّه لا يملك مثلها، كصعلوك معروف بيده جوهرة ثمينة يعرضها للبيع.
стр. 2763
القاعدة السادسة والأربعون [الإعطاء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ إعطاء وقع بلفظ المنحة - فإن كان ذلك المُعطى مما ينتفع به قائم العين كدار وكساء وشاة - فهو عارية. وإن كان مما ينتفع به بإتلاف عينه كالدّراهم والطّعام واللبن فهو قرض في ظاهر الرّواية - وفي النوادر يكون هبة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا أعطى شخص ما آخر شيئاً ما - فإذا كان ذلك بلفظ المنحة - بأن يقول: خذ هذا منحة -أي عطيّة- فلا يخلو المُعطى من أحد أمرين: إمّا أن يكون ممّا ينتفع به مع بقاء عينه كالدّار والكساء والحيوان.
وإمّا أن يكون ممّا ينتفع به بإتلاف واستهلاك عينه كالدّراهم والطّعام واللبن فما حكم كلٍّ؟
الأوّل: أن يكون عاريَّة، فيجب على الممنوح له ردّ العين
стр. 2764
بعد الانتفاع.
والثّاني: يحتمل أمرين: الأوّل: أن يكون قرضاً فيجب ردّ مثله أو قيمته.
والأمر الثّاني: أن يكون هبة لا يجب ردّها. ولكن الأمر الأوّل أرجح عند الحنفيّة في ظاهر الرّواية.
والمراد بظاهر الرّواية: المسائل المذكورة في المبسوط والجامع الصّغير، والجامع الكبير والسير الكبير والصّغير والزّيادات.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
رجل منح رجلاً ظهر بعير أو لبن شاة أو كتاباً ليقرأ فيه، أو داراً ليسكنها، فهذه تعتّبر عاريَّة، ويجب على الممنوح له ردّها.
ومنها: إذا قال: خذ هذا الطّعام فكُلْه، أو هذه الدّراهم فانتفع بها، فهذا في الرّاجح قرض يجب عليه ردّ مثله أو قيمته.
стр. 2765
القاعدة السابعة والأربعون [الإقرار]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ إقرار لا يقع الاستغناء به عن بيان المُقِرّ يُجْعَل بيانه مقبولاً فيه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الإقرار مُلزم للمُقِرّ لا يتعدّاه إلى غيره إلا استثناء، والإقرار قد يكون بيِّناً واضحاً، وقد يكون مُجملاً مبهماً.
فمفاد القاعدة: إنّ الإقرار إذا ورد عن المُقرِّ مُبهماً لا يفهم المراد منه، فإنّ بيان المُقِرّ لإزالة ذلك الإبهام مقبول من المقرّ مع يمينه أنّه أراد بإقراره ذلك المبيَّن.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: لفلان عندي حقّ. فعليه بيان ذلك الحقّ؛ إن كان مالياً أو معنوياً، ويقبل قوله فيه مع يمينه.
ومنها: إذا قال الأجير: كلّ ما عندي من قليل أو كثير هو ملك فلان، ولا يعرف ما أقرّ به، فعليه بيانه وقوله فيه مقبول مع يمينه، إذا ادّعى فلان غير ذلك.
стр. 2766
القاعدة الثامنة والأربعون [الإقرار الباطل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ إقرار عُلِّق بشرط أو خَطَر يكون باطلاً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الإقرار لكي يكون صحيحاً يجب أن يكون باتّاً غير مُعَلَّق على شرط أو خَطَر.
فمفاد القاعدة: أنّ الإقرار إذا عُلِّق على شرط مع خطر الوقوع وعدمه فهو إقرار باطل، ومثل ذلك: البيع والقسمة والإجارة والإجازة والرّجعة والصّلح على مال وغيرها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: لفلان عليَّ ألف درهم إذا شاء فلان، فقال فلان: شئت. كان ذلك الإقرار باطلاً.
ومنها: إذا قال: أبيعك هذه الدّار إذا هطل المطر، فالبيع باطل؛ وإن البيع يبطل بالشّرط الفاسد. وتعليق العقد بشرط مع خطر يكون باطلاً.
ومنها: إذا قال: لفلان عليَّ ألف درهم إن دخلت الدّار أو هبَّت الرّيح. كان الإقرار باطلاً كذلك.
стр. 2767
القاعدة التاسعة والأربعون [مخالف أمر العامّة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ أمر خالف أمر العامة فهو عيب يُرَدُّ به (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بأمر العامّة: عادتهم وما عُرِف بينهم ممّا قبلوه وعملوا به في تصرفاتهم ومعاملاتهم.
فإذا وجد شيء فيه صفة أو حال تخالف ما عرَفه النّاس واعتادوه فيعتبر عيباً موجباً للرّدّ ومُبطلاً للعقد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ترافع شخصان إلى قاض في جارية ليس على رَكَبها - أي فرجها - شعر. فثقل أمرها على القاضي، ولم يدر ما يحكم به - ثمّ قال: يسأل عن ذلك أصحاب الرّقيق - أي التّجَّار المختصون ببيع الرّقيق - أي العبيد والجواري، فإن كان هذا الوصف غشّاً رددتُ به.
ومنها: اشترى بقرة للحليب، فإذا بها عقيم لا تلد وبالتّالي لا لبن فيها، فهذا عيب فاحش يخالف المعهود من الأبقار فتردّ به على بائعها.
стр. 2768
القاعدة الخمسون [الحلّ والتّحريم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ أمر لا يحلّ إلا بملك أو نكاح فإنّه لا يحرم بشيء حتى ينتقض الملك أوالنّكاح (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الذي لا يحل إلا بملك أو نكاح - أي عقد نكاح - إنّما هو المرأة، فالمرأة لا تحلّ للرّجل إلا بإحدى طريقين: ملك اليمين بشروطه، أو عقد الزّواج بشروطه، وإذا ثبت الحلّ بإحدى هاتين الطّريقتين، فلا تحرم المرأة على السّيّد أو على الزّوج إلا بانتقاض الملك بالعِتق، أو الزّواج من غيره، ولا تحرم المرأة على الزّوج إلا بانتقاض العقد بالطّلاق أو الفسخ.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال رجل لآخر: أذنت لك في وطء جاريتي هذه، أو قالت له امرأة حرّة مسلمة: قد أذنت لك في وطئي. فلا يحلّ له وطء أيّ منهما إلا إذا ملك الجارية ملكاً كاملاً تامّاً بشراء أو هبة أو صدقة، وإلا إذا تزوّج الحرّة زواجاً شر عيّاً صحيحاً.
стр. 2769
ومنها: إذا نكح رجل امرأة بعقد صحيح، فلا تحرم عليه إلا إذا طلّقها أو فسخ عقدها وانتقض.
ومنها: ملك جارية ملكاً تامّاً صحيحاً بطريق صحيح، فلا تحرم عليه إلا إذا أعتقها، أو زوّجها غيره.
стр. 2770
القاعدة الحادية والخمسون [الحلّ بالإذن]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ أمر يحلّ بغير نكاح ولا ملك إنّما يحلّ بالإذن فيه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة لها ارتباط بسابقتها، فإذا كانت المرأة لا تحلّ للرّجل إلا بالعقد الصّحيح أو الملك التّام، ولا تحرم إلا بانتقاض النّكاح والملك، فإنّ ما كان غير المرأة ممّا يحلّ بغير نكاح ولا ملك، كالطّعام والشّراب واللباس وما يملك فذلك إنّما يحلّ بالإذن فيه عن طريق البيع أو الإجارة أو الهبة أو الصّدقة، أو الإذن الشّرعي كالمبَاحات.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى مسلم لحماً فلمّا أخذه من بائعه أخبره رجل مسلم ثقة أنّه ذبيحة كافر، فلا ينبغي له أن يأكله ولا يطعمه غيره. وعند محمَّد بن الحسن ﵀: أنّه لا ينبغي له أن يردّه على صاحبه ولا يحلّ للبائع أن يمنع ردّ ثمنه على المشتري. قال: لأنّ نقض