← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14596

موسوعة القواعد الفقهية

محمد صدقي آل بورنو

Полный текст (5 326 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

القاعدة الثّانية والأربعون [دفع الضّرر] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ليس لأحد أن يدفع الضّرر عن نفسه بالإضرار بغيره (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: دفع الضّرر ورفعه مطلوب شرعاً، لكن الأصل أن يدفع الضّرر أو يرفع بدون ضرر أو بضرر أخفّ منه، لكن دفع الضّرر بضرر مثله، أو أشدّ منه لا يجوز، كما سبق بيانه - ينظر القواعد ذوات الأرقام ٥، ٧، من قواعد حرف الضّاد. ومفاد القاعدة: أنّه لا يجوز لأحد أن يدفع ضرراً عن نفسه بإيقاع الضّرر بغيره لأنّ في ذلك أنانيّة وأَثَرة، والمسلم مأمور بالإيثار لا بالأثرة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: لا يجوز لمن أكره بالقتل أو القطع على قتل غيره أن يقتله، إذا كان المراد قتله معصوم الدّم، بل على المكرَه أن يصبر إمّا أن يقتل فيكون شهيداً مظلوماً وإمّا أن ينجو. ومنها: لا يجوز لجائع يخشى الهلاك على نفسه أن يأكل طعام

стр. 3222

جائع مثله وهو محتاج إليه؛ لأنّ صاحب الطّعام أحقّ بطعامه. أمّا إذا كان الآخر غير محتاج إلى ذلك الطّعام فلا بأس أن يأخذه، ولكن عليه ضمان ثمنه، ولا إثم عليه لو أخذه بغير رضا صاحبه. ومنها: لا يجوز لإنسان سقط عليه أفعى أو هاجمه حيوان مفترس أن يدفع عن نفسه الأفعى بقذفها على غيره، أو تحريض الحيوان على الإضرار بغيره، لكن عليه أن يدفع عن نفسه ما استطاع بدون الإضرار بالآخرين. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: حقّ الشّفعة للشّفيع مشروع بالأخبار المشهورة، مع أنّ فيه ضرراً على المشتري، فكأنّ الشّفيع دفع الضّرر المتوقّع عن نفسه بإدخال الضّرر على المشتري لإجباره على تسليم المشفوع للشّفيع، وإبطال ملكه عليه. لكن الضّرر على المشتري ليس محقّقاً؛ لأنّه يأخذ ما دفعه.

стр. 3223

القاعدة الثّالثة والأربعون [إثبات الملك لغيره] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: ليس لأحد ولاية إدخال الشّيء في ملك غيره من غير رضاه (١). وفي لفظ: لا يملك أحد إثبات ملك لغيره بلا اختياره (٢). وتأتي في حرف - لا - إن شاء الله. وفي لفظ: لا يدخل في ملك الإنسان شيء من غير اختياره - إلا الإرث (٣). وتأتي في حرف - لا - إن شاء الله. ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: الشّرط في التّملّك والتّمليك أن يكونا عن تراضٍ، لا عن إكراه أو إجبار أو غير اختيار، فلا يجوز لأحد أن يدخل في ملك غيره شيئاً من غير اختيار ذلك الغير أو رضاه بالملكيّة. كما أنّه لا يدخل شيء في ملك إنسان بغير اختياره ورضاه، ولكن الرّضا بالشّيء قد يكون صريحاً وقد يكون دلالة، ولكن يوجد مسائل مستثناة ستأتي. وكما أنّه لا يدخل شيء في ملك إنسان إلا باختياره، كذلك لا يخرج شيء من ملك إنسان إلا

стр. 3224

باختياره ورضاه. إِذَن فلا بدّ من الرّضا والاختيار في الإدخال والإخراج. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: الصّدقة أو الهبة لا تدخل في ملك المتصَدّق عليه أو الموهوب له إلا بالقبول والقبض. فما لم يقبل صراحة أو دلالة ولم يقبض فلا يعتبر مالكاً للصّدقة أو الهبة. ومنها: المبيع لا يدخل في ملك المشتري إلا برضاه ورضا البائع بالثّمن. فلو لم يرض المشتري لا يدخل المبيع في ملكه ولو رضي البائع. ولو لم يرض البائع لا يخرج المبيع عن ملكه ولو رضي المشتري، كما لا يدخل الثّمن في ملك البائع بغير رضاه ورضا المشتري. رابعاً: من المسائل المستثناة من هذه القاعدة: الإرث يدخل في ملك الوارث بغير اختياره؛ لأنّ هذا الملك اضطراري. ومنها: غلّة الوقف تدخل في ملك الموقوف عليه بغير اختياره. ومنه: نصف الصّداق إذا طلّق قبل الدّخول يدخل في ملك الزّوجة. ومنها: المعيب إذا ردّ على البائع بسبب العيب. فهذا إجبار من الشارع بقبول الرّد.

стр. 3225

القاعدة الرّابعة والأربعون [حقوق العباد] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ليس للإمام ولاية إسقاط حقوق العباد (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الإمام الأعظم له ولاية على مَن هم تحت يده، ولكن هذه الولاية مقيّدة غير مطلقة - إذ هي مقيّدة بمصالح العباد - فإذا ترافع إليه اثنان في حقّ لأحدهما فليس للإمام إسقاط هذا الحقّ عن المطالّب به بغير رضا خصمه. لكن هل للإمام إسقاط بعض حقوق الله تعالى إن وجد في ذلك المصلحة؟ خلاف. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أصاب أهل البغي من القتل والأموال قبل أن يخرجوا ويحاربوا ثمّ صالحوا بعد الخروج على إبطال ذلك، لم يجز، ويجب على الإمام أخذهم بجميع ذلك من القصاص والأموال؛ لأنّ ذلك حقّ لزمهم للعباد. ومنها: إذا ارتدّ إنسان عن الإسلام "والعياذ بالله تعالى" وكان عليه أموال وديون وحقوق للعباد كحقّ القصاص والقذف، ثمّ لحق بدار

стр. 3226

الحرب فزنا أو شرب الخمر أو سرق منهم، ثمّ رجع إلى الإسلام ودار الإسلام، فإنّ الإمام يأخذه بحقوق العباد وليس له إسقاط أي حقّ منها بدون رضا صاحبه، وأمّا حقوق الله تعالى فلا يقام عليه حدٌّ وللإمام إسقاط ذلك عنه, لأنّه إنّما ارتكب ذلك حال ردّته وبدار الحرب حيث لا حكم للشّرع هناك (١).

стр. 3227

القاعدة الخامسة والأربعون [التّصرّف في الملك] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ليس للرّجل التّصرّف في ملكه تصرّفاً يضرّ بجاره (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: للإنسان - رجلاً كان أو امرأة - أن يتصرّف في ملكه كيف يشاء؛ لأنّ معنى (الملك) القدرة على التّصرّف في المملوك. لكن هذا التّصرّف ليس مطلقاً بل هو مقيّد بشرط سلامة الآخرين وعدم الإضرار بهم. فمفاد القاعدة: أنّه ليس للإنسان - رجلاً كان أو امرأة - أن يتصرّف في ملكه تصرّفاً يؤدّي إلى الإضرار بجيرانه باختياره. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: للإنسان أن يفعل في بيته ما يشاء بشرط أن لا يتعدّى فعله حدود بيته - لا بالصّوت ولا بالرّائحة ولا بالأذى -. فإذا اتّخذ بيته مصبغة أو مستودعاً للكيماويات، أو ورشة للدّق والطّرق فإن اشتكى جيرانّه وتضرّروا فللإمام والمسؤولين منعه من ذلك؛ دفعاً للضّرر عن الجيران. وهذا هو المعمول به في تنظيمات

стр. 3228

المدن الحديثة. ومنها: إذا حفر في أرضه حفرة، فدخل إنسان أو حيوان فتردّى فيها، فإنّ صاحب الأرض ليس بضامن - إلا عند أبي حنيفة ﵀ لأنّه يرى أنّ الجواز الشّرعي ينافي الضّمان لكن بشرط السّلامة. ومنها: إذا حفر بئراً في أرضه ليسحب ماء بئر جاره فليس له ذلك. ويجب منعه وردم بئره. ومنها: ليس للجار أن يرتفع على جاره بالبناء ويفتح عليه نوافذ تكشف جاره وتطلع على حرمه.

стр. 3229

القاعدة السّادسة والأربعون [نصب الأسباب] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ليس للعباد ولاية نصب الأسباب (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: أسباب العبادات والمعاملات من نصب ووضع الشّرع الحكيم، وإنّما على العباد أخذ هذه الأسباب وسيلة للوصول إلى مسبباتها، فليس لأحد من العباد أن ينصب سبباً لعبادة أو معاملة لم يأذن بها الله أو رسوله ﷺ . ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: نصب الشّرع الحكيم لكلّ عبادة سبباً لإيجابها على العباد. فجعل للصّلاة أوقاتاً محدّدة معيّنة جعلها أسباباً ظاهرة لتعلّق وجوب الصّلاة بذمّة المكلّفين. فلا يجوز لعبد أن يجعل سبباً غيرها لصلاة واجبة يؤدّيها. ومنها: نصب الشّارع النّصاب المالي سبباً لتعلّق وجوب الزّكاة بالمال. وجعل الحول سبباً لتعلّقها بذمّة المكلّف. ومنها: جعل الله البيع سبباً لحلّ تملّك البدلين، وعقد الإجارة سبباً لتملّك المنفعة من المستأجر والأجر من المؤجّر. وهكذا.

стр. 3230

ومنها: إذا نصب أحدهم علامة خاصّة - كنصف شعبان مثلاً - أو ليلة الإسراء والمعراج سبباً لعبادة بخصوص هذه الّليالي، فهذه عبادة باطلة لم يأذن بها الله ولم يفعلها رسوله ﷺ ، ولم ينصب لصحّتها سبباً. ومنها: الاحتفال بمولد الرّسول ﷺ لم يجعله الشّارع سبباً لعبادة خاصّة، فكلّ ما يفعل في تلك الذّكرى العزيزة على أنّه عبادة يتقرّب بها إلى الله سبحانه فهو باطل ومبعد عن الله لا مقرّب منه.

стр. 3231

القاعدة السّابعة والأربعون [الشّرع الباطل] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ليس للعبد شرع ما ليس بمشروع (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة لها ارتباط بسابقتها، فكما أنّه ليس للعباد نصب الأسباب كذلك ليس لهم أن يشرّعوا ما لم يشرّعه الله أو رسوله ﷺ ؛ لأنّ العبادات توقيفيّة، ليس للعباد مدخل في مشروعيّتها، كذلك ليس للعباد أن يشرّعوا أموراً حاربها الشّرع أو أبطلها وحكم بخلافها. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: ليس للعباد تشريع أحكام تخالف شرع الله كتحليل الرّبا وتسميته بغير اسمه، كأن يسمّونه فوائد أو عوائد أو غير ذلك. ومنها: تشريع أحكام تخالف شرع الله بحُجّة عدم المواطنة أو عدم الجنسيّة أو غير ذلك من الأحكام الوضعيّة البشريّة الّتي جعلت الأمّة الواحدة أُمماً. ومنها: تحليل الخمر وتسميتها بغير اسمها كأن تسمّى - مشروبات روحيّة -. ومنها: إباحة الاختلاط والتّكشّف باسم المدنيّة والتّحضّر والتّقدّم وغير ذلك.

стр. 3232

القاعدة الثّامنة والأربعون [تصرّف القاضي] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ليس للقاضي ولاية التّصرّف إلا فيما فيه نظر (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: لكلّ مسؤول دائرة عمله الّتي ليس له أن يتعدّاها، سواء في ذلك القاضي وغيره من الموظّفين المسؤولين كباراً كانوا أو صغاراً. فمفاد القاعدة: أنّه ليس للقاضي أن يتصرّف في غير دائرة اختصاصه، وإلا كان تصرّفه باطلاً. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: ليس للقاضي أن ينفّذ بيده الأحكام على الجناة؛ لأنّ هذا من عمل السّلطة التّنفيذيّة لا القضائيّة. فالقاضي عليه إصدار حكم الشّرع في المسألة المعروضة وإحالة التّنفيذ على الجهة المختصّة. ومنها: إذا كان القاضي ممنوعاً من النّظر في الأوقاف، فليس له أن ينظر في مسائلها، وإلا كان نظره باطلاً. ومنها: إذا كان القاضي حدّد له النّظر في المخالفات أو الجرائم الصّغيرة والأموال، فليس له أن ينظر في الدّماء والفروج. وإن نظر في شيء من مسائلها فنظره باطل وكذلك حكمه فيها.

стр. 3233

القاعدة التّاسعة والأربعون [المؤمن لا يذلّ نفسه] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ليس للمؤمن أن يذلّ نفسه وقد أعزَّه الله تعالى (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة نصّ حديث نبوي كريم وتوجيه عظيم من رسول عظيم صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم. تخريج الحديث: ذكره الزّبيدي (٢) ﵀ في الإتحاف جـ ١ ص ٢٩٦ بعدّة روايات عن حذيفة بن اليمان (٣)، وعلي بن أبي طالب، وأبي بكرة بن الحارث (٤) وعبد الله بن عمر ﵃، واللفظ من

стр. 3234

رواية علي وأبي بكرة ﵄. وكلّ روايات الحديث بدون قوله "وقد أعزّه الله". وقد أخرجه أبو نعيم (١) في الحلية، والهيثمي (٢) في المجمع، وابن عدي (٣) في الكامل، وأبو يعلى (٤) الموصلي في المسند جـ ٢ ص ١٤١ حديث رقم ١٤٠٧ عن الحسن البصري (٥) عن أبي سعيد الخدري (٦) ﵁.

стр. 3235

وقد بيَّن سيّدنا رسول الله ﷺ معنى إذلال المؤمن نفسه فقال ﵊: "يتعرّض من البلاء ما لا يطيق". ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: أن يعترض واحد على ظلم يراه من حاكم، أو يجهر بكلمة حقّ، وليس بقادر على التّغيير - فيؤخذ ويضرب ويسجن ويهان وقد يقتل - كما حدث مع يزيد الضبي (١) ﵀ مع الحكم بن أيوب (٢) الثّقفي عامل الحجّاج بن يوسف (٣) على البصرة. ومنها: لا يجوز للمسلمين أن يوادعوا الكفّار بدفع بعض المال لهم إذا كان بالمسلمين قوّة عليهم؛ لأنّ هذا من التزام الذّلّ - وليس للمؤمن أن يذلّ نفسه وقد أعزّه الله تعالى.

стр. 3236

القاعدة الخمسون [قتل النّفس] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ليس للمسلم أن يقتل نفسه، ولا أن يُعين على قتل نفسه (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المؤمن عزيز، ومطيع لله بتنفيذ أوامره واجتناب نواهيه. وقد قال الله : ﴿وَلَا تَقتُلُوا أَنفُسَكم﴾ (٢). ونهى رسول الله ﷺ عن قتل الإنسان نفسه لأي سبب كان من الأسباب الدّنيويّة. وإذا كان المسلم لا يحلّ له أن يقتل نفسه فليس له أيضاً أن يعين على قتل نفسه بسبب من الأسباب. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أسَرَ الكفّار جندّيّاً مسلماً، ثمّ طلبوا منه أن يناولهم هذا السّيف أو هذه البندقيّة ليقتلوه بها، فليس له أن يجيبهم إلى ذلك؛ لأنّه بهذا يعينهم على قتل نفسه وهذا منهي عنه.

стр. 3237

ومنها: لا يجوز بحال للمسلم أن ينتحر يأساً من الحياة أو لأنّه أصيب بمصيبة في نفسه أو ماله أو ولده. لأنّ الانتحار دليل على عدم الإيمان بقضاء الله وقدره. ومنها: إذا قبض الأعداء على رجل مسلم وابنه، وأرادوا قتلهما. فإذا قال الأب: قَدِّموا ابني قبلي، أو اقتلوا ابني قبلي لأَحتسبه، فلا يجوز له ذلك؛ لأنّ في هذا القول إعانة على قتل مسلم، أو طلب لقتل مسلم وهو لا يجوز.

стр. 3238

القاعدة الحادية والخمسون [الحرمة وملك اليمين] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ليس من ضرورة الحُرمة انتفاء ملك اليمين (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: ليس كلّ محرّم لا يجوز أن يملك، بل إنّ من المحرّمات على الإنسان ما يجوز تملّكه مع حرمته، فالحرمة وملك اليمين لا يتنافيان دائماً، بل قد تجتمع الحرمة وملك اليمين وقد لا يجتمعان. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: الخمر بدءاً لا يملكها مسلم، لحرمتها ونجاستها، لكن إذا ملك المسلم عصيراً فتخمّر يبقى مملوكاً، وإن كان حراماً شربه. ومنها: الذّهب والحرير حرام على ذكور هذه الأمّة لبساً وآنية لكن لا يمنع ذلك تملّكهما. فالرّجل يملك حلية من الذّهب أو آنية من الذّهب والفضّة ويحرم عليه استعمالهما. ومنها: حيث افترقا: الميتة محرّمة لا تجتمع مع ملك اليمين. فإذا ماتت دابّة لإنسان خرجت عن ملكه، وحَرُم تناولها إلا لضرورة. ومنها: إذا اجتمع عند رجل أختان إحداهما زوجة والأخرى رقيقة، فملكه لأخت زوجته لا ينافي حرمتها عليه.

стр. 3239

قواعد حرف لا

стр. 3240

القاعدة الأولى [الإلزام] أولاً: لفظ ورود القاعدة: لا إلزام إلا بمجمع، ما لم يثبت بدليل (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الإلزام معناه: الإثبات والإدامة والوجوب. يقال: لزم الشّيء لزوماً: ثبت ودام. وألزمته: أثبتُّه وأَدَمته. ولزمه المال، والطّلاقَ، وجب عليه (٢). المجمع: المتّفق عليه. فمفاد القاعدة: أنّه لا إيجاب لحقّ، ولا إثبات لحكم إلا بإجماع واتّفاق أو دليل وحجّة ملزمة؛ لأنّه إذا ثبت بالحجّه فلا حاجة إلى الاتّفاق؛ لأنّ الحجّة ملزمة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا ولدت المعتدّة فلا تثبت الولادة ولا نَسبُ المولود للزّوج المطلِّق إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين؛ لأنّ في إثبات الولادة إلزام المشاركة في الإرث على الورثة، والإلزام على الغير لا يجوز إلا بحجّة. أو أن يتّفق الورثة على الإقرار بالمولود.

стр. 3241

ومنها: إذا ادّعت المرأة الولادة بعد وفاة الزّوج - لأقل من سنتين - فصدّقها جميع الورثة أو صدّقها بعضهم ممّن يتمّ بهم نّصاب الشّهادة، فيصحّ تصديقهم في حقّ الإرث والنّسب. وأمّا إذا صدّقه من لا يبلغ نصاب الشّهادة فلا تقوم الحجّة إلا في حقّه، فيشاركه المولود في حصّته من الإرث دون الآخرين، ولا يثبت النّسب.

стр. 3242

القاعدة الثّانية [الخلف والأصل] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: لا بقاء للخَلَف مع وجود الأصل (١). وفي لفظ: لا عبرة للبدل مع القدرة على الأصل (٢). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بالخلف: البدل والعوض. فإذا وجد الأصل - وهو المبدل منه - زال الخَلف وسقط حكمه، ولا يجوز استعماله. وينظر من قواعد حرف الحاء القاعدة ٦٦. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: التّيمّم بالتّراب خلف عن الماء وبدل عنه عند فقده أو عدم القدرة على استعماله مع وجوده، فإذا وجد الماء، أو قدر مريد الطّهارة على استعماله لا يجوز التّيمّم ويبطل حكمه، وإذا كان متيمّماً بطل تيمّمه. ومنها: إذا قدر المتمتّع أو القارن على الشّاة قبل الصّوم وجب عليه الدّم، ولا يجوز له الصّوم. ومنها: إذا وجد الأصيل سقط حكم الكفيل. ومنها: إذا قدر مريد التّكفير عن الحنث على العتق أو الإطعام أو الكسوة لم يجز له الصّوم.

стр. 3243

القاعدة الثّالثة [بطلان العبادة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: لا بقاء للعبادة مع فوات ركنها (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: ركن كلّ شيء جزء حقيقته، فالغرفة جدرانها أركانها. وانتفاء ركنٍ من شيء ما انتفاء لحقيقته، سواء أكان عبادة أم غير عبادة. فمفاد القاعدة: أنّ أيّ عبادة من العبادات فات ركن من أركانها فإنّ هذه العبادة باطلة ولا بقاء لها ولا استمرار، وكذلك المعاملات. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: القراءة ركن من أركان الصّلاة. فإذا لم يقرأ المصلّي في صلاته - مع القدرة على القراءة - بطلت صلاته. ولو جاء بباقي أركان الصّلاة وشروطها. ومنها: الوقوف بعرفة ركن الحجّ. فإذا لم يقف الحاجّ بعرفة يوم التّاسع أو ليلة العاشر من ذي الحجّة، فقد بطل حجّه، ولو وقف على كلّ جبال الدّنيا. وعليه أن يتحلّل بعمرة. ومنها: في غير العبادات:

стр. 3244

الثّمن ركن في عقد البيع، فإذا لم يذكر الثّمن في عقد البيع أو الأجرة في عقد الإجارة كان العقد باطلاً، ولا يترتّب عليه آثاره. ومنها: إذا كان المدَّعَى عليه مجهولاً أو المدّعَى به مجهولاً لم تصحّ الدَّعوَى.

стр. 3245

القاعدة الرّابعة [بطلان العبادة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: لا بقاء للعبادة مع وجود ما ينافيها (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: لكلّ عبادة - إلى جانب أركانها - شروط تصحّ بها، فإذا فقد شرط منها أو وجد ما ينافي أحد شروطها بطلت تلك العبادة. والحقيقة أنّ مدلول هذه القاعدة أعمّ من العبادة - كالقاعدة السّابقة - إذ يشمل حكمها كلّ عمل شرعي يقوم به المكلّف؛ حيث إنّ كلّ عمل إذا وجد ما ينافي أحد شروطه فإنّه يبطل. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: الصّلاة يشترط لصحّتها طهارة المصلّي جسماً وثوباً ومكاناً، فإذا أحدث وهو في الصّلاة بطلت صلاته فوراً. أو أحدث أثناء وضوئه وجب عليه استئنافه. ومنها: إذا أكل الصّائم أو شرب أو جامع عامداً في يوم صومه بطل صومه؛ لأنّ هذه الأفعال تنافي الصّوم الشّرعي. ومنها: إذا اشترط البائع على المشتري أن لا يتصرّف بالمبيع، فقد بطل عقد البيع؛ لأنّ هذا الشّرط ينافي مقتضى العقد.

стр. 3246

ومنها: إذا تزوّج امرأة وشرطت عليه أن لا يطأها. فقد بطل العقد؛ لأنّ هذا الشّرط ينافي مقتضى عقد النّكاح ومقصوده.

стр. 3247

القاعدة الخامسة [إثبات الأهليّة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: لا تأثير للإجازة في إثبات الأهليّة لمن ليس بأهل (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الإجازة: معناها: إظهار رضا صاحب الحقّ في جواز المعاملة التي أجراها الفضولي. والإجازة كالإذن بالمعاملة، ولذلك قالوا: الإجازة في الانتهاء كالإذن في الابتداء. ومفاد القاعدة: من شروط صحّة الإجازة أن يكون الفضولي المتصرّف أهلاً للتّصرّف، بأن يكون بالغاً عاقلاً. فإذا تصرّف فضولي صغير أو مجنون أو محجور عليه فإنّ إجازة صاحب الحقّ لا تفيد حلّ المعاملة, لأنّ الصّغير والمجنون والمحجور عليه ليسوا أهلاً للتّصرّف، فتصرّف كلّ منهم باطل، ولمّا كانت الإجازة لا تعمل في الباطل، فإنّ إجازة صاحب الحقّ لا تفيد، ولا تصحّح المعاملة ولا تثبت أهليّة المتصرّف. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا باع صغير أو محجور عليه سلعة لآخر، ثمّ بلغ صاحب السّلعة البيع فأجازه، فإنّ إجازته لا تكون دليلاً على إثبات أهليّة

стр. 3248

الفضولي المتصرّف، وبالتّالي لا يكون العقد صحيحاً. ومنها: إذا أوصى لمن هو في دار الحرب. فالوصيّة باطلة وإن أجازها الورثة؛ لأنّ الحربي في حقّ مَن هو في دار الإسلام كالميت. ولهذا تنقطع العصمة بتباين الدّار حقيقة وحكماً. والميت لا يكون أهلاً للوصيّة، ولذلك فلا تصحّ وصيّة المسلم لحربي في دار الحرب ولو أجازها الورثة. ومنها: الوصيّة لقاتل المورث لا تجوز في الصّحيح وإن أجازها الورثة كذلك.

стр. 3249

القاعدة السّادسة [الإذن الباطل] أولاً: لفظ ورود القاعدة: لا تأثير للإذن في جعل مَن ليس بأهل أهلاً (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة لها ارتباط بسابقتها. ولكن تلك كانت إجازة في الانتهاء وهذه مختصّة بالإذن في الابتداء. فمن ليس بأهل للتّملّك أو التّصرّف لا يجعله الإذن أهلاً لذلك. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: عند الأكثرين - لا يحلّ الملك للعبد، فالعبد لا يملك؛ لأنّه مملوك. ولذلك لا يجوز للعبد أن يتسرى - أي يملك رقيقة بملك اليمين ويطأها، ولو أذن له السّيّد؛ لأنّ العبد مملوك فلا يجوز أن يكون مالكاً للمال لما بين المالكيّة والمملوكيّة من المنافاة. وعلى ذلك ملك الرّقبة لا يثبت للعبد فكذلك حكمه وهو حلّ الوطء. بخلاف النّكاح فإنّ العبد يجوز له أن يتزوّج بإذن السّيّد ضرورة، وزواج العبد لا يجعله مالكاً للزّوجة لكن له ملك وحل الوطء فقط.

стр. 3250

القاعدة السّابعة [العزيمة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: لا تأثير للعزيمة في تغيير الحقيقة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بالعزيمة هنا: النّيَّة والقصد. فالنّيَّة المخالفة لحقيقة دلالة اللفظ أو الفعل الواقع لا أثر لها في تغيير تلك الحقيقة، بل يعمل بدلالة اللفظ الحقيقيّة، والفعل الواقع وتبني الأحكام الشّرعيّة المترتّبة على ذلك الواقع والدّلالة وإن خالفتهما النّيَّة؛ لأنّ النّيَّة عمل قلبي والشّرع إنّما يحكم بالظّاهر، والسّرائر والضّمائر والنّيّات أمرها إلى الله . ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قرأ الفاتحة في الصّلاة على نيَّة أنّها ذكر أو دعاء لم تخرج عن قرآنيّتها بهذا القصد، وتصحّ بها الصّلاة؛ لأنّ حقيقة القرآن قد وجدت، ولا تأثير للعزيمة في تغيير الحقيقة، إذا كانت القراءة في محلّها. وقراءة الفاتحة في الصّلاة في محلّها. ومنها: إذا طلّق امرأته بلفظ الطّلاق الصّريح ثمّ قال: نويت

стр. 3251

الطّلاق من وثاق أي قيد أو أسر أو غير ذلك، لا يصدّق، ولا تعمل نيّته؛ لأنّه لا تأثير للعزيمة في تغيير حقيقة الطّلاق الصّريح الشّرعيّة وهي حلّ عقدة الزّوجيّة. ومنها: من عليه سجود سهو وسلّم بنيّة أنّ لا يسجد، فنيّته غير معتبرة؛ لأنّ السّجود مشروع، وتغيير المشروع بالنّيّة لا يجوز. ومنها: إذا أخذ متاع صديقه مازحاً فهلك في يده فهو ضامن كالغاصب، ولو قال إنّما أردت المزاح والمداعبة. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: قالوا: إنّ القرآن يخرج عن كونه قرآناً بالقصد فجوزوا للجنب والحائض قراءة ما فيه من الأذكار بقصد الذّكر، والأدعية بقصد الدّعاء - بشرط أن لا تكون القراءة في محلها كما سبق قريباً (١). ومنها: إذا أعطى الزّكاة بنيّة الهبة لا تقع عن الزّكاة. فعملت العزيمة هنا.

стр. 3252

القاعدة الثّامنة [أثر الغَيْبَة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: لا تأثير للغَيْبَة في إبطال حقّ تقرّر سببه (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بالغيبة: غياب صاحب الحقّ. فليس لغياب صاحب حقّ تأثير في إبطال حقّه إذا كان هذا الحقّ قد ثبت سببُه وتأكّد، إمّا بالوقوع وإمّا بالقضاء وإمّا بالإقرار. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: الشّفيع إذا كان غائباً فلا تسقط شفعته، إذا تمّ البيع ووقع العقد، فإذا حضر وعلم به كان على شفعته؛ لأنّ الحقّ بعد ما ثبت لا يسقط إلا بإسقاط صاحبه. ومنها: إذا كان لإنسان على آخر دين بسبب ثابت ومشروع وغاب الدّائن زمناً، فإنّ الدّين لا يسقط عن المدين إلا بالأداء أو الإبراء مهما طال غياب الدّائن. حتّى لو مات الدّائن كان لورثته حقّ مطالبة المدين بالدّين.

стр. 3253

القاعدة التّاسعة [الرّخص] أولاً: لفظ ورود القاعدة: لا تباح الرّخص في سفر المعصية (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق بيان ما يتعلّق بهذه القاعدة ضمن قواعد حرف الرّاء تحت الرّقم ١٣ وقد وردت بلفظ: "الرّخص لا تناط بالمعصية". فلتنظر هناك. ثالثاً: ورخص السّفر: قصر الصّلاة. فالعاصي بسفره لا يجوز له القصر. ومنها: جواز الفطر في رمضان. فالعاصي بسفره لا يجوز له أن يفطر. ومنها: الجمع بين الصّلاتين. كذلك - فلا يجوز له الجمع. ومنها: امتداد مسح الخفّ ثلاثة أيّام. فمدّة مسح العاصي بسفره يوم وليلة بناء على هذه القاعدة وأمثالها.

стр. 3254

القاعدة العاشرة [التّابع] أولاً: لفظ ورود القاعدة: لا تَبَع للتّبع (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: التّبع: هو التّابع لغيره وهو فرع غيره، والمتبوع هو الأصل له. فمفاد القاعدة: أنّ ما كان تابعاً لغيره في وجوده وحكمه لا يكون متبوعاً وله تابع آخر من جهة ما هو تبع فيه. وذلك في المرهون وأشباهه. ولكن هذه القاعدة ليست على إطلاقها؛ من حيث إنّه يجوز عقلاً وعادة أن يكون الشّيء تابعاً من وجه وهو متبوع وله تابع من وجه آخر. مثل الجد والأب والابن فإنّ الأب تابع للجد وهو أصل للابن والابن تابع له. وينظر من قواعد حرف التّاء القاعدة رقم ١٤. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا ارتهن أرضاً وكرماً وقيمة الأرض والكرم مساوية للدّين، ثمّ أثمر الكرم ثمراً كثيراً مثل قيمته، ثمّ ذهب الشّجر وسلم الثّمر، وقيمة الشّجر والأرض سواء، فإنّه يذهب ثلث الثّمن؛ حيث إنّ الثّمار زيادة

стр. 3255

في الشّجر والأرض جميعاً؛ لأنّ الشّجر تبع للأرض وليس الثّمر تابعاً للشّجر وحده، فانقسم الدّين على قيمة الثّلاثة سواء فيذهب الشّجر بثلث الدّين. ومنها: إذا قطع قاطع يد إنسان من نصف السّاعد فعليه نصف الدّيّة؛ لأنّه ليس للسّاعد ولا للكفّ بدل مقدّر سوى الأصابع - فلو قطعها كلّها فعليه نصف الدّية - ولكن عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى أنّه عليه إلى جانب نصف الدّية حكومة عدل في نصف السّاعد حيث إنّه لم يجعل تبعاً للكفّ لأنّه لا تبع للتّبع - فالكفّ تبع للأصابع في وجوب نصف الدّية ولا يمكن جعل السّاعد تبعاً للأصابع لأنّ الكفّ حائل بينه وبين الأصابع فوجب فيه حكومة عدل. وعند أبي يوسف ﵀ لا يجب إلا أرش اليد لحديثين رواهما (١). رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: ما سبق ذكره من أنّ الأب تابع للجدّ والابن تابع للأب، فكان الأب تابعاً من وجه متبوعاً من وجه. ومنها: وكيل الوكيل جائز إذا أذن الأصيل، فالوكيل الأوّل تابع للأصيل وهو متبوع بالوكيل الآخر.

стр. 3256

القاعدة الحادية عشرة [بيع ما لا يملك] أولاً: لفظ ورود القاعدة: لا تَبِعْ ما ليس عندك (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة نصّ حديث نبوي كريم تضمّن حكماً شرعيّاً متّفقاً عليه، وهو عدم جواز بيع ما لا يملك الإنسان قبل أن يملكه؛ لأنّه ليس على ثقة من حصوله. وينظر من قواعد حرف الباء القاعدة رقم ٧٩. تخريج الحديث: هذا الحديث عن حكيم (٢) بن حِزام ﵁. رواه الخمسة، وأخرجه ابن حبَّان (٣) في صحيحه. وقال التّرمذي (٤): حسن صحيح. وأخرجه في جامعه بهذا اللفظ. ينظر منتقى

стр. 3257

الأخبار حديث ٢٨٠٨. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: أراد شخص أن يشتري سيّارة فذهب إلى أحد المعارض وطلب شر اء سيّارة وذكر نوعها وأوصافها كاملة. وباعه صاحب المعرض سيّارة بنفس الأوصاف المطلوبة - ولكنّها ليست عنده ولا يملكها عند العقد، بل وعد المشتري أن يأتيه بها بعد شهر أو أسبوع. فهذا العقد باطل. لكن لو وعد صاحب المعرض بأنّ السّيّارة المطلوبة تصله بعد شهر أو أقلّ أو أكثر ولم يتمّ العقد على شرائها فذلك جائز، وهذه مواعدة وليست عقداً باتّاً كسابقه. فإنّ المشتري له الحقّ في عدم شراء تلك السّيّارة أو شراء غيرها بعد ذلك. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة وجاز بيعه قبل قبضه: الإرث: يجوز للوارث بيع ما يرثه قبل القسمة وقبل قبض نصيبه من الميراث. ومنها: الوصيّة وغلّة الوقف والرّزق المقرّر من بيت المال والسّهم المقرّر من الغنيمة والصّيد إذا ثبت ووقع في الشّبكة، هذه كلّها يجوز بيعها قبل قبضها.

стр. 3258

القاعدة الثّانية عشرة [المنافع وتقويمها] أولاً: لفظ ورود القاعدة: لا تتقوّم المنافع في نفسها (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المنافع غير الأعيان، جمع: منفعة، والمراد بها: المصالح المترتّبة على استغلال الأعيان واستعمالها. فالمنافع هذه غير متقوّمة في نفسها - أي لا قيمة لها في نفسها؛ لأنّه لا يتصوّر فيها الإحراز - أي وضعها في حرز - أي حصن أو بيت؛ ولأنّ ما لا يحرز لا يمكن تقويمه. والمنافع أمور غير مادّيّة منظورة، بل هي أمور معنويّة اعتباريّة تستفاد من الأعيان. فالصّيد قبل صيده لا يقبل التّقويم، والحشيش والأعشاب النّابتة في الأرض لا تتقوّم إلا إذا قطعت. فلا تكون المنافع مِثلاً للمال المتقوّم، فلا تقضى به؛ لأنّ مبنى القضاء على المماثلة، ولا تضمن المنافع؛ لأنّ الضّمان قضاء، ومن شروط القضاء أن يكون للغائب أو الفائت مثلٌ كامل أو قاصر أو يرد فيه نصّ.

стр. 3259

وموضوع القاعدة هو عدم ضمان المنافع إذا تُعُدِّي عليها لعدم تقوّمها في نفسها - وهذا عند الحنفيّة - وأمّا عند الشّافعي ﵀ فإن منافع المغصوب المتقوّم تضمن بالمال. وهذا في الحقيقة أعدل حتى لا تضيع الحقوق. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا اغتصب غاصب داراً وسكنها مدّة أو لم يسكنها فإنّه لا يُضَمَّن منافعها الضّائعة على الملك - بناء على هذه القاعدة - ولكن عند الشّافعي ﵀ فإنّ الغاصب يضمن منافع المغصوب حيث تضمن بالمال المتقوّم وهو العين؛ لأنّ المنفعة عند الشّافعي مال. وهذا عدل وبخاصّة إنّ منافع الدّور والمحلاّت والعمارات يمكن الآن وبكلّ يسر تقويم إجاراتها وما تستحقّه، قياساً على أمثالها وبحسب الأسعار السّائدة. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: الإجارة حيث إنّ عقد الإجارة عقد صحيح بالنّصّ، والأجرة مقابل المنفعة، ولكن التّقوم في المنفعة بإقامة العين المستأجرة - كالدّار - مقام المنفعة تحفّظاً لصحّة العقد، فالعقد ورد على العين لا على المنفعة، ثمّ ينعقد العقد على المنافع شيئاً فشيئاً. ومنها: إذا كانت العين مُعَدَّة للاستغلال واغتصبها مغتصب فهو ضامن للأجرة. ومفهوم ذلك أنّ العين إذا لم تكن معدّة للاستغلال أنّ أجرتها غير مضمونة وذلك موضوع القاعدة.

стр. 3260

ومنها: منافع مال اليتيم، ومنافع مال الوقف، فهي تضمن بالإتلاف والتّعدّي. وأقول وبالله التّوفيق: إنّ تضمين المغتصب منافع المغصوب - ولو لم يكن معدّاً للاستغلال هو الأعدل، والأقطع لطمع الطّامعين، فإنّ المغتصب إذا علم أنّه سيضمن منافع ما اغتصبه مهما كان فإنّ ذلك قد يردعه عن الغصب والتّعدّي. والله أعلم.
следующие страницы →