← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14596

موسوعة القواعد الفقهية

محمد صدقي آل بورنو

Полный текст (5 326 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

القاعدتان العشرون والحادية والعشرون [الكلّ والكلّيّ] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: اللفظ الدّال على الكلّ دالّ على جزئه في الأمر وخبر الثّبوت بخلاف النّهي وخبر النّفي. وعند ابن الشاط (١): اللفظ الدّال على الكلّ دالّ على جزئه مطلقاً (٢). وفي لفظ: اللفظ الدّال على الكلّيّ لا يدلّ على جزئيّ من جزئيّاته مطلقاً من غير تفصيل. بل يفهم الجزئي من أمر آخر غير اللفظ (٣). ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما: الكلّ والكلّيّ لفظان مختلفا المعنى والدّلالة: فالكلّ: اسم لجملة تركّبت من أجزاء محصورة، وجزء الكلّ يسمى بعضاً (٤)، وهو موجود في الخارج مثاله: الشّاي من الماء وورق

стр. 3187

نبات الشّاي. والكلّيّ: هو الّذي لا يمنع نفس تصوّر معناه وقوع الشّركة فيه (١). والكلّيّ لا يوحد إلا في الذّهن. مثاله: الإنسان، فهو كلِّي، لكن لا يدلّ لفظه على خُصوص زيد من الناس. فمفاد هاتين القاعدتين: أنّ اللفظ إذا دخل على الكلّ فهو دالّ على كلّ جزء فيه. في الأمر وخبر الثّبوت. ولكن هل يدلّ على جزئه في النّهي وخبر النّفي؟ عند القرافي ﵀ لا يدلّ. وعند ابن الشاط يدلّ ولعلّ ما قاله ابن الشاط ﵀ أصوب. ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما: الخمسة من العشرة جزء. والعشرة كلّ. ومنها: الحيوان من الإنسان والإنسان كلّ لتركّبه من الحيوان والنّاطق. ومنها: لفظ (حيوان) كلّيّ لا يدلّ ذلك على أنّه إنسان. لاحتمال أن يكون فرساً. وإذا قلنا في الدّار إنسان كلِّي. لا يدلّ على أنّه زيد بعينه لاحتمال أن يكون الموجود غيره. ومنها: إذا أوجب الله علينا صلاة ركعتين، فقد أوجب ركعة؛ لأن الرّكعتين ركعة وركعة في الإثبات. وأمّا إذا نهى الله عن ثلاث ركعات في الفجر فلا يلزم من ذلك النّهي عن ركعتين مستقلّتين عند القرافي. وعند ابن الشاط يدلّ.

стр. 3188

القاعدة الثّانية والعشرون [اللفظ العام] أولاً: لفظ ورود القاعدة: اللفظ العام يكون نصّاً في كلّ ما يتناوله (١). أَصوليّة فقهيّة ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة تمثّل رأي الحنفيّة في دلالة اللفظ العامّ قبل التّخصيص، فاللفظ العام عند الحنفيّة يعتبر نصّاً أي حجّة قاطعة في كلّ ما يتناوله من أفراد قبل التّخصيص. فالعام - قبل التّخصيص - عند الحنفيّة - قطعي الدّلالة، فلذلك لا يجوز تخصيصه إلا بقطعي مثله، فأمّا بعد التّخصيص فهو ظنِّي. وقد سبق أمثال لهذه القاعدة في قواعد حرف العين تحت الأرقام ١٤، ١٥. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال: مَن دخل داري فأكرمه. عامّ في كلّ داخل، فلا يجوز للمخاطَب أن يخصّص هذا العموم بأحد دون أحد. لأنّ لفظ (مَنْ) مِن ألفاظ العموم. ومنها: إذا قال: خذ من الصّندوق ما تريد. فله أن يأخذ جميع ما فيه دون جِرمه. ومنها: إذا قال عند التّوكيل: بِعْ لِمَنْ شئت. فقوله:- لمن شئت. لفظ عام. فالوكيل حرّ التّصرّف في البيع لمن شاء حتّى لنفسه.

стр. 3189

القاعدة الثّالثة والعشرون [إقامة اللّفظ مقام غيره] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: اللّفظ متى أقيم مقام شيء فاستعماله كاستعمال ما جعل عبارة عنه (١). وفي لفظ سابق: اللفظ إذا جعل عبارة عن غيره مجازاً سقط اعتبار حقيقته في نفسه (٢). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الألفاظ ينوب بعضها عن بعض، ويعبَّر بلفظ عن معنى لفظ آخر، ولكن لا بدّ من القرينة التي تصرف اللفظ عن معناه الحقيقي إلى غيره. فمفاد القاعدة: أنّ اللفظ إذا أقيم مقام شيء آخر فإنّه يستعمل استعماله في الدّلالة على المراد ويأخذ أحكامه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: لفظ (الهبة) وضع في الأصل للدّلالة على عقد مجاني دون مقابل. لكن إذا قال: وهبتك هذا الكتاب بمئة ريال. فإن هذا يكون عقد

стр. 3190

بيع. وأقيم لفظ (وهبتك) مقام لفظ (بعتك) بدليل وقرينة ذكر العوض، فيأخذ العقد في هذه الحال أحكام البيع كلّها. ومنها: إذا قال: أعرتك هذه السّيّارة بمئة ريال. يكون العقد عقد إجارة - وإن عبَّر بلفظ الإعارة، ويأخذ العقد أحكام عقد الإجارة. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: إذا قال: بعتك هذه السّيّارة بغير ثمن. لا يكون عقد هبة قطعاً، بل هو عقد بيع باطل لعدم ذكر الثّمن الّذي هو ركن في عقد البيع. ومنها: إذا قال: أسلمت إليك هذا الثّوب بهذا الكتاب. لا ينعقد سلماً قطعاً، وفي انعقاده بيعاً قولان عند الشّافعيّة (١).

стр. 3191

القاعدة الرّابعة والعشرون [اللفظ واقتضاؤه] أولاً: لفظ ورود القاعدة: اللفظ محمول على ما يقتضيه ظاهره لغة أو شرعاً أو عرفاً، ولا يحمل على الاحتمال الخفي ما لم يقصد، أو يقترن به دليل (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: كلّ لفظ له دلالة ظاهرة متبادرة إلى ذهن السّامع، واحتمالات دلالات اللفظ ثلاثة: وهي معناه في اللغة، أو في الشّرع، أو في العرف. وهي حقائق فيها لغوية أو شرعيّة أو عرفيّة. فكلّ لفظ يتكلّم به متكلّم لا بدّ من أن يحمله السّامع على أحد هذه الدّلالات الثّلاث بما يتبادر إلى ذهنه، ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك. ولا يجوز أن يحمل اللفظ على معنى خفي غير مقصود. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا حلف لا يركب دابّة. يحمل على المعنى العرفي للدّابّة، وهي ما يركب من الدّواب وهي: الفرس والبغل والحمار. دون سواها لتقييد العرف للمعنى اللغوي العامّ للفظ (دابّة). ومنها: إذا حلف ليصومَنَّ. فلا يبرّ إلا بالصّوم الشّرعي؛ لأنّه

стр. 3192

الظّاهر المتبادر إلى الذّهن، ولا يجوز حمله على الإمساك عن الكلام أو الحركة مثلاً، ما لم تقم قرينة على ذلك. وقد قالت مِريم ﵍: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ (١). حيث دلّت بالقرينة على أنّها صائمة عن الكلام دون غيره. ومنها: إذا حلف ليركبنّ البحر. فإنّما يُراد به ركوب السّفينة لا النّزول في الماء؛ لأنّ الماء لا يركب. ولا يراد به ركوب الموج إلا أن ينويه. ومنها: إذا حلف بالقرآن أو بالمصحف، لم تنعقد يمينه - عند الحنفيّة -؛ لأنّه ظاهر في هذه الألفاظ في عرف الاستعمال ولا سيما في حقّ النّساء والجهّال الّذين لا يعرفون الكلام القديم ولا يخطر لهم ببال، ولا يخطر ببالهم التّجوّز بالمصحف عنه. ورجّحه العزّ بن عبد السّلام (٢) ﵀ خلافاً لمالك والشّافعي رحمهما الله. وخالفه الزّركشي ﵀ وقال: بل قولهما هو القريب؛ لأنّه الحقيقة الشّرعيّة.

стр. 3193

القاعدة الخامسة والعشرون [اللفظ غير المستقلّ] أولاً: لفظ ورود القاعدة: اللفظ المستقلّ إذا ألحق به ما لا يستقلّ صيّر الأوّل غير مستقلّ (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد باللفظ المستقلّ: اللفظ الدّال على تمام معناه بانفراده. وغير المستقلّ: اللفظ الّذي لا يدلّ على تمام المعنى بانفراده. فمفاد القاعدة: أنّ اللفظ المستقلّ بدلالته إذا اتّصل به لفظ غير مستقلّ بالدّلالة فإنّ اللفظ الأوّل يصير غير مستقلّ، ولا يدلّ على تمام المقصود. وكما يصير اللفظ المستقلّ بنفسه غير مستقلّ إذا اتّصلَ به غير المستقلّ لفظاً فكذا لو نواه أيضاً، خلافاً للقرافي (٢)، كما رجّحه ابن الشاط (٣).

стр. 3194

وقد سبق مثل هذه القاعدة ضمن قواعد حرف الكاف تحت رقم ١٣٨. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قلنا: نجح الطّلاب. فهذا كلام مستقلّ بالإفادة، حيث أفادنا أن جميع الطّلاب ناجحون. لكن إذا قلنا: نجح الطّلاب إلا عليّاً. فإنّ الجملة الأولى تصبح غير مستقلّة بالإفادة, لأنّ الاستثناء - وهو غير مستقلّ بالإفادة - اتّصل بها فصيّرها غير مستقلّة بالإفادة. ومنها: قوله: عندي عشرة إلا اثنين كذلك. ومنها: إذا حلف وقال: لا أكلت طعاماً إلا اللّحم. فهو لا يحنث بأكل اللّحم. ومنها: إذا قال: لا لبست ثوباً حريراً، فهو لا يحنث إلا بثوب الحرير دون غيره من الثّياب. ومنها: إذا قال: لا أكلت طعاماً. ونوى طعاماً مخصوصاً، فإنّه لا يحنث إلا بأكل ما نواه دون غيره؛ لأنّ النّيَّة صيّرت لفظه المستقلّ غير مستقلّ.

стр. 3195

القاعدة السّادسة والعشرون [اللفظ المطلق] أولاً: لفظ ورود القاعدة: اللفظ المطلق إذا كان له مسمّى معهود أو حال يقتضيه انصرف إليه (١). وإن كان نكرة. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: اللفظ المطلق الّذي لم يقيّد بوصف أو حال، فعلام يحمل؟ إذا كان لهذا اللفظ المطلق مسمّى معروف، أو حال خاصّة أو صفة، فإنّه يحمل عليه وينصرف إليه ولا يجوز تعميمه وشموله. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال أحد المتبايعين: بعتك هذه السّلعة بعشرة ريالات أو جنيهات. فكلمة ريالات أو جنيهات مطلقة في اللفظ، ثمّ لا ينصرف هذا اللفظ إلا إلى المعهود المعروف من الرّيالات أو الجنيهات التي يتعامل بها في تلك البلاد. ومنها: إذا قال المريض للطّبيب: إنّ بي إسهالاً. فقال الطّبيب: لا تأكل طعاماً دسماً. فإنّه يعلم أنّ النّهي مقيّد بتلك الحال. ومنها: إذا قال: اشتر لي لحماً. والمعهود بينهم لحم الإبل. فلا ينصرف المطلق إلا إلى ما يعرفونه. وكان ذلك من باب التّخصيص العرفي.

стр. 3196

القاعدة السّابعة والعشرون [اللفظ المطلق] أولاً: لفظ ورود القاعدة: اللفظ المطلق - أو المحتمِل - عند عدم القصد - هل يحمل على الأقل أو على الأكثر (١)؟ ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: إذا أطلق شخص لفظاً، وهذا اللفظ لا دلالة له على حدّ معيَّن - إذ يحتمل القلّة والكثرة - فهل يحمل على الأقل أو على الأكثر - عند عدم القصد؟ خلاف. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: نذر صوم شهر، فهل يجب عليه صيام ثلاثين يوماً أو تسعة وعشرين يوماً؛ لأنّ الشّهر يكون تارة ثلاثين وتارة تسعة وعشرين؟ فهل تبرأ الذّمّة بالأقل أو بالأكثر؟ أقول وبالله التّوفيق: إذا بدأ صومه في خلال الشّهر فالرّاجح أنّه يصوم ثلاثين يوماً احتياطاً لبراءة الذّمّة. ولكن إذا بدأ صومه في أوّل يوم من الشّهر فصيامه المبرئ بحسب الشّهر إن كان الشّهر تسعة وعشرين فيصوم تسعة وعشرين وإن جاء الشّهر متمّماً الثّلاثين فيجب أن يصوم ثلاثين.

стр. 3197

إذا قال لزوجته: أنت حرام - ولم يقصد الثّلاث ولا البينونة - فهل يحمل على أقلّ ما يصدق عليه اللفظ وهو طلقة واحدة، أو الأعلى وهو الثّلاث؟ خلاف. ومنها: هل بالعقد يتقرّر المهر جميعه، أو نصفه ثمّ يكمل بالدّخول أو الموت؟ خلاف كذلك.

стр. 3198

القاعدة الثّامنة والعشرون [اللفظ المطلق والمقيّد] أولاً: لفظ ورود القاعدة: اللفظ المطلق لا يحمل على المقيّد إلا إذا كان لو صرّح بذلك المقيّد لصحّ. وإلا فلا (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق بيان معنى المطلق والمقيّد. إذا صدر عن شخص لفظ مطلق وكان يحتمل التّقييد، فهل يحمل على القيد أو لا؟ مفاد القاعدة: أنّه لو صُرِّح بذلك القيد لصحّت العبارة والمعاملة، فإنّ المطلق يحمل على المقيّد، أمّا لو صرّح بالمقيّد فلم تصحّ العبارة أو المعاملة، فإنّ المطلق لا يحمل على المقيّد. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا كان على رجل دينان - بأحدهما رهن - فدفع إلى المدين عن أحدهما وأطلق، فله أن يعيّن بعد ذلك، ويصحّ قيده. ومنها: إذا أقرّ المفلس بمعاملة فإذا قال: عن جناية أو على مال قُبِل إقراره، فإن أطلق قُبل وحمل على الأقل, لأنّه لو صرّح به لصحّ. ومنها: إذا أعار أرضاً للزّراعة وأطلق، ولم يبيّن الزّرع صحّ على القول الأصحّ.

стр. 3199

القاعدة التّاسعة والعشرون [اللفظ والحقيقة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: اللفظ معمول به في حقيقته ما أمكن (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة قريبة المعنى من القاعدة القائلة: "الأصل الحقيقة". فكلّ لفظ له معنى حقيقي يدلّ عليه في أصل وضعه، وقد يحمل على مجازه، لكن لما كان (الأصل في الكلام الحقيقة) - كما سبق - فإنّ اللفظ إذا أطلق يجب حمله على معناه الحقيقي ما أمكن ذلك، ولا يجوز حمله على مجازه إلا إذا تعذّر حمله على حقيقته, لأنّه (إذا تعذّرت الحقيقة يصار إلى المجاز). أمّا إذا لم يمكن حمل اللفظ على حقيقته أو مجازه فإنّه يهمل. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: من قال: ما أملك صدقة في المساكين، فحقيقة معنى اللفظ في الملك لكلّ مملوك، ويستوي في ذلك مال الزّكاة وغيره، فيجب عليه هنا أن يخرج جميع ملكه صدقة، ولا يحمل على بعض ما يملِك وهو الزّكاة فقط.

стр. 3200

ومنها: إذا قال لصبي رقيق عنده مجهول النّسب يولد مثله لمثله: هذا ابني. لحق به؛ لأنّه حقيقة البنوة ولا يجوز حمله على المجاز أي إرادة العتق.

стр. 3201

القاعدة الثّلاثون [ما ينافي العقد] أولاً: لفظ ورود القاعدة: اللفظ الموضوع للعقد إذا وُجِد معه ما ينافيه بطل للتّهافت (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبقت هذه القاعدة ضمن قواعد حرف الكاف مع مرادفتها تحت الرقم: ١٣٩. للعقود ألفاظ تدلّ عليها، وكلّ لفظ عقد يدلّ على مقتضاه وأحكامه، فإذا صدر العقد من أهله وجب حمله على مقتضاه وموجبه، لكن إذا اتّصل بهذا العقد ما يعارضه وينافيه فإنّه يبطل ولا يقع صحيحاً؛ لأنّ وجود ما ينافيه ويعارضه مانع من إجرائه في مقتضاه وموجبه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال: بعتك هذه السّيّارة بلا ثمن أو أجرتك هذه الدّار بلا أجرة، فالعقد باطل في كليهما؛ لأنّ الثّمن في عقد البيع، والأجرة في عقد الإجارة ركنان، فإذا فقدا فقد بطل العقد لفقد ركن من أركانه. ومنها: إذا قال: قارضتك. اقتضى هذا اللفظ اشتراكهما في الرّبح. لكن إذا شرط ربّ المال خلاف ذلك بأن قال: الرّبح كلّه لي،

стр. 3202

أو كلّه لك كان العقد باطلاً. أمّا لو قال: أقرضتك هذا المال. اقتضى أنّ الرّبح كلّه للمستقرض. فإذا قال: على أنّ الرّبح لي أو بيننا بطل وكان قراضاً باطلاً. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: إذا قال: ملكتك هذه السّيّارة بلا عوض. كان هبة. لأنّ لفظ التّمليك يحتمل البيع والهبة، فحمل على الوجه الّذي يصحّ. ومنها: إذا قال: بعتك منافع هذه الدّار شهراً بعشرة كان إجارة، ولو قال بلا أجرة. كان عاريَّة.

стр. 3203

القاعدة الحادية والثّلاثون [اللفظ ومقتضاه] أولاً: لفظ ورود القاعدة: اللفظ يقتضي ما تناوله (١). أصوليّة فقهيّة ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الألفاظ إنّما وضعت للدّلالة على معانيها اللغويّة - حقيقيّة كانت أو مجازيّة - فكلّ لفظ إذاً إنّما يقتضي ويفيد ما تناوله بمعناه اللغوي أو الشّرعي أو العرفي، ولا يجوز تحميله معنى لا يقتضيه ولا يتناوله، إلا إذا نواه أو قامت قرينة على إرادة غير المعنى الأصلي. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال: لله عليّ أن أعتكف ثلاثين يوماً. فهل يلزمه التّتابع؟ خلاف. بين القاضي (٢) أبى يعلى وتلميذه أبي الخطاب (٣)، حيث أوجب القاضي التّتابع، وأبو الخطاب أجاز التّفريق، وقال: لا يلزمه التّتابع؛ لأنّ اللفظ يقتضي ما تناوله. والأيّام المطلقة توجد بدون التّتابع. إلا أن ينويه. وذلك بخلاف ما لو نذر أن يعتكف شهراً فيلزمه التتّابع باتّفاق. ومنها: إذا قال: له عليّ ألف إلا مئة. يلزمه تسعمئة؛ لأنّ اللفظ إذا دخله الاستثناء دلّ على ما بعد المستثنى.

стр. 3204

القاعدة الثّانية والثّلاثون [المنافع] أولاً: لفظ ورود القاعدة: للمنافع حكم المال عند العقد (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق قاعدة قريبة المعنى من هذه القاعدة ضمن قواعد حرف الكاف تحت الرّقم. . . . . ومفادها: أنّ المنافع تأخذ حكم الأعيان عند التّعاقد. فما أوجبه العقد على الأعيان أوجبه على المنافع، وما يمنعه يمنعه، حيث إنّ عقد الإجارة كعقد البيع سواء. ولذلك اعتبر الشّافعي ﵀ أنّ الإجارة هي بيع المنفعة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا استأجر داراً للسّكنى فوجد فيها عيباً يخلّ بالسّكنى، فله فسخ العقد بالعيب كما أنّ للشتري فسخ عقد البيع إذا وجد في المبيع عيباً يخُلُّ بالمقَصود من المبيع. ومنها: للمضارب أن يستأجر من مال المضاربة البيوت والدّكاكين والأمتعة والدّوابّ؛ لأنّ ذلك من صنيع التّجار. كما له أن يشتري ذلك، حيث إن المضارب لا يستغني عن الاستئجار والتّأجير؛ لأنّ الإجارة والاستئجار تجارة من حيث إنّه مبادلة مال بمال.

стр. 3205

القاعدة الثّالثة والثّلاثون [الوسائل، المقاصد] أولاً: لفظ ورود القاعدة: للوسائل أحكام المقاصد (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الوسائل: جمع وسيلة، وهي الطّريق الموصلة إلى المقصود. المقاصد: جمع مقصد وهو المطلب والغاية من الفعل. والمقاصد الّتي يقصدها ويبتغيها المكلّفون منها حلال ومنها حرام. فالوسائل كذلك؛ لأنّه لمّا كانت الوسائل هي الموصلة لمقاصدها أخذت أحكام تلك المقاصد. فوسيلة الحلال يجب أن تكون حلالاً. ووسيلة الحرام محرّمة كحرمة الحرام المُوصلة إليه. ويختلف أجر وسائل الطّاعات باختلاف فضائل المقاصد ومصالحها، فالوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل من سائر الوسائل. وكذلك يختلف وزر وإثم وسائل المعاصي باختلاف المقاصد ومفاسدها، فالوسيلة إلى أرذل المقاصد أرذل من سائر الوسائل (٢). ويُشْترط في الوسائل أن تكون مقدورة للمكلّفين. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: السّعي إلى الجمعة وسيلة إليها. فإذا كانت صلاة الجمعة واجبة

стр. 3206

فالسّعي إليها واجب. ومنها: طلب الرّزق الحلال فريضة وواجب، فوسيلته يجب أن تكون كذلك بالبيع والشّراء والعمل والمضاربة وغير ذلك من وسائل كسب الرّزق الحلال. ومنها: الزّنا حرام. فكلّ وسيلة يمكن أن تؤدّي إليه فهي حرام. فالاختلاط بين الرّجال والنّساء في المجامع والأسواق والحفلات حرام كذلك. وسفور المرأة وتكشّفها حرام, لأنّ كلّ ذلك وسائل للزّنا المحرّم. ومنها: قتل المسلم المعصوم حرام. فشراء السّلاح وبيعه لمن يريد أن يقتل به مسلماً معصوماً حرام كذلك؛ لأنّه وسيلة إليه. ومنها: نفقة المَحْرَم وراحلته تجب على المرأة المُريدة للحجّ؛ لأنّها لا تتوصّل إلى أداء الحج إلا به - أي بالمَحْرَم ولذلك وجب عليها نفقته وراحلته. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: الأصلع الّذي لا شعر على رأسه - إذا كان حاجّاً أو معتمراً - مأمور بإمرار الموسى على رأسه ندباً أو وجوباً، مع أنّ المقصد وهو إزالة الشّعر ساقط وإمرار الموسى وسيلة.

стр. 3207

القاعدة الرّابعة والثّلاثون [الّلهو والّلعب] أولاً: لفظ ورود القاعدة: اللهو واللّعب عند الشّافعي ﵀ على الإباحة إلا أن يقوم دليل على التّحريم (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبقت هذه القاعدة ضمن قواعد حرف الهمزة تحت الرّقم ٤٤٤. الّلهو: من لها يلهو، وأصل الّلهو: التّرويح عن النّفس بما لا تقتضيه الحكمة (٢). والّلعب: هو فعل الصّبيان يعقب التّعب من غير فائدة (٣). قال الشّافعي ذلك بناء على أصله المعروف عنده: أنّ الأمور مبناها على الإباحة حتّى يقوم دليل التّحريم - خلافاً لأبي حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى. فعند الشّافعي ﵀ إنّ الّلهو والّلعب الأصل فيهما والقاعدة المستمرّة أنّهما مباحان، فلا يمنع الإنسان من لهو ولعب إلا إذا قام الدّليل على تحريمه ومنعه.

стр. 3208

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: أنواع الألعاب الّتي يلعبها الإنسان فرداً أو جماعة: كالقفز والجري والمسابقات البدنيّة والعقليّة يرى الشّافعي ﵀ أنّ أصلها على الإباحة، ولا يمنع إلا ما قام الدّليل على تحريمه كالّلعب بالنّرد والشّطرنج، وإذا كان الّلهو أو الّلعب يلهي عن الواجبات كالصّلاة.

стр. 3209

القاعدة الخامسة والثّلاثون [الحكاية] أولاً: لفظ ورود القاعدة: لو حكى ما لا يملك استئنافه للحال لا يصدق فيما حكى بلا بيِّنة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: حكى هنا: بمعنى أقرّ أو ادَّعى. فمن أقرّ بشيء لا يملك استئنافه أو إنشاؤه في الحال - أي حال ما حكى - لا يصدق فيما أقرّ به، إلا أن يقيم البيِّنة على صدق دعواه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: قال: إنّه قد راجع زوجته في عدّتها - وأنكرت المرأة الرّجعة - وكانت قد انتهت عدّتها وانقضت - فلا تقبل دعواه المراجعة إلا بالبيِّنة؛ لأنّه لا يملك الآن رجعتها. ومنها: إذا ادّعى أنّه قد طلب الشّفعة حين علمه بالبيع، ولكنّه لم يتمكّن من المطالبة بالمشفوع في حينه لغيبته أو مرضه أو سجنه، فلا يصدّق بمجرّد الدّعوى، بل لا بدّ من البيَّنة؛ لأنّه الآن لا يمكنه طلب الشّفعة لمضى زمن بعد علمه بالبيع.

стр. 3210

القاعدة السّادسة والثّلاثون [البيِّنة واليمين] أولاً: لفظ ورود القاعدة: لو يعطى النّاس بدعواهم لادَّعى رجال دماء قوم - أو رجال - وأموالهم، ولكن البيِّنة على المدّعِي واليمين على المدَّعَى عليه (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة نصّ حديث نبوي كريم يحدّد طريق إثبات الحقوق ونفيها؛ حتّى لا يأخذ أحد ما لا يستحقّ، ولا يمنع أحد من أداء ما وجب عليه أو أخذ ما استحقّه ووجب له. والحديث رواه مسلم ﵀ عن ابن عبّاس في كتاب الأقضية رقم ١٧١١. والبيهقي في السّنن الكبرى جـ ١٠ في كتاب الدّعوى والبيّنات حديث رقم ٢١١٩٧ بلفظ مسلم. وحديث رقم ٢١٢٠٠، ٢١٢٠١، ٢١٢٠٢، ٢٢٢٠٣ كما رواه غيرهما. ومفاد الحديث: أنّ البيّنة - وهي الشّهود - إنّما تجب على المدّعِي، واليمين إنّما تَلزم المدَّعَى عليه، - عند الإنكار وعدم بيّنة المدّعِي -، وإذا طلب الخصم يمينه. ولولا ذلك لادّعى أناس كثيرون دماء آخرين وأموالهم بالباطل

стр. 3211

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: ادّعى أنّ فلاناً استدان منه مبلغاً من المال. فطالبه القاضي بالشّهود على دعواه، فلم يستطع، وطلب يمين خصمه المنكر. فحلف أمام القاضي بالله أنّه ليس له عليه ما يدّعيه. وبذلك تسقط الدّعوى.

стр. 3212

القاعدة السّابعة والثّلاثون [الخبر والمعاينة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ليس الخبر كالمعاينة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الخبر: هو القول المحتمل للصّدق والكذب، أي يصحّ أن يقال لقائله: إنّه صادق فيه أو كاذب. والمعاينة: مأخوذة من العين، والمراد بها الرّؤية المتحقّقة التي لا تقبل التّكذيب، سواء كانت رؤية حسّيّة أو عِلميّة. والقاعدة نصّ حديث نبوي كريم أخرجه أحمد (٢) ﵀ في المسند جـ ١ ص ٢٧١. والهيثمي (٣) في مجمع الزّوائد عن ابن عباس (٤)

стр. 3213

رضي الله عنهما وقال: رواه أحمد والبزّار (١) والطّبراني (٢) في الكبير والأوسط ورجاله رجال الصّحيح. وصحّحه ابن حبّان (٣). وللخبر تتمّة: إنّ الله أخبر موسى ﵇ بما صنع قومه في العجل فلم يُلْق الألواح، فلمّا عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت.

стр. 3214

ومفاد الخبر: أنّ قول المخبر بجانب المعاينة ضعيف فلا يقوى على إبطال الحكم الثّابت بها، وأيضاً إنّ أثر المعاينة على النّفس كبير بخلاف أثر الخبر. وكما في قصّة موسى ﵇. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: ادّعى داراً على آخر وهي في يد المدّعَى عليه فقدم أحدهما - غير ذي اليد أي الخارج - تاريخاً للشّراء - لا يدلّ على سبق عقده على الدّار - فالدّار لصاحب اليد لأنّه متمكّن من القبض وذلك دليل سبق عقده. وهذا دليل معاينة بخلاف الآخر. فدليله مخبر. ومنها: إذا أُخْبِر إنسان أنّه قيل له: إنّ الأمير أو الإمام كان في البلدة الفلانيّة يوم كذا - لتاريخ حدّده، وقال آخر: إنّه رآه في بلدة غيرها في نفس اليوم، فإنّ السّامع إنّما يصدّق مدّعي الرُّؤية؛ لأنّه يخبر عن معاينة، بخلاف الأوّل المخبر عن خبر وسماع.

стр. 3215

القاعدة الثّامنة والثّلاثون [التّقية - القتل] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: ليس في القتل تقية (١). أثر وفي لفظ: لا تقية في القتل (٢). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: التّقية: هي الوقاية. ومعناها حفظ الشّيء ممّا يؤذيه ويضرّه (٣). والتّقية: المداراة الظّاهرة - عن ابن عباس ﵄. ومفاد القاعدة: أنّه ليس في القتل محافظة على النّفس ولا مداراة للمكرِه، والمقصود قتل النّفس المعصومة بسبب الإكراه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال الكفّار لأسير مسلم لديهم: خذ هذا السّيف واقتل هذا - لأسير مسلم آخر - وإلا قتلناك. فلا يحلّ له أن يقتله؛ لأنّّه معصوم الدّم مثله، وإذا قتله كان في ذلك تقديم حظ نفسه وتفضيله على حظ نفس أخيه المسلم، وذلك لا يجوز. ولأنّهم أمروه بمعصية ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

стр. 3216

القاعدة التّاسعة والثّلاثون [ما فيه معنى الشّيء، المؤّول بغيره، والمقام مقام غيره] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: ليس كلّ ما فيه معنى الشّيء حكمه حكم ذلك الشّيء (١). وفي لفظ: ليس كلّ ما أوِّل بشيء حكمه حكم ما أوَّل به (١). وفي لفظ: المؤّول بالشّيء لا يلزم أن يكون في حكمه من كلّ وجه (١). وتأتي في قواعد حرف الميم إن شاء الله. وفي لفظ: إنّ ما أقيم مقام الشّيء لا يجوز أن يكون في معناه من كلّ وجه، وإلا لكان عينه (١). ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: هذه القواعد مهما اختلفت ألفاظها فدلالاتها متقاربة، إذ معناها أنّ كثيراً من الأشياء تتشابه في بعض الوجوه، فمنها ما يكون في معنى آخر، أو يؤوّل بشيء آخر - أي يفسّر به - أو يقوم مقام شيء آخر.

стр. 3217

ولكن ليس من الضّروري أنّ ما أشبه شيئاً أن يأخذ حكمه، أو يكون في معناها من كلّ وجه، فقد يأخذ الشّيء حكم ما يشبهه ويؤوّل به وقد لا يأخذه. وقد يأخذ حكماً من أحكامه دون أحكامه كلها؛ لأنّه لو أخذ أحكامه كلّها لكان هو هو وليس مؤوّلاً به. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: المرأة إمّا أن تكون ذات حيض أو حامل، أو لا تحيض لصغر أو كبر. وللحائض أحكام: منها: عدم جواز إيقاع الطّلاق عليها أثناء الحيض أو في طهر مسَّها فيه، أو أنّ إيقاعه مكروه. ومنها: أنّها تعتدّ بثلاثة أقراء في شهر واحد - كما ذكر الفقهاء وتنقضي عدّتها - ولكن لا يجوز لها أن تعتدّ بشهر واحد إذا كانت آيسة أو صغيرة، وذلك أنّ الشّهر إنّما يقوم في حقّ الآيسة والصّغيرة مقام الحيضة الواحدة في انقضاء العدّة والاستبراء خاصّة لا في جميع الأحكام، فلم يقم مقامه في إيقاع الطّلاق مثلاً. ومنها: إنّ الاستفهام الإنكاري كقولنا: أتضرب زيداً وهو أخوك. هو بمعنى النّفي، لكن لا يشبهه من كلّ وجه؛ من حيث إنّنا إذا قلنا: لا تضرب زيداً فهو أخوك، فلا بد من الفاء ولا يجوز بالواو، كما أنّ جواب الاستفهام الإنكاري لا يصحّ بالفاء بل بالواو الحاليّة. وأيضاً يصحّ وقوع أحدهما حيث لا يصحّ وقوع الآخر.

стр. 3218

القاعدة الأربعون [ما لا يمنع] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ليس كلّ ما لا يمنعه الحاكم إذا وقع يجيب إليه أو يأذن فيه إذا طُلِب (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: للحاكم أن يمنع النّاس من أشياء قد تضرّهم في دينهم أو دنياهم. والمباحات لا يمنعها الحاكم، فللنّاس أن يفعلوا في أموالهم ما يشاءون بعد أن لا يكون في ذلك ضرر لغيرهم. ولكن الحاكم قد لا يستجيب لطلب بعض النّاس فعل أمر لا يمنعه الحاكم لو فعلوه هم بأنفسهم، وقد لا يأذن في فعله لو طُلِب منه الإذن، لكن لو تُرِك النّاس وفعلوه فليس للحاكم منعهم منه؛ لأنّهم أحرار في فعل ما يرونه مصلحة لهم. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا طلب الشّركاء قسمة ما لا تبطل منفعته بالكلّيّة إذا كُسِّر أو قُسِّم كالسَّيف، والدّار الصّغيرة، فالأصحّ أنّ الحاكم لا يجيبهم إلى ذلك. ولكن إذا اقتسموا بأنفسهم لم يمنعهم، لكن إذا كانت تبطل منفعته بالكلّيّة فله منعهم من ذلك.

стр. 3219

ومنها: لا يجوز للحاكم الإجابة إلى بناء ما استهدم من الكنائس - القديمة - ولا الإذن فيه، وكاد (١) الإِمام يدَّعي الإجماع على ذلك. وإن كان لا يمنع عند إعادة ما استهدم من كنيسة قديمة على الخلاف فيه. هذا كان في الماضي أمّا الآن فلا يجوز أي بناء جديد أو قديم تهدّم إلا بعد الإذن من البلديّة أو ما يقوم مقامها. ضرورة تنظيم المدن. ومنها: على القول بأنّ المشرك إذا انتقل إلى دين يُقَرُّ أهله عليه لا يقبل منه إلا الإسلام أو الدّين الّذي كان عليه، قال الأصحاب - أي الشّافعيّة -: لا يقال له: أسلم أو عد إلى ما كنت. بل يقال له: أسلم فإن عاد إلى دينه تركناه.

стр. 3220

القاعدة الحادية والأربعون [التّصرّف في ملك الغير] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ليس لأحد أن يحدث مرجاً في ملك غيره، ولا يتّخذ فيه نهراً ولا بئراً ولا مزرعة إلا بإذن صاحبه. ولصاحبه أن يحدث ذلك كلّه (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: ما يملكه الإنسان من أرض أو غيرها هو حرّ التّصرّف فيه، ولكن لا يجوز لغيره أن يتصرّف بما يملكه أيّ تصرّف بغير إذن من المالك. ومالك الشّيء له حقّ التّصرّف فيما يملك بكلّ أنواع التّصرّف لكن بشرط أن لا يتعمّد ضرر غيره، وينظر القاعدة رقم. . . . . ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: أرض لإنسان لا يجوز لآخر أن يجعلها مرعى لمواشيه بغير إذن المالك، فإن فعل فعلى الحاكم عقوبته وتضمينه النّقص. ومنها: لا يجوز لأحد أن يجري نهراً أو يحفر بئراً في أرض غيره بغير إذنه. ومنها: لا يجوز لأحد أن يستولي على أرض غيره ويتّخذها مزرعة له. لكن إن أذن له المالك جاز.

стр. 3221

القاعدة الثّانية والأربعون [دفع الضّرر] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ليس لأحد أن يدفع الضّرر عن نفسه بالإضرار بغيره (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: دفع الضّرر ورفعه مطلوب شرعاً، لكن الأصل أن يدفع الضّرر أو يرفع بدون ضرر أو بضرر أخفّ منه، لكن دفع الضّرر بضرر مثله، أو أشدّ منه لا يجوز، كما سبق بيانه - ينظر القواعد ذوات الأرقام ٥، ٧، من قواعد حرف الضّاد. ومفاد القاعدة: أنّه لا يجوز لأحد أن يدفع ضرراً عن نفسه بإيقاع الضّرر بغيره لأنّ في ذلك أنانيّة وأَثَرة، والمسلم مأمور بالإيثار لا بالأثرة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: لا يجوز لمن أكره بالقتل أو القطع على قتل غيره أن يقتله، إذا كان المراد قتله معصوم الدّم، بل على المكرَه أن يصبر إمّا أن يقتل فيكون شهيداً مظلوماً وإمّا أن ينجو. ومنها: لا يجوز لجائع يخشى الهلاك على نفسه أن يأكل طعام

стр. 3222

جائع مثله وهو محتاج إليه؛ لأنّ صاحب الطّعام أحقّ بطعامه. أمّا إذا كان الآخر غير محتاج إلى ذلك الطّعام فلا بأس أن يأخذه، ولكن عليه ضمان ثمنه، ولا إثم عليه لو أخذه بغير رضا صاحبه. ومنها: لا يجوز لإنسان سقط عليه أفعى أو هاجمه حيوان مفترس أن يدفع عن نفسه الأفعى بقذفها على غيره، أو تحريض الحيوان على الإضرار بغيره، لكن عليه أن يدفع عن نفسه ما استطاع بدون الإضرار بالآخرين. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: حقّ الشّفعة للشّفيع مشروع بالأخبار المشهورة، مع أنّ فيه ضرراً على المشتري، فكأنّ الشّفيع دفع الضّرر المتوقّع عن نفسه بإدخال الضّرر على المشتري لإجباره على تسليم المشفوع للشّفيع، وإبطال ملكه عليه. لكن الضّرر على المشتري ليس محقّقاً؛ لأنّه يأخذ ما دفعه.

стр. 3223

القاعدة الثّالثة والأربعون [إثبات الملك لغيره] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: ليس لأحد ولاية إدخال الشّيء في ملك غيره من غير رضاه (١). وفي لفظ: لا يملك أحد إثبات ملك لغيره بلا اختياره (٢). وتأتي في حرف - لا - إن شاء الله. وفي لفظ: لا يدخل في ملك الإنسان شيء من غير اختياره - إلا الإرث (٣). وتأتي في حرف - لا - إن شاء الله. ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: الشّرط في التّملّك والتّمليك أن يكونا عن تراضٍ، لا عن إكراه أو إجبار أو غير اختيار، فلا يجوز لأحد أن يدخل في ملك غيره شيئاً من غير اختيار ذلك الغير أو رضاه بالملكيّة. كما أنّه لا يدخل شيء في ملك إنسان بغير اختياره ورضاه، ولكن الرّضا بالشّيء قد يكون صريحاً وقد يكون دلالة، ولكن يوجد مسائل مستثناة ستأتي. وكما أنّه لا يدخل شيء في ملك إنسان إلا باختياره، كذلك لا يخرج شيء من ملك إنسان إلا

стр. 3224

باختياره ورضاه. إِذَن فلا بدّ من الرّضا والاختيار في الإدخال والإخراج. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: الصّدقة أو الهبة لا تدخل في ملك المتصَدّق عليه أو الموهوب له إلا بالقبول والقبض. فما لم يقبل صراحة أو دلالة ولم يقبض فلا يعتبر مالكاً للصّدقة أو الهبة. ومنها: المبيع لا يدخل في ملك المشتري إلا برضاه ورضا البائع بالثّمن. فلو لم يرض المشتري لا يدخل المبيع في ملكه ولو رضي البائع. ولو لم يرض البائع لا يخرج المبيع عن ملكه ولو رضي المشتري، كما لا يدخل الثّمن في ملك البائع بغير رضاه ورضا المشتري. رابعاً: من المسائل المستثناة من هذه القاعدة: الإرث يدخل في ملك الوارث بغير اختياره؛ لأنّ هذا الملك اضطراري. ومنها: غلّة الوقف تدخل في ملك الموقوف عليه بغير اختياره. ومنه: نصف الصّداق إذا طلّق قبل الدّخول يدخل في ملك الزّوجة. ومنها: المعيب إذا ردّ على البائع بسبب العيب. فهذا إجبار من الشارع بقبول الرّد.

стр. 3225

القاعدة الرّابعة والأربعون [حقوق العباد] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ليس للإمام ولاية إسقاط حقوق العباد (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الإمام الأعظم له ولاية على مَن هم تحت يده، ولكن هذه الولاية مقيّدة غير مطلقة - إذ هي مقيّدة بمصالح العباد - فإذا ترافع إليه اثنان في حقّ لأحدهما فليس للإمام إسقاط هذا الحقّ عن المطالّب به بغير رضا خصمه. لكن هل للإمام إسقاط بعض حقوق الله تعالى إن وجد في ذلك المصلحة؟ خلاف. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أصاب أهل البغي من القتل والأموال قبل أن يخرجوا ويحاربوا ثمّ صالحوا بعد الخروج على إبطال ذلك، لم يجز، ويجب على الإمام أخذهم بجميع ذلك من القصاص والأموال؛ لأنّ ذلك حقّ لزمهم للعباد. ومنها: إذا ارتدّ إنسان عن الإسلام "والعياذ بالله تعالى" وكان عليه أموال وديون وحقوق للعباد كحقّ القصاص والقذف، ثمّ لحق بدار
следующие страницы →