← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14596

موسوعة القواعد الفقهية

محمد صدقي آل بورنو

Полный текст (5 326 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

القاعدة الحادية عشرة [بيع ما لا يملك] أولاً: لفظ ورود القاعدة: لا تَبِعْ ما ليس عندك (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة نصّ حديث نبوي كريم تضمّن حكماً شرعيّاً متّفقاً عليه، وهو عدم جواز بيع ما لا يملك الإنسان قبل أن يملكه؛ لأنّه ليس على ثقة من حصوله. وينظر من قواعد حرف الباء القاعدة رقم ٧٩. تخريج الحديث: هذا الحديث عن حكيم (٢) بن حِزام ﵁. رواه الخمسة، وأخرجه ابن حبَّان (٣) في صحيحه. وقال التّرمذي (٤): حسن صحيح. وأخرجه في جامعه بهذا اللفظ. ينظر منتقى

стр. 3257

الأخبار حديث ٢٨٠٨. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: أراد شخص أن يشتري سيّارة فذهب إلى أحد المعارض وطلب شر اء سيّارة وذكر نوعها وأوصافها كاملة. وباعه صاحب المعرض سيّارة بنفس الأوصاف المطلوبة - ولكنّها ليست عنده ولا يملكها عند العقد، بل وعد المشتري أن يأتيه بها بعد شهر أو أسبوع. فهذا العقد باطل. لكن لو وعد صاحب المعرض بأنّ السّيّارة المطلوبة تصله بعد شهر أو أقلّ أو أكثر ولم يتمّ العقد على شرائها فذلك جائز، وهذه مواعدة وليست عقداً باتّاً كسابقه. فإنّ المشتري له الحقّ في عدم شراء تلك السّيّارة أو شراء غيرها بعد ذلك. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة وجاز بيعه قبل قبضه: الإرث: يجوز للوارث بيع ما يرثه قبل القسمة وقبل قبض نصيبه من الميراث. ومنها: الوصيّة وغلّة الوقف والرّزق المقرّر من بيت المال والسّهم المقرّر من الغنيمة والصّيد إذا ثبت ووقع في الشّبكة، هذه كلّها يجوز بيعها قبل قبضها.

стр. 3258

القاعدة الثّانية عشرة [المنافع وتقويمها] أولاً: لفظ ورود القاعدة: لا تتقوّم المنافع في نفسها (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المنافع غير الأعيان، جمع: منفعة، والمراد بها: المصالح المترتّبة على استغلال الأعيان واستعمالها. فالمنافع هذه غير متقوّمة في نفسها - أي لا قيمة لها في نفسها؛ لأنّه لا يتصوّر فيها الإحراز - أي وضعها في حرز - أي حصن أو بيت؛ ولأنّ ما لا يحرز لا يمكن تقويمه. والمنافع أمور غير مادّيّة منظورة، بل هي أمور معنويّة اعتباريّة تستفاد من الأعيان. فالصّيد قبل صيده لا يقبل التّقويم، والحشيش والأعشاب النّابتة في الأرض لا تتقوّم إلا إذا قطعت. فلا تكون المنافع مِثلاً للمال المتقوّم، فلا تقضى به؛ لأنّ مبنى القضاء على المماثلة، ولا تضمن المنافع؛ لأنّ الضّمان قضاء، ومن شروط القضاء أن يكون للغائب أو الفائت مثلٌ كامل أو قاصر أو يرد فيه نصّ.

стр. 3259

وموضوع القاعدة هو عدم ضمان المنافع إذا تُعُدِّي عليها لعدم تقوّمها في نفسها - وهذا عند الحنفيّة - وأمّا عند الشّافعي ﵀ فإن منافع المغصوب المتقوّم تضمن بالمال. وهذا في الحقيقة أعدل حتى لا تضيع الحقوق. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا اغتصب غاصب داراً وسكنها مدّة أو لم يسكنها فإنّه لا يُضَمَّن منافعها الضّائعة على الملك - بناء على هذه القاعدة - ولكن عند الشّافعي ﵀ فإنّ الغاصب يضمن منافع المغصوب حيث تضمن بالمال المتقوّم وهو العين؛ لأنّ المنفعة عند الشّافعي مال. وهذا عدل وبخاصّة إنّ منافع الدّور والمحلاّت والعمارات يمكن الآن وبكلّ يسر تقويم إجاراتها وما تستحقّه، قياساً على أمثالها وبحسب الأسعار السّائدة. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: الإجارة حيث إنّ عقد الإجارة عقد صحيح بالنّصّ، والأجرة مقابل المنفعة، ولكن التّقوم في المنفعة بإقامة العين المستأجرة - كالدّار - مقام المنفعة تحفّظاً لصحّة العقد، فالعقد ورد على العين لا على المنفعة، ثمّ ينعقد العقد على المنافع شيئاً فشيئاً. ومنها: إذا كانت العين مُعَدَّة للاستغلال واغتصبها مغتصب فهو ضامن للأجرة. ومفهوم ذلك أنّ العين إذا لم تكن معدّة للاستغلال أنّ أجرتها غير مضمونة وذلك موضوع القاعدة.

стр. 3260

ومنها: منافع مال اليتيم، ومنافع مال الوقف، فهي تضمن بالإتلاف والتّعدّي. وأقول وبالله التّوفيق: إنّ تضمين المغتصب منافع المغصوب - ولو لم يكن معدّاً للاستغلال هو الأعدل، والأقطع لطمع الطّامعين، فإنّ المغتصب إذا علم أنّه سيضمن منافع ما اغتصبه مهما كان فإنّ ذلك قد يردعه عن الغصب والتّعدّي. والله أعلم.

стр. 3261

القاعدة الثّالثة عشرة [مزاحمة التّبع للأصل] أولاً: لفظ ورود القاعدة: لا تثبت المزاحمة للتّبع مع الأصل فيها يستحقّ بغلبة الأصل (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق بيان المراد بالتّبع والأصل: فإذا كان الأصل هو الأقوى، لأنّه سبب وجود التّبع والتّبع وجوده تابع لوجوده أصله، فإذن لا تقع المزاحمة بينهما ولا تثبت؛ لأنّه كما سبق إنّ معنى المزاحمة: المدافعة، والمدافعة إنّما تكون بين متماثلين في الوجود والقوّة، لكن لمّا كان الأصل غالباً بقوّته وسبق وجوده فلا تثبت المزاحمة بينه وبين تابعه وفرعه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أوصي لامرأة حامل بوصيّة، فلو وضعت المرأة بعد وفاة الموصي، فلا يستحقّ مولودها من الوصيّة شيئاً؛ لأنّه تبع للأمّ, ولا مزاحمة للتّبع مع الأصل. ومنها: إذا أعتق شخص عبداً ثمّ مات المعتِق فولاء العتيق يكون لابن المعتِق؛ لأنّه عصبة لأب، فإذا مات المعتِق عن ابن وابنة، ثمّ

стр. 3262

مات المعتَق فيكون ميراثه للابن، ولا يكون للابنة من ميراثه شيء؛ لأنّها صاحبة فرض، وإنّما تصير عصبة تبعاً للابن. أمّا لو أعتقت المرأة عبداً فإنّ ولاءه لها وكذلك ميراثه إذا مات عن غير وارث.

стр. 3263

القاعدة الرّابعة عشرة [كفالة الأمانات] أولاً: لفظ ورود القاعدة: لا تجوز الكفالة بشيء من الأمانات (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق بيان أنّ الأمانات غير مضمونة - أي أنّ الأمانة لا يغرم الأمين مثلها أو قيمتها إذا تلفت أو هلكت بغير تعدّ منه أو تقصير؛ وذلك لأنّ الأمين إنّما يحفظ الأمانة أو يعمل بها لصالح ونفع صاحبها، ولذلك لمّا كانت المنفعهَ تعود على المستأمِن لم يجب على المستأمَن ضمانها، إلا إذا تعدّى أو قصَّر، ولذلك فلا يجوز اشتراط الكفيل عند وضع الأمانه على يد الأمين؛ لأنّ الكفيل إنّما جعل ليضمن المكفول إذا لم يؤدّ الضّمان. ولمّا كانت الأمانات غير مضمونة على الأمين فلا حاجة للكفيل. وينظر القاعدتان رقم ١٨، ١٩ من قواعد حرف الكاف. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أودع شخص أمانة عند شخص آخر، ثمّ طلب كفيلاً يكفل الأمين، فلا يجوز له ذلك، ولا يجيبه الأمين على طلبه هذا. ومنها: رأس مال المضاربة أمانهَ في يد المضارب، فلا يجوز لصاحب رأس المال أن يطلب من المضارب كفيلاً.

стр. 3264

ومنها: مال الشّركة أمانة في يد الشّريكين، فلا يجوز لأحدهما أن يطلب كفيلاً على شريكه.

стр. 3265

القاعدة الخامسة عشرة [التّحليف] أولاً: لفظ ورود القاعدة: لا تحليف إلا بطلب الخصم (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: التّحليف: تفعيل من الحلف، والمراد به طلب توجيه اليمين على المدَّعَى عليه، عند عدم وجود بيِّنة للمدَّعِي. فمفاد القاعدة: أنّه لا يجوز للقاضي توجيه اليمين على المدَّعَى عليه إلا بطلب من خصمه المدَّعِي؛ لأنّ المطلوب أولاً - بعد صحّة الدّعوى - بيِّنة المدّعِي، فإنَ لم توجد فيجوز توجيه اليمين على المدَّعَى عليه بشرط أن يطلب المدَّعِي تحليفه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا ادّعى عليه مالاً، ولم يأت المدّعِي بشهود، فإذا طلب المدَّعِي توجيه اليمين على المدَّعَى عليه وطلب من القاضي تحليفه فإنّ القاضي يُحَلِّفه. وأمّا إذا لم يطلب المدّعِي تحليف خصمه فلا يجوز للقاضي تحليفه، وإنّما يقول للمدّعِي: هات شهودك أو بيّنتك ليشهدوا لك بما تدّعي.

стр. 3266

رابعاً: من المسائل المستثناة من هذه القاعدة: للقاضي أن يستحلف الشّفيع إذا طلب من القاضي أن يقضي له بالشّفعة، حيث يحلّفه القاضي بالله لقد طلبت الشّفعة حين علمت بالشّراء، وإن لم يطلب المشتري ذلك. وهذا عند أبي يوسف. ومنها: البكر إذا بلغت عند الزّوج وطلبت التّفريق من القاضي، فإنّ القاضي يحلّفها بالله لقد اخترت الفرقة حين بلغت. وإن لم يطلب الزّوج. ومنها: المشتري إذا أراد ردّ السّلعة بالعيب يحلّفه القاضي أنّك لم ترض بالعيب. ومنها: المرأة إذا سألت القاضي أن يفرض لها النّفقة في مال الزّوج الغائب، يحلّفها بالله ما أعطاك نفقتك حين خرج؟ وهذه المسائل الأربع عند أبي يوسف ﵀ دون أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله حيث لا يحلَّف بدون طلب الخصم أيضاً. ومنها: إنّ من ادّعى دينًا على ميّت يُحلَّف - من غير طلب الوصي أو الوارث - بالله ما استوفيت دينك من المديون الميّت - قبل وفاته - ولا من أحد أدّاه إليك عنه ولا قبض قابض بأمرك، ولا أبرأته منه ولا شيئاً منه. وهذه المسألة مجمع عليها؛ من حيث إنّ الخصم ميّت، واليمين هنا يَحْلفها المدَّعِي لا المدَّعَى عليه.

стр. 3267

القاعدة السّادسة عشرة [التّحليف في الحدود] أولاً: لفظ ورود القاعدة: لا تحليف في الحدود اتّفاقاً (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الحدود: جمع حد. وهو تلك الجرائم الّتي حدَّ لها الشّرع عقوبة محدّدة مقدّرة، لا يجوز النّقص منها ولا الزّيادة عليها. والحدود لا تثبت إلا بالبيَّنة أو الإقرار. ولذلك لا يجوز تحليف المدّعَى عليه بحدّ، وذلك لأنّ المدّعَى عليه إذا طلب منه اليمين وامتنع عن الحلف أنّه يلزم بالقضيّة عند الأكثرين، ولمّا كان النّكول - أو الامتناع عن اليمين - ليس نصّاً في ثبوت الحقّ، فهو يورث شبهة، والحدود تدرأ بالشّبهات. فلذلك امتنع التّحليف في الحدود. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: شهد ثلاثة على رجل أو امرأة بالزّنا - والشّهادة التّامّة على الزّنا أربعة شهود لا ثلاثة - وطلبوا تحليف المدّعَى عليه أنّه ما زنى، فإنّ القاضي لا يجيبهم إلى ذلك، بل إذا لم يكمل نصاب الشّهادة - وهو

стр. 3268

أربعة - فإنّ الشّهود الثّلاثة يقام عليهم حدّ القذف، إلا إذا أقرّ المتّهم بالزّنى. ومنها: إذا شهد واحد على آخر أنّه شرب الخمر، وطلب تحليفه على ذلك، لعدم اكتمال نصاب الشّهادة - وهو هنا اثنان - فإنّ القاضي لا يجيبه على ذلك ولا يطلب من المتّهم حلف اليمين.

стр. 3269

القاعدة السّابعة عشرة [التّحليف] أولاً: لفظ ورود القاعدة: لا تحليف مع البرهان (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: البرهان: المراد به هنا الحجّة والبيَّنة - أي الشّهود. فلا يوجه اليمين على المدَّعَى عليه عند وجود بيِّنة المدّعِي وشهوده؛ لأنّ اليمين إنّما تكون مشروعة عند عدم البيَّنة لا مع وجودها، وكذلك لا يحلف المدّعِي مع وجود بيَّنته لأنّ البيِّنة حجّة كاملة وبرهان تامّ. ولكن خرج عن ذلك مسائل جاز فيها تحليف المدّعِي مع وجود بيِّنته إضافة إليها لزيادة التّوثّق. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: ادّعى على آخر أنّه غصبه شيئاً ما وأقام بيَّنة على ذلك. فلا يطلب القاضي من المدّعِي اليمين مع بيَّنته؛ لأنّه خلاف المشروع. كما لا يطلب من المدّعَى عليه اليمين لدفع دعوى المدّعِي؛ لأنّ البيِّنة العادلة قد أثبتت دعوى الغصب. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة فجاز تحليف المدّعِي زيادة على بيّنته:

стр. 3270

يحلف مدّعى الدّين على الميّت إذا برهن. ولا خصوصيّة لدعوى الدّين، بل في كلّ موضع يدّعى حقّاً في التّركة وأثبته بالبيِّنة فإنّه يُحَلَّفُ أيضاً من غير طلب خصم أنّه ما استوفى حقّه. وهو مثل حقوق الله يحلف من غير دعوى. ومنها: المستحِقّ للمبيع بالبيِّنة يحلف للمستحَقّ عليه بالله أنّه ما باعه ولا وهبه ولا تصدّق به ولا خرجت العين عن ملكه. ومنها: يحلف مدّعِي الآبق مع البيِّنة بالله أنّه باق على ملكك إلى الآن لم يخرج ببيع ولا هبة. ومنها: مديون الميت إذا ادّعى الدّفع له مع البيَّنة فإنّه يحلّف أيضاً احتياطاً.

стр. 3271

القاعدة الثّامنة عشرة [التّداخل] أولاً: لفظ ورود القاعدة: لا تداخل في أعمال العبادات، وإنّما التّداخل فيما يندرئ بالشّبهات (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: التّداخل: تفاعل من الدّخول، والمراد به هنا: نيابة عمل عبادي عن عمل عبادي آخر بينهما تشابه. وقد سبق أنّ الحدود تتداخل، أي يدخل بعضها في بعض وفعل بعضها يغني عن فعل بعض آخر وينوب عنه. فمفاد القاعدة: أنّ أعمال العبادات لا يقوم بعضها مقام بعض، ولا ينوب بعضها عن بعض - ولو كانت متشابهة - بل يجب الإتيان بكلّ عمل عبادي على حدة. وهذه القاعدة مستند الحنفيّة في وجوب طوافين وسعيين للقارن في الحجّ. وعند غيرهم أنّه يكفي طواف واحد وسعي واحد؛ لأنّه دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة كما في حديث جابر بن عبد الله ﵁ الّذي أخرجه مسلم وغيره (٢).

стр. 3272

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: مَن أحرم ونوى بإحرامه القران في النّسك، فعند جمهور الحنفيّة يجب عليه طوافين وسعيين، طواف وسعي لعمرته، وطواف وسعي لحجّته، وقد ثبتت من غير طريق أنّ القارن يطوف للحجّ والعمرة طوافاً واحداً ويسعى سعياً واحداً (١). ومنها: لا تداخل بين أشواط طواف واحد وسعي واحد. ومنها: من نذر صيام يوم، وعليه قضاء من رمضان، فلا يجزئه أن يصوم ذلك اليوم عن نذره وقضائه، بل يجب أن يصوم الّذى حدّده وفاء بنذره ثمّ يصوم يوماً آخر لقضائه. ومنها: مَن أخّر صلاة الظّهر لآخر وقتها وأوّل وقت صلاة العصر، فلا يجوز له أن يصلّي أربع ركعات عن ظهره وعصره، بل يجب عليه أن يصلّي للظّهر أربعاً ثمّ يصلّي للعصر أربع ركعات أخرى. فلا تداخل. ومنها: من عليه كفّارات متعدّدة - فلا تداخل بينها - وعليه أداؤها جميعها.

стр. 3273

القاعدة التّاسعة عشرة [الدّعوى - الإبراء العام] أولاً: لفظ ورود القاعدة: لا تسمع الدّعوى بعد الإبراء العام إلا بحقّ حادث (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الإبراء: إسقاط الحقّ. بما يبرئ ويسلم ذمّة المدين. وإذا أبرأ صاحب الحقّ المدين عن حقّه إبراءً عامّاً، ثمّ أراد أن يرفع دعوى مطالبة بالحقّ، فلا تسمع هذه الدّعوى بعد ذلك الإبراء، إلا إذا وجد حقّ حادث بعد الإبراء العام، وصورة الإبراء أن يقول: لا حقَّ لي قِبّل فلان. فإذا قال ذلك سقط كلّ حقّ له عليه، ولمّا كان السّاقط لا يعود - كما سبق - فلا تسمع دعواه ومطالبته بالحقّ السّاقط. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا كان على شخص دين لآخر، فقال الدّائن للمدين: أبرأتك ممّا لي عليك، فقد سقط الحقّ وبرئت ذمّة المدين، ولا يجوز للدّائن بعد ذلك أن يطالب بما أبرأ عنه. لكن إذا حدث حقّ جديد بعد الإبراء فله أن يرفع دعوى للمطالبة به. ومنها: إذا ثبتَ حقّ الشّفعة للشّفيع، وكان له على البائع أو المشتري دين فأبرأه منه إبراءً عامّاً بأن قال: أبرأتك عن كلّ حقّ لي

стр. 3274

عليك. سقط حقّ الشفعة أيضاً، ولا حقّ له في المطالبة به بعد ذلك. لكن لو قال: أبرأتك ممّا لي عليك من الدّين. لم يسقط حقّ الشّفعة. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: إذا أبرأه إبراء عامّاً من كلّ حقّ، وكان قد ضمن له الدَرَك. فإنّ ضمان الدّرك لا يدخل في الإبراء العامّ. وضمان الدَرَك: هو ضمان الغرامة والتّبعة إذا ظهر أنّ للمبيع مستحِقّ (١). أو هو الحقّ الواجب للمشتري والبائع عند إدراك المبيع أو الثّمن مستحقّاً (٢).

стр. 3275

القاعدة العشرون [الدّعوى] أولاً: لفظ ورود القاعدة: لا تسمع الدّعوى والبيِّنة بملك سابق (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: لا تقبل دعوى المدّعِي ولا تسمع أقوال شهوده إذا قالوا عن المتنازع عليه: كان ملكه بالأمس، أو في الشّهر الماضي، أو العام الماضي. بل لا بدّ أن يضيفوا إلى قولهم: كان ملكه بالأمس ولم يزل أو لا نعلم مزيلاً له. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: تنازع رجلان داراً. وجاء أحدهما بشاهدين يشهدان له أمام القاضي. فقال الشّاهدان: نشهد أنّ هذه الدّار كانت ملكاً للمدّعِي في العام الماضي. فلا تسمع هذه الدّعوى، ولا تقبل هذه الشّهادة؛ لأنّ الملك السّابق لا يدلّ على بقاء الملك إلى الآن، فلعلّه باعها بعد ذلك. لكن إذا قالوا: كانت ملكاً للمدّعِي في العام الماضي أو الشّهر الماضي ولا زالت في ملكه، أو لم نعلم زوال ملكه عنها. فإنّها تقبل الشّهادة وتسمع الدّعوى.

стр. 3276

رابعاً: من المسائل المستثناة من هذه القاعدة: إذا ادّعى المدّعَى عليه أنّه اشتراه من خصمه منذ سنة، أو أنّه أقرّ له به من سنة، أو يقول المدّعَى عليه: كان ملكك بالأمس وهو الآن ملكي، فيؤاخذ بإقراره بملكيّة المتنازع عليه لخصمه، ثمّ عليه إقامة الحجّة على ملكه اللاحق. ومنها: إذا شهدت بيّنة أحدهما أنّ هذه الدّابّة ملكه نتجت في ملكه، فإنّها تقبل، وإن كان النّتاج سابقاً؛ لأنّ النّتاج إنّما يحصل مرّة واحدة، وهو نماء ملكه.

стр. 3277

القاعدة الحادية والعشرون [إجازة الباطل] أولاً: لفظ ورود القاعدة: لا تصحّ إجازة الباطل (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: قد سبق القول بأنّ الإجازة إنّما تعمل في المتوقّف. وأمّا الباطل فلا تصحّ إجازته لبطلانه وعدم انعقاده، فكأنّ الإجازة وقعت على معدوم فلا تصحّ. وينظر القاعدة ٣ من قواعد حرف الباء. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: باع فضولي خمراً أو خنزيراً لمسلم - والمسلم لا يملك الخمر ولا الخنزير - فإنّ هذا العقد باطل؛ لأنّ الخمر والخنزير ليسا مالين للمسلم، فلو أجاز صاحبهما هذا العقد فإنّه لا يجوز؛ لأنّه وقع في الأصل باطلاً. والإجازة لا تصحّح الباطل. ومنها: إذا زوَّجه امرأة لا تحلّ له. فأجاز الزّوج هذا النّكاح لم يجز لأنّه وقع في الأصل باطلاً. ومنها: ما سبق قريباً إذا كان الفضولي صغيراً أو محجوراً عليه فلا يصحّ تصرّفه ولو أجاز صاحب الحقّ عمله. فهو باطل. لوقوعه من الأصل باطلاً.

стр. 3278

ومنها: إذا أوصى حربي في دار الحرب لمسلم في دار الإسلام بوصيّة، ثمّ مات الحربي وأسلم أهل الدّار قبل أن يقسم الميراث، فإن كان المسلم الموصَى له يوم الوصيّة في دار الإسلام فالوصيّة باطلة؛ لتباين الدّارين بينهما. وتباين الدّارين يمنع الوصيّة حتى وإن أجازها الورثة بعد ما أسلموا، فهي باطلة، والباطل لا تلحقه الإجازة. وأمّا إذا دفع الورثة الوصيّة إلى الموصَى له وسلّموها له، فهي بمنزلة الهبة منهم. أمّا إذا كان المسلم يوم الوصيّة في دار الحرب فهي وصيّة صحيحة جائزة؛ لأنّهما في دار واحدة، والوصيّة تنفّذ من الثّلث بعد إسلام أهل الدّار قبل قسمة الميراث.

стр. 3279

القاعدة الثّانية والعشرون [جهالة الجنس] أولاً: لفظ ورود القاعدة: لا تصحّ التّسمية في شيء من العقود مع جهالة الجنس (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: من شروط صحّة العقود معرفة البدلين وتعينهما، فإذا كان أحد البدلين مجهولاً لم يصحّ العقد، والجهالة إمّا جهالة صفة وإمّا جهالة جنس، فجهالة الصّفة لا تمنع صحّة العقد كما سيلي قريباً، وإنّما الذي يمنع صحّة العقد هو جهالة الجنس. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا اشترط طالبو الموادعة من المشركين على أنفسهم أن يعطوا كلّ سنة مائة ثوب أو مئة دابّة، فالموادعة فاسدة؛ لجهالة الجنس المسمّى من حيث إنّ الثّياب أجناس مختلفة. والدّوابّ كذلك أنواع مختلفة، فالاسم حقيقة يتناول كلّ ما يدبّ على الأرض، وعرفاً يتناول الخيل والبغال والحمير. ومع جهالة جنس أو نوع الدّابّة لا يصحّ التّسمية في شيء من العقود. أمّا لو قالوا: نعطيكم مئة رأس. فتصحّ الموادعة؛ لأنّ الجنس

стр. 3280

معلوم هنا عادة - لأنّ المراد رأس من بني آدم - والمجهول هو الصّفة، وجهالة الصّفة لا تمنع صحّة التّسمية فلهم أن يأتوا بأي نوع من الرؤوس - أيّ الأرقّاء - ذكوراً أو إناثاً صغاراً أو كباراً، ومن أي صنف يكون وسطاً من ذلك النّوع. ومنها: إذا قال: أبيعك هذه الدّابّة أو السّيّارة بألف. ولم يعيّن نوع النّقد وفي البلدة نقود مختلفة يتعامل بها النّاس، فالعقد باطل غير صحيح؛ لأنّ الألف مجهولة الجنس.

стр. 3281

القاعدتان الثّالثة والرّابعة والعشرون [الدّعوى] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: لا تصحّ الدّعوى بمجهول (١). ولا تصحّ الدّعوى إلا من مطلق التّصرف (٢). ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما: هاتان القاعدتان تتضمّنان شرطين من شروط صحّة الدّعوى: أوّلهما: أن تكون الدّعوى بمعلوم محدّد لا بمجهول. فالدّعوى بالمجهول لا تسمع كما أنّ الدّعوى على المجهول لا تسمع، ولا تقبل ولا تصحّ عند القضاء. وثانيهما: يشترط لصحّة الدّعوى أن يكون المدّعِي مطلق التّصرّف فيما يدّعيه، أمّا إذا كان المدّعِي مقيّد التّصرّف كالصّغير والمجنون والمحجور فلا تصحّ منهم الدّعوى ولا يسمعها القاضي. ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما: أقام عليه دعوى وقال: لي عليه شيء. ولم يبيّنه. لا تسمع هذه

стр. 3282

الدّعوى. ومنها: إذا ادّعى صغير أو معتوه على شخص ديناً أو ثمن سلعة فلا تسمع هذه الدّعوى؛ لأنّ المدّعِي غير مطلق التّصرّف. ومنها: لا تسمع دعوى العبد على سيّده أنّه أذن له في التّجارة. ومنها: لا تسمع دعوى ممّن ليس بولي ولا وكيل حقّاً لغيره قصد التّوصّل إلى حقّه. رابعاً: ممّا استثني من مسائل القاعدة الأولى: ذكر السّيوطي خمساً وثلاثين مسألة يصحّ فيها الدّعوى بالمجهول منها ما هو متّفق عليه ومنها ما هو مختلف فيه. منها: دعوى الوصيّة بالمجهول صحيحة. ومنها: الإقرار بالمجهول تسمع الدّعوى به على الرّأي المعتبر. ومنها: ما يتعلّق بطلب المرأة المتعة أو النّفقة أو الكسوة، وكلّها دعوى بمجهول يوجب القاضي ما يقتضيه الحال. وذلك دليل على صحّة الدّعوى. ويضبط كثيراً من هذه المسائل قولهم: (كلّ ما كان المطلوب فيه موقوفاً على تقدير القاضي فإنّ الدّعوى بالمجهول تسمع فيه).

стр. 3283

القاعدة الخامسة والعشرون [شهادة أهل الملل] أولاً: لفظ ورود القاعدة: لا تقبل شهادة أهل ملّة على أهل ملّة أخرى إلا المسلمين فإنّ شهادتهم مقبولة على أهل الملل كلّها (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة بمعنى حديث نبوي كريم روي بروايات مختلفة: تخريج الحديث: روي هذا الحديث بلفظ: "لا تقبل شهادة أهل دين على أهل دين إلا المسلمون؛ فإنهم عدول على أنفسهم وعلى غيرهم" بهذا اللفظ أخرجه البيهقي من طريق الأسود (٢) ابن عامر - شاذان - عن أبي هريرة ﵁، وفي طريقه عمر بن راشد (٣) وهو ضعيف (٤).

стр. 3284

وقد أخرجه البيهقي أيضاً في السّنن بلفظ "لا يتوارث أهل ملّتين شتّى، ولا تجوز شهادة ملّة على ملّة، إلا ملّة محمَّد فإنّها على غيرهم" (١). وفي رواية أخرى قال رسول الله ﷺ : "لا ترث ملّة ملّة ولا تجوز شهادة ملّة على ملّة إلا شهادة المسلمين فإنّها تجوز على جميع الملل" (٢). وفي رواية أخرى: "لا يرث أهل ملّة ملّة، ولا تجوز شهادة ملّة على ملّة إلا أمّتي تجوز شهادتهم على مَن سواهم" (٣). وكلّها عن طريق عمر بن راشد. فمفاد الحديث القاعدة: أنّ الشّهادة لمّا كانت نوعاً من الولاية، فلا تقبل شهادة أهل ملّة أو دين على أهل ملّة أو دين آخر، وذلك لوجود التّهمة ولأنّ أهل كلّ دين لا يتورّعون أن يشهدوا شهادة كاذبة ضدّ من يخالفهم في الدّين لبغضهم له وحقدهم عليه. لكن شهادة المسلمين على أهل الملل كلّها مقبولة؛ لأنّ هذه الأمّة هم الشّهداء على النّاس بالنّصّ وهو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ

стр. 3285

أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (١) وأيضاً هذه الأمّة عدول ولا يشهدون على غيرهم بالباطل. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا ادّعى نصراني على يهودي دعوى دين عند قاضٍ وأتى بشاهدين أحدهما يهودى والثّاني نصراني، فإن القاضي يردّ شهادتهما: النّصراني لمخالفة دينه لدين المشهود عليه، واليهودي لأنّه شاهد واحد. ويطلب القاضي من المدّعِي شاهداً آخر أو يوجه اليمين على المدّعَى عليه اليهودي إذا لم يستطع المدّعِي الإتيان بشاهد آخر، وعند أبي حنيفة تقبل الشّهادة. ومنها: ترافع ذميّان أمام القضاء في دعوى لأحدهما على الآخر وجاء المدّعِي بشاهدين مسلمين ليشهدا له على خصمه بصدق دعواه، فإنّ القاضي يسمع شهادتهما ويقبلها ويحكم بها، ولو أنّ المشهود عليه من أهل ملّة أخرى؛ لأنّ المسلمين عدول على أنفسهم وعلى غيرهم باتّفاق.

стр. 3286

القاعدة السّادسة والعشرون [شهادة الكافر] أولاً: لفظ ورود القاعدة: لا تقبل شهادة كافر على مسلم إلا تبعاً أو ضرورة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق بيان أنّه لا تقبل شهادة كافر على كافر من ملّة أخرى، وبالأولى أن لا تقبل شهادة كافر على مسلم أبداً, لأنّه كما سبق أنّ الشّهادة نوع من الولاية ولا ولاية لكافر على مسلم أو مسلمة، حتّى أنّ الأب الكافر لا يكون وليّاً في إنكاح ابنته المسلمة. وأنّ شهادة المسلم على غيره من أهل الملل الأخرى مقبولة. ولكن مفاد القاعدة: أنّ شهادة الكافر على المسلم - وإن كانت لا تقبل في الأحوال العاديّة - ولكنّها يمكن أن تقبل في حالتين اثنتين لا ثالث لهما. الحالة الأولى: أن تكون الشّهادة على المسلم تبعاً لشهادة الكافر على كافر مثله لا أصلاً مباشراً. وينظر من قواعد حرف الشّين القواعد ٥٢, ٥٧, ٥٩. والحالة الثّانية: هي حالة الضّرورة.

стр. 3287

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: شهد كافران على توكيل كافر كافراً بكلّ حقّ له في البلدة الفلانيّة على خصم كافر، وكان لهذا الخصم الكافر شريك مسلم، فتتعدّى الشّهادة إلى الخصم المسلم الآخر. ومنها: إذا شهد كافران على توكيل كافر لموكّله المسلم جازت شهادتهما على المسلم تبعاً. ومنها: الوصيّة في السّفر حيث تقبل شهادة رجلين من أهل الكتاب على الموصِي المسلم الميّت في السّفر للضّرورة إذا لم يوجد غيرهما. وهذا عند ابن أبي ليلى وشريح وأحمد ﵏. خلافاً للأئمة أبي حنيفة ومالك والشّافعي حيث لا يجيزون ذلك.

стр. 3288

القاعدة السّابعة والعشرون [تلفيق الشّهادتين] أولاً: لفظ ورود القاعدة: لا تلفق الشّهادتان إلا أن يتطابقا لفظاً ومعنى ومحلاًّ (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: التّلفيق: معناه الجمع بين الشّهادتين مع اختلاف اللفظين. إذا اختلفت الشّهادتان - من الشّاهدين - بزيادة أو بنقص فلا تقبل للاختلاف؛ لأنّ شرط قبول الشّهادتين المطابقة للدّعوى. ولكن مفاد هذه القاعدة: أنّه إذا اختلفت ألفاظ الشّاهدين في التّعبير عن الدّعوى ولكن مع الاتّفاق في المعنى جازت شهادتهما. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: أحضر شاهدين ليشهدا له بخلوّ ذمّته عن الدّين المطالّب به، فقال أحد الشّاهدين، أشهد أنّه أبرأه ممّا له عليه. وقال الآخر: أشهد أنّه قد أحلَّه من دينه. قبلت الشّهادتان, لأنّ الإبراء والتّحليل بمعنى. ومنها: إذا شهد أحد الشّاهدين بأنّ المدَّعَى عليه باع المدَّعَى به للمدّعِي. وشهد الآخر بأنّه أقرّ أمامه بأنّه باعه له. قبلت الشّهادتان.

стр. 3289

القاعدة الثّامنة والعشرون [جهالة الصّفة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: لا تمنع الجهالة في الصّفة صحة التّسمية فيما بني أمره على التّوسّع، كالنّكاح (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة لها صلة بسابقتها وهي كالاستثناء منها: حيث إنّ العقد لا يصحّ مع جهالة الجنس، ولكن إذا ذكر الجنس وجهلت الصّفة فإنّ العقد صحيح والتّسمية صحيحة في العقود الّتي بنيت أمورها على التّوسّع كالنّكاح والأمان وغيرها. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا عقد على امرأة وشرط لها مهرها داراً أو سيّارة، ولم يذكر أوصافها، صحّ عقد النّكاح ولها الوسط. وعند الاختلاف لها مهر المثل. ومنها: إذا شرطوا في عقد الموادعة مئة رأس، ولم يذكروا أوصافاً، فإن مضت السّنَة ووجب الفداء كان ذلك إلى المشركين يعطونهم من أي صنف شاؤوا وسطاً. كما سبق قريباً.

стр. 3290

القاعدة التّاسعة والعشرون [الثّواب - النّيّة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: لا ثواب إلا بالنّيّة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة ذكرها ابن نجيم ﵀ في الأشباه ص ٦، وجعلها أولى القواعد. من حيث إن النّيّة تدخل في كلّ تصرفات المكلّف من عبادات ومعاملات وخصومات ومباحات ومناهي وتروك، وكلّها تحتاج للنّيَّة. ولكن ما ينبني عليه الثّواب منها إنّما هو المقصود به العبادة ووجه الله . فلا ثواب على عمل شرعي إلا إذا قصد به وجه الله . ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا صلّى إنسان صلاة تامّة بشروطها كاملة ولكنّه لم ينو بها وجه الله فإنّ ما فعله لا يعتبر صلاة شرعيّة ولم تبرأ ذمّته، ولا ثواب له على ما فعل. ومنها: إذا نوى بصلاته الرّياء والسّمعة، فلا ثواب له بل عليه إثم ووزر.

стр. 3291

ومنها: من تصدّق بأضعاف ما يجب عليه من الزّكاة الواجبة، ولم ينو ببعض ما تصدّق به ما يجب عليه من الزّكاة، لم تبرأ ذمّته ولا يثاب ثواب الواجب، بل يجب عليه إخراج ما عليه من زكاة حتى تبرأ ذمّته.

стр. 3292

القاعدة الثّلاثون [احتمال التّهمة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: لا حجّة مع الاحتمال النّاشئ عن دليل (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: لا حجّة ولا برهان مقبول أو مفيد مع وجود احتمال النّقيض الّذي ينشأ عن دليل ظنّي أو قطعي بوجود تهمة، بل إنّ وجود ذلك الاحتمال عامل مهمّ في بطلان العمل وعدم اعتباره، وهذا عند أبي حنيفة ﵀ ودون صاحبيه ودون الشّافعي. وينظر القاعدة رقم ٥٩٥ من قواعد حرف الهمزة، وقواعد حرف التّاء القاعدتان ١٠٩، ٢٢٤. والقاعدة ٤٩ من قواعد حرف الباء. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أقرّ شخص في مرض موته بدين لبعض ورثته، لا ينفذ إقراره إلا بتصديق باقي الورثة؛ لأنّ احتمال اتّخاذ هذا الإقرار مطيّة لترجيح أو تفضيل بعض الورثة على بعض في الإرث قوي، تدلّ عليه حالة المرض. وأمّا إن كان الإقرار في حال الصّحّة فجائز. وكذلك إذا كان لأجنبي.

стр. 3293

وبطلان الإقرار في مرض الموت مذهب أبي حنيفة وأحمد رحمهما الله خلافاً للشّافعي، وأمّا عند مالك فإن كان المورث لا يتّهم صحّ إقراره وإلا لم يصحّ (١).

стр. 3294

القاعدة الحادية والثّلاثون [التّناقض] أولاً: لفظ ورود القاعدة: لا حجّة مع الاختلاف أو التّناقض، لكن لا يختلّ معه حكم الحاكم (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الحجّة: هي البرهانَ: والدّليل، والبيِّنة. فإذا وجد اختلاف أو تناقض في حجّة المدّعِي ودعواه وشهوده فإنّ هذه الحجّة مرفوضة وغير مقبولة، وترفض الدّعوى والشّهادة؛ وذلك لأنّ القاضي لا يمكنه أن يحكم بأحد المتناقضين لعدم الأولويّة فتساقطا؛ لأنّ الموافقة معنىً بَيْن شهادتي الشّاهدين شرط لقبوله، كما كانت شرطاً بين الدّعوى والشّهادة، ولكن إذا كانت الموافقة في المعنى فلا يمنع اختلاف اللفظ من صحّة الشّهادة وقبولها - كما سبق قريباً -. لكن إذا حكم القاضي بموجب شهادة الشّاهدين ثمّ رجع الشّاهدان عن شهادتهما - فلا تبقى شهادتهما حجّة؛ لأنّهما نقضاها برجوعهما عنها. لكن الحكم لا ينقض، وإنّما يلزم على الشّاهدين ضمان المحكوم به بشهادتهما الباطلة المرجوع عنها.

стр. 3295

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أشهد شاهدين على دعواه ديناً على آخر، فشهد أحدهما بألف ثمن مبيع، وشهد الآخر بألفين قرضاً، سقطت الدّعوى للتّناقض في الشّهادة والاختلاف فيها. لكن إذا كان الخلاف في المهر يقضى بالأقلّ منهما. ومنها: إذا شهد أحدهما بأنّها هبة، وشهد الآخر بأنّها عطيّة صحّت الشّهادة؛ للاتّفاق في المعنى. ومنها: إذا شهد أحدهما بالنّكاح وشهد الآخر بالتّزوّج فهي مقبولة أيضاً.
следующие страницы →