← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14596

موسوعة القواعد الفقهية

محمد صدقي آل بورنو

Полный текст (5 326 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

للمورّث، فإذا مات المورّث قبل عتق المكاتب أصبح ملكاً للوارث. وإن أدّى باقي نجومه بعد ذلك وولاؤه للمورّث لا للوارث. وينبني على هذه مسألة اختلف فيها الحنفيّة والشّافعيّة وهي: إذا تزوّج العبد أو المكاتب بنت مولاه صحّ النّكاح عند الحنفيّة والشّافعيّة ما دام المورّث حيّاً فإذا مات انفسخ النّكاح في العبد عندهم جميعاً؛ لأنّ لبنت المورّث نصيب في رقبة زوجها فينفسخ النّكاح؛ لأنّه لا يجوز أن يتزوّج العبد مولاته، وإذا طرأ المنافي أثَّر كما لو كان مقارناً. قال في الرّوضة وأمّا إذا كان مكاتباً وتزوّج بنت مولاه فإنّ نكاحه بعد موت المورّث لا ينفسخ عند الحنفيّة وينفسخ عند الشّافعي ﵀؛ لأنّه إذا تزوّج بمولاته بعد وفاة المولى لا يصحّ، فكذلك لا يبقى النّكاح بعد موت المولى (١).

стр. 2977

القاعدة السّبعون بعد المئة [الذّريعة - المصلحة الرّاجحة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ ما كان منهيّاً عنه للذّريعة فإنّه يفعل لأجل المصلحة الرّاجحة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سدّ الذّرائع: هو إغلاق الطّرق والمسالك التي تؤدّي إلى الوقوع في الحرام. كمنع الاختلاط بين الرّجال والنّساء لما يؤدّي إليه من مفاسد لا تحصى. ومفاد القاعدة: أنّه إذا كان التّصرف منهيّاً عنه سدّاً للذّريعة المؤدّية إلى المفسدة أو الضّرر لكن إذا وجد مصلحة ومنفعة أعظم من الضّرر فإنّ هذه الذّريعة يجب فتحها للمصلحة الرّاجحة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا كان دفع المال للأعداء ممنوعاً؛ لأنَّه ذريعة ووسيلة لإعطائهم القوّة المادّيّة علينا، لكن إذا كان دفع هذا المال لدفع شر أكبر، أو لاستخلاص الأسرى المسلمين من أيديهم فإنّه يصبح جائزاً بل واجباً إن لم يمكن بغير هذه الطّريق. ومنها: الصّلاة التي لها سبب، وتفوت بفوات السّبب تفعل ولو

стр. 2978

في الوقت المنهي عن الصّلاة فيه لأجل المصلحة الرّاجحة من فعل الصّلاة لوجود سببها، كصلاة الكسوف وركعتي الطّواف وتحيّة المسجد (١).

стр. 2979

القاعدة الحادية والسّبعون بعد المئة [الأصل والتّبع] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ مال اشتمل على أصل وتبع فما يخرج منه يكون من الأصل، وما سواه يكون من التّبع (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المال قد يشتمل على أصل - وهو رأس المال - وقد يشتمل على تبع وهو الرِّبح، أو زيادة المال باختلاف القيمة. فإذا وجب على المال شيء فهو من رأس المال، وإن أصابته آفة فهو من التّبع. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: أعطاه مالاً مضاربة، فضارب وربح وتاجَر، ثم صار له على غريم دين وأفلس الغريم، فإنّ هذه الخسارة أي المال الهالك على الغريم تكون من الرّبح لا من رأس المال. ومنها: رهن داراً أو سيّارة تساوي ألفاً فصارت تساوي ألفين، ثم جاء إنسان وأحرق السّيّارة أو هدم الدّار ودفع المال، فإنّ ألفاً من الثّمن توضع رهناً مكان السّيّارة أو الدّار؛ لأنّ حقّ المرتهن في مالية الرّهن مقدّم على حقّ الرّاهن، والزّيادة الحادثة لم تكن في أصل الرّهن فهي للرّاهن.

стр. 2980

القاعدة الثّانية والسّبعون بعد المئة [ما لا يجب على الأجير أداؤه] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: كلّ ما لا يتعيّن على الأجير أداؤه يجوز الاستئجار عليه إذا كانت تجزئ فيه النّيابة (١). وفي لفظ: كلّ ما لا يتعيّن على الأجير إقامته فالاستئجار عليه صحيح (٢). عند الشّافعي ﵀. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: ما يتعيّن على الإنسان فعله ويجب عليه فإنّه لا يجوز أن يُسْتَأجر على فعله كالصّلاة. ولكن ما لا يجب على الأجير أداؤه - بحسب شروط العمل الذي استؤجر عليه - فإنّه يصحّ ويجوز أن يستأجر على فعله، لكن بشرط أن تجوز فيه النّيابة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: استأجر رجلاً أو رجالاً على أن يبنوا له بيتاً، فالإجارة صحيحة جائزة؛ لأنّ بناء البيوت للآخَرين لا تجب على البنائين. ومنها: إذا دفع مالاً لآخر على أن يصلّي عنه أو يصوم، فلا تجوز هذه الإجارة؛ لأنّ الصّوم والصّلاة واجبين على الأجير كما هما

стр. 2981

واجبان على المستأجر. ومنها: استأجر حمّالاً على أن يحمل له متاعاً إلى البيت، فذلك جائز والأجرة عليه صحيحة. ومنها: رجل استأجر آخر ليحجّ عنه، جازت هذه الإجارة وصحّت عند الشّافعي ﵀ (١). ولم تجز عند الحنفيّة.

стр. 2982

القاعدة الثّالثة والسّبعون بعد المئة [ما به تمام المعاش] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ ما لا يتمّ المعاش إلا به فتحريمه حَرَج. وهو منتفٍ شرعاً (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بما لا يتمّ المعاش إلا به: هو الضّرورات والحاجيّات التي لو فقدها الإنسان لهلك أو قارب الهلاك. كالطّعام والشّراب واللباس والمسكن والمعاملات التي لا يستغنى عنها بين الناس. وينظر أيضاً القاعدة رقم ٣٦ من قواعد حرف الشّين. الحرج: التّضييق. فمفاد القاعدة: أنّ ما كان ضروريّاً لمعاش الإنسان وحياته، وما هو من مقومات وجوده ولوازم معاشه فهو مباح وغير محرم؛ لأنّ تحريمه تضييق على الناس وضرر عليهم في أنفسهم وأموالهم، ولذلك فتحريمه منتف وممنوع شرعاً، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ

стр. 2983

الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١). وغيرها من الآيات الدّالّة على نفي الحرج والتّضييق في شرع الله . وقوله ﷺ : "إنّ الله شرع الدّين فجعله سهلاً سمحاً واسعاً ولم يجعله ضيّقاً" (٢). ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إجارة الأرض ذات الشّجر وغيرها جائزة غير ممنوعة لحاجة الناس إلى ذلك. ومنها: إجارة مسكن في بستان، ويدخل في الإجارة تبعاً ثمر البستان يأكل منه المستأجر، وإن كان مقدار ما يأكله ليس معلوماً، وذلك لحاجة النّاس في بعض البلدان (٣). ومنها: استعمال الآلات والأدوات المخترعة حديثاً - وفيها مصلحة ومنفعة للناس في دينهم ودنياهم - وإن كان مخترعها وصانعها كافراً. ما لم يكن في استعمالها ضرر ديني أو دنيوي.

стр. 2984

القاعدة الرّابعة والسّبعون بعد المئة [الذّمّة - الإقرار] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ ما لا يثبت في الذّمّة لا يصحّ الإقرار به (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الذّمّة: هي وعاء اعتباري لثبوت الحقوق على المكلف وله. وهي في اللغة: العهد؛ لأنّ نقضه يورث الذّمّ (٢). والذي يثبت في الذّمّة هو الحقوق لا الأعيان. فمفاد القاعدة: أنّ ما لا يمكن ثبوته في الذّمّة - وهو الأعيان - لا يصحّ الإقرار به. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أقرّ أنّ لفلان في ذمّته داراً أو سيّارة أو غير ذلك من الأعيان لا يقبل إقراره ولا يصحّ؛ لأنّ هذه الأشياء لا تثبت في الذّمّة، لعدم صحّة السّلم فيها ولا بدل متلف لأنّها غير مثليّة.

стр. 2985

القاعدة الخامسة والسّبعون بعد المئة [ما لا يجوز التّوكيل فيه] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ ما لا يجوز للمسلم العقد عليه لا يجوز أن يوكِّل فيه (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المسلم لا يجوز له أن يشتري خمراً أو خنزيراً أو آلة لهو أو يبيعها، كما لا يجوز له التّعاقد بالرّبا وما لا يحلّ شرعاً؛ لأنّ هذه الأشياء والمعاملات ليست بمال عند المسلم، ولم يحل الشّرع التّعامل بها. فإذن ما لا يجوز له شرعاً أن يعقد عليه لا يجوز له أن يوكِّل فيه غيره -، وهذا عند جمهور الفقهاء - ولكن أبا حنيفة رحمه الله تعالى: يُجَوِّز ذلك؛ لأنّ العقد يقع للوكيل أولاً ثمّ للموكّل بعد ذلك، فإذا وكّل ذمّيّاً في شراء خمر فقد وقع الخمر للوكيل الذّمّيّ لأنّه العاقد ولا يقع في ملك المسلم الموكّل؛ لأنّ عنده أنّ حقوق العقد وتبعاته إنّما تقع للعاقد وعليه، وكيلاً كان أو أصيلاً. ورأي الجمهور أبعد عن الشّبهات وأبرأ للدّين.

стр. 2986

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: لا يجوز للمسلم أن يوكّل نصرانيّاً في شراء خمر أو خنزير؛ لأنّ المسلم لا يجوز له العقد عليها بيعاً أو شراءً. ومنها: لا يجوز للمسلم أن يوكّل كافراً في تزويجه بوثنيّة أو مجوسية؛ لأنّ المسلم لا يجوز له أن يعقد عليها. ومنها: يحرم على المسلم أن يوكّل كافراً ليجري عنه معاملة ربويّة؛ لأنّ المسلم ممنوع من التّعامل بالرّبا.

стр. 2987

القاعدتان السّادسة والسّابعة والسّبعون بعد المئة [ما لا يضمن] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: كلّ ما لا يجوز ملكه لا ضمان فيه (١). وفي لفظ: كلّ ما حرّم الانتفاع به لم يجب ضمانه (٢). ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما: ما لا يجوز أن يملك: أي ما حرَّم الشّرع ملكه واقتناؤه - وذلك التّحريم إمّا لنجاسة ذلك الشّيء أو لضرره ومفسدته، فمن أتلفه لغيره فلا يطالب بضمان ما أتلفه ولا غرمه ولا تعويضه؛ لأنّ الممنوع المتلَف لا تقدير لقيمته ولا لثمنه؛ لأنّه ليس بمال متقوّم عند المسلم، وكذلك الشّيء التّافه الّذي لا يدخل تحت تقويم المقوّمين. ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما: من أتلف لمسلم خمراً، أو قتل له خنزيراً فلا ضمان عليه؛ لأنّ المسلم لا يجوز أن يملك الخمر أو الخنزير ولأنّ الشّارع حرَّم الانتفاع بهما، فهما ليسا مالين في حقّ المسلم، لكن إذا كان هناك حاكم مسلم يقيم شرع الله فيلزمه تأديب المتلِف؛ لأنّه افتات - أي تعدّى - على حقّ

стр. 2988

الحاكم. ومنها: إذا كسَّر لمسلم طبلاً أو مزماراً أو عوداً أو آلة موسيقيّة فلا ضمان عليه؛ إذا كانت هذه الأشياء وأمثالها لا تستعمل في شيء مباح غير كونه آلة لهو. ومنها: النّجس يمنع المسلم من اقتنائه أو الانتفاع به، فمن أتلف لمسلم شيئاً نجساً فلا ضمان عليه كذلك.

стр. 2989

القاعدة الثّامنة والسّبعون بعد المئة [ما لا يختلف بالمستعمل] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ ما لا يختلف بالمستعمل فالتّقييد فيه باطل؛ لأنّه غير مفيد (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: إذا كان الشّيء يختلف استعماله باختلاف الأشخاص المستعملين فإنّ التّقييد بوجه الاستعمال جائز ولازم لمن يتضرّر من ذلك. لكن إذا كان الاستعمال لا يختلف بين شخص وآخر فإنّ التّقييد بوجه الاستعمال باطل؛ لأنّه تحصيل حاصل وغير مفيد قطعاً. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: السّكنى في البيوت لا تختلف باختلاف السّاكن، فللمستأجر للسّكنى بنفسه له إسكان غيره بإجازة المؤجرّ أو بدون إجازة - وإن كانت أنظمة التّأجير في بعض البلدان تشترط عدم تأجير المسكن لغيره إلا بإذن المالك. لكن ركوب الدّابة والسّيّارة واللباس يختلف باختلاف المستعمل ولذلك فالشّرط المقيّد فيها بنوع الاستعمال والمستعمل جائز.

стр. 2990

ومنها: قراءة الكتاب قد لا تختلف باختلاف القارئ، فتقييد القارئ بكيفيّة القراءة أو وقتها تقييد باطل. لكن تقييده بعدم إعارته لغيره جائز.

стр. 2991

القاعدة التّاسعة والسّبعون بعد المئة [ما لا يضمن بإشهاد] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ ما لا يضمن من المتلَفَات المأخوذة بإشهاد لا يضمن إذا أخذ بغير إشهاد (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: ما لا يضمن إمّا أن يكون من الأمانات، أو ممّا لا يملك. وما يأخذه الإنسان من أملاك غيره إمّا أن يُشْهد على أخذه، وإمّا أن لا يشهد على ذلك. فمفاد القاعدة: أنّ الشّيء المأخوذ بإشهاد إذا كان ممّا لا يضمن ولا يغرم مَن تلف عنده، أنّه أيضاً لا يضمنه إذا أخذه بغير أن يشهد على أخذه إذا هلك أو تلف عنده بغير تعدٍّ أو تقصير منه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: اللقطة إذا التقطها الملتقط بنيّة الحفظ والتّعريف ثمّ تلفت عنده - بغير تعدٍّ أو تقصير - فهو غير ضامن لها، سواء اشهد على التقاطها أم لم يُشهد - خلافاً لأبي حنيفة ﵀، إذ يرى أنّه إذا لم يشهد على التقاطها فتلفت فهو ضامن. ومنها: الوديعة غير مضمونة بدون تعدّ سواء كان أخذها بإشهاد أو بغير إشهاد عند الجميع.

стр. 2992

القاعدة الثّمانون بعد المئة [العقد على العين والمنفعة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ ما لم يمنع العقد على العين لم يمنع العقد على منفعتها (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: البيع والإجارة عقدان مترابطان متّفقان في كثير من شروطهما، فإن العقد على المنفعة - وهو الإجارة - كالعقد على العين - وهو البيع، فما منع العقد على العين منع العقد على المنفعة كذلك، وما لم يمنع العقد على العين لا يمنع العقد على المنفعة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: عقد البيع على ملك في دار مملوكة لبائعها - ولا يوجد ما يمنع من إتمام العقد فإنّ هذه الدّار يجوز العقد على منافعها بعقد الإجارة، فالمؤجّر كالبائع والمستأجر كالمشتري. ومنها: إذا لم يجز عقد بيع على عين مغصُوبة لم يجز بالمقابل العقد على منفعتها؛ لأنّ الغصب كما يمنع بيع العين يمنعُ إجارتها. ومنها: الإعارة جائزة, لأنّ بيع المستعار جائز؛ إلا أن يكون مغصوباً، أو آلة لهو يحرم بيعها والانتفاع بها.

стр. 2993

القاعدة الحادية والثّمانون بعد المئة [الظّاهر] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ ما له ظاهر فهو ينصرف إلى ظاهره، إلا عند قيام المعارض أو الرّاجح لذلك الظّاهر، وكلّ ما ليس له ظاهر لا يترجّح أحد محتملاته إلا بمرجّح شرعي (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق معنى الظّاهر. فمفاد هذه القاعدة أمران: الأوّل: الشّيء الّذي له ظاهر - أي يحتمل أمرين أحدهما أرجح - في النّظر - من الآخر فالحكم يكون للظّاهر؛ لترجّحه، إلا إذا وُجِد معارض لذلك الظّاهر من آية أو خبر أو إجماع أو قياس صحيح، أو وجد مرجّح للمعنى الآخر من خارج اللفظ. والأمر الثّاني: أنّ ما ليس له ظاهر - أي أنّ محتملاته متساوية - فلا يجوز ترجيح أحد محتملاته إلا بمرجّح شرعي، وإلا كان ترجيحاً تحكميّاً بلا دليل وهو مرفوض. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا اشترى شخص سلعة من بائع وذكر الثّمن مطلقاً، فإنّ الثّمن ينصرف إلى النّقد المتعارف والمعمول به في البلد؛ لأنّه الظّاهر عند

стр. 2994

الإطلاق. لكن لو قيّد الثّمن بذكر عملة معيّنة انصرف إليها. ومنها: إذا وكّل شخصٌ آخر فتصرف الوكيل بغير نيَّة في تخصيص ذلك التّصرّف بالموكّل فإنّ ذلك التّصرف من بيع أو نكاح أو غيرهما ينصرف للوكيل المتصرّف دون موكّله؛ لأنّ الغالب على تصرفاته أنّها لنفسه. ومنها: تصرّفات المسلمين إذا أطلقت ولم تقيّد بما يقتضي حلَّها ولا تحريمها فإنّها تنصرف للتّصرفات المباحة دون المحرّمة؛ لأنّه ظاهر حال المسلمين. ومن أمثلة ما ليس له ظاهر فيجب ترجيحه بمرجّح شرعي: الصّوم احتاج للنّيَّة؛ لأنّ الإمساك عن المفطرات يتردد بين العادات والعبادات. ومنها: كلّ العبادات التي لها مثيل في العادات لا تنصرف إلى العبادة إلا بالنّيَّة المرجحة. ومنها: الكنايات في باب الطّلاق والعتاق احتاجت للنّيَّة لتردّدها بين المعنى اللغوي والمقصود الشّرعي.

стр. 2995

القاعدة الثّانية والثّمانون بعد المئة [الموضوع الشّرعي واللغوي] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ ما له موضوع شرعي ولغوي إنّما ينصرف المطلَق منه إلى الموضوع الشّرعي (١)، لأنّ الظّاهر من صاحب الشّرع التّكلم بموضوعاته. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة لها نوع صلة وارتباط بالقاعدة السّابقة. إذ مفادها: أنّ كلّ تصرّف أو قول له وجهان: شرعي ولغوي - وصدر عن صاحب الشّرع مطلقاً عن التّقييد بأحد الوجهين - فإنّه ينصرف إلى الموضوع الشّرعي دون اللغوي؛ لأنّ الظّاهر والرّاجح من صاحب الشّرع التّكلم بالموضوعات الشّرعيّة لا الموضوعات اللغوية، فإنّه ﵊ جاء لبيان الشّرعيات لا لبيان اللغويات. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: ألفاظ الوضوء والصّلاة والزّكاة والصّيام والحجّ، والإيمان، والنّفاق، والكفر وغيرها عند الإطلاق إنّما تنصرف ولا يفهم منها إلا المراد الشّرعي والمقصود الشّرعي والدّلالة الشّرعيّة لا المعاني اللغوية.

стр. 2996

القاعدة الثّالثة والثّمانون بعد المئة [الرّجوع ابتداء وانتهاء] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ ما لو تمَّ منتهاه كان رجوعاً فمبتدأه أيضاً رجوع (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة تتعلّق بما يفيد رجوع المتصرّف عن تصرّفه. إذ بالنّسبة للرّجوع عن التّصرف يستوي فيه ما كان في الانتهاء وما كان في الابتداء، فمّا كان بعد انتهائه يترتّب عليه الرّجوع عن التّصرّف ويستفاد منه ذلك؛ فإنّ مبتداه أيضاً يفيد الرّجوع كذلك. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: أوصى بدار لشخص - والوصيّة تبرّع مضاف إلى ما بعد الموت - فقبل موته عَرَض تلك الدّار للبيع، فيعتبر عرضه لها للبيع رجوعاً على الوصيّة كما لو باعها، إذا لو باعها فعلاً كان ذلك رجوعاً عن الوصيّة فكذلك عَرْضه لها للبيع. ومنها: اشترى سيّارة بشرط الخيار تمّ عرضها للبيع فيعتبر ذلك إسقاطاً لخياره ورجوعاً عنه. ومنها: إذا دبَّر عبداً له - أي قال له: أنت حرّ بعد موتي - ثمّ

стр. 2997

باعه بشرط الخيار، فيعتبر ذلك رجوعاً عن التّدبير. ومنها: أوصى بجارية ثمّ وطئها فحملت، فيعتبر رجوعاً عن الوصيّة وإمساكاً للجارية. لأنّها صارت أمّ ولد له (١).

стр. 2998

القواعد الرّابعة والخامسة والسّادسة والثّمانون بعد المئة [نيَّة الشّرط المبطل] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: كلّ ما لو شرطاه في العقد أبطله، فإذا نوياه في حال العقد كان مكروهاً (١). قال الزّركشي: نصّ عليه الإمام الشّافعي ﵀ في الصّرف (٢). وفي لفظ: كلّ ما لا يجوز التّصريح بشرطه في العقد يكره قصده (٣). وفي لفظ: كلّ ما لو صرّح به أبْطَلَ، فإذا أضمره كُرِه (٤). ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: سبق بيان بعض الشّروط التي تبطل العقد. فمفاد هذه القاعدة: أنّ الشّروط التي تبطل العقد إذا اشترطت فيه صراحة، إذا نواها المتعاقدان أو أحدهما أو شرطاً منها حال العقد

стр. 2999

كان العقد مكروهاً، لكن هل هي كراهة تنزيه أو كراهة تحريم؟ خلاف، والمكروه تنزيهاً هو ما كان إلى الحلال أقرب، والمكروه تحريماً هو ما كان إلى الحرام أقرب. ولعلّ الخلاف راجع إلى أنواع الشّروط المضمرة إذ من الشّروط ما يكون مبطلاً للعقد قطعاً فإضماره يكون مكروهاً تحريماً، ومنها ما يكون في بطلان العقد به خلاف، فإضماره يكون مكروهاً تنزيهاً. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: بيع العينة - وهو أن يبيع سلعة بثمن مؤجّلاً: ثمّ يشتريها من المشتري بأقلّ ممّا باع نقداً، فالرّبا هو الفرق بين السّعرين. لأنّ القصد من المعاملة هو التّحايل على الرّبا. ومنها: إذا تزوّج امرأة - وهو في بلاد غربة - وفي نيّته أن يطلّقها عند إرادته الرّجوع إلى بلده، فهذا يشبه زواج المتعة المنهي عنه، وهو لو شرط ذلك في العقد لبطل. ومنها: أن يتزوّج امرأة لقصد الطّلاق كأن يتزوّجها ليحلّها لزوجها الأوّل. ومنها: إذا كان شخص معروف عنه أنّه إذا اقترض مالاً يردّ أكثر ممّا اقترض، فهل يكره إقراضه؟ وجهان عند الشّافعي.

стр. 3000

القاعدة السّابعة والثّمانون بعد المئة [المقارن المانع - الطّارئ] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ ما لو قارن لمنع. فإذا طرأ فعلى قولين (١). وفي لفظ: المانع الطّارئ هل هو كالمقارن (٢)؟ وتأتي في حرف الميم إن شاء الله. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المقارن: المصاحب للعقد أو التّصرف. فمفاد القاعدة: أنّ ما يؤدّي إلى بطلان العقد أو التّصرف إذا صاحب إنشاء العقد أو التّصرف، أنّه إذا تمّ العقد ثمّ وجد ذلك فهل يبطل العقد أو التّصرّف أو لا يبطله؟ قولان عند الشّافعيّة بالبطلان وعدمه، عدا بعض المسائل مقطوع فيها بالبطلان، والتّرجيح مختلف تبعاً لاختلاف المسائل والفروع، وينظر القاعدتان، ٣٨، ٤٩١ من قواعد حرف الهمزة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا وُجد ماء دون القُلّتين فيه نجاسة ثم طرأ عليه ماء كثَّره فزاد على القلّتين فهل يطهر؟ الأرجح طهارته.

стр. 3001

ومنها: إذا شفيت المستحاضة أثناء الصّلاة فهل تبطل صلاتها؟ الأرجح البطلان. ومنها: إذا أحرم ثمّ ارتدّ. بطل إحرامه. ومنها: إذا قدر على الماء أثناء الصّلاة بالتّيمّم، الأصح لم تبطل صلاته. ومنها: إذا اشترى عروضاً للقنية ثمّ بعد الشّراء نوى التّجارة. الأصحّ لا تجب الزّكاة. رابعاً: ممّا استثني فكان الطّارئ كالمقارن قطعاً، أو ليس كالمقارن قطعاً: الرّضاع لو قارن ابتداء النّكاح لمنعه، ولو طرأ لقطعه أيضاً ولا خلاف فيه. ومنها: العدّة لو قارنت ابتداء النّكاح لمنعته ولو طرأت في أثنائه في وطء الشّبهة لم تقطعه ولا خلاف فيه.

стр. 3002

القاعدة الثّامنة والثّمانون بعد المئة [ما ليس له دم سائل] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ ما ليس له دم سائل لا ينجس بالموت ولا ينجس الماء إذا مات فيه، في قول عامّة الفقهاء. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المخلوقات من حيث وجود الدّم السّائل فيها قسمان: قسم له دم سائل وهو الإنسان والحيوانات بأنواعها. وقسم ليس له دم سائل وهو السّمك والحشرات وبعض الزّواحف. فمفاد القاعدة: أنّ السّمك والحشرات والمخلوقات التي لا دم سائل في جسدها أنها ليست نجسة إذا ماتت، ولا تنجس الماء إذا ماتت فيه. وبالمقابل فإنّ كلّ ما له دم سائل ينجس بالموت، وينجس الماء إذا مات فيه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: السّمك والذّباب والعقارب والعنكبوت وأشباهها لا دم سائل فيها، فهي لذلك غير نجسة في حال الحياة ولا بعد الموت، ولا تنجس الماء إذا ماتت فيه. ولكن سام أبرص سام فإذا مات في الماء فإنه يسمّمه ويقتل شاربه. وبعض أنواع الحشرات الأخرى كذلك.

стр. 3003

القاعدتان التّاسعة والثّمانون والتّسعون بعد المئة [ما لا تؤثّر فيه النّيَّة] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: كلّ ما هو صريح في بابه لا ينصرف إلى غيره بالنّيَّة (١). وفي لفظ: كلّ لفظ لا يجوز دخول المجاز فيه لا تؤثّر النّيَّة في صرفه عن موضوعه (٢). وفي لفظ سبق: كلّ ما كان صريحاً في بابه ووجد نفاذاً في موضوعه لا يكون كناية في غيره ولا صريحاً فيه (٣). وينظر القاعدة ١٦٧ من قواعد حرف الكاف هذا. ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: الصّريح من الألفاظ: ما كان موضوعاً في أصل اللغة لمعنى مخصوص، ولا يفتقر إلى إضمار أو تأويل. أو هو ما ظهر المراد منه لكثرة استعماله فيه (٤). والمجاز: هو استعمال اللفظ في غير موضوعه لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي.

стр. 3004

والكناية: هي أن يتكلّم بشيء يستدلّ به على المكني عنه كالرّفَث والغائط (١). أو هي: ما خفي استعماله في المراد منه وفي غيره، ولا يثبت المعنى المراد إلا بنيَّته (٢). ومفاد هذه القواعد: إنّ اللفظ الصّريح الموضوع لمعنى خاصّ مشتهراً به لا يجوز صرفه إلى غير حقيقته اللغويّة أو الشّرعيّة، ولا تعمل فيه النّيَّة المخصّصة أو المغيِّرة ما دام قد وجد نفاذاً في موضوعه الّذي وُضِع له. وأمّا إن لم يجد نفاذاً في موضوعه فيلغى ويهمل. والقاعدتان الأولى والثّانية بينهما صلة وثيقة. فالأولى منهما تفيد أنّ كلّ لفظ صريح لا تعمل فيه النّيَّة إذا وجد نفاذاً في موضوعه، فلا ينصرف إلى غيره. والثّانية منهما تفيد معنى متقارباً وهو أنّ من الألفاظ ما لا يكون إلا صريحاً في دلالته ولا يدخله المجاز، ولا تعمل فيه النّيَّة المخصّصة أو المُغَيِّرة - كأسماء الأعداد، فهذه يجب إجراؤها على لفظها، وبحسب دلالتها اللغوية الموضوعة لها. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: إذا قال لزوجته: أنت طالق. ثمّ قال: أردت بهذا اللفظ أنّها

стр. 3005

طالق من وَثاق. فلا يقبل منه؛ لأنّ لفظ "طالق" موضوع لحلّ رباط الزّوجيّة، ولا تعمل النّيَّة في تحويله إلى معنى آخر، وقد وجد نفاذاً في موضوعه. بخلاف ما لو قال لأَمته: أنت طالق. فيكون كناية عن العتق والتّحرير؛ لأنّ الأَمَة لا يقع عليها طلاق. وهكذا استثناء من القاعدة. ومنها قوله: أنت طالق ثلاثاً. وقال: أردت اثنتين. لا يقبل قوله؛ لأنّ أسماء الأعداد لا يدخلها المجاز، فلا تسمع فيها النّيَّة. ومنها: لو ظاهر من امرأته بلفظ الظّهار. وقال: أردت ونويت الطّلاق. لا يقبل منه. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هاتين القاعدتين: إذا قال لزوجته: أنت علي حرام. وعنَى به الطلاق فإنّه يقع، مع أنّ لفظ التّحريم صريح في إيجاب الكفّارة. ومنها: إذا قال لأمته: أنت طالق. ونوى العتق عتقت لأنّ صرائح الطّلاق كناية في العتق.

стр. 3006

القاعدة الحادية والتّسعون بعد المئة [واجب الرّفع] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ ما هو واجب الرّفع بالاسترداد فلا يجوز تقريره (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: ما وجب رفعه وإنهاؤه بسبب الاسترداد والاسترجاع إمّا لوجود فساد في العقد، وإمّا لكونه مستحقاً. لا يجوز تثبيته وإقراره؛ لأنّ تثبيته وإقراره مناف لوجوب رفعه وإنهائه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: اشترى سلعة ودفع ثمنها للبائع. ثم تبيّن أنّ هذه السّلعة مستحقّة لشخص آخر غير البائع، فيجب في هذه الحال استرداد الثّمن من البائع ورفع العقد وإنهاؤه، ولا يجوز تقرير البيع مع وجود الفساد بسبب الاستحقاق. ومنها: عقد على امرأة ودفع لها مهراً، ثمّ تبيّن قبل الدّخول أنّها أخته من الرّضاع. فيفسخ العقد ويجب ردّ المهر المقبوض. ومنها: اشترى بشرط الخيار له أو للبائع ودفع الثّمن، ثمّ اختار الفسخ، فعلى البائع ردّ الثّمن وأخذ السّلعة - إن كان المشتري قبضها - ولا يجوز تقرير هذا البيع وإثباته بعد اختيار الفسخ إلا بعقد جديد.

стр. 3007

القاعدة الثّانية والتّسعون بعد المئة [البيِّنة - التّحليف] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ ما يترتّب عليه البيِّنة يترتّب عليه التّحليف، سوى بيِّنة أقيمت لإثبات الخصومة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بالبيِّنة: الإشهاد، ويكون من طرف المدَّعي. والتّحليف: هو توجيه اليمين على المدعى عليه، عند عدم بيّنة المدَّعي. فمفاد القاعدة: أنّ الدّعوى إذا قبلت البيّنة لإثباتها، يقبل فيها أيضاً تحليف المدّعى عليه عند عدم بيّنة المدَّعِي. ولكن خرج عن ذلك صورة: وهي: إذا أقام المدّعي دعوى لإثبات الخصومة، ولا بيِّنة عنده وطلب تحليف المدّعى عليه فلا يمكن ذلك؛ لأنّ اليمين لا تكون إلا في دعوى صحيحة وإثبات الخصومة ليس دعوى صحيحة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: رجل ادّعى على ميّت ديناً، وقدَّم الوصي إلى القاضي، فجحد الوصي. وطلب المدّعي من القاضي تحليف الوصي، لا يحلفه

стр. 3008

القاضي؛ لأنّ فائدة التّحليف هو النّكول، ولو أقرّ الوصي بالمال لا يصحّ إقراره على الميّت فلا يحلِّفه، فالوصي ليس خصماً، ولذلك لا يحلف؛ لأنّ المدّعي يريد إثبات الخصومة. ومنها: ادّعى رجل على آخر أنّ المدّعَى عليه زوج بنته فلانة منه - وهي صغيرة - فأنكر الأب، فطلب المدّعي يمينه، فإن كانت البنت كبيرة وقت الخصومة فلا يستحلف الأب؛ لأنّ الأبّ بمنزلة الوكيل، والوكيل بالنّكاح لا يتوجّه عليه الخصومة فلا يحلف. وتستحلف المرأة على دعواه بخلاف ما لو كانت البنت صغيرة - فيحلف عند أبي يوسف ومحمد (١) رحمهما الله تعالى.

стр. 3009

القاعدة الثّالثة والتّسعون بعد المئة [العوض - المهر] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ ما يجوز أخذ العوض عنه بالشّرط يصلح أن يكون مهراً؛ لأنّ المقصود تحقّق المعاوضة (١). عند الشّافعي ﵀. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: عند الإمام الشّافعي ﵀ ورضي عنه أنّ المهر هو عوض عن تملّك البُضع، ولذلك أجاز أن يكون مهراً كلّ ما يصلح عوضاً أو معوضاً عنه. وعلى ذلك لا يصحّ مهراً - عنده - ما لا قيمة له. قال الإمام الشّافعي ﵀: وأقلّ ما يجوز في المهر أقلّ ما يتموّل النّاس، وما لو استهلكه رجل لرجل كانت له قيمة، وما يتبايعه الناس بينهم (٢). ومثله: كلّ منفعة ملكت وحلَّ ثمنها، مثل كراء الدّار، وما في معناها. وقال في موضع آخر: كلّ ما جاز أن يكون مبيعاً أو مستأجراً بثمن جاز أن يكون صداقاً، وما لم يجز فيهما لم يجز في الصّداق (٣).

стр. 3010

فالشّافعي ﵀ لا يرى أنّ للمهر حدّاً أدنى. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: يجوز أن ينكح الرّجل المرأة على الدّرهم وأقلّ من الدّرهم، وأقلّ ما له ثمن، إذا رضيت المرأة المنكوحة، وكانت ممّن يجوز أمرها في مالها. ومنها: يجوز أن تنكح المرأة رجلاً على أن يخيط لها ثوباً، أو يبني لها داراً، أو يخدمها شهراً، أو يعمل لها عملاً مهما كان، أو يعلّمها قرآناً مسمّى، أو يعلّم لها ولداً، وما أشبه ذلك (١).

стр. 3011

القاعدة الرّابعة والتّسعون بعد المئة [القرعة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ ما يجوز فعله بغير إقراع، فالأولى للإمام أن يقرع تطييباً للقلوب ونفياً للتّهمة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الإقراع: إفعال من القرع، والقرع: الخطر. وهو السَّبَق والنَّدَب الّذي يستبق إليه (٢). والاسم القرعة، ومعناها: النّصيب والسُّهمة. ومفاد القاعدة: أنّ للإمام أو القاضي أن يقرع بين الشّركاء، أو أصحاب الحقوق، حتّى لو كان المال المشترك يجوز قسمته بينهم بغير إقراع، وذلك تطييباً لقلوب المقتسمين ونفياً للتّهمة بالمحاباة أو التّفضيل. وذلك في كلّ أمر ليس فيه إلزام، وأمّا ما فيه إلزام فلا قرعة فيه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قسّم الإمام أو القائد الغنائم بين المقاتلين فيجوز له أن يقرع بينهم فيما يمكن أن يكون نصيب كلّ واحد منهم. كما أنّ له أن يعطي

стр. 3012

كلّ مقاتل نصيبه من غير إقراع. ومنها: إذا قسّمت أرض مشاع بين شركاء، أو تركة فيها دور ومزارع ودكاكين فللقاضي أو الإمام أو الحاكم - بعد القسمة - أن يقرع بين الشّركاء فيما يأخذه كلّ واحد منهم، وإن كان يمكن أن يعطي كلّ شريك قسمه أو سهمه ممّا قسم. ولكن تطييباً لقلوبهم ودفعاً لتهمة المحاباة جاز له أن يقرع بينهم. ومنها: إذا أراد الزّوج سفراً - وله أكثر من زوجة - جاز له أن يقرع بينهن، فمن خرجت قرعتها أخذها معه. كما كان رسول الله صلّ الله عليه وسلّم يفعل.

стр. 3013

القاعدة الخامسة والتّسعون بعد المئة [النّقض - البدل] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ ما يحتمل النّقض لا يتمّ إلا بتسمية البدل (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: النّقض: معناه الهدم والنّكث والفسخ في العقود. وما يحتمل النّقض - أي الإبطال - هو العقود وما في معناها. فمفاد القاعدة: أنّ ما يجوز أن ينقض ويبطل لا يكون تامّاً صحيحاً إلا إذا سُمِّي وذكر فيه البدل؛ لأنّ تسمية البدل ركن فيه، فما لم يسمَّ فيه البدل لا يتمّ ولا يعتبر حتى يمكن أن يدخله النّقض والإبطال؛ لأنّه باطل ومنقوض من أصله. وذلك كالبيع والقسمة والإجارة والكتابة والخلع والطّلاق والعتاق بِجُعْل. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: اشترى سلعة أو باعها ولم يسمِّ لها ثمناً لم يتمّ العقد، ولا يحلّ للمشتري استعمال السّلعة؛ لأنّ العقد فقد ركناً من أركانه، ونقض عقد البيع يجوز إذا وجد في المبيع عيب قادح، أو وجدت السلعة مستحقّة، أو هلك المبيع عند البائع قبل قبضه.

стр. 3014

ومنها: عقد الإجارة لا يتمّ بدون ذكر الأجرة والمدّة. وعقد الإجارة يحتمل النّقض والإبطال عند الضّرورة، فما لا يتمّ لا يقبل النّقض؛ لأنّه باطل ومنقوض من أصله. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: عقد النّكاح يمكن أن يتمّ بدون تسمية المهر، فمن تزوّجت ولم يُسَمَّ لها مهر، فإن دخل بها فلها مهر مثلها، وإن لم يدخل بها وطلّقها فلها المتعة. وعقد النّكاح عقد يحتمل النّقض بأن يظهر أنّ الزّوجة من محارمه رضاعاً أو نسباً أو يطلّقها.

стр. 3015

القاعدة السّادسة والتّسعون بعد المئة [العقود المؤبدة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ ما يصحّ تأبيده من عقود المعاوضات فلا يصحّ توقيته (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الّذي يصحّ تأبيده من عقود المعاوضات البيع والنّكاح. فلا يصحّ توقيتهما - أي جعلهما مؤقّتين بوقت يبطل البيع والنّكاح بحلوله. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا باع داراً وحدّد للمشتري خمس سنوات أو عشر لملكيّتها فالعقد باطل، إذ ينقلب عقد إجارة, لأنّ عقد البيع لا يقبل التّوقيت. ومنها: إذا تزوّج امرأة لمدة سنة أو شهر فالعقد باطل؛ لأنّ هذا عقد المتعة المنهي عنه، وقيل يصحّ العقد ويبطل شرط التّوقيت؛ لأنّ عقد النّكاح عقد مؤبّد لا يقبل التّوقيت. ومنها: إذا كاتب عبده على أنّه إذا أدّى نجوم الكتابة عتق وأصبح حرّاً عشر سنوات فقط. فالشّرط باطل لأنّ الحرّيّة لا تتوقّت فمن عتق فهو حر أبداً، إلا إذا لحق بدار الحرب وحارب المسلمين وأسر فإنّه يعود رقيقاً بسبب جديد.
следующие страницы →