القاعدة الرّابعة والتّسعون بعد المئة [القرعة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ ما يجوز فعله بغير إقراع، فالأولى للإمام أن يقرع تطييباً للقلوب ونفياً للتّهمة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الإقراع: إفعال من القرع، والقرع: الخطر. وهو السَّبَق والنَّدَب الّذي يستبق إليه (٢). والاسم القرعة، ومعناها: النّصيب والسُّهمة.
ومفاد القاعدة: أنّ للإمام أو القاضي أن يقرع بين الشّركاء، أو أصحاب الحقوق، حتّى لو كان المال المشترك يجوز قسمته بينهم بغير إقراع، وذلك تطييباً لقلوب المقتسمين ونفياً للتّهمة بالمحاباة أو التّفضيل. وذلك في كلّ أمر ليس فيه إلزام، وأمّا ما فيه إلزام فلا قرعة فيه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قسّم الإمام أو القائد الغنائم بين المقاتلين فيجوز له أن يقرع بينهم فيما يمكن أن يكون نصيب كلّ واحد منهم. كما أنّ له أن يعطي
стр. 3012
كلّ مقاتل نصيبه من غير إقراع.
ومنها: إذا قسّمت أرض مشاع بين شركاء، أو تركة فيها دور ومزارع ودكاكين فللقاضي أو الإمام أو الحاكم - بعد القسمة - أن يقرع بين الشّركاء فيما يأخذه كلّ واحد منهم، وإن كان يمكن أن يعطي كلّ شريك قسمه أو سهمه ممّا قسم. ولكن تطييباً لقلوبهم ودفعاً لتهمة المحاباة جاز له أن يقرع بينهم.
ومنها: إذا أراد الزّوج سفراً - وله أكثر من زوجة - جاز له أن يقرع بينهن، فمن خرجت قرعتها أخذها معه. كما كان رسول الله صلّ الله عليه وسلّم يفعل.
стр. 3013
القاعدة الخامسة والتّسعون بعد المئة [النّقض - البدل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ ما يحتمل النّقض لا يتمّ إلا بتسمية البدل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
النّقض: معناه الهدم والنّكث والفسخ في العقود. وما يحتمل النّقض - أي الإبطال - هو العقود وما في معناها.
فمفاد القاعدة: أنّ ما يجوز أن ينقض ويبطل لا يكون تامّاً صحيحاً إلا إذا سُمِّي وذكر فيه البدل؛ لأنّ تسمية البدل ركن فيه، فما لم يسمَّ فيه البدل لا يتمّ ولا يعتبر حتى يمكن أن يدخله النّقض والإبطال؛ لأنّه باطل ومنقوض من أصله.
وذلك كالبيع والقسمة والإجارة والكتابة والخلع والطّلاق والعتاق بِجُعْل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
اشترى سلعة أو باعها ولم يسمِّ لها ثمناً لم يتمّ العقد، ولا يحلّ للمشتري استعمال السّلعة؛ لأنّ العقد فقد ركناً من أركانه، ونقض عقد البيع يجوز إذا وجد في المبيع عيب قادح، أو وجدت السلعة مستحقّة، أو هلك المبيع عند البائع قبل قبضه.
стр. 3014
ومنها: عقد الإجارة لا يتمّ بدون ذكر الأجرة والمدّة. وعقد الإجارة يحتمل النّقض والإبطال عند الضّرورة، فما لا يتمّ لا يقبل النّقض؛ لأنّه باطل ومنقوض من أصله.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
عقد النّكاح يمكن أن يتمّ بدون تسمية المهر، فمن تزوّجت ولم يُسَمَّ لها مهر، فإن دخل بها فلها مهر مثلها، وإن لم يدخل بها وطلّقها فلها المتعة.
وعقد النّكاح عقد يحتمل النّقض بأن يظهر أنّ الزّوجة من محارمه رضاعاً أو نسباً أو يطلّقها.
стр. 3015
القاعدة السّادسة والتّسعون بعد المئة [العقود المؤبدة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ ما يصحّ تأبيده من عقود المعاوضات فلا يصحّ توقيته (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الّذي يصحّ تأبيده من عقود المعاوضات البيع والنّكاح. فلا يصحّ توقيتهما - أي جعلهما مؤقّتين بوقت يبطل البيع والنّكاح بحلوله.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا باع داراً وحدّد للمشتري خمس سنوات أو عشر لملكيّتها فالعقد باطل، إذ ينقلب عقد إجارة, لأنّ عقد البيع لا يقبل التّوقيت.
ومنها: إذا تزوّج امرأة لمدة سنة أو شهر فالعقد باطل؛ لأنّ هذا عقد المتعة المنهي عنه، وقيل يصحّ العقد ويبطل شرط التّوقيت؛ لأنّ عقد النّكاح عقد مؤبّد لا يقبل التّوقيت.
ومنها: إذا كاتب عبده على أنّه إذا أدّى نجوم الكتابة عتق وأصبح حرّاً عشر سنوات فقط. فالشّرط باطل لأنّ الحرّيّة لا تتوقّت فمن عتق فهو حر أبداً، إلا إذا لحق بدار الحرب وحارب المسلمين وأسر فإنّه يعود رقيقاً بسبب جديد.
стр. 3016
القاعدة السّابعة والتّسعون بعد المئة [مال الصّداق وعوض القصاص]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ ما يصلح أن يكون صداقاً في النّكاح يصلح أن يكون عوضاً عن القصاص (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
ما يكون صداقاً - أي مهراً - عند الحنفيّة - كلّ ما هو مال متموّل، فالصّلح عن القصاص بعوض هو مال جائز؛ لأنّه مال يُستَحقّ عوضاً عمّا ليس بمال - وهو القصاص - بالعقد. فما يجوز أن يكون مهراً في النّكاح يجوز ويصلح أن يكون بدلاً عن القصاص - أي ديّة القتيل.
وينبني على ذلك أمور: منها جواز التّصرف في بدل الصّلح - عن القصاص - قبل القبض وإن كان عيناً - كالإبل - كما يجوز التّصرّف في الصّداق قبل قبضه؛ لأنّه لو هلك الصّداق قبل القبض يجب مثله أو قيمته ولا يبطل النّكاح. فكذلك مال الصّلح.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
رجل قُتِل عمداً وله ابنان فصالح أحدهما القاتل من حصّته على
стр. 3017
ألف. فذلك الصّلح جائز، ولا شركة لأخيه فيه؛ لأنّه أسقط نصيبه من القود - أي القصاص - بعوض. وهو لو أسقطه بغير عوض جاز. والمال عوض عن القصاص استحقّه بعقد الصّلح، وهو المباشر للعقد.
стр. 3018
القاعدة الثّامنة والتسّعون بعد المئة [البيع والإجارة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ ما يصلح ثمناً في البيع يصلح أجرة في الإجارة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه قاعدة واضحة المعنى صحيحة المبنى، حيث إنّ الثّمن في البيع عوض عن السّلعة، والأجرة في الإجارة عوض عن المنافع. بل إنّ عقد الإجارة في الحقيقة عقد بيع، وهو بيع المنفعة كما هو عند الإمام الشّافعي ﵀.
فلذلك كلّ ما صلح ثمناً للمبيع في عقد البيع يصلح أجرة للمؤجَّر في عقد الإجارة. وبالمقابل فإنَّ ما لا يصلح ثمناً في البيع لا يصلح أجرةً في الإجارة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
باع أرضاً بألف دينار. وأجر عمارة بألف مثلها.
ومنها: باع سيّارة وجعل ثمنها خمراً أو خنزيراً فالبيع باطل؛ لأنّ الخمر والخنزير ليسا مالاً عند المسلم.
فكذلك إذا أجّر بيتاً على خمر أو خنزير فالأجرة باطلة وعقد الإجارة باطل كذلك.
стр. 3019
القاعدة التّاسعة والتّسعون بعد المئة [ما يفسد العبادة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ ما يفسد العبادة عمداً يفسدهاً سهواً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة ضيّقة المجال؛ إذ ليس كلّ ما يفسد العبادة عمداً يفسدها سهواً. إلا في مسائل قد وقع فيها الخلاف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا مسَّ المتوضّئ ذكره سهواً فهل ينتقض وضوؤه؟ عند المالكيّة خلاف. والرّاجح عندهم عدم النّقض بذلك؛ لأنّه لا يمكن الاحتراز منه.
ومنها: إذا أكل أو شرب ناسياً. فعند مالك ﵀ أن صومه قد فسد وعليه القضاء. لكن لا إثم عليه. وهذا المثال مطابق للقاعدة.
ومنها: من ترك ركناً في الصّلاة كالرّكوع أو السّجود عمداً أو سهواً بطلت صلاته إن لم يستدرك ذلك قبل السّلام.
والأصل أنّ السّهو والنّسيان لا يبطل العبادة بل تجبر العبادة بالسّجود للسّهو في الصّلاة في ترك واجب سهواً.
ومنها: جماع المحرم يفسد الحج والعمرة عمده وسهوه.
стр. 3020
القاعدة المتمّمة للمئتين [ما ينزل من السّماء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ ما ينزل من السّماء إلى الأرض فهو نظيف داسته الدّواب أو لم تدسه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
ما ينزل من السّماء إمّا ماء وإمّا بَرَد وإمّا ثلج، وكلّها طاهرة ونظيفة سواء داستها الدّواب بعد نزولها أم لم تدسها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الوضوء بماء المطر والغسل منه جائز ومزيل للحدث والخبث؛ لأنّه الأصل في الطّهارة بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ (٢).
ومنها: الثّلج والبَرَد النّازلين من السّماء نظيفان وطاهران، ويجوز الأكل منهما وابتلاعهما، وإذا أصابا الجسم أو الملابس فلا يلوثانها ولا ينجسانها.
ومنها: طين الشّوارع من أكثر المطر أو الماء إذا أصاب الثّوب لا ينجسه وتجوز الصّلاة فيه.
стр. 3021
القاعدة الحادية بعد المئتين [كلّ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" كلّ" متى أضيفت إلى ما يعلم منتهاه تتناول الجميع (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
لفظ "كلّ" لا يستعمل إلا مضافاً، وهو قد يضاف إلى معرفة أو إلى نكرة، كما قد يضاف إلى ما يعلم منتهاه وآخرته، وإلى ما لا يعلم منتهاه وغايته.
ومفاد القاعدة: أنّ هذا اللفظ - أي لفظ كلّ - إذا أضيف إلى ما يعلم نهايته وغايته فالحكم أنّه يتناول الجميع، بخلاف ما لا يعلم منتهاه فلا يتناول الجميع.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: أبيعك هذه المئة الرّأس من الأغنام كلّ رأس بمئة. تناول الكلّ، وترتّب على ذلك أنّه إذا ظهر عيب في بعضها ردّها بحصّتها من الثّمن.
ومنها: إذا قال: أبيعك هذه العشرة الأقفزة حنطة، وهذه العشرة الأقفزة شعيراً كلّ قفيز بدرهم، فالبيع جائز في الجميع؛ لأنّ جملة
стр. 3022
المبيع معلومة والثّمن معلوم.
وأمّا لو قال: أبيعك هذه الحنطة وهذا الشّعير - ولم يسمّ كيلهما - كلّ قفيز بدرهم، فالبيع فاسد عند أبي حنيفة ﵀؛ لأنّ عنده أنّه إذا لم تكن الجملة معلومة فإنّ ما يتناوله هذا اللفظ قفيز واحد وهو مجهول؛ لأنّه لا يعلم أنّه من الحنطة أو من الشّعير، ففسد البيع.
стр. 3023
القاعدة الثّانية بعد المئتين [المتصرّف عن غيره]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ متصرّف عن الغير فعليه أن يتصرّف بالمصلحة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التّصرّف عن الغير إمّا تطوّعاً وإمّا اشتراطاً وإمّا وجوباً. وعلى كلّ حال فكلّ من يتصرّف عن غيره أيَّ تصرّف كان يجب عليه أن يكون تصرّفه تبعاً لمصلحة المتصرَّف عنه، ولا يجوز أن يَجُرّ أو يسبّب تصرّفه ضرراً على المتصرَّف عنه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
وكّلَ وكيلاً في شراء سلعة ما بثمن مطلق، فيجب على الوكيل أن يتصرّف بما فيه مصلحة الموكّل، من حيث جودة السّلعة وتناسب الثّمن بدون غبن فاحش.
ومنها: إذا جُنَّ المكاتب وله مال. يؤدّي الحاكم عنه نجوم الكتابة - أي أقساطها - إذا كانت الحرّيّة مصلحته.
ومنها: وصي اليتيم وقيِّم الوقف وغيرهما يجب عليهما أن يتصرّفا في مال اليتيم والوقف بما فيه مصلحة اليتيم والوقف. وإلا كانا خائنين إذا تعمّدا الضّرر.
стр. 3024
القاعدة الثّالثة بعد المئتين [العرف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ متكلّم له عرف فإن لفظه عند الإطلاق يُحمل على عُرفه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تندرج تحت قاعدة "العادة محكَّمة" وتختصّ بالعرف القولي.
ومفادها: أنّ المتكلّم إذا كان له عرف فإنّ كلامه ولفظه وما ينطق به يجب حمله على عرفه عند الإطلاق وعدم التّقييد بإرادة غير العرف، وبخاصّة في باب الأيمان والمعاملات.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
اشترى سيّارة أو باعها بعشرة آلاف وأطلق، ولم يعيّن نوع النّقود، فيصرف لفظه ويحمل على النّقود المعتاد التّعامل بها في بلده.
ومنها: حلف لا يأكل لحماً. فلا يحنث بأكل السّمك أو الدّجاج؛ لأنّ العرف لا يسمّي السّمك والدجاج لحماً.
ومنها: الأصولي والمتكلّم إذا ذكر العلّة والشّرط والمانع والعرض وغيرها من مصطلحات الكلام والأصول إنّما تحمل على
стр. 3025
معناها عندهم لا على معانيها اللغويّة.
ومنها: العروضي إذا ذكر السّبب والوتد والفاصلة فإنّما تحمل على معانيها العرفيّة عند العروضيّين. فالسّبب حرفان متحرّكان أو متحرّك فساكن.
والوتد ثلاثة أحرف وهو وتد مجموع ووتد مفروق والفاصلة كبرى وهي خمسة أحرف وتد وسبب وصغرى وهي أربعة أحرف = سببين.
стр. 3026
القاعدة الرّابعة بعد المئتين [المجتهد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ مجتهد مصيب أو كالمصيب (١). أصوليّة فقهيّة.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المجتهد: هو مَن توفّرت فيه أوصاف المجتهدين، وكان قادراً على استنباط الأحكام من أدلّتها.
فمفاد القاعدة: أنّ الفقه أو المفتي أو الحاكم إذا اجتهد في بيان حكم واقعة اجتهاديّة غير نصّيَّة، فهو مصيب في اجتهاده سواء أخطأ أم أصاب؛ لأنّ المراد بالإصابة - لا إصابة عين الحكم عند الله ولكن الحكم الّذي يتوصّل إليه المجتهد باجتهاده الصّحيح، فإن أصاب باجتهاده حكم الله فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد وهو أجر الاجتهاد، فهو كالمصيب؛ لأنّه أدّى ما طُلِب منه. وليس المراد أنّ كلّ مجتهد مصيب في حكمه، وإلا وقع التّعارض بين الأحكام بدعوى أنّ كلاً منها صواب.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
اختصم اثنان أمام القاضي فبعد سماع أقوالهما وأقوال الشّهود
стр. 3027
اجتهد وحكم لأحدهما بالمدَّعى، فهو في هذه الحالة مصيب في اجتهاده حتى وإن كان الحقّ لغير مَن حُكم له، ما دام قد اجتهد في إيصال الحقّ بحسب وسعه وطاقته.
ومنها: عميت عليه القبلة، فاجتهد وتحرّى وصلّى إلى الجهة التي غلب على ظنّه أنّها جهة القبلة، فصلاته صحيحة، وحتى لو تبيّن له الخطأ من بعد، فليس عليه الإعادة ولا القضاء.
стр. 3028
القاعدة الخامسة بعد المئتين [المُخَيَّر بين شيئين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلُّ مُخَيَّر بين شيئين إذا اختار أحدهما تعيَّن عليه ولا يعود على الآخر (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة واضحة المبنى معقولة المعنى؛ لأنّ معنى التّخيير التّسوية بين الفعل والتّرك، أو بين الأخذ وعدمه، ولا يجتمع في التّخيير الأمران معاً.
فكلّ مَن خُيّر بين أمرين ثمّ بعد التّفكير والتّدبّر والنّظر اختار أحدهما، فتعيّن عليه أخذه أو العمل به وامتنع عليه الآخر.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
أراد أن يشتري سيّارة فخيّره البائع بين سيّارتين إحداهما حمراء والأخرى بيضاء، فإن اختار البيضاء امتنع عليه أخذ الحمراء.
ومنها: أراد الزّواج فخيّره الولي بين ابنتيه باسمة وعلياء، فإذا اختار باسمة امتنع عليه اختيار علياء.
стр. 3029
القاعدة السّادسة بعد المئتين [المسألة المختلف فيها - العمل على رأي الأكثر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ مسألة اختلف فيها فالعمل على ما قاله الأكثر (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تمثّل مبدأ عند الحنفيّة مبنيّاً على أنّ المذهب الحنفي - وإن كان يحمل اسم أبي حنيفة ﵀ ليس مذهب شخص معيَّن مفرد، بل هو مذهب اشترك في وضعه جماعة وعلى رأسهم ثلاثة كبارهم: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن ﵏، ولذلك فقد وقع الخلاف بينهم في أحكام كثير من المسائل.
فمفاد القاعدة: أنّ كلّ مسألة وقع فيها الاختلاف بين الأئمة الثّلاثة أن يكون العمل فيها على ما اتّفق عليه الأكثر، فما اتّفق عليه أبو حنيفة وأبو يوسف مرجّح على ما انفرد به محمد بن الحسن. وما اتّفق عليه أبو يوسف ومحمد مرجّح على ما انفرد به أبو حنيفة. وهكذا وقد خرج على ذلك مسائل رُجِّح فيها قول أبى حنيفة وحده، أو قول أبي يوسف وحده، ومسائل لم يقع فيها ترجيح.
стр. 3030
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كانت دار أو أرض أو قرية مشهورة باسم رجل، ولم يذكر الشّهود حدودها, لا تقبل شهادتهم عند أبي حنيفة ﵀ حتى يبيّنوا الحدود. ولكن عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تقبل شهادتهما ولو لم يبيّنوا الحدود اكتفاءً بالشّهرة، والعمل على قولهما.
ومنها: رجل عنده عنب فباعه ممّن يتّخذه خمراً، أو عنده دار فأجرها ممّن يتّخذها للمعاصي، فعند أبي حنيفة ﵀ يجوز ذلك. وعند الصّاحبين يكره ممّن يعلم أنّه أراد المعصية، والعمل على قولهما حال العلم.
ومنها: شهدوا على رجل بالزّنا، فرجمه القاضي ثمّ تبيّن أنّ الشّهود عبيد، فَدِيَة المرجوم في بيت المال؛ لأنّه خطأ القاضي، وهذا عند الصّاحبين وعليه العمل، وأمّا عند أبي حنيفة فلا ضمان على أحد.
стр. 3031
القاعدة السّابعة بعد المئتين [المسبِّب والمباشر]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
كلّ مسبِّب لم يطرأ عليه مباشر كان عليه الضّمان (١).
وفي لفظ: يضاف الفعل إلى المسبِّب إن لم يتخلّل واسطة (٢). وتأتي في قواعد حرف الياء إن شاء الله.
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
المتسبِّب والمباشر متقابلان. والأصل أنّ الضّمان على المباشر - أي الّذي وقع الفعل بمباشرته له، ولكن قد يجب الضّمان على المسبِّب أو المتسبِّب في التّلف - دون المباشر - وذلك مشروط بأن لا يطرأ عليه مباشر، أو أن لا يتخلّل واسطة بين المسبِّب والتّلف. والمتسبّب أو المسبِّب - هو كلّ من جَعَل سبباً لوقوع الحادثة ولو لم يباشر.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
حافر البئر متسبّب، والمُرَدِّي فيها آخر مباشر، ففي هذه
стр. 3032
الصّورة الضّمان على المُرَدِّي لأنّه مباشر.
لكن إذا حفر بئراً في طريق المسلمين بغير إذن، ولم يضع عليها علامات إرشاديّة أو إشارات تنبّه السّائرين فوقع فيها إنسان أو دابّة، فالحافر ضامن وإن لم يكن مباشراً؛ لأنّه المتسبّب.
ومنها: إذا قذف إنساناً في البحر فالتقمه الحوت، فالضّمان على القاذف مع أنّه متسبّب في هلاك المقذوف؛ لأنّ الحوت ليس أهلاً للضّمان.
ومنها: رجل رشّ الماء في طريق المسلمين ولم يدع ممرّاً - فعطب بذلك إنسان. كان ضمانه على الرّاش؛ لأنّه مسبّب ولم يطرأ عليه مباشر، ولأنّ ما فعله مباح والمباح مقيّد بشرط السّلامة.
ومنها: إذا رمى في الأرض قشور موز فزلق بها إنسان فكسرت رجله أو يده فعلى الرّامي الضّمان؛ لأنّه مسبّب، ولم يطرأ عليه مباشر ولا واسطة.
ومنها: ألقى حيّة فعطب بها إنسان، فإذا كان العطب بمجرّد الإلقاء قبل أن تتحرّك بنفسها عن وضعها فالضّمان على الملقي. وأمّا إذا تحرّكت عن موضعها فلا ضمان عليه لأنّه تخلل بين الإلقاء والعطب واسطة وهو تحرّك الأفعى بنفسها وانتقالها.
стр. 3033
القاعدة الثّامنة بعد المئتين [المسكر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ مسكر حرام (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة نصّ حديث كريم من أحاديث المصطفى ﷺ وهو من جوامع كَلِمِه ﵊ وقد ورد بلفظ "كلّ مسكر خمر وكلّ مسكر حرام".
تخريج الحديث: أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الأشربة - باب بيان أنّ كلّ مسكر حرام جـ ٣ الحديث رقم ١٥٨٦ عن عائشة ﵂. والبخاري في كتاب الأدب باب ٨٠، والأحكام باب ٢٢، والمغازي ٦٠. وأبو داود في الأشربة حديث رقم ٥، ٧، والترمذي في الأشربة ١، ٢، والنسائي في الأشربة ٥٣، ٤٥، ٤٠، ٤٩، وابن ماجه في الأشربة ٩، ١٣، ١٤، والدّارمي في الأشربة رقم ٨. والطبراني في الضحايا رقم ٨، وأحمد في عدّة مواضع. ينظر المعجم المفهرس جـ ٢ ص ٤٩١.
فالحديث نصّ في بيان أنّ كلّ ما أسكر وغطّى على العقل فهو خمر - وليس بخصوص العنب أو التّمر - سواء كان من النّبات أم من
стр. 3034
الجماد، وبيان أنّ كلّ ما أسكر فهو حرام لا يجوز تناوله سواء أسكر قليله أم لم يسكر إلا كثيره.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
مهما اختلف أسماء المشروبات، أو اختلف ألوانها وطعومها، أو اختلف أصولها المصنوعة منها، أو طرق صنعها أو كانت سائلة أو جامدة أو غازيّة، ما دامت تسكر وتغطّي عقل شاربها ومتناولها فهي حرام كلّها ومتناولها يجب إقامة حدّ الشّرب عليه.
ومنها: ماء الشّعير الّذي يسمّونه بيرة إذا اختلط مع الغول - أي ما يسمّى بالكحول - فهو حرام, لأنّه مسكر.
ومنها: ما يسمّونه "عَرَق أو نبيذ" هو حر ام لأنّهما مشروبان مسكران - وما يطلق عليه نبيذ هو عصير العنب إذا تزبب - أي أصبح العنب زبيباً. وهو غير النبيذ المذكور في كتب الفقه.
стр. 3035
القاعدة التّاسعة بعد المئتين [المسلم أمين - حقّ الشّرع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ مسلم أمين مقبول القول فيما هو من حقّ الشّرع (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
من باب حسن الظّنّ بالمسلمين فإن قول كلّ منهم مقبول ومعتبر فيما هو من حقوق الشّرع؛ لأنّ المسلم شأنه ألا يقدم على قول في حقّ شرعي يتعمّد فيه الخطأ والإضلال؛ لأنّ دينه وتقواه يمنعانه من القول على الله بغير علم، كما يمنعانه من الكذب على عباد الله في حقّ من حقوق الشّرع.
ولكن إذا وجد زمن تعالم فيه كثير من الناس وقلّ الورع وغلَب الفساد وتجرّأ كثير من الناس على القول والفتيا بغير علم، فإنّ على المرء أن يتبيّن صدق قول القائل وصحّته شرعاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أقرّت أمرأة أنّ زوجها قد جامعها - وأنكر الزّوج ثم فارقها - وانقضت عدّتها، حَلَّ لزوجها الأوّل الّذي كان قد طلّقها ثلاثاً أن يصدقها ويتزوّجها؛ لأنّها أخبرت عن أمر بينها وبين ربّها وهو حلّها للزّوج
стр. 3036
الأوّل، ولا حقَّ للزّوج الثّاني في ذلك.
ومنها: إذا قالت امرأة: طلّقني زوجي، أو مات عنّي وانقضت عدّتي، حلَّ لخاطبها أن يتزوّجها ويصدقها؛ لأنّ الحلّ والحرمة من حقّ الشّرع.
ومنها: إذا اشتبهت عليه القبلة في دار غربة فسأل عنها فأرشده مسلم إليها جاز له الصّلاة إلى الجهة المشار إليها.
ومنها: إذا شكّ في طهارة ماء وأراد الوضوء فسأل من هو بجوار الماء فأخبره مسلم أنّ هذا ماء طاهر. جاز له الوضوء منه.
стр. 3037
القاعدتان العاشرة والحادية عشرة بعد المئتين [المشكوك فيه]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
كلّ مشكوك فيه ملغى في الشّريعة، أو يجعل كالمعدوم الّذي يُجزم بعدمه (١).
وفي لفظ: كلّ مشكوك فيه سواء كان سبباً أو شرطاً أو مانعاً ملغى (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هاتان القاعدتان لهما صلة وثيقة بقاعدة "اليقين لا يزول بالشّكّ". فإذا كان اليقين هو المعتبر في الأحكام - ومثله غلبة الظّنّ وأكبر الرّأي - فإن الشّكّ بالمقابل لا اعتبار له ولا تبنى عليه الأحكام.
والشّكّ: هو التّردّد بين أمرين دون مرجّح لأحدهما.
وبناء على ذلك فإنّ كلّ مشكوك فيه، في وجوده ووقوعه أو انتفائه يعتبر ملغى في الشّريعة ويجعل كالمعدوم الّذي يقطع ويجزم بعدمه؛ لأنّ كلّ مشكوك فيه يقابله أمر متيقّن منه واليقين لا يزول بالشّكّ. والشّكّ إمّا أن يكون في السّبب أو في الشّرط أو في المانع.
стр. 3038
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا شكّ هل طلّق أو لم يطلّق. بقيت العصمة؛ لأنّ الطّلاق هو سبب زوال العصمة وقد شككنا فيه فنستصحب الحال المتقدّمة - وهي يقين النّكاح.
ومنها: إذا شككنا في زوال الشّمس فلا تجب صلاة الظّهر.
ومنها: إذا شككنا في دخول الشّهر فلا يجب الصّوم.
ومنها: إذا شككنا في الطّهارة فإنّا لا نقدم على الصّلاة حتى نتطهّر.
ومنها: إذا شككنا في الحيض فلا تمتنع عن الصّلاة ولا يمتنع عنها زوجها حتى ترى الدّم.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة عند مالك ﵀:
إذا شكّ في بقاء طهارته المتيقّنة فعليه الوضوء؛ لأنّ الشّكّ في الطّهارة يوجب الشّكّ في صحّة الصّلاة الواقعة سبباً مبرئاً للذّمّة، والذّمّة أعمرت بوجوب الصّلاة يقيناً فلا تبرأ الذّمّة بالمشكوك فيه، وأيضاً "إنّ الشّكّ في الشّرط مانع من ترتّب المشروط" كما تقدّم بيانه (١).
стр. 3039
القاعدة الثّانية عشرة بعد المئتين [المعصية - التّعزير]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ معصية ليس فيها حدّ مقدّر ففيها التّعزير (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المعاصي التي يرتكبها المكلّفون تنقسم إلى قسمين رئيسين من حيث ترتّب العقوبات عليها. فقسم حدّد له الشّارع عقوبة رادعة - وهو المسمّى بالحدود.
وقسم آخر لم يحدّد له الشّارع عقوبة محدّدة وترك تحديد عقوبة كلّ معصية لاجتهاد الحاكم فيما يراه رادعاً وزاجراً وهو المسمّى في الشّرع بالتّعزير.
فالتّعزير - كما سبق بيانه - عقوبة غير مقدّرة على جرائم ومعاصٍ غير محدّدة ترك أمر تحديد عقوبة كلّ معصية أو جريمة لاجتهاد الحاكم فيما يراه ملائماً للمصلحة.
ولكن الأنظمة الآن حدّدت لكلّ جريمة أو معصية عقوبة تناسبها، إمّا سجن المجرم أو العاصي وإمّا جلده بحسب جرمه، وإمّا تغريمه مالاً - وذلك خارج نطاق الحدود الشّرعيّة - فالقاضي يحكم بموجب هذه الأنظمة ويصدر الحكم بناء على العقوبة المقدّرة في النّظام، فهو ليس
стр. 3040
حرّاً في تقدير العقوبة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أكل مسلم لحم خنزير - وعلم به الحاكم - فله تعزيره بما يراه رادعاً. لأنّ أكل لحم الخنزير - مع ورود تحريمه - لم يحدّد له الشّرع عقوبة محدّدة.
ومنها: من أفطر في رمضان بغير عذر وجاهر بإفطاره، فللحاكم تعزيره بما يراه رادعاً.
ومنها: من شتم آخر بغير لفظ القذف، فعليه التّعزير بما يكون مناسباً وزاجراً.
стр. 3041
القاعدة الثّالثة عشرة بعد المئتين [المعنى القائم بشيئين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ معنى يقوم بشيئين ولا يتمّ بأحدهها يجعلان كشيء واحد في حقّ ذلك المعنى, لأنّ الغرض المطلوب لا يحصل إلا بهما (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة لها صلة بالعلّة ذات الوصفين أو الأوصاف المتعدّدة، وبالحكم ذي الشّرطين؛ لأنّه سبق بيان أنّ العلّة لا يتمّ الحكم إلا بوجود جميع أوصافها وإذا فقد أحد أوصافها انتفى الحكم.
فمفاد القاعدة: أنّ كلّ حكم أو أمر أو معنى حسّيّاً كان ذلك أو معنويّاً لا يتمّ إلا بشيئين لا يتمّ ولا يوجد بأحدهما، فإنّ هذين الشّيئين أو الوصفين يعتبران كشيء واحد في بناء ذلك الحكم عليهما؛ لأنّ الغرض المقصود لا يحصل إلا بهما.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الباب ذا المصراعين - أي الدّرفتين - والنّعل والحذاء والخفّ وما يجري مجرى هذا هما في الواقع شيئان، وفي الحكم والمعنى شيء واحد، وقد سبق بيان أنّه إذا وجد عيب في أحدهما وجب ردّ كليهما؛
стр. 3042
لأنّهما كالشّيء الواحد.
ومنها: القتل الموجب للقصاص: هو القتل العمد العدوان من مكافئ غير والد، فإذا فقد وصف من هذه الأوصاف لم يجب القصاص. وينظر القاعدة رقم ١٤٨ من قواعد حرف الكاف.
стр. 3043
القاعدة الرّابعة عشرة بعد المئتين [النّيّة المشتركة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ مفروضين لا تجزيهما نيَّة واحدة (١). تحت قاعدة النيّة.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
كلّ فرض وواجب يحتاج إلى نيَّة خالصة له ليصحّ أداؤه. بل كلّ عبادة من العبادات - لها مثيل في العادات - لا تكون عبادة إلا بالنّيَّة المميّزة لها.
فمفاد هذه القاعدة: أنّه ليس في الشّرع عبادتان مفروضتان تجزئ فيها نيَّة واحدة عن كليهما ويصحّان بها، بل يبطل كلاهما إذا نواهما صاحبهما بنيّة واحدة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
نوى بصلاته صلاة الوقت وقضاء فائتة. فلا تصحّ نيَّته وبالتّالي لا تصحّ صلاته أداء ولا قضاء.
ومنها: نوى بصومه صوم فرض رمضان وقضاء ليوم آخر من رمضان سابق أو صوم نذر، فلا تصحّ نيّته، ولكن عند الحنفيّة يصحّ صومه عن يومه فقط.
стр. 3044
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
الحجّ والعمرة فهما تجزئهما نيّة واحدة عند الإحرام وذلك في نيَّة الحج قارناً بين الحج والعمرة في أشهر الحج.
стр. 3045
القاعدة الخامسة عشرة بعد المئتين [المكروه]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كل مكروه في الجماعة يسقط فضيلتها (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا فعل المقتدي فعلاً مكروهاً في الصّلاة خلف إمامه، فهذا الفعل يسقط فضيلة الجماعة. لكن ما المراد بفضيلة الجماعة؟. هل هو سقوط ثواب الجماعة؟ فكأنّ فاعل المكروه صلّى منفرداً. أو هو بطلان صلاة المأموم؟.
من خلال الأمثلة نرى أنّ منها: ما يسقط ثواب الجماعة بالنّسبة للفاعل، ولكن لا تبطل صلاته. ومنها: ما يبطل صلاته بالكلّيّة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قارن المقتدي الإمام في الأفعال كالرّكوع والقيام والسّجود ولم يتابعه، ففي هذه الحال صلاته صحيحة ولكن يكره له ذلك، فهذا قد يسقط ثواب الجماعة بالنسبة له. لكن إذا لم يتأخّر عن الإمام في تكبيرة الإحرام وقارنه بها أو سابقه فقد بطلت صلاته.
ومنها: إذا تقدّم على الإمام في الأفعال كأن ركع أو سجد قبله فقد بطلت صلاته.
стр. 3046
ومنها: إذا فارق الإمام - فقد سقط ثواب الجماعة - وصلاته تعتبر صلاة منفرد.
ومنها: إذا نوى أن يقتدي بالإمام وهو أثناء صلاته، فهو مكروه.
ومنها: إذا صلّى منفرداً خلف الصّف.
ومنها: إذا صلّى قضاء خلف إمام يصلّي أداءً. فهو خلاف الأولى وصلاته صحيحة.
ومنها: صلاة النّوافل المطلقة في الجماعة، قالوا: إنها لا تستحب فيها.
ومنها: إذا لم يتمّ الصّف الأوّل، وَوُجِدَ صفّ ثانٍ قبل إتمام ما أمامه، فهو مكروه.
стр. 3047
القاعدة السّادسة عشرة بعد المئتين [كفّارة الحنث]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ مكلّف حنث في يمينه لزمته الكفّارة، حراً كان أو عبداً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحنث في اليمين: الأصل في معنى الحنث: الذّنب. ولكن في اليمين هو: الخُلف فيه. والمخالفة لما انعقدت عليه اليمين، إمّا بفعل ما حَلَف عليه ألاّ يفعله، وإمّا بعدم فعل ما حلف عليه أن يفعله مع القدرة على فعله.
فالحنث في اليمين يوجب الكفّارة على الحانث مطلقاً، حرّاً كان أو عبداً ذكراً كان أو أنثى، إذا كان مسلماً بالغاً عاقلاً، وكان اليمين بالله تعالى.
والكفّارة: إمّا عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم على التّخيير بين هذه الثّلاثة. فإن لم يستطع واحداً منها فعليه صيام ثلاثة أيّام. وهذا أمر متّفق عليه بين جميع علماء المسلمين؛ للآية الصّريحة في ذلك. وهي قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي
стр. 3048
أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (١).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
حلف أن لا يكلّم واحداً من الناس، ثمّ كلّمه يجب عليه كفّارة الحنث في يمينه.
ومنها: حلف أن يعطي فلاناً من النّاس شيئاً، فلم يعطه وهو قادر على ذلك، فإذا لم يحدد وقتاً للإعطاء فلا يحنث إلا بالموت. وأمّا إن حدّد وقتاً ومضى ذلك الوقت ولم يعطه فقد حنث وعليه كفّارة يمين. والمرأة كالرّجل في ذلك.
ومنها: حلف عبد أن لا يعصي سيّده. ثمّ عصاه، فعليه كفّارة يمين. ولما كان العبد لا يملك فيجب عليه صيام ثلاثة أيّام وسقطت عنه الكفّارة بالعتق أو الإطعام أو الكسوة، لكن إن تحرّر قبل التّكفير، وملك مالاً، يستطيع به أن يطعم أو يكسو أو يعتق فيجب عليه ولا يجزئه الصّوم.
стр. 3049
القاعدة السّابعة عشرة بعد المئتين [جواز بيع ما ينتفع به]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
كلّ مملوك أبيح الانتفاع به يجوز بيعه إلا ما استثناه الشّرع (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
البيع إنّما يقع على مملوك للبائع، والمملوك قد يباح الانتفاع به وقد لا يباح. وسواء في ذلك الأعيان أو المنافع.
فمفاد القاعدة: أنّ ما يجوز بيعه من الممتلكات إنّما هو المملوك الّذي أباح الشّرع الانتفاع به. وأمّا ما لم يبح الشّرع الانتفاع به فلا يجوز بيعه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ملك دابّة أو سيّارة أو أرضاً أو داراً فيجوز له التّصرف بها بالبيع؛ لأنّه يجوز ويباح له الانتفاع بها.
ومنها: من ملك دابّة أو سيّارة أو أرضاً أو داراً فيجوز له كراؤها وتأجيرها؛ لأنّه يجوز له ويباح الانتفاع بها. والإجارة بيع المنافع.
ومنها: جواز بيع بهيمة الأنعام والخيل والصيود والبغل والحمار
стр. 3050
وسباع البهائم وجوارح الطّير الّتي تصلح للصّيد.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
الكلب وأمّ الولد والوقف لا يجوز بيع أي منها، وإن كان الانتفاع بها مباحاً فالكلب ثمنه خبيث لورود النّص بعدم بيعه - وهذا في الكلب غير المعلّم، وأمّا في الكلب المعلَّم ففيه خلاف. وأُمّ الولد لا يجوز بيعها في الأصحّ. والوقف أصبح ملكاً لله تعالى فلا يجوز بيعه وإن كان يباح الانتفاع به.