ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
البيت والعقار يجوز أن يكون مبيعاً فكذلك يجوز أن يكون رهناً.
ومنها: الدّواب والعبيد والسّلع يجوز أن تكون مبيعاً كذلك يجوز أن تكون رهناً.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هاتين القاعدتين:
المنافع يجوز بيعها بالإجارة - لأنّ عند الشّافعي ﵀ أن الإجارة هي بيع المنفعة، وهي كالأعيان عنده - ولكن هذه المنافع لا يجوز رهنها, لأنّه لا يتصوّر القبض فيها.
ومنها: المدبَّر يجوز بيعه، ورهنه باطل عند الشّافعيّة.
ومنها: ما يتسارع إليه الفساد - كالفواكة واللحوم والخضار - إذا رهنه بدين مؤجّل وشرط أن لا يباع قبل حلول الأجل فهو باطل قطعاً. ولكن الآن بوجود المبردات التي تمنع تسارع الفساد وتطيل عمر هذه السّلع فإنّ الرّهن بها يجوز أن يكون صحيحاً إذا كان أجل الدّين يحلّ قبل انتهاء مدّة الصّلاحيّة.
وممّا يصحّ رهنه ولا يجوز بيعه، من القاعدة الثّانية: رهن المصحف من الكافر يصحّ - عند الشّافعيّة - ويوضع عند عدل مسلم ولا يصحّ بيعه منه. وكذلك العبد المسلم. والسّلاح.
ومنها: رهن المبيع من البائع قبل قبضه صحيح. ولا يصح بيعه (١).
стр. 2942
القاعدة الحادية والخمسون بعد المئة [ضمان ما جاز بيعه]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
كلّ ما جاز بيعه كان على متلفه القيمة، وما لا يجوز بيعه فلا قيمة على مُتلِفِه (١).
وفي لفظ: كلّ ما جاز بيعه فعلى متلفه الضمّان (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالقيمة هنا: الضّمان أي العوض الّذي يشمل ضمان المثلي بمثله، وبقيمته إن كان متقوّماً.
فمفاد القاعدة: أنّ الضّمان أي العوض - على المُتْلِف إنّما يجب إذا كان الشّيء المُتْلَف ممّا يجوز بيعه - وأمّا ما لا يجوز بيعه فلا ضمان على مُتْلفه قيمياً كان أو مثلياً؛ لأنّه لا يدخل تحت تقويم المقومين.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الشّيء التّافه الّذي لا يلتفت إليه فلا قيمة له، وليس على متلفه
стр. 2943
ضمان ولا عوض كحبّة حنطة فإنّها لا تباع.
ومنها: ما كان نجساً - وقلنا: إنّه لا يجوز بيعه - فليس على متلفه ضمانه.
ومنها: إذا أتلف على مسلم خمراً أو خنزيراً فلا ضمان على المُتْلف؛ لأنّ الخمر والخنزير ليسا مالين للمسلم، وأمّا إن كانا لذمّيّ فإنّه يضمن.
ومنها: العبد إذا كان قاطع طريق فلا قيمة على متلفه بسببها.
стр. 2944
القاعدة الثّانية والخمسون بعد المئة [الشّهادة والحلف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ ما جاز للإنسان أن يشهد به جاز له أن يحلف عليه، ولا ينعكس (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الشّهادة: إخبار بصحّة الشّيء على مشاهدة وعيان - لا عن تخمين وحسبان - بحقّ على آخر (٢). وهي مطلوبة شرعاً. وهي خبر قاطع (٣).
أو هي عبارة على إخبار بتصديق مشروط فيه مجلس القضاء ولفظة الشّهادة (٢).
فمفاد القاعدة: أنّ ما جاز للإنسان أن يشهد به؛ لأنّه شاهده وعاينه، جاز أن يحلف عليه. ولكن ليس كلّ ما جاز أن يحلف عليه جاز له أن يشهد به؛ لأنّ باب الأَيمان أوسع، وقد يحلف الإنسان على عدم العلم، ولكن لا يشهد به.
стр. 2945
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها على العكس أي يحلف ولا يشهد:
إذا أخبره صادقان أن فلاناً قتل أباه، أو غصب ماله. جاز له أن يحلف، ولكن لا يجوز له أن يشهد لأنّه لم يَرَ.
أمّا الشّاهدان فيجوز أن يحلفا على رؤيتهما لما شهدا به.
ومنها: إذا رأى بخط مورثه أنّ له دَيْنَاً على رجل أو أنّه قضاه، فله الحلف إذا قوي عنده صحّته ولا يشهد.
стр. 2946
القاعدة الثّالثة والخمسون بعد المئة [التّحريم والإباحة للصّفة والسّبب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ ما حَرُم لصفته لا يباح إلا بسببه، وما يباح لصفته لا يحرم إلا بسببه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
صفات الأشياء لها أثر واضح في حلّ الشّيء أو حرمته.
فمفاد القاعدة: أنّ ما حرمه الشّرع لوصف خاص به ومفسدة فيه أنه لا يجوز إباحته إلا بسبب مبيح. وأنّ ما كان حلالاً لوصف فيه ومصلحة للمتناول أنّه لا يحرم إلا بسبب محرم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الميتة محرّمة لمفسدتها ومضرّتها. ولكن أباح الشّرع تناولها عند الاضطرار الملجئ.
ومنها: الخمر حرّمت لإسكارها، وقد تباح لإزالة الغصّة عند عدم وجود غيرها.
ومنها: القمح ولحوم الأنعام وغير ذلك من المآكل والملابس والمساكن أبيحت لصفاتها من المنافع والمصالح فلا تحرم إلا بسبب محرم كالغصب والسّرقة والعقود الفاسدة.
стр. 2947
القاعدة الرّابعة والخمسون بعد المئة [حرمة النّظر والمس]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ ما حرّم النّظر إليه حَرُم مَسُّه بطريق الأولى (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
حَرَّم الشّرع نظر الرّجل إلى المرأة من غير محارمه، وكذلك حرّم نظر المرأة إلى الرّجل من غير محارمها. بقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (٢) الآية. وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ (٣) الآية.
بل وحَرَّم الشّرع نظر الرّجل إلى بعض أعضاء محارمه. وكذلك المرأة. بل وحَرَّم نظر الرّجل إلى الرّجل والمرأة إلى المرأه ما بين السّرّة والرّكبة.
فمفاد القاعدة: أنّ ما حَرَّم الشّرع النّظر إليه فإنّ مسَّه أشدّ
стр. 2948
تحريماً من النّظر إليه. وينظر القاعدة رقم ١١٤.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
حَرَّم الشّرع نظر الرّجل إلى المرأة الأجنبية كلّها فلا يجوز له أن يمسّ يدها أو رجلها أو شعرها أو وجهها بطريق الأولى.
ومنها: حرَّم الشّرع نظر المرأة إلى الرّجل الأجنبي فلا يجوز لها أن تمسّ يده أو رأسه أو أي عضو من جسمه بطريق الأولى.
ومنها: يحرم على الرّجل النّظر إلى ظهر أمه أو أخته أو بطنها، فمسّ ذلك منها أشد حرمة.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
الطبيب المعالج يجوز له أن يمسّ العضو الّذي يحتاج للعلاج من المرأة والنّظر إليه لكن بقدر الحاجة، بشرط أن لا يوجد طبيبة أنثى تقوم بذلك العمل.
ومنها: امرأة على وشط الغرق جاز للرّجل الأجنبي عنها مسُّ جسمها وحملها لإنقاذها. لأنّ باب الضّرورات مستثنى.
стр. 2949
القاعدة الخامسة والخمسون بعد المئة [ما يحل به الصّيد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلُّ ما خَرَق وأنهر الدّم حَلَّ ما يصاد به (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
دليل هذه القاعدة قوله ﷺ : "ما أنهَرَ الدّم وذُكِرَ اسم الله عليه فكلوا" الحديث رواه الجماعة. عن رافع بن خديج ﵁.
وهذه القاعدة تتعلّق بالذّكاة الاختياريّة والاضطراريّة.
فمفادها: أنّ السّلاح الّذي يُصاد به الصّيد البرّي - وهو الحيوان المتوحّش - يشترط فيه أن يخرق الجلد أو يمزّق إهاب الصّيد - أي أن يكون له حَدٌّ مرهف أو رأس محدّد أو يخرق بقوّة اندفاعه، ويريق الدّم. فإذا كان كذلك حَلّ ما يصاد به، بشرط أن يموت قبل أن يدركه، وإلا وجب تذكيته بالذّبح.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ما يُصاد بالرّصاص والرّشّ يحلّ به الصّيد لأنّه يخرق ويهريق الدّم بقوة اندفاعه.
ومنها: ما يُصاد بالحجر والمعراض والعصا لا يحل أكله - إذا
стр. 2950
لم يدركه حيّاً فيذكّيه ذكاة الاختيار -؛ لأنّ الحجر والمعراض والعصا لا تخرق بل تدقّ دقّاً.
ومنها: إذا توحّش بعير أو ثور فهو كالصّيد البرّىّ، أو سقط في بئر ولم يمكن إخراجه حيّاً فإنّه يجرح في أي موضع ويحلّ أكله.
رابعاً: ممّا يستثنى من مسائل هذه القاعدة:
رمى طيراً فأصابه وسقط في الماء فلا يؤكل؛ لاحتمال أن يكون وقوعه في الماء هو السّبب في موته.
стр. 2951
القاعدة السّادسة والخمسون بعد المئة [المقصود الوسيلة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّما سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة (١)؛ لأنّها تبع له في الحكم.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المقصد: هو الغاية من الفعل. والوسيلة: هي الطّريقة الّتي يتوصّل بها إلى المقصود. والوسائل تبع للمقاصد في أحكامها.
فمفاد القاعدة: أنّه إذا كانت الوسائل متابعة للمقاصد فإنّه إذا سقط اعتبار المقصد وألغي فإنّه يسقط اعتبار الوسيلة والاعتداد بها ويلغى.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الصّلاة مقصد وهدف وغاية. والسّعي إليها وسيلة لتحقيقها، فإذا لم تكن صلاة فلا سعي لها.
ومنها: حجّ بيت الله الحرام مقصد وغاية، والسّفر وسيلة إليه، فإذا لم يرد الإنسان الحجّ أو العمرة سقطت وسيلتهما وهي السّفر.
ومنها: إذا كان المقصد حراماً، كانت الوسيلة إليه حراماً كذلك.
стр. 2952
ومنها: إذا كان المقصد واجباً، فالوسيلة واجبة.
ومنها: إذا كان المقصد مباحاً، فالوسيلة مباحة كذلك.
ومنها: في قوله : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ (١) فأثابهم الله على الظّمأ والنّصب وإن لم يكونا من فعلهم بسبب أنّهما حصلا لهم بسبب التّوسّل إلى الجهاد الّذي هو وسيلة لإعزاز الدّين وصون المسلمين.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
دفع مالاً لرجل يأكله حراماً حتى لا يزني بامرأة إذا عجز عن دفعه عنها إلا بذلك، فالوسيلة هنا اعتبرت، وإن كان المقصد حراماً غير معتبر.
ومنها: إمرار الموسى على الرأس الأصلع للتّحليل. فقد سقط المقصد وهو حلق الشّعر، واعتبرت الوسيلة، وهي إمرار الموسى على الرّأس.
стр. 2953
القاعدة السّابعة والخمسون بعد المئة [شروط الرّواية والشّهادة أداءً وتحمّلاً]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ ما شُرِط في الّرواية والشّهادة فهو معتبر عند الأداء لا عند التّحمل (١). إلا في مسائل
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الرّواية: المراد بها نقل الحديث والخبر. والشّهادة: الإخبار عن حقّ. ولكلّ منهما شروط.
فمفاد القاعدة: أنّ الشّروط المشترطة لقبول الرّواية أو الشّهادة إنّما يجب اعتبارها والاعتداد بها عند أداء الرّواية أو أداء الشّهادة لا عند تحمّلها؛ لأنّه قد يتحمّل رواية أو شهادة صغير مميز أو رقيق ولكن لا تقبل روايته أو شهادته إلا إذا كان كبيراً، أو حراً لقبول شهادته، حيث إنّ رواية العبد مقبولة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا شهد عند القاضي عبد رقيق على حرٍّ لا تقبل شهادته، لكن إذا شهد بعد ما تحرّر فهي مقبولة.
стр. 2954
ومنها: إذا سمع حديثاً أو شاهد أمراً وهو صغير دون البلوغ - أي وهو مميّز - ثم رواه أو شهد بعد بلوغه تقبل روايته وشهادته إذا بلغ عدلاً.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
الشّاهد في النّكاح يجب أن تتوافر فيه الشّروط عند التّحمّل وعند الأداء.
стр. 2955
القاعدة الثّامنة والخمسون بعد المئة [الإرث والهبة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ ما صحّ أن يُمْلك إرثاً صحّ أن يُمْلك هبة وابتياعاً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
يصحّ للإنسان أن يرث من مورّثه كلّ ما تركه من مالٍ ومتاع وعقار وحقوق، فكذلك يصحّ أن يملك الإنسان ذلك عن طريق الهبة أو طريق البيع والشّراء.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى إنسان متاعاً بعقد صحيح جاز ذلك وصحّ؛ لأنّه يمكنه أن يملكه عن طريق الميراث.
ومنها: إذا وُهب لإنسان دار أو سيّارة فيصحّ له تملّكها لأنّه يجوز له أن يملك مثل ذلك عن طريق الميراث.
ومنها: إذا تصدّق إنسان بصدقة على غيره كدار أو سيّارة أو ثوب أو غيره، فإنّ له أن يشتريه ممّن تُصُدِّق به عليه - مع الكراهة - لأنّه يملك الصّدقة الموروثة على مورّثه.
وفي هذه المسألة خلاف في جواز الرّجوع في الصّدقة - ولو
стр. 2956
بالشّراء - لحديث عمر ﵁ الذي رواه البخاري ومسلم والتّرمذي وأحمد وأبو داود والبيهقي والطّبراني وابن ماجه وغيرهم. ولكن لعلّ المنهي عنه الرّجوع في صدقة في سبيل الله - أي الجهاد. لا غيرها من الصّدقات.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
الشّفعة لما كانت لا تورّث فلا يصحّ هبتها ولا شراؤها.
стр. 2957
القاعدة التّاسعة والخمسون بعد المئة [البيع والهبة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ ما صحّ بيعه صحّت هبته، وما لا يصح بيعه لا يصحّ هبته (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تشبه قواعد سابقة ذكرها كلّ من كتب في القواعد من الشّافعيّة، وذكروا نفس الأمثلة.
ومفادها: أنّ البيع والهبة مرتبطان، فما يصحّ في أحدهما يصحّ في الآخر، وما لا يصحّ في أحدهما لا يصحّ في الآخر. ولكن لمّا كان البيع هو الأصل كانت الهبة محمولة عليه، فما صحّ وجاز مبيعاً صحّ وجاز موهوباً وما لا فلا.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
مسائل هذه القاعدة كثيرة لا تحصى لأنّها الأصل، ولكن خرج عن القاعدة مسائل صحّت فيها الهبة ولم يصحّ فيها البيع، إمّا لأن المحلّ لا يقبل البيع لأنّه حق من الحقوق وإمّا عدم جواز بيعه لصفة فيه تمنع إجراء البيع.
стр. 2958
رابعاً: من المسائل المستثناة من هذه القاعدة:
هبة إحدى الضّرّتين نوبتها للأخرى صحيحة، ولا يجوز بيعها؛ لأنّها حقّ من الحقوق.
ومنها: لحم الأضحية وجلدها وصوفها لا يجوز بيعه ويجوز هبته.
ومنها: المبيع قبل قبضه لا يجوز بيعه وتصحّ هبته على وجه.
ومنها: المُخَلاَّة والرّخمة والغراب وما شابهها لا يصحّ بيعها وتصحّ هبتها.
وممّا يجوز بيعه ولا تصحّ هبته:
الدَّين الّذي يجوز قرضه يصحّ بيعه اتّفاقاً، ولا تجوز الهبة في مثله.
ومنها: مال المريض مرض الموت يجوز بيعه للوارث بثمن المثل ولا يجوز هبته له؛ لأنّها تكون وصيّة، ولا تجوز للوارث.
стр. 2959
القاعدة السّتّون بعد المئة [صحّة البيِّنة والدّعوى]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ ما صحّت إقامة البيِّنة به صحّت الدّعوى به (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الدّعوى الصّحيحة لها شروط سبق ذكر كثير منها.
فمفاد قاعدتنا هذه: أنّ ما صحّت إقامة البيِّنة - أي شهادة الشّهود به - تصحّ الدّعوى به للتّرابط الوثيق بين البيِّنة والدّعوى؛ ولأنّ البيِّنة لا تصحّ ولا تقام إلا على شيء ثابت معلوم غير مجهول.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
شهدت البيِّنة على أنّه أقرّ على نفسه لفلان بكذا. فتصحّ - بناء على ذلك - دعوى الدّائن على مدينه، بناء على الشّهادة على إقراره بالمبلغ.
стр. 2960
القاعدة الحادية والسّتّون بعد المئة [الرّهن والضّمان]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ ما صحّ الرّهن به صحّ ضمانه وما لا فلا (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه مثل القواعد السّابقة ذكرها الشّافعيّة في كتب القواعد كلّها مع ذكر أمثلة لما يجوز ولما لا يصحّ.
الرّهن: هو ما يعطى وثيقة بالدّين، وهو في اللغة: الثّبوت.
وفي الشّرع: جعل عين مال وثيقة بدين يستوفى منها عند تعذّر استيفائه ممّن عليه (٢).
فمفاد القاعدة: أنّ كلّ عين مال تصحّ وثيقة بالدَّين يصحّ أن تكون مضمونة على متلفها، وما لا يصحّ مرهوناً لا يصحّ أن يكون مضموناً؛ وذلك أنّ الرّهن لا يصحّ إلا بمال مقوّم. فما لا يدخل تحت تقويم المقوّمين لا يصحّ رهناً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
قال: اضمن لي ما على فلان، ولم يعيّن ولم يحدّد، فالضّمان باطل؛ لأنّ ضمان المجهول والرّهن بالمجهول باطل.
стр. 2961
ومنها: لو قال: أرهنك هذه السّيّارة على مقدار من التّمر، ولم يحدّد ولم يعيِّن فالرّهن باطل.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
ضمان الدَّرك صحيح، ولكن لا يجوز الرّهن عليه؛ لأنّه يحتمل أن لا يخرج المبيع مستحقاً، وهو الغالب - فيلزم أن يبقى مرهوناً أبداً (١).
стр. 2962
القاعدة الثّانية والسّتّون بعد المئة [ضمان الكلّ وضمان البعض]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
كلّ ما ضُمِن كلّه بالقيمة ضُمِن بعضه ببعضها (١).
وفي لفظ: ما ضمن كلُّه ضُمن جزؤه بالأرش (٢). وتأتي في قواعد حرف الميم إن شاء الله.
وفي لفظ سابق: الجزء أو البعض معتبر بالكلّ (٣). ينظر قواعد حرف الباء رقم ٣٠ وحرف الجيم رقم ٢.
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
ما تضمن جملته بالقيمة أو بالمثل عند التّلف أو الإتلاف، فإنّ بعضه يضمن أيضاً بالقيمة أو بالمثل اعتباراً للبعض بالكلّ. وهذا أمر متّفق عليه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
المبيع إذا كان بعد التّحالف قائماً - ولكن معيباً - يُرَدّ مع الأرش - وهو قدر النّاقص من القيمة بسبب العيب؛ لأنّ الكلّ مضمون على
стр. 2963
البائع بالثّمن فكذلك البعض.
ومنها: المستعار في يد المستعير إذا تلف كلّه في غير الوجه المأذون ضمنه على المشهور وكذلك إذا تلف جزؤه على الأصحّ.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا عجَّل زكاة ماله ثم تلف ماله قبل الحول - وكان ما عجَّل تالفاً - يغرم المسكين قيمته، وإن كان معيباً ففي الأرش وجهان. والحجّة في تغريم المسكين القيمة أنّه تبيّن أنّ الزّكاة لم تجب على المزكّي.
ومنها: الصّداق الّذي تعيَّب في يد الزّوجة قبل الطّلاق، فلا أرش له.
ومنها: القرض إذا تعيّب ورجع فيه المقرض فلا أرش له. بل يأخذه ناقصاً أو مثله (١).
стр. 2964
القاعدة الثّالثة والسّتّون بعد المئة [عِظَم الشّرف - عِظَم الخطر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كُلَّما عَظُم شرف الشّيء عظم خطره (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
عَظُم: فعل ماضٍ من الإعظام، وهو الإكبار والتّشريف والزّيادة. والشّرف: العلو.
وخطر الشّيء: زيادة قدره ومكانته ومنزلته على غيره، يقال: خَطُر الرّجل إذا ارتفع قدره ومنزلته فهو خطير (٢).
فمفاد القاعدة: أنّ الشّيء كلّما زاد شرفه وعلا وارتفع في مكانته كان ذلك دليلاً على سمو مكانته ومنزلته وارتفاع قدره.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الصّلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشّهادتين، ولذلك كانت هي ميزان قبول الأعمال يوم القيامة، فمَن أدّى صلاته كاملة وتُقُبِّلت، تقبّل الله سائر عمله - ومن أدّى صلاته ناقصة ولم تُقبل رُدَّت عليه وردَّ سائر عمله وكان من أصحاب النّار. نعوذ بالله منها.
стр. 2965
القاعدة الرّابعة والسّتّون بعد المئة [قتل المؤذي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ ما فيه أذى للنّاس في أنفسهم أو في أموالهم يباح قتله (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تدخل تحت قاعدة "لا ضرر ولا ضرار" و"الضّرر مرفوع ومدفوع". وهذه القاعدة وإن وردت فيما يؤذي المحرم من السّباع والهوام خاصّة لكن معناها عام.
ومفادها: أنّ ما يؤذي الناس في أنفسهم وأبدانهم فيسبب لهم الهلاك أو الجرح، أو يؤذيهم في أموالهم بالإتلاف وأعراضهم بالانتهاك يباح قتله دفعاً لشرّه وأذاه إذا لم يمكن دفعه بغير القتل. ولكن إذا أمكن دفع شرّه وأذاه بغير القتل فلا يجوز قتله إلا إذا كان طبعه الأذى.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الكلب العقور والسّبع الضّاري والحيّة وغيرها إذا بدأت المحرم بالعدوان فقتلها فلا شيء عليه؛ لأنّه قتلها دفاعاً عن نفسه ودفعاً لأذاها وشرّها. ولكن إذا قتلها بدءاً بدون أن تبدأه بالأذيّة فعليه الجزاء إلا ما نُصَّ على جواز قتله في الحلّ والحرم.
стр. 2966
ومنها: قتل الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور جائز في الحلّ والحرم سواء بدأ بالأذى أو لم يبدأ للحديث المتّفق عليه عن عائشة رضوان الله عليها وعلى أبيها أنّ رسول الله ﷺ قال: "خمس من الدّواب كلّهن فاسق يقتلن في الحلّ والحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور" (١). ويقاس على الكلب العقور كلّ ما آذى الناس وضرّهم في أنفسهم وأموالهم من الكواسر كالذّئب.
ومنها: إذا عدا عليه مجنون أو سكران أو جمل صائل أو ثور هائج فأمكن دفعه بدون القتل فلا يجوز قتله، وأمّا إن لم يمكن دفعه بغير القتل فلا جناح عليه في قتله دفعاً لشرّه وأذاه عن نفسه. ولكن إذا قتله في هذه الحال هل تلزمه الدّية والضّمان؟ خلاف.
ومنها: إذا عدا عليه قاطع طريق يريد ماله أو نفسه أو عرضه فدافعه فقتله، فلا شيء عليه ديناً أو دنيا للحديث "من قتل دون ماله فهو شهيد" فيه على سعيد بن زيد وابن عمر وأبي هريرة رضي الله
стр. 2967
عنهم (١).
وحديث أنّ رسول الله ﷺ سأله سائل: إن عدا عليّ عادٍ؟ فأمره أن ينهاه ثلاث مرّات. قال: فإن أبى. فأمره بقتاله. قال: فكيف بنا؟ قال: "إن قتلك فأنت في الجنّة، وإن قتلته فهو في النار" (٢).
стр. 2968
القاعدة الخامسة والسّتّون بعد المئة [التّعزير]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ ما فيه التّعزير من الحقوق كالضّرب والشّتم فإنّه يجري فيه التّحليف، ولا يسقط بالتّقادم، وتقبل فيه شهادة النّساء، كسائر الحقوق (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التّعزير إنّما يكون عقاباً على جرائم غير الحدود، ومقدار التّعزير يعود إلى اجتهاد الحاكم ونظره في مقدار الرّادع عن الجريمة. ولكن هل يجوز أن يبلغ بالتّعزير الحدّ أو لا يجوز؟ أو يزيد عن الحدّ؟ خلاف.
ومفاد القاعدة ثلاثة أحكام: الأوّل: أنّ التّعزير يجري فيه التّحليف من المدّعى عليه عند عدم البيِّنة من المدّعي أي أن يوجه اليمين على المدّعى عليه المنكر للحقّ فإذا حلف سقطت الدّعوى - وإن نكل عن اليمين عُزِّر.
والثّاني: أنّ الجرم التّعزيري لا تسقط عقوبته بالتّقادم، خلافاً للحدود عند بعض الفقهاء.
والثالث: أنّ الجرم الّذي يستحق فيه فاعله التّعزير تقبل فيه شهادة النّساء خلافاً للحدود.
стр. 2969
وفيه أيضاً أحكام أخرى.
منها: أنّه تقبل فيه الشّهادة على الشّهادة، ويقبل فيه كتاب القاضي للقاضي، ولا يختصّ الإمام بإقامته، كلّ ذلك خلافاً للحدود.
فالزّوج يؤدّب الزّوجة والولد. ولو رأى إنسان إنساناً آخر يفعل ما يوجب التّعزير فله أن يمنعه وينهاه ويزجره ويضربه إن كان لا ينزجر بالمنع باللّسان.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال شخص لآخر وشتمه بقوله: يا لوطي، أو يا آكل الرّبا، أو يا شارب الخمر، لا يحد ولكن يعزّر بقدر ما يرى الحاكم.
ومنها: إذا ضربه بعصا أو بيده ولم يجرحه ولم يكسر منه عظماً أو عضواً، فعليه التّعزير أيضاً.
ومنها: إذا قال له: يا حمار أو يا خنزير أو يا منافق أو يا خبيث، وأشباه ذلك كلّه فيه التّعزير.
стр. 2970
القاعدة السّادسة والسّتّون بعد المئة [العدل في موجب الفسخ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ ما كان لأحد المتعاقدين فسخه بوجه، كان للآخر فسخه بمثل ذلك الوجه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
العقد الصّحيح ينعقد بالتّراضي بين العاقدين، ومقابل ذلك لا ينفسخ إلا بتراضيهما على الفسخ، ولفظ العقد عامّ شامل لكلّ أنواع العقود.
فمفاد القاعدة: أنّه إذا جاز لأحد المتعاقدين فسخ العقد بسبب من الأسباب الموجبة للفسخ فإن للعاقد الآخر الحقّ في الفسخ بسبب مثله؛ لأنّ العاقدين متساويان في حقوق العقد وواجباته. ولكن ليس معنى ذلك أنّه يجب تراضي العاقدين على الفسخ, لأنّ الفسخ قد يتراضى عليه العاقدان، وقد يرفضه أحدهما فيجبر عليه بالقضاء إذا ثبت أنّ في العقد ضرراً على طالب الفسخ، أو وجد في المعقود عليه ما يلزم البائع أو العاقد الآخر بالفسخ.
стр. 2971
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا وجد المشتري عيباً في السّلعة يوجب الرّدّ، فله ردّ المبيع وفسخ البيع واسترداد الثّمن بسبب ذلك العيب. وبالمقابل فإن البائع إذا وجد في الثّمن عيباً - كأن وجد النّقود مزيفة - فله ردّ الثّمن وفسخ البيع بذلك العيب.
ومنها: إذا تضرّر أحد الشّريكين من الشّركة وطالب فسخ العقد فإنّ للشّريك الآخر الحقّ أيضاً في فسخ العقد إذا وجد في حقّه ضرر مثله.
стр. 2972
القاعدة السّابعة والسّتّون بعد المئة [الصّريح]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ ما كان صريحاً في بابه ووجد نفاذاً في موضوعه لا يكون كناية في غيره ولا صريحاً فيه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الصّريح: هو اللفظ الموضوع لمعنى لا يفهم منه غيره عند الإطلاق. كلفظ البيع.
الكناية: هو اللفظ المستعمل في غير المعنى الموضوع له في اللغة. كلفظ الهبة إذا أريد به البيع.
فألفاظ العقود قد تكون صريحة تدلّ على العقد المراد باللفظ اللغوي الموضوع للدّلالة عليه. وقد تكون غير صريحة أي أنّها تدلّ على عقد آخر، ولكن لا بدّ من قرينة تمنع من إرادة المعنى الأصلي للفظ.
فمفاد القاعدة: أنّ كلّ لفظ عقد استعمل صراحة فيما وضع له لا يجوز أن يكون كناية عن غيره، وبالأحرى أن لا يكون صريحاً فيه.
стр. 2973
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: وهبتك هذه السّيّارة فخذها. فهذا اللفظ صريح في الدّلالة على عقد الهبة، وهو عقد تبرع مجّاني، فإذا قال بعد ذلك: إنّما أردت البيع فلا يقبل منه.
ومنها: إذا قال: أسلمت إليك هذا الثّوب بدينارين. فهو بيع قطعاً؛ لأنّ السّلم لا يكون إلا مؤجلاً. فهنا استعمل لفظ "السّلم" للدّلالة على عقد البيع بدليل وقرينة العوض الحالّ.
ومنها: إذا خاطب زوجته بلفظ الطّلاق، وقال: أردت الظّهار. لا يكون ظهاراً ولا يقبل منه؛ لأنّ لفظ الطّلاق صريح في إزالة قيد النّكاح مع وجود نفاذه في موضوعه فلا يكون صريحاً في الظّهار ولا كناية.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا قال لزوجته: أنت حرام كظهر أمّي. ونوى الطّلاق بالمجموع، كان طلاقاً - عند الشّافعيّة - مع أنّه إذا أطلق - أي لم ينو - كان ظهاراً قطعاً.
стр. 2974
القاعدة الثّامنة والسّتّون بعد المئة [الأصل الثّابت]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ ما كان له أصل لا ينتقل عن أصله بمجرّد النّيَّة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالأصل في القاعدة: المبدأ والأساس. وهو المعنى اللغوي لكلمة أصل.
فمفاد القاعدة: أنّ ما بني على أساس ومبدأ لا ينتقل عن مبدئه وأساسه الّذي بني عليه بمجرّد النّيَّة، بل لا بدّ من عمل مصاحب للنّيَّة حتى يجوز انتقاله عن أصله.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترت حلية ذهبيّة للبس فلا زكاة فيها - عند بعضهم - فإذا مضى بعض العام ثمّ أرادت جعلها للتّجارة فلا تنتقل بمجرّد النّيَّة، بل لا بدّ من عمل مصاحب كأن تخلعها ولا تلبسها أو تعرضها للبيع.
ومنها: إذا اشترى داراً أو أرضاً للقنية ثمّ أراد أن يجعلها للتّجارة بنيّة مستأنفة فلا تنتقل ولا تجب فيها الزّكاة إلا بعمل مصاحب.
стр. 2975
القاعدة التّاسعة والسّتّون بعد المئة [المملوك للمورّث]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ ما كان مملوكاً للمورَّث - فإذا لم يخرج بموته من أن يكون مملوكاً للمورّث - يصير ملكاً لوارثه (١). عند الشّافعي ﵀.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
ملك المورَّث إذا مات عنه صار ملكاً للوارث، وهذا عند الجميع. لكن بعض ما كان يملكه المورّث في حياته قد يخرج عن ملكه عند موته ووفاته، ففي هذه الحالة لا يصير ملكاً للوارث.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
أرض أو مزرعة أو عمارة يملكها شخصٌ ثم مات عنها فبموته تنتقل ملكيّتها إلى الورثة بعده تلقائياً واضطراريّاً، لكن إذا مات هذا المورّث وعليه دين مستغرق لقيمة الأرض أو المزرعة أو العمارة فإنّ الورثة لا يرثون شيئاً؛ لأنّ الدّائنين أحقّ بقيمة الأرض أو المزرعة أو العمارة من الورثة؛ لأنّ الورثة لا يرثون إلا ما زاد عن الدّين أو الوصيّة.
ومنها: المكاتب - عند الشّافعي ﵀ كان مملوكاً
стр. 2976
للمورّث، فإذا مات المورّث قبل عتق المكاتب أصبح ملكاً للوارث. وإن أدّى باقي نجومه بعد ذلك وولاؤه للمورّث لا للوارث. وينبني على هذه مسألة اختلف فيها الحنفيّة والشّافعيّة وهي: إذا تزوّج العبد أو المكاتب بنت مولاه صحّ النّكاح عند الحنفيّة والشّافعيّة ما دام المورّث حيّاً فإذا مات انفسخ النّكاح في العبد عندهم جميعاً؛ لأنّ لبنت المورّث نصيب في رقبة زوجها فينفسخ النّكاح؛ لأنّه لا يجوز أن يتزوّج العبد مولاته، وإذا طرأ المنافي أثَّر كما لو كان مقارناً.
قال في الرّوضة وأمّا إذا كان مكاتباً وتزوّج بنت مولاه فإنّ نكاحه بعد موت المورّث لا ينفسخ عند الحنفيّة وينفسخ عند الشّافعي ﵀؛ لأنّه إذا تزوّج بمولاته بعد وفاة المولى لا يصحّ، فكذلك لا يبقى النّكاح بعد موت المولى (١).
стр. 2977
القاعدة السّبعون بعد المئة [الذّريعة - المصلحة الرّاجحة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ ما كان منهيّاً عنه للذّريعة فإنّه يفعل لأجل المصلحة الرّاجحة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سدّ الذّرائع: هو إغلاق الطّرق والمسالك التي تؤدّي إلى الوقوع في الحرام. كمنع الاختلاط بين الرّجال والنّساء لما يؤدّي إليه من مفاسد لا تحصى.
ومفاد القاعدة: أنّه إذا كان التّصرف منهيّاً عنه سدّاً للذّريعة المؤدّية إلى المفسدة أو الضّرر لكن إذا وجد مصلحة ومنفعة أعظم من الضّرر فإنّ هذه الذّريعة يجب فتحها للمصلحة الرّاجحة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كان دفع المال للأعداء ممنوعاً؛ لأنَّه ذريعة ووسيلة لإعطائهم القوّة المادّيّة علينا، لكن إذا كان دفع هذا المال لدفع شر أكبر، أو لاستخلاص الأسرى المسلمين من أيديهم فإنّه يصبح جائزاً بل واجباً إن لم يمكن بغير هذه الطّريق.
ومنها: الصّلاة التي لها سبب، وتفوت بفوات السّبب تفعل ولو
стр. 2978
في الوقت المنهي عن الصّلاة فيه لأجل المصلحة الرّاجحة من فعل الصّلاة لوجود سببها، كصلاة الكسوف وركعتي الطّواف وتحيّة المسجد (١).
стр. 2979
القاعدة الحادية والسّبعون بعد المئة [الأصل والتّبع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ مال اشتمل على أصل وتبع فما يخرج منه يكون من الأصل، وما سواه يكون من التّبع (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المال قد يشتمل على أصل - وهو رأس المال - وقد يشتمل على تبع وهو الرِّبح، أو زيادة المال باختلاف القيمة. فإذا وجب على المال شيء فهو من رأس المال، وإن أصابته آفة فهو من التّبع.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
أعطاه مالاً مضاربة، فضارب وربح وتاجَر، ثم صار له على غريم دين وأفلس الغريم، فإنّ هذه الخسارة أي المال الهالك على الغريم تكون من الرّبح لا من رأس المال.
ومنها: رهن داراً أو سيّارة تساوي ألفاً فصارت تساوي ألفين، ثم جاء إنسان وأحرق السّيّارة أو هدم الدّار ودفع المال، فإنّ ألفاً من الثّمن توضع رهناً مكان السّيّارة أو الدّار؛ لأنّ حقّ المرتهن في مالية الرّهن مقدّم على حقّ الرّاهن، والزّيادة الحادثة لم تكن في أصل الرّهن فهي للرّاهن.
стр. 2980
القاعدة الثّانية والسّبعون بعد المئة [ما لا يجب على الأجير أداؤه]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
كلّ ما لا يتعيّن على الأجير أداؤه يجوز الاستئجار عليه إذا كانت تجزئ فيه النّيابة (١).
وفي لفظ: كلّ ما لا يتعيّن على الأجير إقامته فالاستئجار عليه صحيح (٢). عند الشّافعي ﵀.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
ما يتعيّن على الإنسان فعله ويجب عليه فإنّه لا يجوز أن يُسْتَأجر على فعله كالصّلاة. ولكن ما لا يجب على الأجير أداؤه - بحسب شروط العمل الذي استؤجر عليه - فإنّه يصحّ ويجوز أن يستأجر على فعله، لكن بشرط أن تجوز فيه النّيابة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
استأجر رجلاً أو رجالاً على أن يبنوا له بيتاً، فالإجارة صحيحة جائزة؛ لأنّ بناء البيوت للآخَرين لا تجب على البنائين.
ومنها: إذا دفع مالاً لآخر على أن يصلّي عنه أو يصوم، فلا تجوز هذه الإجارة؛ لأنّ الصّوم والصّلاة واجبين على الأجير كما هما