موجب وقابل، وهذا أيضاً نوعان: الأوّل: نوع يشترط فيه الإشهاد على التّصرف مثل النّكاح، وبيع الوكيل المشروط فيه الإشهاد. وهذا النّوع لا ينعقد بالكناية؛ لأن الشّاهد لا يعلم النّيَّة.
والنّوع الثّاني: الّذي لا يشترط فيه الإشهاد ينقسم إلى قسمين: قسم يقبل مقصوده التّعليق بالغرر كالكتابة، والخلع فينعقد مع الكناية بالنّيَّة.
والقسم الثاني: لا يقبل التّعليق بالغرر كالإجارة والبيع وغيرهما من أنواع العقود، وهذا القسم فيه خلاف والوجه الصّحيح جوازٍ انعقاده مع النّيّة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الطّلاق يستقل به الشّخص وينفرد بإمضائه فيجوز أن يطلِّق الزّوج زوجته بقوله: اذهبي لأهلك، إذا نوى بهذه العبارة الطّلاق.
ومنها: أن يقول الدائن لمدينه: ليس لي عليك شيء. وينوي به الإبراء، فيصحّ ولا يحقّ له المطالبة بعد ذلك.
ومثل ذلك العتاق والنّذر والظّهار وأشباهها تصحّ وتنعقد بالكناية مع النّيَّة لأنّ هذه الأمور لا تحتاج إلى الإشهاد عليها.
من أمثلة النوع الثاني:
إذا أراد عقد نكاح - وهو عقد غير مستقل به إذ يحتاج إلى إيجاب وقبول وإشهاد فلا ينعقد بدون حضرة الشّهود ولذلك لا
стр. 2802
ينعقد بالكناية ولو نوى - وهذا عند الشّافعيّة الذين يرون أن عقد النكاح لا ينعقد صحيحاً إلا بلفظ التزويج أو النكاح - وعند غير الشافعية يجوز عقده بغير لفظ التّزويج والنّكاح؛ لأنّ الحال ينبئ عن المقصود.
ومنها: الخلع فهو عقد يحتاج إلى إيجاب من الزّوجة وقبول من الزّوج فينعقد بالكناية مع النّيَّة؛ لأنّه لا يشترط فيه الإشهاد.
ومنها: البيع والإجارة وباقي العقود تنعقد بالكناية مع النّيَّة في الأصح.
فإذا قال: وهبتك هذه السّيّارة بكذا كان بيعاً لا هبةً لذكر العوض.
والخلاف فيما إذا عدمت القرائن، وأمّا إن توفّرت القرائن وأفادت المقصود وجب القطع بالصّحّة.
стр. 2803
القاعدة التّاسعة والسّتّون [التّصرّف الفاسد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ تصرّف يقع من المشتري شراءً فاسداً فهو كتصرف الغاصب (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التّصرف الصّادر عن المسلم ينبغي أن يكون تصرفاً صحيحاً؛ حتّى يحلّ له الانتفاع بما تعاقد عليه، لكن إذا وقع التّصرّف من المشتري أو المتعاقد - عموماً - باطلاً، فإنّ حكمه حكم تصرف الغاصب.
وإذا كان المعقود عليه عيناً فهو في يد المشتري كالمغصوب في يد الغاصب، فيجب عليه ردّه وإلا كان آثماً ولا يحلّ له الانتفاع به.
ولكن يختلف عن الغاصب في صورة ما إذا كان العقد الفاسد نكاحاً فإنّه لا يُحَدُّ إذا وطئ المرأة لشبهة العقد، والغاصب إذا وطئ المغصوبة يحدّ.
стр. 2804
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى جارية بما لا يكون ثمناً كميتة أو دم، ثمّ وطئها، فيجب عليه الحدّ، بخلاف ما إذا استند العقد إلى شرط فاسد أو كون الثمن خمراً.
ومنها: إذا عقد على امرأة بغير ولي أو شهود ووطئها فلا حدّ عليه لشبهة العقد، وإن كان النّكاح فاسداً.
ومنها: إذا استولد الغاصب عالماً بالتّحريم لم ينعقد الولد حرَّاً بخلاف المشتري شراءً فاسداً، حيث ينعقد الولد حرّاً لو وطئ الجارية المشتراة فحملت منه.
стр. 2805
القاعدة السّبعون [التّعليل الباطل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ تعليل يتضمّن إبطال النّص باطل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالتّعليل: استنباط عِلَّة الحكم وسببه.
فمفاد القاعدة: أنّه إذا كان استنباط علَّة الحكم من النّصّ يعود على النّصّ بالإبطال، فإنّ التّعليل يكون باطلاً ولا يجوز؛ لأنّ النّصّ إنّما وُجد ليُعمل به وبما تضمنه من حكم أو أحكام، فإذا كان استنباط العلّة والاجتهاد في استخراجها يبطل عمل النّص فإنّ التّعليل هو الباطل لا النّص؛ لأنّ الاجتهاد يقبل الخطأ والنّصّ لا يقبله.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
نهى رسول الله ﷺ عن صرف الذّهب بالذّهب والفضّة بالفضّة إلا مثلاً بمثل يداً بيد، فإذا قلنا: إنّ علَّة تحريم التّفاضل في النقدين هي الثمنيّة - فإذا تغيّر الوضع - كما هو حاصل الآن - ولم يعد الذّهب والفضّة ثمناً للأشياء - لأنّ الأثمان
стр. 2806
الآن هي الورق النّقدي - فهل يجوز التّفاضل بالذّهب مع الذّهب والفضّة مع الفضّة؟ لأنّهما لم يعودا ثمناً للأشياء؟
لو قلنا ذلك لكان التّعليل بالثّمنية متضمناً إبطال النّص. ولكن لمّا كان النّص ثابتاً لا يقبل الإبطال فإنّ التّعليل هو الباطل لا النّصّ.
ومنها: لو عللَّنا حرمة الخنزير بأنّه يأكل القاذورات والنّجاسات أو أنّه يحتوي على الدّودة الشّريطيّة، فإذا حبسنا خنزيراً أو أطعمناه الطّاهرات من الطّعام، وعالجناه وقضينا على ما فيه من الدّودة الشّريطيّة فهل يحلّ أكله؟ إنْ قلنا ذلك فقد أبطلنا حكم النّصّ بالتّعليل، ولكن النّصّ صريح وثابت، فالباطل إنّما هو التّعليل للتّحريم لا النّصّ.
стр. 2807
القاعدة الحادية والسّبعون [التّمليك]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ تمليك صحّ في الحياة صحّ بعد الوفاة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
للإنسان في حياته أن يعطي من ماله مَن يشاء. وما دام قد جاز له أن يعطي من ماله مَن يشاء في حياته فله أن يوصي بذلك بعد وفاته.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
للإنسان أن يهب من ماله في حياته لمن يشاء من مسلم أو ذمي أو مشرك، حرّ أو عبد ذكر أو أنثى صغير أو كبير.
فهل تستوي الوصيّة في ذلك؟
عند مالك وأحمد وأكثر أصحاب الشّافعي ﵏ يجوز له أن يوصي بشيء من ماله للمشرك والحربي؟ لأنّ كلّ من صحّ تمليكه بغير الوصيّة جاز أن يملك بالوصيّة (٢). واختلاف الأديان والدّار لا يؤثر في التّمليك بالوصيّة.
وخالف في ذلك أبو حنيفة ﵀ فلا يجوز عنده الوصيّة للحربي أو لمن هو في دار الحرب.
стр. 2808
القاعدة الثّانية والسّبعون [الجهالة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ جهالة لا تفضي إلى المنازعة لا تمنع جواز العقد (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأصل أنّ التّعاقد ينبغي أن يكون على شيء معلوم، ثمناً كان أو مثمناً. ولكن إذا وُجِد في أحدهما جهالة فلا تخلو: إمّا أن تؤدي هذه الجهالة إلى المنازعة والخصام بين المتعاقدين، وإمّا أن لا تؤدي إليها.
فإذا كانت الجهالة تفضي وتؤدي إلى المنازعة فالعقد باطل أو فاسد، وهذا مفهوم القاعدة.
وأما إذا كانت الجهالة يسيرة لا تفضي ولا تؤدي إلى المنازعة فإن العقد صحيح وجائز. وهذا منطوق القاعدة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى سلعة بثمن مؤجل، فإذا كان الأجل مجهولاً، أو غير متعارف فإن العقد لا يجوز. كما لو قال: آتيك بالثمن وقت يموت فلان، أو وقت ما يتزوّج - وهو لا يدري - فالعقد باطل.
стр. 2809
لكن إذا قال: آتيك بالثّمن إذا قدم الحاجّ أو حان وقت الحصاد، فإنّ العقد صحيح؛ لأنّ الجهالة هنا يسيرة، وهذا شرط متعارف.
ومنها: إذا قال: بِعْتُ منك جميع مالي في هذا البيت بكذا. قالوا: جاز وإن لم يعلم به المشتري؛ لأنّ الجهالة في البيت يسيرة - والمراد بالبيت الغرفة -، ولكن نقول: إنّ هذه الجهالة الآن لا تعتبر يسيرة لاختلاف ما تحتويه الغرف ولذلك لا بدّ من البيان.
стр. 2810
القاعدة الثّالثة والسّبعون [الوطء بالشّبهة]
أوّلاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ جهة صححها بعض العلماء وحَكَم بِحِلّ الوطء بها فالظاهر أنّه لا حَدَّ على الواطئ بتلك الجهة، وإن كان الواطئ لا يعتقد حِلَّ الوطء بها (١).
وهذا من باب الشّبهات المؤثرة في دفع الحدود.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا تزوّج رجل امرأة مؤمنة أو كتابيّة بعقد شرعي مستوف لشروطه، أو مَلَك أَمَةً مِلكاً شرعيّاً، ولم يكن في العقد أو الملك أية مخالفة لأي من الأئمة المعتبرين رضوان الله عليهم، فإنّ وطء الرّجل لهذه المرأة حلال باتّقاق وإجماع.
ولكن بعض العلماء أجاز حِلَّ وطء المرأة وإن فقد عقد الزّواج أو الملك بعض شروطه المتّفق عليها. أو نقص من ملكيّة الأمّة بعض صفاتها كذلك.
стр. 2811
فمفاد القاعدة: أنّه إذا تزوّج رجل امرأة بعقد فقد بعض شروطه المتّفق عليها أو مَلَك أَمَة بصفة غير متّفق عليها - وكان الواطئ لا يعتقد حِلَّ وطء هذه المرأة لفقدان ذلك الشّرط فإنّه لا حدَّ على هذا الواطئ لسببين: الأوّل: شبهة العقد أو الملك. والثّاني: كون بعض الأئمة أحلّ الوطء مع فقدان ذلك الشّرط أو نقصان تلك الصّفة. ولكن بشرط أن يكون للمخالف مستند قوي بعض القوّة للقول بالحلّ، وإذا كان المستند ضعيفاً فلا يعتبر.
ولكن سقوط الحدّ - في الحقيقة - لا يمنع تعزير الواطئ بما يراه الإِمام؛ لأنّه أقدم على وطء يعتقد حرمته، فهو مستهتر يستحق العقوبة التعزيريّة وإن سقط الحدّ.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
رجل تزوّج امرأة بغير ولي - ووطئها وهو يعتقد عدم صحّة العقد عليها - فلا يُحَدّ؛ لأنّ بعض الأئمة وهو أبو حنيفة ﵀ صحّح العقد بدون ولي.
ومنها: تزوّج امرأة بغير شهود ودخل بها - وهو يعتقد حرمة وطئها - كذلك لا يحدّ؛ لأنّ مالكاً ﵀ أجاز العقد بغير شهود (١).
стр. 2812
ومنها: اشترى أمة مجوسيّة أو وثنيّة ووطئها - وهو يعتقد حرمة وطئها -؛ لأنّ الأكثرين على عدم جواز وطء الأمّة المجوسيّة أو الوثنيّة، بل وذكر الاتّفاق على عدم جواز نكاح المجوسيّة والوثنيّة (١). فهذا أيضاً لا يقام عليه حدّ الزّنا؛ لأنّ من الأئمة من صحّح وطء الأمّة المجوسيّة أو الوثنيّة أخذاً بعموم قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٢). وذكر ابن السّبكي (٣): أنّ الإِمام أبو بكر الفارسي (٤) صاحب كتاب عيون المسائل ذهب إلى أنّ للحاكم أن يزوّج الحرّة المجوسيّة (٥).
стр. 2813
كما ذهب ابن حزم (١) ﵀ إلى جواز نكاح حرائر المجوس بناء على وجوب الجزية عليهم إذا اعتبر أن المجوس من أهل الكتاب (٢)، وكذلك قال أبو ثور (٣). (٤)
وينسب إلى مالك ﵀ إباحه نكاح المجوسيّة بملك اليمين، وإباحة إجبارها على الإِسلام، وذكر ابن عبد البر (٥) خلاف ذلك حيث قال: ليس لمسلم أن يتزوّج مشركة وثنيّة أو غير وثنيّة أو مجوسيّة، وحرام عليه وطء هؤلاء بنكاح أو ملك يمين (٦).
وقال في المدوّنة في المجوسي يسلم وتحته مجوسيّة:
стр. 2814
يعرض على امرأته الإِسلام فإن أسلمت وإلا فُرِّق بينهما (١).
وقال ابن وهب (٢): قال مالك: لا يطأ الرّجل الأمَة المجوسيّة؛ لأنّه لا ينكح الحرّة المجوسيّة (٣).
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا أباح الراهن للمرتهن وطء الجارية المرهونة - وهو يعتقد عدم الحل - فيجب الحدّ على المرتهن، وإن كان المحكي عن عطاء (٤) - في هذه الصّورة - الإباحة؛ لأنّ خلاف عطاء لا مستند صحيحاً له، أو أنّه انعقد الإجماع بعده على عدم حلّ إعارة الجارية للوطء (٥). وكذلك في نكاح المتعة: لأنّ خلاف الشّيعة لا يعتبر.
стр. 2815
القاعدة الرّابعة والسّبعون [المِلك]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ حال صحّ أن يملك بعد زوالها صحّ أن يملك مع وجودها (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالحال هنا: العوارض الطّارئة على الإنسان كالمرض والجنون والسفه والصّغر.
فمفاد القاعدة: أنّ من صحّ وجاز له أن يملك بعد زوال عارض طارئ صحّ وجاز له أن يملك مع وجود ذلك العارض الطارئ، فالعوارض لا تمنع التّملك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الصّغير يملك حال صغر؛ لأنّه إذا كبر صح له أن يملك.
ومنها: المجنون حال جنونه صحّ منه التّملك؛ لأنّه يصحّ منه بعد إفاقته وزوال جنونه، وهذا كلّه متّفق عليه.
ومن المسائل المختلف عليها: مسألة العبد، هل يصحّ منه الملك حال عبوديته؟ أو لا يصحّ منه؟ فبناء على هذه القاعدة يصحّ
стр. 2816
منه الملك؛ لأنّه جائز له الملك بعد تحرره. وهذا مذهب مالك ﵀. فإن عنده أنّ العبد يملك (١).
وأمّا عند أبي حنيفة والشّافعيَ وأحمد رحمهم الله تعالى فإنّ العبد لا يملك (٢).
وحجّة مالك رحمه الله تعالى: أنّ العبد يملك استباحة البضع فجاز له أن يملك بدله وهو مال الخلع، بناء على القاعدة القائلة: "كلّ مَن مَلَك شيئاً ملك بدله" (٣).
فإذا تزوّج عبد بإذن سيّده بِحُرَّة ثمّ أرادت الخلع، فإنّ العبد كما يملك استباحة بُضعها بالنّكاح يملك بدل ذلك وهو مال الخلع.
стр. 2817
القاعدة الخامسة والسّبعون [خبر الحرّ وشهادته]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كُلُّ حُرٍّ يقبل خبره تقبل شهادته (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بقبول الخبر: تصديقه بما قال.
فمفاد القاعدة: أنّ الحُرَّ إذا أخبر بخبر ما فَصُدِّق فإنّ شهادته تكون مقبولة ومعتبرة أيضاً؛ لأنّ قبول خبره دليل عدالته. والعدل مقبول الشّهادة؛ ولأنّه لو لم يقبل خبره إلا بعد التّحقق والتّبيّن كان فاسقاً كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٢). وقيّدوا بالحرّ؛ لأنّ العبد وإن قُبل خبره لا تقبل شهادته على الأحرار.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أخبر حُرٌّ بنجاسة هذا الماء أو طهارته فقبلنا خبره بذلك، فلو شهد على إنسان أو له فإنّ شهادته مقبولة.
стр. 2818
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
مَن أخرج القذف مخرج الشّهادة ولم يتم العدد فإنّه تُرَدُّ شهادته ويقبل خبره.
стр. 2819
القاعدة السّادسة والسّبعون [الحقّ لا يسقط]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ حَقٍّ لم يسقط بتأخير الإقرار لم يسقط بتأخير الشّهادة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تتعلق بحقوق الله .
فمفادها: أنّ حقّ الله لا يسقط بالتّأخير سواء في ذلك تأخير الإقرار به أو الشّهادة عليه، وذلك خلافاً للحنفيّة الّذين يرون أنّ تأخير الشّهادة - بغير عذر - في حقوق الله يسقط ذلك الحقّ وذلك بعدم قبول تلك الشّهادة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا شهد أربعة على رجل أو امرأة بالزّنا بعد حصول الفعل بمدّة - شهر أو سنة أو أكثر أو أقل - فإنّ الحدّ يقام على الزّانية أو الزّاني المشهود عليه، ولا يسقط الحدّ بتأخير شهادتهم، لأنّه لو أخّر الزّاني أو الزّانية الإقرار بالزّنا فيقبل إقرارهما على أنفسهما ويقام عليها الحد، ولا يضر التّأخير في إقامة الحدود الّتي لله.
стр. 2820
ولكن عند أبي حنيفة ﵀ يضر، فإنّ تأخير الشّهادة على حقّ الله شبهة في درء الحدّ عن المتّهم. وقد سبق بيان ذلك ودليله (١).
стр. 2821
القاعدة السّابعة والسّبعون [تعجيل الحقّ المالي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ حقّ مالي وجب بسببين يختصان به أو وجب بسبب وشرط فإنّه جائز تعجيله بعد وجود أحد السّببين (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحقوق نوعان: حقوق ماليّة، وحقوق غير ماليّة.
وموضوع القاعدة - الحقّ المالي: والحقّ المالي قد يجب بسبب واحد، وقد يجب بسببين، وقد يجب بسبب وشرط. والحق المالي: ما وجب إخراجه من المال.
فمفاد القاعدة: أنّ كلّ حقّ مالي وجب بسببين أو سبب وشرط أنّه يجوز تقديم هذا الحقّ وتعجيله إذا وُجد أحد السّببين أو وجد السّبب وتأخّر الشّرط. وعند الحنفيّة خلاف ذلك.
ومفهوم القاعدة: أنّ الحقّ المالي إذا وجب بسبب واحد أنّه لا يجوز تقديمه على سببه.
стр. 2822
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
كفّارة اليمين - وهي واجبة باليمين مع الحنث - أنّه يجوز تعجيلها وإخراجها بعد اليمين وقبل الحنث.
ومنها: الزّكاة يجوز تعجيلها قبل الحول بعد تمام النّصاب، فالنّصاب سبب والحول شرط.
وممّا وجب بسبب واحد ولا يجوز تقديمه على سببه:
تقديم الشّيخ الهرم والمريض المزمن والحامل الفدية على رمضان فذلك لا يجوز قبل رمضان ووجوب الصّوم.
ومنها: الأضحية قبل يوم النّحر لا تجوز.
стр. 2823
القاعدة الثّامنة والسّبعون [حبس الممتنع عن الحق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ حقّ يجوز التّوكيل فيه لا يجوز للحاكم أن يحبس فيه الممتنع ما أمكن التّوصّل إليه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
من الحقوق ما يجوز التّوكيل في استيفائه ومنها ما لا يجوز التّوكيل فيه.
فالحقّ الّذي يجوز التّوكيل فيه لا يجوز للحاكم أن يحبس بسببه الممتنع عن أدائه ما أمكن التّوصل إلى الحق بأي طريق غير الحبس، لكن إذ لم يمكن التّوصل إلى الحقّ بغير طريق الحبس فللحاكم أن يحبس الممتنع حتّى يؤدي الحقّ إلى صاحبه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كان على إنسان ديون وليس عنده مال يؤدي منه، وعنده عقار أو أمتعة أو عروض وامتنع عن بيعها أو بيع بعضها لأداء الحقّ لأصحابه، وطلب الغرماء حبسه، فإنّ الحاكم لا يحبسه، بل يتعيّن على الحاكم أن يبيع عليه بنفسه أو بأمين يوكّله
стр. 2824
في بيعها، هذا رأي الماوردي (١) ﵀، ولكن رجّح الرّافعي (٢) والنّووي (٣) أنّ الحاكم يتخيّر بين البيع عليه وبين حبسه وتعزيره حتّى يبيع.
стр. 2825
القاعدة التّاسعة والسّبعون [الحكم الشّرعي - السّبب الشّرعي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ حكم شرعي لا بدّ له من سبب شرعي (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه قاعدة مهمّة معقولة المعنى وهي أنّه إذا كان مصدر الأحكام هو الشّرع فإنّ الشّرع لم يشرّع حكماً بدون سبب شرعي فالأسباب الشّرعيّة هي الّتي تبنى عليها الأحكام الشّرعيّة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إباحة المرأة للرّجل حكم شرعي، له سبب يجب تلقّيه من السّمع، فما لم يسمع من الشّرع لا يكون سبباً صحيحاً، والسّبب في إباحة المرأة للرّجل إمّا عقد الزّواج الصّحيح، وإما ملك اليمين بشروطه.
ومنها: قطع يد السّارق حكم شرعي، وله سبب شرعي وهو أخذ مال غيره خفية من حرز مثله بشروطه.
ومنها: حِلُّ البدلين حكم شرعي، وله سبب شرعي هو العقد الصّحيح.
стр. 2826
القاعدة الثّمانون [الحكم والسّبب والشّرط]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ حكم وقع قبل سببه وشرطه لا ينعقد إجماعاً، وبعدهما ينعقد إجماعاً، وبينهما في النفوذ قولان (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
كلّ حكم شرعي له سبب وشرط، أو سببان أو أكثر - كما سبق قريباً - والأصل أنّ الحكم إنّما يقع منعقداً صحيحاً بعد وجود سببه وشرطه أو وجود السّببين أو الأسباب.
فمفاد القاعدة: أنّ الحكم مع سببه وشرطه له ثلاث حالات:
١ - إمّا أن يقع قبل حصول السّبب والشّرط فهذا الحكم غير منعقد بالإجماع.
٢ - وإمّا أن يقع بعد وجود السّبب أو الأسباب والشّرط فهو منعقد بالإجماع.
٣ - وإمّا أن يقع بعد وجود السّبب وقبل وجود الشّرط. فهذا
стр. 2827
موضع الخلاف، إذ فيه قولان بالصّحّة وعدمها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الزّكاة إنّما تجب في المال ويطالب بها المكلّف إذا وجد سببها - وهو بلوغ المال النّصاب - ووجد شرطها - وهو حولان الحول - أي مضيّ عام كامل على امتلاك النّصاب وما فوقه.
ومنها: الصّلاة تجب بدخول وقتها - وهذا سبب - وشرط أدائها بقاء التّكليف والطّهارة من الحيض والنّفاس، وباقي شروط صحّتها.
وكذلك الصّوم والحجّ، وباقي العبادات لها أسباب وشروط.
ومنها: الكفّارة حكم، وهي إنّما تجب باليمين مع الحنث، فإذا كفَّر الحالف بعد حنثه فهذا هو الواجب بالإجماع. وإذا كفَّر قبل اليمين والحنث فلا تجوز بالإجماع، ولا تسقط عنه الكفّارة لو حلف بعد ذلك وحنث. وإذا كفَّر بعد اليمين وقبل الحنث فهذا فيه القولان كما سبق قريباً.
стр. 2828
القاعدة الحادية والثّمانون [حكم الحيوان]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ حيوان حكمُ جلده وشعره وعَرَقه ودَمعِهِ ولُعابِه حُكمُ سُؤْرِه في الطّهارة والنّجاسة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحيوانات في حالة الحياة الأصل فيها الطّهارة - كما سبق بيانه -، ولكن الشّرع حرَّم بعض الحيوانات فحكم بنجاستها، كالخنزير - مثلاً - وبعض الحيوانات اختلف في طهارة جلدها وشعرها وعرقها ودمعها ولعابها.
فمفاد القاعدة: أنّ المعيار لمعرفة حكم الجلد وما تبعه من حيث الطّهارة والنّجاسة، هو معرفة حكم سؤره - والسؤر هو: بقيّة الماء في الإناء بعد الشّرب - فإذا كان سؤر الحيوان طاهراً كان جلده وشعره وغير ذلك منه طاهراً، وإن كان سؤره نجساً، فحكم جلده وشعره وما تلاه النّجاسة، ولكن كيف نعرف حكم سؤره؟. طريق دلك السّمّاع والنّقل عن الشّرع صراحة أو ضمناً.
стр. 2829
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الكلب والخنزير نجسان؛ لأنّ سؤرهما نجس, للأمر بإراقة الماء الّذي ولغ فيه الكلب أو الخنزير - وما تولّد منهما - والأمر بغسل الإناء سبع مرّات (١).
ومنها: سباع البهائم وجوارح الطّير والحمار الأهلي والبغل - عند أحمد ﵀ سؤرها نجس. إذا لم يجد غيره تيمّم وتركه. وعند غير أحمد سؤرها طاهر، وعند ابن قدامة إن سؤر البغل والحمار طاهر (٢).
ومنها: السّنَّور - القط - والفأر وابن عرس سؤرها طاهر في الأصحّ - لِعِلَّة الطّواف -.
ومنها: ما أُكل لحمه فهو طاهر باتّفاق.
стр. 2830
القاعدة الثّانية والثّمانون [الخيار]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ خيار ثبت بالشّرع لدفع الضّرر عن المال فهو على الفور (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الخيار: اسم مصدر، فِعال من الخيرة والاختيار. يُقال: اختار يختار اختياراً، وهو طلب خير الأمرين: إمضاء العقد أو فسخه (٢)، والخيار ثبت عن طريق الشّرع لدفع الضّرر عن المتعاقدين أو أحدهما.
فمفاد القاعدة: أنّ الخيار المشروع لدفع الضّرر عن المال إنّما هو على الفور ولا يحتمل التّأخير ولا التّأجيل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الشّفعة شرعت لدفع ضرر متوقّع، فإذا علم من له حقّ الشّفعة بالبيع وجب عليه المطالبة فوراً، وإلا سقطت شفعته.
стр. 2831
وذلك لدفع الضّرر عن البائع والمشتري.
ومنها: إذا وجد المشتري في السّلعة المُشتراة عيباً يُوجب الرّدّ، فعليه الرّدّ حالاً إذا أراده، وأمّا إذا أراد الرّدّ وأخّره بغير عذر فقد سقط خياره لأنّه خيار ثبت بالشّرع لدفع الضّرر عن المال فكان على الفور.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
خيار التّصرية: فإنّه يمتدّ ثلاثة أيّام. وفيه خلاف الرّافعي والنّووي (١).
ومنها: خيار الشّرط يمتدّ ثلاثة أيّام. أو أكثر.
стр. 2832
القاعدة الثّالثة والثّمانون [الدّعوى بحقّ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ دعوى بحقّ لا يحتمل السّقوط يستحلف منكرها على السّبب. وكلّ دعوى بحقّ يحتمل السّقوط يستحلف منكرها على الحاصل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
دعاوى الحقوق تنقسم إلى قسمين: أ - دعوى بحقّ لا يحتمل السّقوط لا بالرّضا ولا بالإبراء لظهوره وثبوته.
ب - دعوى بحقّ يحتمل السّقوط بالرّضا أو الإبراء أو الصّلح لعدم ظهوره أو لإمكان زواله.
فمفاد القاعدة: أنّ المدَّعَى عليه بحقّ لا يحتمل السّقوط فأنكر، ولا بيِّنة للمدعي، فإنّ المدَّعَى عليه المنكر يُستحلف على سبب الحقّ المدَّعى به. فإذا حَلَف منكراً للسّبب سقطت الدّعوى. وأمّا إذا كان المدّعى به حقاً يحتمل السّقوط، وأنكر المدّعى عليه، فإنّه يحلف على إنكار الحاصل - أي الموجود والكائن الّذي
стр. 2833
يدَّعي به المدَّعي -.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ادّعى عليه مالاً أنّه استقرضه منه، وأنكر المدَّعَى عليه الاستقراض فإنّه يستحلف على السّبب وهو الاستقراض: أنّه ما استقرض منه المال المدَّعَى به.
ومنها: لو ادَّعى عليه وديعة فأنكر، فإنّه يُستحلف على وجود الوديعة المدَّعى بها في يده.
ومنها: ادَّعى أن جاره فتح في حائطه باباً، أو بنى على حائط له بناءً، وأنكر المدَّعى عليه، - ولا بيِّنة للمدعي - فإنّ المدَّعى عليه المنكر يُستحلف على السّبب؛ لأنَّ المدَّعي ادّعى عليه حقاً لا يحتمل السّقوط لا بالرّضا ولا بالإبراء.
أمّا لو ادّعى على غيره أنّه حفر في أرضه حُفَيرة وأضرّ ذلك بأرضه، وطلب أرش النّقصان فإن بيَّن موضع الأرض بحدودها ومقدار الحفيرة والنّقصان فإنّ القاضي يحلف المدّعَى عليه على الحاصل بالله ماله عليك هذا الحقّ الّذي يدّعي. فيحلفه على الحاصل لا على السّبب.
стр. 2834
القاعدة الرّابعة والثّمانون [الدّعوى]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ دعوى يشترط فيها أن تكون متعلّقة بشخص معيّن (١)، أو جهة معيّنة.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق بيان أن الدّعوى إذا كانت بمجهول أو لمجهول أو على مجهول أنّها لا تقبل.
ومفاد هذه القاعدة: أنّ الدّعوى لكي تكون صحيحة مقبولة أنّه يشترط فيها أن تكون متعلّقة بشخص معيّن لا بشخص مجهول - هكذا حدّد ابن السّبكي ﵀، ولكن يمكن أن يُقال أيضاً: أو جهة معيّنة؛ لأنّ الدّعوى يمكن أن ترفع على شخص اعتباري كجهة معيّنة. فالأصل أن يكون المدّعى عليه معيّناً لا مبهماً سواء أكان شخصاً حقيقيّاً أم اعتباريّاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة أو مسائلها:
إذا ادّعى على أشخاص أنّ أحدهم سرق ماله أو اعتدى عليه، فهذه الدّعوى لا تُقبل؛ لأنّ المدّعى عليه مبهم غير معيّن
стр. 2835
ولا محدّد.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا قال المدّعي: إنّ القتيل قتله أحد هؤلاء - وهم جمع يمكن اجتماعهم على قتله - قالوا: فإنّ الحاكم يحلِّفهم واحداً واحداً أنّه ما قتله ولا يعلم له قاتلاً. والقول بتحليفهم يقتضي صحّة الدّعوى؛ لأنّ التّحليف فرعها.
والأصل في صحّتها مسألة القسامة.
стр. 2836
القاعدة الخامسة والثّمانون [الدّم النَّجس]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ دَمٍ أصاب نجاسة غير معفوًّ عنها لم يُعْفَ عن شيء منه لذلك (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
أكثر أهل العلم يرون العفو عن يسير الدّم والقيح، واليسير ما لا يفحش في قلب مَن عليه الدّم، وقيل: قدر موضع الدّرهم فاحش، عدا دم الكلب والخنزير فإنّه لا يُعفى عن اليسير.
والّذي صحّحه ابن قدامة ﵀: أنّه لا حدَّ له في الشّرع فيرجع فيه إلى العرف.
فمفاد القاعدة: أنّ الدّم وإن كان يسيراً لكن أصاب أو اختلط مع نجاسة غير معفوّ عنها فإنّه لا يُعفى عن شيء منه لذلك الاختلاط وتلك الإصابة، سواء في ذلك الثوب أو البدن.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اختلط الدّم اليسير ببول أو غائط فلا يُعفى عن يسيره، إذ يجب غسله؛ لأنّ البول والغائط نجاسة غير معفوّ عنها.
стр. 2837
القاعدتان السّادسة والسّابعة والثّمانون [الدّم، الدّماء]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
كلّ دم وجب بطريق الكفّارة - في شيء من أمر الحجّ أو العمرة - فإنّه لا يجزئ ذبحه إلا في الحرم (١).
وفي لفظ أعمّ: كلّ الدّماء تتعيّن في الحرم إلا دم الإحصار فحيث أحْصِر (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
المراد بالدِّماء والدّم هنا: الذّبائح الّتي تلزم المُحرم بالحجّ أو العمرة وتجب عليه، فالقاعدة الأولى أخصّ من الثّانية: لأنّها نصّت على الدّم الّذي يجب بطريق الكفّارة فقط. والثّانية أعمّ منها؛ لأنّها شملت كلّ الدماء الواجبة سواء أكانت كفّارة أم غير كفّارة.
فمفاد القاعدتين: أنّ ما يجب على الحاجّ أو المُعتمر من ذبائح - كفّارات أو غيرها - إنّما يجب ذبحها في نطاق الحرم -
стр. 2838
ولا تجزئ خارجه - إلا إذا كان الدّم دم إحصار - أي منع من دخول الحرم - فإنّه يجب إراقته في مكان إحصاره سواء داخل الحرم أو خارجه.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
مَن وجب عليه هدي تمتّع أو قران أو هدياً ساقه معه - فيجب ذبحه في الحرم - منى أو مكّة - فمُنى كلّها منحر، وكذلك مكّة كلّها منحر - أي مكان نحر.
ومنها: مَن وجب عليه دم جزاء - لفعل محرّم في الحجّ أو العمرة - فيجب ذبحه في الحرم.
ومنها: مَن وجب عليه كفّارة إفساد حج أو عمرة فيجب ذبحه في الحرم.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هاتين القاعدتين:
مَن أحصر ومنع من الحجّ بعدو أو مرض فإنّ عليه دماً يريقه حيث أحصر، ولا يجب في الحرم لتعذر ذبحه في الحرم مع منعه من دخوله.
стр. 2839
القاعدة الثّامنة والثّمانون [الدَّين الثّابت في الذّمّة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ دَيْن ثابت في الذّمّة - ليس بثمن - يجوز الاعتياض عنه. فإن كان ثمناً ففي الأصحّ، وإن لم يكن ثمناً فَقَطْعاً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الدَّين: هو حقّ ثابت في ذمّة المدين.
والدَّين: إمّا أن يكون ثمناً لشيء من الأشياء، وإمّا أن لا يكون ثمناً، وحكم كلّ منهما يختلف من حيث جواز التّعويض عنه، واستبداله بشيء آخر. فالدّين الّذي ليس ثمناً لشيء من الأشياء فهذا يجوز التّعويض عنه قولاً واحداً. وأمّا الدّين الّذي هو ثمن لشيء من الأشياء ففي جواز التّعويض عنه قولان: أصحهما الجواز.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
استقرض ألف دينار - والقرض دين ليس ثمناً لشيء - فيجوز ردّ بدلها من الدّراهم أو من نقد آخر بقيمتها أو يأخذ بها
стр. 2840
عروضاً.
ومنها: إذا أتلف زرعاً أو حيواناً أو آلة لغيره فعليه ضمان ما أتلف ديناً في ذمّته - وضمان الإتلاف ليس ثمناً - فله أن يستبدله بعوض عيني بقيمة الإتلاف.
ومنها: أرش العيب - أي عوض نقصان العيب - وإن قدِّر بالدّراهم في الذّمّة فيجوز استبدالها بعوض يعادل قيمتها.
ومنها: الإبل الواجبة في الدّيّة - بلفظ الصّلح - يجوز الاعتياض عنها.
ومنها: ثمن مبيع في الذّمّة يجوز الاستبدال به في الأصحّ؛ لأن المعنى فيه أنّ المقصود ماليته لا عينه.
رابعاً: ممّا استثني ولا يجوز فيه الاستبدال
دين السّلم لا يجوز الاستبدال عنه (١).