القاعدة الثامنة والأربعون [الإقرار الباطل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ إقرار عُلِّق بشرط أو خَطَر يكون باطلاً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الإقرار لكي يكون صحيحاً يجب أن يكون باتّاً غير مُعَلَّق على شرط أو خَطَر.
فمفاد القاعدة: أنّ الإقرار إذا عُلِّق على شرط مع خطر الوقوع وعدمه فهو إقرار باطل، ومثل ذلك: البيع والقسمة والإجارة والإجازة والرّجعة والصّلح على مال وغيرها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: لفلان عليَّ ألف درهم إذا شاء فلان، فقال فلان: شئت. كان ذلك الإقرار باطلاً.
ومنها: إذا قال: أبيعك هذه الدّار إذا هطل المطر، فالبيع باطل؛ وإن البيع يبطل بالشّرط الفاسد. وتعليق العقد بشرط مع خطر يكون باطلاً.
ومنها: إذا قال: لفلان عليَّ ألف درهم إن دخلت الدّار أو هبَّت الرّيح. كان الإقرار باطلاً كذلك.
стр. 2767
القاعدة التاسعة والأربعون [مخالف أمر العامّة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ أمر خالف أمر العامة فهو عيب يُرَدُّ به (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بأمر العامّة: عادتهم وما عُرِف بينهم ممّا قبلوه وعملوا به في تصرفاتهم ومعاملاتهم.
فإذا وجد شيء فيه صفة أو حال تخالف ما عرَفه النّاس واعتادوه فيعتبر عيباً موجباً للرّدّ ومُبطلاً للعقد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ترافع شخصان إلى قاض في جارية ليس على رَكَبها - أي فرجها - شعر. فثقل أمرها على القاضي، ولم يدر ما يحكم به - ثمّ قال: يسأل عن ذلك أصحاب الرّقيق - أي التّجَّار المختصون ببيع الرّقيق - أي العبيد والجواري، فإن كان هذا الوصف غشّاً رددتُ به.
ومنها: اشترى بقرة للحليب، فإذا بها عقيم لا تلد وبالتّالي لا لبن فيها، فهذا عيب فاحش يخالف المعهود من الأبقار فتردّ به على بائعها.
стр. 2768
القاعدة الخمسون [الحلّ والتّحريم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ أمر لا يحلّ إلا بملك أو نكاح فإنّه لا يحرم بشيء حتى ينتقض الملك أوالنّكاح (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الذي لا يحل إلا بملك أو نكاح - أي عقد نكاح - إنّما هو المرأة، فالمرأة لا تحلّ للرّجل إلا بإحدى طريقين: ملك اليمين بشروطه، أو عقد الزّواج بشروطه، وإذا ثبت الحلّ بإحدى هاتين الطّريقتين، فلا تحرم المرأة على السّيّد أو على الزّوج إلا بانتقاض الملك بالعِتق، أو الزّواج من غيره، ولا تحرم المرأة على الزّوج إلا بانتقاض العقد بالطّلاق أو الفسخ.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال رجل لآخر: أذنت لك في وطء جاريتي هذه، أو قالت له امرأة حرّة مسلمة: قد أذنت لك في وطئي. فلا يحلّ له وطء أيّ منهما إلا إذا ملك الجارية ملكاً كاملاً تامّاً بشراء أو هبة أو صدقة، وإلا إذا تزوّج الحرّة زواجاً شر عيّاً صحيحاً.
стр. 2769
ومنها: إذا نكح رجل امرأة بعقد صحيح، فلا تحرم عليه إلا إذا طلّقها أو فسخ عقدها وانتقض.
ومنها: ملك جارية ملكاً تامّاً صحيحاً بطريق صحيح، فلا تحرم عليه إلا إذا أعتقها، أو زوّجها غيره.
стр. 2770
القاعدة الحادية والخمسون [الحلّ بالإذن]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ أمر يحلّ بغير نكاح ولا ملك إنّما يحلّ بالإذن فيه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة لها ارتباط بسابقتها، فإذا كانت المرأة لا تحلّ للرّجل إلا بالعقد الصّحيح أو الملك التّام، ولا تحرم إلا بانتقاض النّكاح والملك، فإنّ ما كان غير المرأة ممّا يحلّ بغير نكاح ولا ملك، كالطّعام والشّراب واللباس وما يملك فذلك إنّما يحلّ بالإذن فيه عن طريق البيع أو الإجارة أو الهبة أو الصّدقة، أو الإذن الشّرعي كالمبَاحات.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى مسلم لحماً فلمّا أخذه من بائعه أخبره رجل مسلم ثقة أنّه ذبيحة كافر، فلا ينبغي له أن يأكله ولا يطعمه غيره. وعند محمَّد بن الحسن ﵀: أنّه لا ينبغي له أن يردّه على صاحبه ولا يحلّ للبائع أن يمنع ردّ ثمنه على المشتري. قال: لأنّ نقض
стр. 2771
الملك فيه لا يجوز يقول واحد، كما أنّ منع الثّمن لا يجوز بقول واحد.
ومنها: إذا قال رجل لآخر: خذ هذه السّيّارة هديّة منّي لك. جاز أخذها واستعمالها بذلك الإذن. لكن إذا قال للمُهدَى إليه رجل آخر: إنّ هذه السّيّارة قد اغتصبها المهدي من غيره. فهنا يُكره للمُهدَى إليه أخذ السّيّارة ولا استعمالها، ولكن إن لم يتنزه عن ذلك كان في سعة؛ لأنّ المخبر هنا لم يخبر بحرمة العين، وإنّما أخبر أن من تملَّك من جهته لم يكن مالكاً - وهو مكذَّب في هذا الخبر شرعاً فإنّ الشّرع جعل صاحب اليد مالكاً باعتبار يده. لكن إذا قامت البيّنة على أنّ السّيّارة لم تكن ملكاً للمهدي وعُرِف صاحبها فلا يحلّ للمُهدَى إليه استعمالها.
стр. 2772
القاعدة الثّانية والخمسون [جهل التّاريخ]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
كلّ أمرين ظهراً ولا يعرف التّاريخ بينهما، يجعل كأنَّهما حصلا معاً (١).
وفي لفظ: كلّ أمرين ظهراً ولا يعرف سبق أحدهما جُعِلا كأنّهما وقعاً معاً (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
للتّاريخ ومعرفة الزّمن أثر واضح في بناء الأحكام، فمثلاً إذا مات المورِّث وبعد دقيقة مات وارثه، فإنّ الموروث ينتقل إلى الوارث الّذي يرثه ورثته الأحياء.
ولكن قد يحصل أن يموت اثنان ولا يعرف سبق أحدهما بالوفاة، فحينئذ يعتبر كأنّهما ماتا معاً، ولا يرث أحدهما من الآخر.
فمفاد القاعدتين: أنّ كلّ أمرين ظهراً ولم يُعرف تاريخ وقوع كلّ منهما أو سبق أحدهما الآخر فيعتبران في الأحكام كأنّهما
стр. 2773
وقعا وحصلا معاً، وينظر قواعد الهمزة رقم ٣٩٧.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كان جماعة في طائرة أو سيّارة وقُدِّر عليها حادث ماتوا بسببه فحينئذ يُقَدّر موتهم معاً، ولا يرث أحد منهم الآخر، بل يكون ميراث كلّ واحد لورثته الأحياء.
ومنها: الغرقى والهدمى يجعلون كأنّهم ماتوا معاً، فلا يرث بعضهم بعضاً.
стр. 2774
القاعدة الثالثة والخمسون [تقديم الأقوى على الأضعف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ أمرين لا يجتمعان يقدّم الشّارع أقواهما على أضعفهما (١). وكذلك العقل والعرف.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا وُجِد أمر أن لا يمكن اجتماعهما معاً في مكان واحد فإنَّ الشّارع الحكيم يقدّم أقواهما للعمل بموجبه ويهمل الأضعف؛ لأنّ الضّعيف لا يظهر في مقابلة القوي.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الرّقّ والزّوجيّة أمران لا يجتمعان، فإذا ملك رجل امرأة. فلا يحقّ له الزّواج منها؛ لأنّ ملك اليمين أقوى من النّكاح.
ومنها: إذا تزوّج رجل أَمَة لرجل آخر ثمّ ملكها الزّوج، انفسخ النّكاح بينهما لطروء المنافي عليه؛ لأنّ ملك اليمين أقوى.
стр. 2775
القاعدة الرّابعة والخمسون [قول الأمين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ أمين فالقول قوله في الرّدّ على مّن ائتمنه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأمين: فعيل من الأمانة: والأمانة مصدر أمُن إذا صار أميناً، والأمين هو الإنسان الصّادق غير الخائن وهو المستودع. وكلّ ما أُمِن عليه الإنسان فهو أمانة (٢).
وكلّ ما افترض على العباد فهو أمانة كالصّلاة والصّيام والزّكاة، وأداء الدَّين والوديعة.
فمفاد القاعدة: أنّ من أؤتمن على شيء - فعند عدم البيِّنة عند الإنكار - فإنّ القول قوله في ردّ الوديعة على صاحبها المؤتمِن؛ لأنّ الأمين غير ضامن، وهو بيمينه ينفي عن نفسه الضّمان؛ لأن الأمين لا يضمن بغير التّعدي أو التّقصير في حفظ الأمانة.
ومفهوم القاعدة أنّه لو ادّعى الرّدّ على غير من ائتمنه لا يقبل
стр. 2776
قوله، كما إذا ادّعى ردّ الوديعة على رسول المالك أو على الوارث.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
استُودع وديعة ثمّ ادَّعى ردّها على صاحبها، وأنكر صاحبها الرّدّ، وادّعى أنّ الأمين استهلكها أو أتلفها. فالقول قول الأمين مع يمينه أنّه ردّ الوديعة لصاحبها؛ لأنّه بيمينه يدفع عن نفسه ضمان الوديعة؛ لأن الأصل براءة ذمّة الأمين من الضّمان.
ومنها: عامل القراض إذا ادّعى عدم الرّبح، فإنَّ القول قوله مع يمينه.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
المستأجر للعين لا يقبل قوله: إنّه ردَّ المستأجَر على المؤجر؛ بل عليه البيِّنة؛ لأنّ قبض المستأجَر لمنفعة نفسه ومصلحتها، فهو ضامن إذا لم يثبت الرّدّ على المؤجِّر. ومثله المرتهن إذا ادّعى ردّ الرّهن على الرّاهن.
стр. 2777
القاعدة الخامسة والخمسون [الإخبار عن حكم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ إمام أخبر عن حكم بسبب اتّبع فيه، فكان فتيا ومذهباً. أو أخبر عن وقوع ذلك السّبب، فهو شهادة أو خبر (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالإمام: مَن يُقتدى به في الفقه والعلم الشّرعي كأبي حنيفة ومالك والشّافعي وأحمد ﵏ جميعاً.
فمفاد القاعدة: أنّ مَن يقتدي به النّاس في الفقه والعلم الشّرعي إذا أخبر عن حكم شرعي وذكر سبباً لذلك الحكم فإن العامّة يتبعونه فيه، ويكون قوله هذا فتيا ومذهباً له. وجاز تقليده فيه.
أمّا إذا أخبر عن وقوع سبب ذلك الحكم، فإن هذا الإخبار يعتبر شهادة لا فتيا، أو خبراً لا مذهباً، فلا يتبع فيما قال.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال إمام من الأئمة: إنّ الوتر - مثلاً - واجب. وذكر دليله، فهذا يُعتبر فتيا ومذهباً له يقلده فيه من اتّبعه وقلّده.
стр. 2778
ولكن إذا قال: إنّ مكّة المكرّمة فتحت عنوة أو صلحاً، أو أنّ فلاناً خالع امرأته أو أنّ فلاناً أُخذ ماله غصباً. فهذه لا تكون فتيا ولا مذهباً، بل هي خبر أو شهادة قد يصدق فيها، أو قد يكون مخطئاً. فلا يُقَلَّد فيها.
стр. 2779
القاعدتان السّادسة والسّابعة والخمسون [الإثبات النّاقض - سدّ تصرف الشّرع]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
كلّ إنشاء سدّ تصرف الشّرع فهو باطل (١).
وفي لفظ: كلّ ما أدَّى إثباته إلى نفيه ونقضه فهو باطل (٢).
وفي لفظ: كل إثبات تضمن نفياً فهو عين التنافي (٣).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
المراد بالإنشاء هنا: القيام بالتّصرف القولي أو الفعلي
فمفاد القاعدتين: أنّ كلّ إنشاء تصرف من المكلّف يترتّب عليه أحد أمرين: إمّا سدّ تصرف الشّرع وإبطال أحكامه، وإمّا يؤدي إثبات هذا التّصرف إلى نفيه ونقضه، فكلّ تصرف هذا شأنه يعتبر تصرفاً باطلاً، وصاحبه آثم.
ومن التّصرفات الباطلة ما يسمّى التّعليق الدّوري: وهو
стр. 2780
المسائل التّي يؤدي تصحيح القول فيها إلى إفساده، ويؤدي إثباته إلى نفيه (١).
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
التّعليق الدّوري: أن يقول: مهما طلّقتك فأنت طالق قبله ثلاثاّ. ثمّ طلّقها، ففي هذه المسألة ثلاثة أوجه: الأوّل: لا يقع عليها طلاق أصلاً، عملاً بالدور وتصحيحاً له؛ لأنّه لو وقع المنجز لوقع قبله ثلاث، وحينئذ فلا يقع المنجز للبينونة بالثّلاث السّابقة.
والوجه الثّاني: يقع المنجز. والوجه الثّالث: يقع ثلاث تطليقات: المنجزة وطلقتان من المعلّق إن كانت مدخولاً بها. واختلف الشّافعية في الرّاجح منها.
ومنها: كلّما عزلتك فأنت وكيلي. حيث سدّ على نفسه باب العزل. إلا أن يقول: كلّما عدت وكيلي فأنت معزول، ثمّ يعزله.
ومنها: إذا قال: إن آليت منك، أو ظاهرت منك، أو فسخت بعيبك، أو لاعنتك أو راجعتك، فأنت طالق قبله ثلاثاً. ثمّ وُجِد المعلّق به. قالوا: لم يقع الطّلاق. وفي صحته الأوجه الثّلاثة السّابقة (٢).
стр. 2781
ومنها: لو شهد رجلان على رجل أنّه أعتق عبديه سالماً وغانماً. فحكم بعتقهما. ثمّ شهد العبدان المعتقان بفسق الشّاهدين، لم يقبل قولهما ولا شهادتهما؛ لأنّهما لو قبلت عادا رقيقين، وإذا عادا رقيقين بطلت شهادتهما بفسق الشّاهدين، فقبول شهادتهما يؤدي إلى إبطالها، فأبطلناها.
ومنها: إذا قال لأمَتِهِ: إن زوَّجتك فأنت حرَّة. فزوّجها. لم تعتق؛ لأن في عتقها إبطال زواجها؛ لأنّا لو قلنا: بعتقها في ذلك اليوم بطل تزويجها. وإذا بطل تزويجها بطل عتقها. فثبت النّكاح ولا تعتق.
ومنها: إذا ادّعى المقذوف بلوغ القاذف، وأنكر القاذف بلوغه - ولا بيِّنة للمقذوف على بلوغ القاذف، لم يحلف القاذف أنّه غير بالغ؛ لأنّ الحكم بيمينه يتضمّن إبطال اليمين؛ إذ اليمين من غير البالغ لا يعتدّ بها.
ومنها: إذا دفع إلى رجل زكاة فاستغنى بها، فلا يسترجعها منه؛ لأنّ الاسترجاع منه يُوجب دفعها ثانياً؛ لأنّه يصير فقيراً بالاسترجاع (١).
وهكذا كلّ ما أدّى إثباته إلى نفيه ونقضه فهو باطل.
стр. 2782
القاعدة الثامنة والخمسون [الإيجاب - القبول]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ إيجاب افتقر إلى القبول فقبوله بعد موت الموجِب لا يفيد (١). إلا في الوصيّة.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الإيجاب هو القول الصّادر من أوّل المتعاقدين.
وفي اللغة: هو الإثبات لأي شيء كان.
أو هو: أو كلام يصدر من أحد العاقدين لأجل إنشاء التّصرف، وبه يوجَب ويثبت التّصرف (٢).
والقبول: ما يذكر ثانياً جواباً عن الإيجاب، وهو قول العاقد الثّاني: قبلت أو رضيت، أو أي لفظ آخر يدلّ على الرّضا بالعقد.
ويشترط في القبول لكي يكون مفيداً وتنبني عليه آثار العقد حياة الموجب عند صدور القبول من القابل.
فمفاد القاعدة: أنّ القبول إذا صدر من القابل بعد موت
стр. 2783
الموجب أنّه باطل لا يفيد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: زوّجتك موليتي فلانة على مهر قدره كذا. وقبل صدور القبول من الزّوج مات الولي. فإذا قبل الزّوج بعد ذلك فقبوله باطل، والعقد لم ينعقد؛ لأنّ بوفاة الولي انتقلت الولاية إلى غيره من الأولياء.
ومنها: إذا قال البائع: بعتك هذه السّلعة بكذا. وقبل أن يقبل المشتري مات البائع. فقبول المشتري بعد موت البائع لا يفيد، ولم ينعقد العقد؛ والعلّة في ذلك؛ أنّ السّلعة بعد وفاة البائع انتقلت ملكيتها إلى الوارث والوارث لم يوجب.
رابعاً: من المسائل المستثناة من هذه القاعدة:
إذا أوصى لشخص بوصيّة ومات الموصي قبل قبول الموصى له، ثمّ قبل المُوصَى له الوصيّة جازة الوصيّة وملكها الموصى له؛ لأنّ الوصية لا يشترط فيها قبول المُوصَى له قبل موت الموصي. وإذا مات المُوصَى له بعد قبوله وبعد موت الموصي قام وارث المُوصَى له مقامه.
стр. 2784
القاعدة التّاسعة والخمسون [دار الحرب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ بلدة من بلاد الإسلام أجرى أهل الحرب أحكامها فيها صارت دار حرب عندهما (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الدّار داران: دار إسلام، ودار حرب.
فدار الإسلام: هي الدّار الّتي تحكم بشرع الله ، ويأمن فيها المسلمون بإيمانهم، وأهل الذّمّة بأمانهم.
ودار الحرب: هي دار الكفر.
ومفاد القاعدة: أنّه يمكن أن تعود بلد من بلاد الإسلام وتصير دار حرب، وذلك بأن يُعَطَّل فيها شرع الله، ويُجْري فيها أهل الحرب أحكامهم. وهذا عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى. وأمّا عند أبي حنيفة فيشترط إلى جانب ذلك أن لا يكون بينها وبين دار الحرب الأصليّة دار إسلام - أي أن تكون متّصلة
стр. 2785
بدار الحرب - وأن لا يبقى فيها مسلم ولا ذمّيّ آمن بالأمان الأوّل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
بلد مثل تركيا وتونس وغيرهما من بلاد المسلمين يحكمها الزّنادقة العلمانيّون، وحكّموا فيها أحكام أهل دار الحرب ويحاربون الإسلام وشريعته، فيُحلّون ما حرّم الله، ويُخالفون أمر الله وأحكامه ويستبدلونها بأحكام بشريّة وضعيّة.
فعلى رأي الصاحبين هي دار حرب، وعلى رأي أبي حنيفة ﵀ ليست كلّها دار حرب ما دام فيها مسلمون أو وُجد بينها وبين دار الحرب دار إسلام. والله أعلم.
стр. 2786
القاعدة السّتّون [المجمل وبيانه]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ بيان للمُجْمَل يُعَدُّ مراداً من ذلك المُجمل وكائناً فيه (١). أصولية فقهية
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المُجمَل: اسم مفعول من أُجْمل إذا أُبهم. فالإجمال يقابله التّفصيل والبيان.
والمُجمل عند الأصوليين: ما لا يفهم منه مراد المتكلّم (٢).
وعند الفقهاء: هو المشتمل على جملة أشياء كثيرة غير مُلخَّصة (٣).
وقال في التّعريفات: هو ما خفي المراد منه بحيث لا يدرك بنفس اللفظ إلا ببيان من المُجْمِل، سواء كان ذلك لتزاحم المعاني المتساوية الأقدام كالمشترك أو لغرابة اللفظ، أو لانتقاله من معناه الظّاهر إلى ما هو غير معلوم (٤).
стр. 2787
فمفاد القاعدة: أنّ اللفظ المُجمَل إذا صاحَبَه أو تلاه بيانٌ من المُجمِل فيعتبر ذلك البيان مراداً من ذلك المُجمَل وجزءاً منه، فلا يكون مُجمَلاً بعد ذلك بل هو مُفَسَّر ومبيَّن - وينظر القاعدة رقم ٤٨.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩)﴾ لفظ الهلوع لفظ مُجمَل ولكن تلاه قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾ (١) فيعتبر ذلك بياناً للمُجمَل وتفسيراً لذلك اللفظ الغريب.
ومنها: ألفاظ الصّلاة والزّكاة والصّوم، كلّها مُجملة وبيّن المراد منها الكتاب والسّنّة على لسان رسول الله ﷺ .
стр. 2788
القاعدة الحادية والسّتّون [بيان المجمَل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ بيان للمُجمِل يكون منطوقاً به في ذلك المجمَل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق معنى المجمَل وهو الكلام المبهم الّذي يحتاج إلى تفسير من المجمِل.
فإذا ورد بيان للمجمَل من المجمِل فإنّ ذلك البيان يعتبر منطوقاً به في العبارة المجمَلة فيجب العمل بها؛ لأنّها في الحقيقة لم تعدّ مجمَلة بل مُفَسَّرة، وهي قريبة المعنى من القاعدة السّابقة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٢). لفظ مجمل في الأصل، لكن لمّا ورد عن السّنّة في خصوصياتها وهيئاتها وأحوالها، عُدَّ ذلك ثابتاً بلفظ القرآن، وأجمع المسلمون على أنّ
стр. 2789
الصّلاة والزّكاة مشروعة بالقرآن.
ومنها: إذا قال لزوجته: أنت طالق. ونوي الثّلاث. يقع الثّلاث. خلافاً لأبي حنيفة يرحمه الله - فهو يرى أنّها واحدة رجعيّة؛ لأنّ اسم الفاعل وهو (طالق) لا يفيد إلا أصل المعنى، والزّائد يكون بمجرّد النّيَّة والنّيَّة لا توجب طلاقاً.
وعند أبي يوسف وغيره ﵏ تقع ثلاثاً (١). لأنّ لفظ طالق كان مُجملاً، وفسّره بنيَّته.
стр. 2790
القاعدة الثّانية والسّتّون [السّكوت عن الثّمن ونفيه]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ بيع سُكِت فيه عن ذكر الثّمن فهو فاسد. وإذا نُفِيَ الثّمن فهو باطل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة لا تختصّ بالبيع بل يندرج فيها الإجارة والسّلم، وكلّ عقد لم يذكر فيه المعقود عليه أو البديل لا يصحّ؛ لأن الثّمن والأجرة والمسلم فيه كلّ ذلك من أركان العقد، والعقد إذا لم يصحّ ركن فيه فهو فاسد عند الحنفيّة باطل عند غيرهم والفرق بين الباطل والفاسد عند الحنفيّة: أنّ الباطل غير مشروع بأصله ولا وصفه ولا تترتب عليه آثاره. والفاسد مشروع بأصله دون وصفه - أي أنّ الوصف غير مشروع - وأنّ الفاسد إذا أُزيل فساده صحّ ولا يحتاج العقد إلى تجديد والباطل لا يصحّ. وعند غير الحنفيّة كلّ باطل فاسد وكلّ فاسد باطل فلا فرق.
وفرقت القاعدة بين أمرين: الأوّل: أن يسكت عن ذكر الثّمن أو الأجرة، أو المسلم فيه أو البديل. فحكم هذا العقد الفساد عند
стр. 2791
الحنفيّة ويزول الفساد إذا ذكر بعد ذلك الثّمن أو البديل.
والثاني أن يُنْفى الثّمن أو الأجرة أو المسلم فيه أو غيرها ففي هذه الحال هو باطل عند الحنفيّة قطعاً، ولا يكون هبة ولا إعارة ولا قرضاً. وعند غيرهم خلاف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
قال: بعتك هذه السيارة - ولم يذكر ثمناً - وقال الآخر: قبلت. فالعقد فاسد عند الحنفيّة - باطل عند غيرهم إذا لم يصحّ كونه هبة؛ لأنّ العقد نقص ركن من أركانه.
ومنها: إذا قال: أجرتك هذه الدّار. ولم يذكر الأجرة - وقبل المستأجر. فكذلك.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا زوَّج موليته ولم يذكر لها مهراً، فالعقد صحيح ولها مهر مثلها.
стр. 2792
القاعدة الثّالثة والسّتّون [التّدليس - الخيار]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ تدليس يختلف الثّمن لأجله يُثْبِت الخيار (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه في الظّاهر ضابط يختصّ بالتّدليس في البيع، ولكن التّدليس لا يختص بالبيع، بل يمكن أن يكون في كلّ تصرف وعقد. ومن هذه النّاحية هي قاعدة وليست ضابطاً.
معنى التّدليس: من دَلَّس يُدَلَّس، أي كتم عيب السّلعة من المشتري وأخفاه، وأصل المادّة من "الدَّلَس" وهو الظّلمة، كما قاله ابن فارس (٢).
فمفاد القاعدة: أنّ كلّ عيب خفيٍّ في السّلعة يعلمه البائع ولم يخبر به المشتري، وكان الثّمن يختلف لأجل هذا العيب، بأن كانَ العيب فاحشاً يؤثر في قيمة السّلعة، فإنّ هذا التّدليس يثبت الخيار للمشتري في قبول السّلعة أو ردّها.
стр. 2793
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
اشترى سيّارة وبعد ذلك وجد بها عيباً أخفاه البائع، ولم يُعلم به المشتري، كأن تكون السّيّارة تستهلك من الزّيت ما يدلّ على فساد ماكينتها. فللمشتري الخيار في ردّها أو استرجاع بعض ثمنها مقابل رضائه بعيبها.
ومنها: إذا استأجر داراً فوجدها في الشتّاء تسيل سقوفها ماءً، والمؤجر كان يعلم بذلك، فللمستأجر الخيار في البقاء بأنقص من الأجر المتّفق عليه أو بفسخ العقد، أو إصلاح العيب على حساب المؤجّر.
ومنها: إذا تزوّج امرأة على أنّها بكر فإذا هي ثيَّب - وكان الولي يعلم بذلك وأخفاه عن الزَّوج - فهل للزّوج الخيار؟ عند الحنابلة روايتان، والرّواية الرّاجحة أنّ له الخيار (١).
стр. 2794
القاعدتان الرّابعة والسّتّون والخامسة والسّتّون [تقاعد التّصرّف عن تحصيل مقصوده]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
كلّ تصرّف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل (١). أو بطل من أصله (٢).
وفي لفظ: كلّ تصرّف كان من العقود كالبيع أو غير العقود كالتّعزيرات، وهو لا يحصل مقصوده فإنّه لا يشرع ويبطل إن وقع (٣).
وفي لفظ: كلّ عقد لا يفيد مقصوده يبطل (٤).
وفي لفظ: كلّ تصرّف لا يترتّب عليه مقصوده لا يُشرع (٥).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
تصرفات المكلّفين الّتي يقومون بها تنبني عليها أحكام ومقاصد وفوائد يقصدها ويريدها المكلّفون من وراء تصرّفاتهم.
стр. 2795
ولكن إذا وُجد تصرّف لا ينبني عليه المقصود منه فإن هذا التّصرف باطل، والشّرع لا يعتبره ولا يرتّب عليه حكماً. ويُنظر قواعدٍ حرف الهمزة القاعدة رقم ١٠٥.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
اشترى سلعة على أن لا يملكها، فالعقد باطل؛ لأنّ عقد البيع إنّما شرع لملك البدلين، فإذا كان المشتري لا يملك ما يشتريه فالعقد تقاعد عن تحصيل المقصود منه فهو باطل.
ومنها: إذا تزوّج امرأة على أن لا يطأها، فالعقد باطل كذلك, لأنّ المقصود من النّكاح حلّ الوطء لتحصيل الولد والإعفاف.
ومنها: عدم صحّ بيع الحرّ؛ لأنّه ليس بمال. ولا يقع تحت اليد.
ومنها: عدم جواز الإجارة على فعل محرم.
ومنها: إذا جنى إنسان جناية: من قتل أو غيره، وقبل إقامة الحدّ عليه جُنَّ. فلا يقام عليه حدّ؛ لأنّ الحدود إنّما شُرعت زجراً، والمجنون لا يعقل معنى الزّجر.
ومنها: إذا زنا وهو سكران أو سرق، فإنّما يُحدُّ إذا صحا.
ومنها: المجبوب ومَن لا يولد له لا يشرع له اللعان لنفي النّسب؛ لأن النّسب لا يلحق به أصلاً. ولا يفيد اللعان شيئاً.
стр. 2796
القاعدة السّادسة والسّتّون [العقد الموقوف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ تصرّف صدر من غير المالك - إن كان له مجيز حال وجوده - يتوقّف على إجازة مَن له الإجازة. وإن لم يكن له مجيز لا يتوقّف - بل يبطل - (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
العقد الموقوف: هو عقد الفضولي، ولكن كون العقد موقوفاً مشروط بشرطين: الأوّل: أن يكون العقد صحيحاً لا باطلاً. والشّرط الثّاني: أن يكون للعقد مجيز حال وجوده ووقوعه؛ لأنّ فائدة التّوقف النّفاذ عند الإجازة، وهذا مضمون القاعدة ومفادها. فالعقد الموقوف إنّما يكون موقوفاً على إجازة المالك، أو مَن له حقّ الإجازة، فإن لم يكن للعقد مجيز فإن العقد يعتبر باطلاً غير موقوف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الصّغير - غير البالغ - لا يقع طلاقه. فإذا طلّق إنسان
стр. 2797
فضولي امرأة صغير فإن الطّلاق لا يقع وإن أجازه الصّغير؛ لأنّ الصّغير لا عبارة له، فهو لا يقع طلاقه بنفسه، فبالأولى أن لا تصحّ إجازته.
ومنها: إذا باع فضولي سيّارة، وقبل الإجازة مات المالك، فالعقد باطل غير موقوف؛ لأنّه لا مجيز له حال وجوده.
стр. 2798
القاعدة السّابعة والسّتّون [قبض المبيع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ تصرّف يجوز من غير قبض إذا فعله المشتري قبل القبض لا يجوز، وكلّ تصرف لا يجوز إلا بالقبض إذا فعله المشتري قبل القبض جاز (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التّصرفات نوعان: نوع يتمّ ويصحّ العقد فيه ولو لم تقبض العين أو البدل - أي لم يتسلمها المشتري - ونوع آخر لا يتمّ إلا بقبض من المشتري.
فمفاد القاعدة: أنّ التّصرف الّذي يجوز ويصحّ من غير قبض إذا تصرّف المشتري بالسّلعة قبل قبضها، فإن العقد الثّاني باطل؛ لأن المشتري أو المستأجر الآخر لا ينوب عن الأول في القبض.
وأمّا التّصرف الّذي لا يتمّ إلا بالقبض كالهبة والرّهن مثلاً فإن المشتري إذا تصرّف بالسّلعة قبل قبضها فإنّه يجوز؛ لأنّ قبض المشتري الثّاني يعتبر بدلاً عن قبض الأوّل.
стр. 2799
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى رجل من آخر سيّارة - فالعقد صحيح ولو لم يستلم السّيّارة ما دامت شروط العقد صحيحة - وقبل أن يتسلّمها المشتري باعها أو أجرها من آخر، فإنّ هذه العقد - الثّاني - لا يجوز؛ لأنّ المشتري الثّاني أو المستأجر - ليس نائباً عن الأول في القبض.
ولكن إذا أعار سيّارته أو وهبها لآخر أو رهنها عند آخر. جاز التّصرف الثّاني لأنّ المستعير أو الموهوب له أو المرتهن صار مسلطاً من قبل المشتري على القبض. فيكون المشتري قابضاً بقبضه.
стр. 2800
القاعدة الثّامنة والسّتّون [التّصرّف المستقل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ تَصَرُّف يستقلّ به الشّخص ينعقد بالكناية مع النيَّة كانعقاده بالصّريح (١). وما لا يستقل به ضربان (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التّصرفات أو العقود الّتي يتصرّف بها نوعان من حيث الصّيغة: إمّا أن تكون الصّيغة صريحة فلا تحتاج إلى النّيَّة، وإمّا أن تكون الصّيغة كنائية فتحتاج إلى النّيَّة. ومن ناحية أخرى فإنّ التّصرفات من حيث انفراد الشّخص بها أو عدم انفراده نوعان أيضاً: نوع ينفرد الشّخص ويستقلّ به ولا يشاركه فيه غيره - أي أنّه يتمّ من جهة واحدة ولا يحتاج إلى إيجاب وقبول - فهذا التّصرف كما ينعقد بصريح اللفظ ينعقد أيضاً بالكناية بشرط استصحاب النّيّة المعيِّنة للمراد، وهو مقصود القاعدة.
والنوع الثّاني: لا ينفرد الشّخص به بل لا بدّ من طرفين
стр. 2801
موجب وقابل، وهذا أيضاً نوعان: الأوّل: نوع يشترط فيه الإشهاد على التّصرف مثل النّكاح، وبيع الوكيل المشروط فيه الإشهاد. وهذا النّوع لا ينعقد بالكناية؛ لأن الشّاهد لا يعلم النّيَّة.
والنّوع الثّاني: الّذي لا يشترط فيه الإشهاد ينقسم إلى قسمين: قسم يقبل مقصوده التّعليق بالغرر كالكتابة، والخلع فينعقد مع الكناية بالنّيَّة.
والقسم الثاني: لا يقبل التّعليق بالغرر كالإجارة والبيع وغيرهما من أنواع العقود، وهذا القسم فيه خلاف والوجه الصّحيح جوازٍ انعقاده مع النّيّة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الطّلاق يستقل به الشّخص وينفرد بإمضائه فيجوز أن يطلِّق الزّوج زوجته بقوله: اذهبي لأهلك، إذا نوى بهذه العبارة الطّلاق.
ومنها: أن يقول الدائن لمدينه: ليس لي عليك شيء. وينوي به الإبراء، فيصحّ ولا يحقّ له المطالبة بعد ذلك.
ومثل ذلك العتاق والنّذر والظّهار وأشباهها تصحّ وتنعقد بالكناية مع النّيَّة لأنّ هذه الأمور لا تحتاج إلى الإشهاد عليها.
من أمثلة النوع الثاني:
إذا أراد عقد نكاح - وهو عقد غير مستقل به إذ يحتاج إلى إيجاب وقبول وإشهاد فلا ينعقد بدون حضرة الشّهود ولذلك لا
стр. 2802
ينعقد بالكناية ولو نوى - وهذا عند الشّافعيّة الذين يرون أن عقد النكاح لا ينعقد صحيحاً إلا بلفظ التزويج أو النكاح - وعند غير الشافعية يجوز عقده بغير لفظ التّزويج والنّكاح؛ لأنّ الحال ينبئ عن المقصود.
ومنها: الخلع فهو عقد يحتاج إلى إيجاب من الزّوجة وقبول من الزّوج فينعقد بالكناية مع النّيَّة؛ لأنّه لا يشترط فيه الإشهاد.
ومنها: البيع والإجارة وباقي العقود تنعقد بالكناية مع النّيَّة في الأصح.
فإذا قال: وهبتك هذه السّيّارة بكذا كان بيعاً لا هبةً لذكر العوض.
والخلاف فيما إذا عدمت القرائن، وأمّا إن توفّرت القرائن وأفادت المقصود وجب القطع بالصّحّة.
стр. 2803
القاعدة التّاسعة والسّتّون [التّصرّف الفاسد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ تصرّف يقع من المشتري شراءً فاسداً فهو كتصرف الغاصب (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التّصرف الصّادر عن المسلم ينبغي أن يكون تصرفاً صحيحاً؛ حتّى يحلّ له الانتفاع بما تعاقد عليه، لكن إذا وقع التّصرّف من المشتري أو المتعاقد - عموماً - باطلاً، فإنّ حكمه حكم تصرف الغاصب.
وإذا كان المعقود عليه عيناً فهو في يد المشتري كالمغصوب في يد الغاصب، فيجب عليه ردّه وإلا كان آثماً ولا يحلّ له الانتفاع به.
ولكن يختلف عن الغاصب في صورة ما إذا كان العقد الفاسد نكاحاً فإنّه لا يُحَدُّ إذا وطئ المرأة لشبهة العقد، والغاصب إذا وطئ المغصوبة يحدّ.
стр. 2804
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى جارية بما لا يكون ثمناً كميتة أو دم، ثمّ وطئها، فيجب عليه الحدّ، بخلاف ما إذا استند العقد إلى شرط فاسد أو كون الثمن خمراً.
ومنها: إذا عقد على امرأة بغير ولي أو شهود ووطئها فلا حدّ عليه لشبهة العقد، وإن كان النّكاح فاسداً.
ومنها: إذا استولد الغاصب عالماً بالتّحريم لم ينعقد الولد حرَّاً بخلاف المشتري شراءً فاسداً، حيث ينعقد الولد حرّاً لو وطئ الجارية المشتراة فحملت منه.
стр. 2805
القاعدة السّبعون [التّعليل الباطل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ تعليل يتضمّن إبطال النّص باطل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالتّعليل: استنباط عِلَّة الحكم وسببه.
فمفاد القاعدة: أنّه إذا كان استنباط علَّة الحكم من النّصّ يعود على النّصّ بالإبطال، فإنّ التّعليل يكون باطلاً ولا يجوز؛ لأنّ النّصّ إنّما وُجد ليُعمل به وبما تضمنه من حكم أو أحكام، فإذا كان استنباط العلّة والاجتهاد في استخراجها يبطل عمل النّص فإنّ التّعليل هو الباطل لا النّص؛ لأنّ الاجتهاد يقبل الخطأ والنّصّ لا يقبله.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
نهى رسول الله ﷺ عن صرف الذّهب بالذّهب والفضّة بالفضّة إلا مثلاً بمثل يداً بيد، فإذا قلنا: إنّ علَّة تحريم التّفاضل في النقدين هي الثمنيّة - فإذا تغيّر الوضع - كما هو حاصل الآن - ولم يعد الذّهب والفضّة ثمناً للأشياء - لأنّ الأثمان