← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14596

موسوعة القواعد الفقهية

محمد صدقي آل بورنو

Полный текст (5 326 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

ومنها: إذا فارق الإمام - فقد سقط ثواب الجماعة - وصلاته تعتبر صلاة منفرد. ومنها: إذا نوى أن يقتدي بالإمام وهو أثناء صلاته، فهو مكروه. ومنها: إذا صلّى منفرداً خلف الصّف. ومنها: إذا صلّى قضاء خلف إمام يصلّي أداءً. فهو خلاف الأولى وصلاته صحيحة. ومنها: صلاة النّوافل المطلقة في الجماعة، قالوا: إنها لا تستحب فيها. ومنها: إذا لم يتمّ الصّف الأوّل، وَوُجِدَ صفّ ثانٍ قبل إتمام ما أمامه، فهو مكروه.

стр. 3047

القاعدة السّادسة عشرة بعد المئتين [كفّارة الحنث] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ مكلّف حنث في يمينه لزمته الكفّارة، حراً كان أو عبداً (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الحنث في اليمين: الأصل في معنى الحنث: الذّنب. ولكن في اليمين هو: الخُلف فيه. والمخالفة لما انعقدت عليه اليمين، إمّا بفعل ما حَلَف عليه ألاّ يفعله، وإمّا بعدم فعل ما حلف عليه أن يفعله مع القدرة على فعله. فالحنث في اليمين يوجب الكفّارة على الحانث مطلقاً، حرّاً كان أو عبداً ذكراً كان أو أنثى، إذا كان مسلماً بالغاً عاقلاً، وكان اليمين بالله تعالى. والكفّارة: إمّا عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم على التّخيير بين هذه الثّلاثة. فإن لم يستطع واحداً منها فعليه صيام ثلاثة أيّام. وهذا أمر متّفق عليه بين جميع علماء المسلمين؛ للآية الصّريحة في ذلك. وهي قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي

стр. 3048

أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (١). ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: حلف أن لا يكلّم واحداً من الناس، ثمّ كلّمه يجب عليه كفّارة الحنث في يمينه. ومنها: حلف أن يعطي فلاناً من النّاس شيئاً، فلم يعطه وهو قادر على ذلك، فإذا لم يحدد وقتاً للإعطاء فلا يحنث إلا بالموت. وأمّا إن حدّد وقتاً ومضى ذلك الوقت ولم يعطه فقد حنث وعليه كفّارة يمين. والمرأة كالرّجل في ذلك. ومنها: حلف عبد أن لا يعصي سيّده. ثمّ عصاه، فعليه كفّارة يمين. ولما كان العبد لا يملك فيجب عليه صيام ثلاثة أيّام وسقطت عنه الكفّارة بالعتق أو الإطعام أو الكسوة، لكن إن تحرّر قبل التّكفير، وملك مالاً، يستطيع به أن يطعم أو يكسو أو يعتق فيجب عليه ولا يجزئه الصّوم.

стр. 3049

القاعدة السّابعة عشرة بعد المئتين [جواز بيع ما ينتفع به] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ مملوك أبيح الانتفاع به يجوز بيعه إلا ما استثناه الشّرع (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: البيع إنّما يقع على مملوك للبائع، والمملوك قد يباح الانتفاع به وقد لا يباح. وسواء في ذلك الأعيان أو المنافع. فمفاد القاعدة: أنّ ما يجوز بيعه من الممتلكات إنّما هو المملوك الّذي أباح الشّرع الانتفاع به. وأمّا ما لم يبح الشّرع الانتفاع به فلا يجوز بيعه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: ملك دابّة أو سيّارة أو أرضاً أو داراً فيجوز له التّصرف بها بالبيع؛ لأنّه يجوز ويباح له الانتفاع بها. ومنها: من ملك دابّة أو سيّارة أو أرضاً أو داراً فيجوز له كراؤها وتأجيرها؛ لأنّه يجوز له ويباح الانتفاع بها. والإجارة بيع المنافع. ومنها: جواز بيع بهيمة الأنعام والخيل والصيود والبغل والحمار

стр. 3050

وسباع البهائم وجوارح الطّير الّتي تصلح للصّيد. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: الكلب وأمّ الولد والوقف لا يجوز بيع أي منها، وإن كان الانتفاع بها مباحاً فالكلب ثمنه خبيث لورود النّص بعدم بيعه - وهذا في الكلب غير المعلّم، وأمّا في الكلب المعلَّم ففيه خلاف. وأُمّ الولد لا يجوز بيعها في الأصحّ. والوقف أصبح ملكاً لله تعالى فلا يجوز بيعه وإن كان يباح الانتفاع به.

стр. 3051

القاعدتان الثّامنة والتّاسعة عشرة بعد المئتين أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: كلّ مَن أخبر عن فعل نفسه قبلناه؛ لأنّه لا يعلم إلا من جهته. إلا حيث تتعلق به شهادة أو دعوى (١). وفي لفظ: كلّ ما لا يعلم إلا من جهة الشّخص يقبل قوله فيه (٢). ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما: هاتان قاعدتان معقولتا المعنى واضحتا المبنى؛ لأنّ ما لا يمكن علمه ولا معرفته إلا من صاحب العلاقة، أو ممّن فعله فيجب قبول قوله فيه مع يمينه؛ لأنّنا لو لم نقبل قوله فيما هو من خصائصه وأفعاله أو ممّا ينفرد بعلمه لضاع حقّ أو حقوق ولوقع ظلم، وضياع الحقوق لا يجوز، وإيقاع الظّلم بالبرءاء ممنوع ومدفوع. لكن استثني من عدم قبول قوله إذا تعلّق به أحد أمرين: الأوّل: ما تتعلّق به شهادة يتعلّق بها حقوق للغير، والثّاني: أن يتعلّق به دعوى.

стр. 3052

ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما: إذا توفّي شخص وطالب ورثته باقتسام تركته، فادّعت زوجته أنّها حامل. فيوقف تقسيم التّركة حتّى يتبيّن حملها؛ لأنّ كونها حاملاً لا يعلم إلا من جهتها ومن قِبلها وبخاصة في أشهر الحمل الأولى. ومنها: إذا وجب قصاص على امرأة أو حدّ رجم فادّعت الحمل، فيكفّ عن قتلها حتّى تضع حملها. ومنها: إذا ادّعت المطلّقة الرّجعيّة أنّها حاضت ثلاث حيض امتنعت رجعتها، وإن أنكر زوجها ذلك, لأنّ هذا لا يعلم إلا من قِبَلها وبخاصّة إذا كانت المدّة محتملة. ومنها: المودَع إذا ادّعى تلف الوديعة يقبل قوله مع يمينه في السّبب الخفيّ والظّاهر؛ لأنّ المودِع ائتمنه، فلزمه تصديقه. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هاتين القاعدتين: لا يصدّق السّفيه في دعوى توقان نفسه واحتياجه للنّكاح، وهذا إذا كان له زوجة وأراد أخرى. ومنها: شهادة المرضعة بقولها: أشهد أنّي أرضعته. ففي قبول قولها وجهان عند الشّافعيّة أصحّهما القبول والثّاني عدمه؛ لأنّها شهادة على فعل النّفس، فلتقل إنّه ارتضع منّي، وإن كان الإرضاع قد يعلم من غير طريقها. ومنها: الحاكم بعد عزله إذا قال: أشهد أنّي حكمت بكذا. ففيه وجهان: الصّحيح عدم القبول؛ لأنّها شهادة على فعل نفسه.

стр. 3053

ومنها: القُسَّام إذا قَسموا ثمّ شهدوا لبعض الشّركاء على بعض أنّهم قسموا بينهم واستوفوا حقوقهم بالقسمة، والصّحيح عدم القبول أيضاً، ولأنها شهادة على فعل أنفسهم. ومنها: ادّعت المرأة أنّ هذا الولد - وهو مجهول النّسب - مُستَولَد من هذا الرّجل أو السّيّد - فإذا أرادت إثبات النّسب لا تسمع منها الدّعوى. وأمّا إن قصدت إثبات أمّيّة الولد ليمتنع بيعها وتعتق بموته سمعت وحلِّف السيد.

стр. 3054

القاعدة العشرون بعد المئتين [أداء الدّين] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ من أدّى دين غيره بدون إذنه فهو متبرّع لا رجوع له (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: إنّ من دفع مالاً لدائن بدون إذن المدين فهو متبرع بالدّفع، وليس له بعد ذلك أن يطالب المدين بما دفع. لكن إذا كان الدّفع بإذن المدين فله الرّجوع عليه بما دفع. وهذه القاعدة ليست خاصّة بقضاء الدّين بل تعمّ كلّ تصرّف يكون بغير إذن المتصرَّف عنه؛ لأنه لا يملِّك أحدٌ غيرَه شيئاً بغير اختياره وإذنه إلا الميراث. ولكن لا يمنع ذلك المدفوع عنه أداء ما دفع. أمّا الدّافع فلا حقّ له في المطالبة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: دفع ديناً لعمرو على خالد بدون إذن خالد. فليس له أن يرجع على خالد ويطالبه بما دفعه عنه، أمّا لو أعطاه خالد فله أخذه. ومنها: اشترى سلعة - كسيّارة أو جهاز - فجاء آخر ودفع عنه

стр. 3055

الثّمن بغير إذنِه، فليس للدّافع مطالبة المشتري بعد ذلك بالثّمن الّذي دفعه للبائع. ومنها: استأجر داراً أو دابّة أو دكاناً بأجرة معلومة، جاء شخص آخر فدفع الأجرة لصاحب الدّار أو الدّابّة أو الدّكان، بغير إذن المستأجر. فليس للدّافع بعد ذلك مُطالبة المستأجر بما دفع؛ لأنّه دفع عنه بغير إذنه، فهو متبرع. رابعاً: من المسائل المستثناة من هذه القاعدة: إذا أعار إنساناً شيئاً ليرهنه، ثمّ إنّ ذلك المُعير افتكّ المرهون من المرتهن ودفع الدّين، فإنّه يرجع على المستعير الرّاهن بما أدّاه، وذلك مع أنّه أدّى دين غيره بغير إذنه لكنّه هو مضطرّ لأجل تخليص ملكه. فلا يقال فيه: إنّه متبرّع.

стр. 3056

القاعدة الحادية والعشرون بعد المئتين [مدّعي البراءة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ من ادّعى براءَة ذمته بإبراء أو قضاء لم يقبل قوله إلا ببيِّنة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الذّمّة إذا أشغلت أو أعمرت بحقّ، ثم ادّعى صاحبها أنّ ذمّته قد برئت من الحقّ الّذى شغلت به بإبراء صاحبه إيّاه، أو بقضائه للحقّ وأدائه لصاحبه - وأنكر صاحب الحقّ دعواه - فإنّ قوله هذا - أي المدّعي - لا يقبل منه إلا ببيِّنة؛ لأنّه مُدَّعٍ، والمدّعى عليه البيِّنة. أو إذا اعترف صاحب الحقّ بالإبراء. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: رجل عليه دين لآخر. فادَّعى أنّ الدّائن أبرأه من دينه، أو أنّه أدّى دينه، فهذه دعوى - وهذا القول لا يقبل منه إلا إذا جاء الشّهود يشهدون له بذلك، أو أقرّ الدّائن بالإبراء أو الأداء. ومنها: إذا قذف شخص آخر. وقبل إقامة الحدّ عليه ادّعى أنّ المقذوف أسقط حقّه. فلا يقبل منه إلا ببيِّنة أو إقرار من المقذوف. وهذا عند من يعتبرون القذف من حقوق العبد.

стр. 3057

ومنها: إذا استأجر رجل داراً، فأمره صاحب الدّار بإنفاق الأجرة على عمارتها، فادّعى مقداراً. فكذبه صاحب الدّار، فلا يقبل قول المستأجر في مقدار النّفقة الّذي يدّعيه إلا ببيِّنة؛ لأنّ المستأجر ملتزم بالأجرة، وهي مستقرة في ذمّته، فهو بدعواه يدّعي براءَة ذمته عن ذلك المقدار من الأجرة.

стр. 3058

القاعدة الثّانية والعشرون بعد المئتين: [القضاء على الغائب] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلُّ مَن ادُّعِي قِبَلَه حقّ لا يثبت إلا بقضاء على الغائب قُضِي عليه وعلى الغائب (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الأصل أنّ الحقّ المدَّعى لا يثبت إلا على حاضر أو وكيل غائب؛ لأنّ الحكم على الغائب قبل سماع أقواله أو وكيله لا يجوز؛ فلعله لو حضر أو وكّل أبدى دفعاً للحقّ المطلوب. لكن مفاد القاعدة: أنّه إذا ادِّعي على حاضر حقّ، وهذا الحقّ لا يثبت إلا بقضاء على غائب لصلته به، فإنّ القاضي يقضي على الحاضر والغائب؛ حيث إنّ القضاء على الغائب جاء تبعاً للقضاء على الحاضر. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: رجل ادّعى على آخر عند قاضٍ أنّه قال له: اضمن لفلان مالَه عليَّ من المال. وأنّه ضمِن له ذلك، وأدّى لفلان ألفاً كانت له على الآمر، وأقام على ذلك بيِّنة. فإنّ القاضي في هذه الحالة يقضي على المدّعَى عليه بالمال، وكان ذلك أيضاً قضاء على الغائب بالقبض.

стр. 3059

ومنها: رجل في يديه عبد، قال لآخر: هذا العبد لفلان فاشتره لي بألف. فاشتراه له ودفع الألف. وقال المأمور بعد ذلك قد فعلت. وأقام البيِّنة، قضي على الآمر بالأف وكان العبد له. وكان هذا قضاء على ربّ العبد أيضاً. ومنها: رجل مات وترك ميراثاً. وأقام رجل البيِّنة أنَّه ابن عمّ الميّت لا يعلمون له وارثاً غيره. فيقضي القاضي بالنّسب والميراث. وإن لم يحضر الآباء كلّهم ولا وكلاؤهم. ويكون قضاء على الحاضر والغائب. ومنها: عبد مأذون له عليه دين، قال رجل لصاحب الدّين: أنا ضامن لمالك عليه إن أعتقه مولاه. فأقام صاحب الدّين البيِّنة أنّ المولى أعتقه، وأنّ له عليه من الدّين كذا - والمولى والعبد غائبان - فيقضي القاضي بعتق العبد ويقضي على الكفيل بالمال (١).

стр. 3060

القاعدة الثّالثة والعشرون بعد المئتين أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ من ارتكب معصية لا يجب فيها الحدّ يُعَزَّر (١). وفي لفظ: من أتى معصية لا حدّ فيها ولا كفارة عُزِّر، أو فيها أحدهما فلا (٢). وتأتي في قواعد حرف الميم إن شاء الله. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المعاصي من حيث العقوبات عليها نوعان: نوع قدَّر الشّرع عقوبته وحدّد مقدارها وهي المعاصي الّتي حدَّ لها الشّرع حدوداً كالزّنا والقذف والسّرقة والسّكر والرّدّة. ونوع آخر لم يقدّر له الشّرع قدراً ولا حدّ له حدوداً، وترك ذلك لاجتهاد الحاكم بقدر ما يرى من العقوبة الرّادعة الزّاجرة بحسب نوع الجريمة والمعصية، وهذا يسمّى تعزيراً. فالتّعزير هو عقوبة على جرائم ومعاصٍ لم يحدّ لها الشّرع حداً وتركها لاجتهاد الحاكم. فالمعاصي والجرائم لم يهمل الشّرع عقوبة أيّ منها سواء في ذلك ما كان منها معصية لله وارتكاب ما نهى الله عنه، أو كان جريمة في حقّ العباد. فكلها معاقب عليها بالحدّ أو التّعزير، وذلك لتطهير المجتمع

стр. 3061

من رجس المعاصي وليطمئن النّاس على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم وعقولهم وأمن حياتهم. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: الزّنا حدّ له الشّرع حداً للبكر والثّيب. فإذا ضاجع رجل امرأة لا تحلّ له ونال منها غير أنّه لم يجامعها. فهذا لا يحدّ ولكن يعزر بحسب ما يرى الحاكم من عقوبة رادعة. ومنها: غصب مالاً، أو أخذه من غير حرز، فلا يقام عليه حدّ السّرقة ولكن يعزر بعقوبة رادعة. ومنها: من أفطر في رمضان وهو مقيم صحيح. ومنها: المسلم الّذي يبيع الخمر أو يصنعه أو يأكل الرّبا ولا يرجع فإنّه يعزر ويحبس. ومنها: المغني والمخنث والنّائحة يعزرون ويحبسون حتى يتوبوا. رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة: ذوو الهيئات - أي ذوي الشّرف والعلم - في عثراتهم. إذ تقال عثراتهم للحديث (١).

стр. 3062

ومنها: الأصل لا يعزر بحقّ الفرع، كما لا يحدّ بقذفه. ومنها: إذا رأى من يزني بزوجته فقتله في تلك الحالة فلا قصاص ولا تعزير عليه.

стр. 3063

القاعدة الرّابعة والعشرون بعد المئتين [التّعزير] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ من ارتكب منكراً أو آذى غيره بغير حقّ بقول أو فعل أو إشارة يلزمه التّعزير (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة قريبة المعنى من القاعدة السّابقة. ومفادها: أنّ كلّ من ارتكب معصية - ليس فيها حدّ - أو آذى غيره بغير حقّ سواء أكان الأذى بقوله أو فعله أو إشارته فإنّ التّعزير يلزمه. و - كما سبق بيانه - إنّ التعّزير إنّما يكون بحسب الجرم وعظم المعصية، ويكون تحديده باجتهاد الحاكم أو القاضي بما يراه مناسباً للزّجر والرّدع. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: من قبّل امرأة أو فاخذها - ولم يزن بها - فعليه التّعزير. ومنها: من شتم غيره بأن قال له يا حمار أو يا خنزير. فعليه التّعزير.

стр. 3064

القاعدة الخامسة والعشرون بعد المئتين [شراء الملك الشّائع] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ من اشترى ملكاً - وكان في ذلك الملك حقّ شائع لمستحقّ - نزل المشترى مع ذلك المستحق منزلة البائع (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الأملاك قسمان: إمّا أن تكون أملاكاً معيَّنة محددة مقسومة لكلّ قسم منها مالك، وإمّا أن تكون أملاكاً شائعة غير مقسومة ولا محددة لملاَّك عدّة. وسمِّيت شائعة: لأنّ حقّ كلّ مالك فيها شائع في كلّ جزء منها. فمفاد القاعدة: أنّ مَن اشترى قسماً من ملك مشاع، أو اشترى ملكاً من شخص، وفي ذلك الملك حقٌّ شائع لمستحق آخر غير البائع - ولم يطالب ذلك المستحق أو الشّريك بحقّ الشّفعة أو أسقطها - فإنّ المشتري في هذه الحالة ينزل منزلة البائع؛ لأنّه حلّ محله فيما كان يملك، فله حقوقه كاملة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: اشترى حصّة من ملك شائع بين اثنين فهو يعتبر شريكاً بالنّصف

стр. 3065

لمن لم يبع ولم يأخذ بالشّفعة. كما أنّ للمشتري الحقّ في الشّفعة لو أراد الشّريك الآخر البيع بعد ذلك. ومنها: إذا اشترى حصّة من ملك شائع بين أربعة، فهو يعتبر شريكاً بالرّبع للشّركاء الآخرين إذا كان للبائع الرّبع وإلا فهو بمنزلته، وله كلّ الحقوق وعليه كلّ الواجبات بحسب نصيبه. ومنها: إذا اشترى أرضاً وفيها بناء لغير البائع فإنّ المشتري إمّا أن يكلّف صاحب البناء قلعه ويغرم له ما نقص من الأرض، وإن شاء المشتري أدّى لصاحب البناء قيمة بنائه واشتراه منه. وإن شاء رضي بتقرير بنائه والتزم له أجرة المثل في المستقبل. كما كان للبائع في هذه الخصال الثلاثة؛ لأنّه نزِّل منزلته.

стр. 3066

القاعدة السّادسة والعشرون بعد المئتين [الجمع بين الحرام والحلال] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ مَن جمع في العقد الواحد بين حرام وحلال، كان العقد في الحرام باطلاً، وكان في الحلال قولان (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة من القواعد المختلف في مدلولها وأحكامها: فمفادها: أنّ العقد الواحد إذا جمع بين حرام وحلال فإنّ العقد في الحرام يكون باطلاً قولاً واحداً. وأمّا في الحلال فمنهم من أجازه، ومنهم من أبطله أيضاً. واختلفوا في بعض الصّور. والأقسام الّتي تندرج تحت هذه القاعدة ثلاثة بالنّسبة للحلال. ١ - قسم يبطل في الحرام - وفي الحلال قولان. ٢ - وقسم يبطل في الحرام - ويحلّ ويصحّ في الحلال. ٣ - وقسم يبطل في كليهما قولاً واحداً. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: اشترى وعاءَين في أحدهما خمر وفي الثاني خلّ، في عقد واحد. فإنّ العقد في الخمر باطل قولاً واحداً؛ لأنّها لا يملكها مسلم ولا ثمن لها. وأمّا في الخلّ فقولان: هناك مَن أجازه. وهناك من أبطله

стр. 3067

أيضاً. ومنها: الرّجل المعسر الخائف من العنت إذا جمع في عقدة واحدة بين حرّة وأَمَة، فنكاحهما باطل قولاً واحداً عند والد إمام الحرمين. وعند غيره هو على القولين. أمّا إذا كان موسراً فنكاح الأمة باطل، وفي نكاح الحرّة قولان: صحيح وباطل. ومنها: من جمع في عقدة واحدة بين مجوسيّة ومسلمة، بطل العقد في المجوسيّة وصحّ في المسلمة. بدون خلاف. ومنها: جمع بين امرأتين له نكاح كلّ واحدة منهما على الانفراد بطل العقد فيهما جميعاً، كالجامع بين أختين أو بين المرأة وعمّتها أو بين المرأة وخالتها.

стр. 3068

القاعدة السّابعة والعشرون بعد المئتين أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ مَن جنى جناية فهو المطالب بها ولا يطالب بها غيره (١). إلا في صورتين. وفي لفظ: من لا مدخل له في الجناية لا يطالب بجناية جانيها، إلا في فرعين (٢). وتأتي في حرف الميم إن شاء الله. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الجناية: من جنى يجني إذ أذنب ذنباً يؤخذ به (٣). فمن أذنب ذنباً أو أجرم جريمة في حقّ نفسه أو غيره، فإنما عقوبة ذلك الذّنب عليه لا على غيره؛ لأنّ المقصود من العقوبة الزّجر والتّأديب. ولهذه القاعدة أدلّة من الكتاب والسّنّة: فمن الكتاب قوله : ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)﴾ (٤). وقوله : ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ

стр. 3069

نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢). ومن السّنّة قوله ﷺ : "لا يجني جانٍ إلا على نفسه" (٣). ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قتل شخص آخر عمداً. فالقصاص من القاتل، ولا يقتصّ من غيره. ومن سرق فإنّما تقطع يد السّارق لا يد غيره. ومن زنا فإنّما يقام عليه الحدّ، ولا ينوب عنه غيره فيه. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: القاتل خطأ فإنّ الدّيّة على العاقلة لا على القاتل. وكذلك ديّة شبه العمد. ومنها: الصّبيّ المحرم إذا قتل صيداً أو ارتكب موجب كفّارة فالجزاء على الولي، لا في مال الصّبيّ.

стр. 3070

القاعدة الثّامنة والعشرون بعد المئتين [صدقة التّطوع] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ مَن حُرِم صدقة الفرض من الأغنياء وقرابة المتصدّق والكافر وغيرهم يجوز دفع صدقة التّطوع إليهم، ولهم أخذها (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الزّكاة الواجبة لها مصارفها المحدّدة شرعاً. فلا يجوز إعطاء شيء منها لغير مصارفها، فالأغنياء وقرابة المتصدّق الّذين يجب عليه نفقتهم، والكافر، لا يستحقون منها شيئاً، فلا يجوز لهم أن يأخذوه، ولا يجوز للمزكّي إعطاء أيّ منهم مع العلم وإلا لم تسقط عنه الزّكاة الواجبة. لكن صدقة التّطوع لها حكم آخر وهو: مفاد هذه القاعدة: أنّ مَن حُرِم ومُنِع من أخذ صدقة الفرض - أيّ الزّكاة الواجبة - يجوز أن يعطى من صدقة التّطوع كما يجوز له أخذها وتمولها. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: يجوز إعطاء صدقة التّطوع للغني والكافر وقريب المتصدّق، ويحلّ لهم أخذها.

стр. 3071

ومنها: الإنفاق على أهل بيته زوجته وأولاده بنيّة الصّدقة عليهم منه إذا احتسبها, وله الأجر على ذلك، مع أنّه يجب نفقتهم عليه، لكن لا يجوز إعطاؤهم أو الإنفاق عليهم من الزّكاة الواجبة. ومنها: يجوز لذوي قربى رسول الله ﷺ الأخذ من صدقة التّطوع - في الأظهر - وإن كان حَرُم عليهم الزّكاة الواجبة (١).

стр. 3072

القاعدة التّاسعة والعشرون بعد المئتين [قول الضّامن] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ مَن حصل عليه ضمان بعقد أو قبض، فالقول فيه قوله (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الضّمان: من ضمن يضمن إذا التزم. فمن التزم شيئاً بعقد أو قبض ثمّ اختلف فيه - أيّ في مقدار الضّمان - فإنّ القول فيه قول الضّامن الملتزم مع يمينه؛ لأنّه مدّعى عليه، وعلى الآخر البيِّنة؛ لأنّه مدّعي الزّيادة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا تزوّج رجل امرأة على ناقة بعينها، أو بستان بعينه، وقبل أن يسلّم المهر للزّوجة ماتت النّاقة أو تلف البستان. واختلفا في قيمة النّاقة أو البستان، فإنّ القول في القيمة قول الزّوج مع يمينه. ومنها: إذا أتلف المودَع الوديعة أو استهلكها واختلف مع المودِع في قيمتها، فالقول قول المودَع الأمين مع يمينه في القيمة، وعلى المودِع البيِّنة.

стр. 3073

ومنها: إذا غصب شخص شيئاً لشخص آخر واستهلكه أو تلف عنده، واختلف الغاصب والمغصوب منه في قيمته، فإنّ القول قول الغاصب مع يمينه.

стр. 3074

القاعدة الثّلاثون بعد المئتين [الحلف] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ مَن حلف على فعل نفسه حلف على البت نفياً كان المحلوف عليه أو إثباتاً، ومن حلف على فعل غيره، فإنّ كان على إثبات حلف على البتّ أيضاً؛ لأنّه يسهل الوقوف عليه كما أنّه يشهد به - وإن كان على نفي فيحلف على نفي العلم؛ لأنّ النّفي المطلق يعسر الوقوف على سببه، ولهذا لا تجوز الشّهادة على النّفي (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق لهذه القاعدة أمثال وينظر قواعد حرف الهمزة رقم ٣١٢، ٣١٣، وقواعد حرف الحاء رقم ١٢٠. ومفادها: أنّ المحلوف عليه أحد شيئين: إمّا على إثبات فعل، وإمّا على نفي فعل. وإثبات الفعل نوعان: لأنّه إمّا إثبات فعل نفسه، وإمّا إثبات فعل غيره. ونفي الفعل كذلك نوعان: إمّا نفي فعل نفسه، وإمّا نفي فعل غيره.

стр. 3075

فإن كان الحلف على إثبات فعل نفسه أو إثباث فعل غيره، أو على نفي فعل نفسه فيكون حلفه على البتات أي القطع بالفعل أو عدم فعل نفسه؛ لأنّه يعلم ما فعل أو لم يفعل، وكذلك على إثبات فعل غيره. وأمّا إن كان الحلف على نفي فعل غيره فيكون حلفه على نفي علمه بذلك. والميزان والمعيار في ذلك الشّهادة فما يجوز له أن يشهد عليه يحلف على البتات والقطع. وما لم يجز له أن يشهد عليه فيحلف على عدم العلم. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا ادّعى وارث على إنسان ديناً لمورثه عليه، فأجاب المدين بأنّ مورثك قبض الدّين أو أبرأني منه، فإن الوارث - وقد أصبح مدّعياً عليه بالعلم بالقبض أو الإبراء - فيحلف على نفي علمه بإبراء المورث أو قبضه. وكذا لو كان المدّعى عليه المورث، فيحلف الوارث على نفي العلم. ومنها: إذا شهد اثنان أنّ شخصاً باع من فلان في ساعة كذا. وشهد آخران أنّه كان ساكتاً في تلك السّاعة - فهذه شهادة على نفي البيع - فهل تقبل؟ والصّحيح أنّها تقبل، لأنّ النّفي المحصور كالإثبات في إمكان الإحاطة به بخلاف النّفي المطلق.

стр. 3076

القاعدة الحادية والثّلاثون بعد المئتين [وجوب أداء الصّلاة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ مَن دخل عليه وقت الصّلاة - وهو من أهل الفرض - وجب عليه فعلها على حسب حاله - حتّى بالإيماء - ولا يعذر أحد في تأخيرها عن وقتها (١). إلا في صور. وفي لفظ: كلّ حال قدر المصلّي فيها على تأدية فرض الصّلاة كما فرض الله تعالى صلاها، وصلّى ما لا يقدر عليه كما يطيق (٢). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الصّلاة من أوجب الواجبات على المسلم، وهي الرّكن الثّاني بعد الشّهادتين، وهي ميزان قبول الأعمال يوم القيامة أو ردّها. والأمر بأدائها في أوقاتها ثابت بأدلّة من الكتاب والسّنّة والإجماع، فلا يعذر مسلم في تركها, ولا يجوز له تأخير أدائها عن وقتها مهما كانت حاله؛ لأنّ عليه أن يصلّيها بحسب حاله وقدرته. إلا في حالا محدودة يجوز له فيها تأخير أدائها لا تركها.

стр. 3077

فمفاد القاعدة: أنّه إذا دخل على المسلم وقت الصّلاة - وكان من أهل أدائها - أي بالغاً عاقلاً غير حائض ولا نفساء - ولا نائماً ولا مغمى عليه - فإنّه يجب عليه أداؤها وفعلها على حسب حاله وقدرته حتى لو أومأ بها إيماءً إن لم يمكنه القيام والرّكوع ولا السّجود. ولا يعفى أحد مستوفٍ للشّروط من تأخيرها عن وقتها إلا استثناءً في صور. ثالثاً: ممّا يستثنى من مسائل هذه القاعدة: النّائم والمغمى عليه معذوران في تأخير أداء الصّلاة حتى يستيقظ النّائم ويفيق المغمى عليه. ومنها: النّاسي معذور في التّأخير حتى يتذكّر أو يذكر. والدليل قوله ﷺ : "مَن نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ " الحديث رواه الجماعة بهذا اللفظ إلا البخاري والتّرمذي. والآية ١٤ من سورة طه. ومنها: المكره على تركها حتّى بالإيماء. ومنها: جواز تأخيرها في السّفر بنيّة الجمع. وفي مزدلفة للنّسك. ومنها: المشتغل بإنقاذ غريق أو دفع صائل عن نفس أو بضع أو مال، أو بالصّلاة على ميّت خشي انفجاره. وكذا بدفنه. ومنها: العادم للماء والتّراب في قول، وفي كلّ ذلك يجب القضاء.

стр. 3078

القاعدة الثّانية والثلاثون بعد المئتين [التّسيّب] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ مَن سيَّبَ دابّة لعلّةٍ فأخذها إنسان وتعاهدها كان لصاحبها أن يستردّها بعد ذلك، إلا أن يقول الّذي سيَّبها حين سيَّبها: مَن شاء فليأخذها (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سُيِّب يُسيَّب: إذا ترك يذهب حيث شاء. وسيَّب الشّيء: تركه. تعاهد الشّيء: تردّد إليه وأصلحه وحفظه. والأفصح تَعَهَّدته (٢). وقال ابن فارس: لا يقال: تعاهدته؛ لأنّ التّفاعل لا يكون إلا من اثنين (٣). فمفاد القاعدة: أنّ مَن سيَّب شيئاً له قيمة أو لا قيمة له. فلا يزول ملكه عنه بالتّسيّب، فإذا أخذه إنسان فإن لمالكه استرداده, حتّى لو اعتنى به مَن أخذه فلا يستردّ ممّا أنفقه عليه شيئاً لأنّه متبرّع. لكن إذا قال المسيِّب حين سيَّبه: مَن شاء فليأخذه. فأخذه إنسان صار ملكه ولا حقّ لمسيِّبه في استرداده.

стр. 3079

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: سيَّب شخص دابّة عجفاء في مكان ما، فجاء إنسان فأخذها واعتنى بها حتى سمنت وتعافت. فلصاحبها أن يستردّها ممّن هي تحت يده، وليس لمن أنفق عليها المطالبة بالنّفقة؛ لأنّه متبرّع، وصاحبها لم يأذن له في أخذها وتعهدها. ومنها: إذا رمى ثوبه وقال حين رماه للحاضرين: من أراد أن يأخذه فليأخذه، فأخذه أحدهم، فهو هبة. ومنها: إذا قال رجل: قد أذنت للناس جميعاً في ثمر نخلي أو بستاني هذا، فمن أخذ شيئاً منه فهو له. فعلم بذلك ناس من الناس، فأخذوا شيئاً من ذلك فهو لهم. ومنها: إذا سيَّب دابّة وقال: لا حاجة لي إليها. ولم يقل: هي لمن أخذها. فأخذها إنسان لا تكون له.

стр. 3080

القاعدة الثّالثة والثّلاثون بعد المئتين [الشّكّ في الفعل] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ مَن شكّ في شيء هل فعله أم لا، فهو غير فاعل في الحكم (١). تحت قاعدة براءة الذّمّة. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة لها صلة بقاعدة "اليقين لا يزول بالشّك" وفرع القاعدة "الأصل براءة الذّمّة" فمن شكّ في أمر من الأمور أنّه فعله أو لم يفعله، فهو في الحكم غير فاعل؛ لأنّ براءة الذّمّة عن الفعل متيقّنة وهي الأصل، والفعل مشكوك فيه، والشّكّ لا يزيل اليقين. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا سلَّم من صلاته، وبعد ذلك شكّ هل سها في صلاته تلك أو لم يَسْهُ، فالأصل عدم السّهو. ومنها: إذا كان صائماً وشكّ في حصول المفسد، فالأصل عدم الإفساد وصحّة الصّوم. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: إذا شكّ ماسح الخف هل انتقضت المدّة أم لا. فعليه الغَسل، إذ

стр. 3081

يُحكم بانقضاء المدّة. تحت قاعدة "الشّكّ في الشّرط مانع من ترتّب المشروط" وقد سبقت. ومنها: إذا شكّ المسافر هل نوى الإقامة أم لا. لم يترخّص مع أنّ الأصل عدم نيَّة الإقامة. من باب الأخذ بالأحوط للدّين. ومنها: إذا تيمّم ثمّ رأى شيئاً لا يدري أسراب هو أم ماء. يبطل تيمّمه مع أنّ الأصل عدم كونه ماءً (١).

стр. 3082

القاعدة الرّابعة والثلاثون بعد المئتين [صحّة المباشرة وعدمها] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ مَن صحّت مباشرته الشّيء صحّ منه التّوكيل فيه، والتّوكُّل فيه عن غيره، وما لا يجوز له مباشرته لا يصحّ توكيله ولا التّصرف فيه بالوكالة عن غيره (١). وفي لفظ: من لا يجوز تصرّفه لا يجوز توكيله ولا وكالته (٢). وتأتي ضمن قواعد حرف الميم إن شاء الله. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الإنسان قد يباشر الشّيء أو المعاملة بنفسه، وقد يوكّل فيه غيره، ولكن ليس كلّ شيء يمكن أن يوكّل فيه الإنسان غيره، بل إنّ هذا مشروط بأنّ ما يريد التّوكيل فيه يصحّ منه فعله ومباشرته إيّاه بنفسه، وما لا يصحّ منه فعله ومباشرته إيّاه بنفسه لا يصحّ له التّوكيل فيه، ولا التّوكّل فيه عن غيره. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: يصحّ ويجوز للمكلف أن يبيع ويشتري بنفسه - بشرط أن يكون

стр. 3083

ما يريد بيعه أو شراءَه ممّا يجوز فيه التعاقد - فيصحّ له أن يوكّل فيه غيره، وأن يتوكّل فيه عن غيره. ومنها: عقد النّكاح يصحّ للمكلف أن ينكح ويتزوج بنفسه، فيصحّ له أن يوكّل في عقد النّكاح غيره، ويتوكّل هو عن غيره. بشرط أن يكون العقد خالياً عن الموانع الشّرعيّة الّتي تمنع انعقاده، كأن يكون مريد النّكاح محرماً، فلا ينكح ولا ينكح وليس له أن يوكّل غيره في عقد النّكاح ولا أن يتوكّل هو عن غيره. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: المستثنى نوعان: النّوع الأوّل مع صحّة مباشرة المكلف له لا يصحّ التّوكيل فيه: العبادات البدنيّة كالصّلاة والصّوم وتلاوة القرآن. ومنها: الأيمان، والنّذور، والإيلاء، واللعان، والقسامة. لا يصحّ التّوكيل فيها. ومنها: الشّهادات في التحمل والأداء. ومنها: تملك المباحات كالاحتطاب والاصطياد، وفيه عند الشّافعيّة وجهان. ومنها: الالتقاط لا يجوز التّوكيل فيه. النوع الثّاني: ما يصحّ التّوكيل فيه مع أنّه لا تصحّ له مباشرته بنفسه:

стр. 3084

الأعمى - عند الشّافعيّة - لا يصحّ منه البيع والشّراء ونحوهما، ويصحّ أن يوكّل غيره في ذلك للضّرورة. ومنها: من وجب له القصاص في العين أو في الطَرَف لم يستوف ذلك بنفسه على الصّحيح ويوكّل فيه؛ لأنه لا يؤمن أن يردد الحديدة ويزيد في الألم تشفياً. ومنها: العبد لا يصحّ قبوله النّكاح بغير إذن سيّده، ويصحّ أن يتوكّل فيه لغيره على الأصح. ومنها: الموسر لا يجوز أن يعقد على أمة لنفسه مع القدرة على الحرّة، ويجوز أن يكون وكيلاً لمعسر خاف العنت في قبول النّكاح. وممّا امتنع فيه المباشرة والتّوكيل والتّوكّل: المحجور: لا يصحّ منه التّصرّف في ماله ولا يجوز له التّوكيل فيه. ومنها: الصّبي المميز: لا يصحّ منه التّصرّف في ماله ولا يجوز له التّوكيل فيه. ولكن يجوز توكيله في الإذن في دخول، الدّار وحمل الهديّة.

стр. 3085

القاعدة الخامسة والثّلاثون بعد المئتين [صحّة الطلاّق والظّهار] أولاً: لفظ ورود القاعدة: كلّ مَن صحّ طلاقه صحّ ظهاره. عند الشّافعيّة والحنابلة (١). خلافاً للحنفيّة والمالكيّة. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة مثار خلاف بين الحنفيّة والمالكيّة من جانب والشّافعيّة والحنابلة من جانب آخر. حيث إنّ عند الشّافعية والحنابلة أنّ من صحّ طلاقه - وهو المسلم والذّمّيّ - صحّ منه الظّهار. والظّهار أن يقول لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمي. وحكمه الامتناع عن وطء المرأة حتى يُكَفِّر عن ظهاره بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين قبل التماس، أو يطعم ستّين مسكيناً. فعلى مفاد هذه القاعدة يقع الظّهار من الذّمّي؛ لأنّه يصحّ طلاقه، وقد قال الشّافعي ﵀: "ويلزم الظّهار من لزمه الطّلاق ويسقط عمّن سقط عنه"، فإذا كان الذّمّي يلزمه الطّلاق فيلزمه الظّهار أيضاً" (٢). وأمّا عند الحنفيّة والمالكيّة "فمن صحّ ظهاره صحّ طلاقه"، فلا
следующие страницы →