ومنها: من تصدّق بأضعاف ما يجب عليه من الزّكاة الواجبة، ولم ينو ببعض ما تصدّق به ما يجب عليه من الزّكاة، لم تبرأ ذمّته ولا يثاب ثواب الواجب، بل يجب عليه إخراج ما عليه من زكاة حتى تبرأ ذمّته.
стр. 3292
القاعدة الثّلاثون [احتمال التّهمة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا حجّة مع الاحتمال النّاشئ عن دليل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
لا حجّة ولا برهان مقبول أو مفيد مع وجود احتمال النّقيض الّذي ينشأ عن دليل ظنّي أو قطعي بوجود تهمة، بل إنّ وجود ذلك الاحتمال عامل مهمّ في بطلان العمل وعدم اعتباره، وهذا عند أبي حنيفة ﵀ ودون صاحبيه ودون الشّافعي. وينظر القاعدة رقم ٥٩٥ من قواعد حرف الهمزة، وقواعد حرف التّاء القاعدتان ١٠٩، ٢٢٤. والقاعدة ٤٩ من قواعد حرف الباء.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أقرّ شخص في مرض موته بدين لبعض ورثته، لا ينفذ إقراره إلا بتصديق باقي الورثة؛ لأنّ احتمال اتّخاذ هذا الإقرار مطيّة لترجيح أو تفضيل بعض الورثة على بعض في الإرث قوي، تدلّ عليه حالة المرض. وأمّا إن كان الإقرار في حال الصّحّة فجائز. وكذلك إذا كان لأجنبي.
стр. 3293
وبطلان الإقرار في مرض الموت مذهب أبي حنيفة وأحمد رحمهما الله خلافاً للشّافعي، وأمّا عند مالك فإن كان المورث لا يتّهم صحّ إقراره وإلا لم يصحّ (١).
стр. 3294
القاعدة الحادية والثّلاثون [التّناقض]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا حجّة مع الاختلاف أو التّناقض، لكن لا يختلّ معه حكم الحاكم (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحجّة: هي البرهانَ: والدّليل، والبيِّنة.
فإذا وجد اختلاف أو تناقض في حجّة المدّعِي ودعواه وشهوده فإنّ هذه الحجّة مرفوضة وغير مقبولة، وترفض الدّعوى والشّهادة؛ وذلك لأنّ القاضي لا يمكنه أن يحكم بأحد المتناقضين لعدم الأولويّة فتساقطا؛ لأنّ الموافقة معنىً بَيْن شهادتي الشّاهدين شرط لقبوله، كما كانت شرطاً بين الدّعوى والشّهادة، ولكن إذا كانت الموافقة في المعنى فلا يمنع اختلاف اللفظ من صحّة الشّهادة وقبولها - كما سبق قريباً -.
لكن إذا حكم القاضي بموجب شهادة الشّاهدين ثمّ رجع الشّاهدان عن شهادتهما - فلا تبقى شهادتهما حجّة؛ لأنّهما نقضاها برجوعهما عنها. لكن الحكم لا ينقض، وإنّما يلزم على الشّاهدين ضمان المحكوم به بشهادتهما الباطلة المرجوع عنها.
стр. 3295
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أشهد شاهدين على دعواه ديناً على آخر، فشهد أحدهما بألف ثمن مبيع، وشهد الآخر بألفين قرضاً، سقطت الدّعوى للتّناقض في الشّهادة والاختلاف فيها. لكن إذا كان الخلاف في المهر يقضى بالأقلّ منهما.
ومنها: إذا شهد أحدهما بأنّها هبة، وشهد الآخر بأنّها عطيّة صحّت الشّهادة؛ للاتّفاق في المعنى.
ومنها: إذا شهد أحدهما بالنّكاح وشهد الآخر بالتّزوّج فهي مقبولة أيضاً.
стр. 3296
القاعدة الثّانية والثّلاثون [النّادر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا حكم للنّادر (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
النّادر: اسم فاعل من نَدَر إذا قلّ وجوده، ووقوعه.
والنّادر القليل الوجود والوقوع لا حكم له بمفرده في الشّرع؛ لأنّ الحكم للغالب، أي لما يكثر وجوده ويعمّ وقوعه. وينظر من قواعد حرف الحاء القاعدة ٩٨، والقاعدة ٢٨ من قواعد حرف العين.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا رأت بنت ستّ سنين الدّم، فليس بحيض صحيح؛ لأنّ سبق أوانَه، فلا يعطى له حكم الصّحّة.
ومنها: ما تراه الحامل من الدّم فليس من الرّحم, لأنّ بالحمل ينسدّ فم الرّحم، فالدّم المرئي ليس من الرّحم، ولا يأخذ حكم الحيض، فيكون فاسداً.
ومنها: إذا كان العرف أو العادة غير مشتهرة وغير غالبة، فلا حكم لها.
стр. 3297
القاعدة الثّالثة والثّلاثون [التّبرّع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا رجوع فيما تبرّع به عن غيره (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التّبرّع: هو إعطاء مجّاني دون مقابل.
فمن دفع مالاً عن غيره بغير إذنه أو أوامره، فلا حقّ له في الرّجوع على مَن دفع عنه؛ لأنّه متبرّع.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا دفع وأدّى دين غيره بغير إذنه، ثمّ طالبه بما دفع، فلا حقّ له، وليس للمدفوع عنه أداء ما دفع, لأنّ الدّفع بغير إذن تبرّع، والمتبرّع لا يرجع.
ومنها: من دفع نفقة زوجة غيره، بغير إذن ولا قضاء - فلا رجوع له.
ومنها: من أدّى زكاة عن غيره بغير إذنه فلا رجوع عليه.
ومنها: مَن ضحّى عن غيره بغير أمره، فلا رجوع عليه كذلك.
ومنها: إذا دفع الوصي أو الأب المهر عن ابنه الصّغير، ولم يشهد، فلا رجوع له عليه (٢).
стр. 3298
القاعدة الرّابعة والثّلاثون [الإعانة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا رخصَة في الإعانة على قتل مسلم (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا وقعت الضّرورة يترتّب على وقوعها التّرخّص - أي الأخذ بالرّخصة - ولو بفعل المحرم، كأكل الميتة وشرب الخمر، والنّطق بكلمة الكفر مع اطمئنان القلب.
لكن مع ذلك قد توجد الضرّورة ولا يجوز التّرخّص في مسائل وذلك إذا كان المحظور أكبر من الضّرورة فلا رخصة في قتل مسلم معصوم ولو بالإكراه الملجئ. ولا بالإعانة على قتل مسلم معصوم الدّم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أكره بالقتل أو قطع عضو على قتل مسلم معصوم، فلا يجوز له قتله، وإن قتله كان آثماً؛ لأنّه اختار حظّ نفسه ومصلحتها الموهومة على حظّ أخيه المسلم ومصلحته.
ومنها: إذا قال العدوّ لأسير مسلم دُلَّنا على مكان أسير مسلم آخر هارب - وهو يعلم مكانه - ويغلب على ظنّه أنّه لو دلّهم عليه لقتلوه،
стр. 3299
فلا يجوز له أن يدلّهم عليه.
ومنها: إذا قيل لأسير مسلم: اشحذ لنا هذا السّيف لنقتل به هذا الأسير - لأسير آخر مسلم - فلا يجوز له شحذ السّيف؛ لأنّه من الإعانة على قتل أخيه.
стр. 3300
القاعدة الخامسة والثّلاثون [الأمر بالمعصية]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا رخصة في التّصريح بالأمر بالمعصية (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المعصية محرّمة، ولا رخصة في ارتكابها، وبخاصّة القتل. وكذلك لا ترخّص في التّصريح بالأمر بالمعصية, لأنّه كارتكاب المعصية والإعانة عليها؛ (ولأنّ ما يحرم فعله يحرم طلبه).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أسر العدو مسلماً وأوقدوا له ناراً، وقالوا له: ألق بنفسك فيها. فلا يجوز له ذلك؛ لأنّه يصير قاتلاً نفسه بالدّخول فيها، وليس للمسلم أن يقتل نفسه ولا أن يعين على قتل نفسه.
ومنها: إذا قُدَّم الأسير المسلم ليضرب عنقه، فضربوه بسيف سوء، فقال لهم: خذوا سيفي هذا فاقتلوني به. لم يسعه ذلك، وهو آثم في مقالته؛ لأنّه كما لا يحلّ له أن يقتل نفسه بحال، لا يحلّ له أن يأمر بقتل نفسه.
ومنها: إذا أراد العدو شقّ بطنه، فقال: لا تفعلوا، ولكن اضربوا عنقي، أو أطلقوا عليّ النّار. لم يسعه هذا؛ لأنّه تصريح
стр. 3301
بالأمر بالمعصية.
ومنها: إذا قال لمسؤول: خذ هذا المال ونفّذ لهذا الرّجل مطلبه - والمال رشوة - فلا يجوز ولا يحلّ له ذلك؛ لأنّ هذا أمر بمعصية.
стр. 3302
القاعدة السّادسة والثّلاثون [الضّرر والضّرار]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا ضرر ولا ضرار في الإِسلام (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة نصّ حديث نبوي كريم، وهي إحدى القواعد الكليّة الكبرى، والحديث بهذا اللفظ من رواية جابر بن عبد الله ﵄، أخرجه الطبراني في معجمه الأوسط جـ ١ ص ٤١ من زوائد المعجمين، وينظر في تخريجه: نصب الرّاية جـ ٤ ص ٣٨٦ فما بعدها، والمعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر ص ٢٣٥ فما بعدها. وإرواء الغليل جـ ٣ ص ٤١١.
وقال الشّيخ ناصر الدّين الألباني في ختام تخريجه له: فهذه طرق كثيرة لهذا الحديث قد جاوزت العشر، وهي وإن كانت ضعيفة مفرداتها فإنّ كثيراً منها لم يشتد ضعفها، فإذا ضمّ بعضها إلى بعض تقوّى الحديث بها وارتقى إلى درجة الصّحيح إن شاء الله تعالى جـ ٣ ص ٤١٣.
والضّرر: هو التّقدّم بالمساءة والإيذاء للغير.
والضّرار: مقابلة الضّرر بالضّرر.
ومفاد الحديث القاعدة: أنّه يحرم على المسلم أن يضرّ أخاه
стр. 3303
ابتداءً ولا جزاءً، فالضّرر محرّم بالنّصّ؛ لأنّ لا النّافية الاستغراقية تفيد المنع من كلّ أنواع الضّرر في الشّرع.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أحدث المالك في ملكه ما يضرّ جاره من هزّ أو دقّ أو رائحة كريهة ضارّة فإنّه يمنع من ذلك.
ومنها: النّهي عن الضّرر في الوصيّة.
ومنها: النّهي عن إمساك المرأة قصد الإضرار بها.
ومنها: مَن شهر على المسلمين سيفاً فعليهم أن يقتلوه - إذا مسَّت الضّرورة، ولم يمكن دفعه بغير القتل.
стр. 3304
القاعدة السّابعة والثّلاثون [ضمان الحافظ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا ضمان على المبالغ في الحفظ (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالضّمان: الغرامة.
المبالغ في الحفظ: الّذي عمل ما في وسعه لحفظ ما تحت يده.
فالأمين الّذى عمل ما في وسعه لحفظ ما ائتمن عليه وما هو تحت يده من مال لغيره، فإنّه لا يغرم قيمة ما تلف بغير تعدّ منه أو تقصير، وينظر القاعدة رقم ٦٠٥ من قواعد حرف الهمزة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
وكَّله في حفظ ماله فوضعه مع أمواله عناية به فتلف بآفة سماويّة أو سطا لصوص فسرقوا متاعه وأمواله ومن ضمنها مال الموُدِع، فلا ضمان على الوكيل ما دام قد عمل ما في وسعه.
ومنها: رجل دفع بضاعة إلى آخر ليبيعها في بلدة أخرى بغير أجر، فحملها وباعها، وأخذ ثمنها، فجعله في برذعة حمار له - لخوف الطّريق، فنزل رباطاً مع القافلة فَسُرِق الحمار مع البرذعة والدّراهم، قالوا: لا ضمان عليه؛ لأنّه بالغ في الحفظ.
стр. 3305
القاعدة الثّامنة والثّلاثون [الطّاعة - المعصية]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
لا طاعة للسّلطان في المعصية، وإنّما الطّاعة في المعروف (١).
وفي لفظ: لا طاعة في معصية الله.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
طاعة السّلطان وولي الأمر واجبة بالنّص وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢) ولكن هذه الطّاعة ليست مطلقة في كلّ ما يأمر به السّلطان أو ولي الأمر، ويشمل ذلك الوالد والزّوج وكلّ مسؤول تحت يده من تجب عليه طاعته - بل إنّ هذه الطّاعة مقيّدة بالأمر والطّاعة بالمعروف. وأمّا في المعصية وما يخالف شرع الله فلا طاعة، لأنّه "لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق" (٣).
стр. 3306
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أمر سلطان أو حاكم أحداً من مرؤوسيه بأمر فيه إثم كقتل بغير حقّ، أو أخذ مال بغير رضا صاحبه، فلا تجوز الطّاعة في ذلك، وإن أطاع فهو آثم وهو والسّلطان الآمر شريكان في الإثم والمعصية.
ومنها: إذا أمر الأب ابنه بإتلاف مال لآخر أو سلبه - والابن بالغ عاقل - فلا يجوز لابنه طاعته في هذه الحال.
ومنها: إذا أمر الزّوج زوجته بالسّفور أو مخالطة الرّجال، فلا يجوز لها أن تطيعه؛ لأنّ السّفور والاختلاط معصية.
ومنها: إذا نهى حاكم علماني زنديق نساء المسلمين عن الحجاب، فلا طاعة له في ذلك، ويجب على المسلمين أن يقوموا عليه ويحاربوه - إن كان بهم قدرة وقوّة عليه - إلا أن تقوم فتنة أكبر يذبح فيها المسلمون.
стр. 3307
القاعدة التّاسعة والثّلاثون [الطّاعة - المعصية]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة - كما سبق - نصّ حديث نبوي كريم (٢) عن عمر رضوان الله عليه أخرجه أحمد والحاكم رحمهما الله. وقد ورد عن علي ﵁ قوله: "لا طاعة في معصية الله إنّما الطّاعة في المعروف" (٣). كما ورد الخبر بألفاظ عدّة مقاربة.
ومفاد القاعدة: ما ذكر في القاعدة السّابقة من أنّه لا يجوز بل يحرم أن يطيع أحد أحداً في معصية الله . بل إنّما تكون الطّاعة في المعروف من المباح والمندوب والمستحبّ والواجب. وأمّا المعصية فلا يجوز الطّاعة فيها، ولو كان الأمر سلطاناً قاهراً أو أباً أو
стр. 3308
أمّاً أو زوجاً، بل إنّ كلّ حقّ ساقط إذا جاء حقّ الله تعالى.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ما ذكر سابقاً في القاعدة رقم ٣٨.
стр. 3309
القاعدة الأربعون [التّوهّم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا عبرة بالتّوهّم (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
لا عبرة: لا اعتبار ولا اعتداد.
التّوهّم: التّخيّل والتّمثل في الذّهن. وهو الوهم أيضاً، ويقابله الظّنّ.
فالتّوهّم لا يثبت به حكم شرعي، كما لا يجوز تأخير الشّيء الثّابت بصورة قطعيّة بوهم طارئ. فالوهم باطل لا يثبت معه حكم شرعي. كما لا يؤخّر لأجله حكم شرعي.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا مات مدين عن تركة مستغرقة بالدّيون وطلب الغرماء من القاضي بيعها وتقسيم أثمانها بينهم، عليه أن يفعل - بعد أن يكون قد أعلن عن وفاة المدين وعن إرادة بيع تركته لسداد ديونه - فالقاضي بعد ذلك لا يجوز له أن يؤخّر بيع التّركة لاحتمال ظهور دائن آخر.
وينظر القاعدة رقم ٧٤.
стр. 3310
القاعدة الحادية والأربعون [الخطّ - الكتابة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا عبرة بالخطّ عندنا - أي الحنفيّة - إلا في مسائل (١).
وفي لفظ آت: لا يعتمد على الخطّ ولا يعمل به (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالخطّ: الكتابة.
فما وجد مكتوباً فلا يعتدّ به، ولا يعمل بمضمونه؛ لاحتمال التّزوير، والخطّ يشبه الخطّ. هذا عند أبي حنيفة ﵀.
وأمّا عند تلاميذ أبي حنيفة والأئمة الآخرين، فإنّ الخطّ والكتابة تعتبر حجّة ويعمل به إذا كان الكتاب قد كتب بالطّريقة المتعارف عليها.
وقد سبق في قواعد حرف الكاف - أنّ الكتاب كالخطاب.
وسيأتي مزيد بيان مع الأمثلة تحت القاعدة الآتية رقم ١٤٠.
стр. 3311
القاعدة الثّانية والأربعون [خطأ الظّن]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا عبرة بالظّنّ البيِّن خطؤه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا بني فعل من حكم أو استحقاق على ظنّ ثمّ تبيّن خطأ ذلك الظّنّ فيجب عدم اعتبار ذلك الفعل وإلغاؤه. وينظر من قواعد حرف الظاء القاعدة رقم ٧.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
المجتهد في المسائل الظّنّيّة إذا عرض له استنباط أو دليل آخر أقوى، فيجب عليه الرّجوع عن قوله الأوّل الّذي ظهر خطؤه، إلى ذلك القول الآخر.
ومنها: إذا ظنّ الماء نجساً ثمّ توضّأ منه. ثمّ تبيّن أنّه طاهر. جاز وضوءه إذا لم يصلّ به، وأما إذا صلّى فيعيد الصّلاة الّتي صلاّها قبل تبيّن طهارة الماء.
стр. 3312
ومنها: إذا ظنّ المدفوعَ إليه زكاته غير مصرف للزّكاة، ومع ذلك دفع له. ثمّ تبيّن أنّه مصرف أجزأه اتّفاقاً.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا صلّى في ثوب ظنّه نجساً ثمّ ظهر أنّه طاهر. أعاد الصّلاة. لأنّه صلّى مع الشّكّ في الطّهارة.
ومنها: إذا صلّى الفرض وعنده أنّ الوقت لم يدخل بعد، فظهر أنّه كان قد دخل، لم تجزئه صلاته ووجب عليه إعادتها.
ومنها: إذا رأى المتيمّم قافلة فظنّ أنّ معهم ماءً، توجّه عليه الطّلب، وبطل تيمّمه، ولو لم يجد عندهم ماءً، فيجب عليه إعادة التّيمّم. فالظّنّ الخاطئ في هذه الأمثلة وأشباهها بني عليه حكم.
стр. 3313
القاعدة الثّالثة والأربعون [الظّنّيّات - الاعتقادات]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا عبرة بالظّنّيّات في باب الاعتقادات (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها وأمثلتها:
الظّنّيّات: المراد بها الأدلّة الظّنّيّة، مثل أخبار الآحاد.
والاعتقادات: الأمور المتعلّقة بالعقيدة.
من أدلّة هذه القاعدة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢)﴾ (٣). فالاعتقادات الأصل فيها الحقّ اليقينيّ على وجه يكون مخالفه باطلاً.
وهذا في الأصول والأمهات، وفيما هو من الضّرورات الدّينيّة من اللواحق والفروع. وأمّا في البعض الآخر فيكفي فيه الظّنّ، وإلا يلزم إكفار كلّ فرقة فرقة أخرى. على أنّه لا نزاع في كفاية الظّنّ في بعض الاعتقادات كمسألة رؤية الله ، وصفات الله سبحانه
стр. 3314
وتعالى، وعذاب القبر، وصفة التّكوين، وتفضيل بعض الأنبياء ﵈ على بعض، والملائكة، وأمثال هذه المسائل.
وإنّما الكلام في إثبات الوحدانيّة والقيامة والنّبوّة ونظائرها. والظّاهر اعتبار الجزم فيها.
стр. 3315
القاعدة الرّابعة والأربعون [العرف الطارئ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا عبرة بالعرف الطارئ (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالعرف الطارئ: العرف الحادث الجديد.
الأصل أنّ العرف المعتبر في الأحكام هو العرف السّابق لوقوع الحادثة والمقترن بها فهذا العرف يصلح مخصّصاً للعموم ومقيّداً للإطلاق.
ولكن العرف الجديد لا يصلح لذلك ولا يحتجّ به.
وقد سبق بيان ما يتعلّق بهذه القاعدة وأمثالها ضمن قواعد حرف العين تحت الرّقم ٣٩، حيث وردت القاعدة بلفظ: "العرف الّذي تحمل عليه الألفاظ إنّما هو المقارن السّابق لا اللاحق".
стр. 3316
القاعدة الخامسة والأربعون [الموقّتون]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا عبرة بقول الموقّتين (١). ولو عدولاً.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالموقّتين هنا: هم أهل الحساب والتّوقيت، الّذين يحسبون دخول الشّهر وخروجه تبعاً للمنازل أو النّجوم.
فلا حجّة في قول أهل الحساب في اعتبار ابتداء الشّهر أو انتهائه، إنّما العبرة بالرّؤية نصّاً.
والدّليل قوله ﷺ : "إنّا أمّة أميَّة لا نكتُب ولا نحسُب الشّهر هكذا وهكذا، يعني مرّة تسعة وعشرين ومرّة ثلاثين" (٢).
وقوله ﷺ : "إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا" (٣).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ثبت رؤية هلال الشّهر - رمضان أو غيره - في أي بلد
стр. 3317
وجب على جميع البلدان الاتّباع.
قال في الدّر المختار: واختلاف المطالع غير معتبر - في ظاهر المذهب الحنفي - وعليه أكثر المشايخ وعليه الفتوى، فيُلزم أهل المشرق برؤية أهل المغرب، إذا ثبت عندهم رؤية أولئك بطريق موجب، وهو المعتمد عند المالكيّة والحنابلة؛ لتعلّق الخطاب عامّاً بمطلق الرّؤية في حديث "صوموا لرؤيته" (١).
стр. 3318
القواعد السّادسة والسّابعة والثّامنة والأربعون [اختلاف الأسباب، اتّحاد الحكم، سلامة المقصود وانتفاؤه]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
لا عبرة لاختلاف السّبب مع اتّحاد الحكم (١).
وفي لفظ: لا يبالى باختلاف الأسباب غير سلامة المقصود (٢).
وفي لفظ مقابل: لا يبالى بالأسباب عند انتفاء المقصود (١).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولاتها:
الأصل أنّ الأسباب مطلوبة لأحكامها المترتّبة عليها لا لأعيانها كما سبق في قواعد حرف الهمزة تحت الأرقام ١٩٢ - ١٩٤.
وعلى ذلك لا حجّة ولا اعتداد باختلاف السّبب إذا كان الحكم متّحداً، وهذا مدلول القاعدة الأولى.
والقاعدة الثانية مفادها: أنّ اختلاف الأسباب لا يضرّ ولا يهتمّ به في إصدار الحكم إذا ظهر سلامة المقصود؛ لأنّ عند حصول المقصود لا بأس بانتفاء الوسيلة.
والقاعدة الثّالثة مفادها: أنّ الأسباب لا يبالى بها إذا كان المقصود منتفياً.
стр. 3319
فمفاد القواعد الثّلاث: أنّه إذا كانت الأسباب غير مقصودة لأعيانها وكانت وسيلة للأحكام المترتّبة عليها، فلا يضرّ اختلاف هذه الأسباب إذا كان:
١ - الحكم متّحداً أي واحداً غير مختلف عليه.
٢ - وإذا كان المقصود سليماً.
٣ - أو إذا كان المقصود منتفياً. ففي هذه الأحوال الثّلاثة لا يبالى باختلاف الأسباب.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
قال شخص لآخر: لك عليّ ألف درهم من ثمن هذه الدّابّة الّتي اشتريتها منك، فقال الآخر الدّابّة دابّتك ولي عليك ألف درهم قرضاً. لزمه المال لحصول المقصود وإن كذب في السّبب, لأنّه أقرّ بالمال وطالبه الثّاني به.
ومنها: شهد شاهد أنّ للمدّعِي على المدَعَى عليه ألف درهم اغتصبها، وشهد الآخر أنّ له عليه ألف درهم اقترضها. فالشّهادة مقبولة وإن اختلف السّبب؛ لأنّ كلاً منهما شهد بألف درهم في ذمّة المدّعَى عليه.
ومنها: أميَّة الرّسول ﷺ ليست نقيصة وليست عيباً فيه ﵊؛ إذ المطلوب من الكتابة والقراءة المعرفة وإنّما هي آلة لها وواسطة موصلة إليها غير مرادة في نفسها، فإذا حصلت الثّمرة والمطلوب استغني عن الواسطة والسّبب.
ومنها: الحائض إذا توضّأت لا عبرة بوضوئها لأنّ الصّلاة منتفية عنها بالحيض.
стр. 3320
القاعدة التّاسعة والأربعون [الدّلالة - التّصريح]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا عبرة للدّلالة في مقابلة التّصريح (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق لهذه القاعدة أمثال في قواعد حرف الهمزة القاعدة ٦٣٨، وقواعد حرف الصّاد رقم ١٢.
ومفادها: أنّ الدّلالة يسقط اعتبارها إذا وجد التّصريح بخلافها؛ لأنّ الدّلالة أضعف من الصّريح. وينظر القاعدة رقم ٥١٢ من قواعد حرف الهمزة، ومن قواعد حرف الصّاد القاعدة ١٢ والقاعدة ٢٤ من قواعد حرف الدّال.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا شهد الشّهود بأنّ شراء الخارج كان قبل شراء ذي اليد كان الخارج أولى بالمتنازع فيه؛ لأنّ البيِّنة صريح واليد دلالة. هذا إذا لم يثبت ذو اليد شراءً بتاريخ أسبق.
ومنها: إذا فتح له باب داره أو سيّارته، فيكون ذلك إذناً بالدّخول دلالة، لكن إذا فتح الباب وقال: لا تدخل، فيسقط اعتبار الدّلالة، ولا يحقّ له الدّخول.
стр. 3321
القاعدتان الخمسون والحادية والخمسون [دلالة النّصّ, اقتضاء النّصّ]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
لا عموم لدلالة النّصّ ولا لاقتضاء النّصّ (١).
وفي لفظ: لا عموم للمقتضي، فلا تصحّ فيه نِيَّة التّخصيص (٢). أصوليّة فقهيّة
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
النّصّ: هو عبارة عن صيغة اللفظ الّتي ورد بها القرآن الكريم أو الحديث الشّريف.
ومن حيث المعنى: النّصّ هو الظاهر بنفسه.
ودلالة النّصّ: ما ثبت بمعنى النّصّ لغة لا اجتهاداً، وهي دلالة اللفظ على حكم منطوق لمسكوت يفهم مناطه بمجرّد فهم اللغة. كدلالة قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (٣) على تحريم الضّرب بطريق الأَوْلى.
واقتضاء النّصّ: هو ما يوجبه النّصّ حكماً، وهو دلالة على مسكوت يتوقّف صدق المنطوق عليه. مثاله "رفع عن أمّتي الخطأ
стр. 3322
والنّسيان" (١) أي حكمهما لا عينهما.
أو يتوقّف عليه صحّته شرعاً. مثاله: قال: اعتق عني عبدك بألف (٢).
أو عقلاً: مثاله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٣) أي أهلها (٤).
فمفاد القاعدتين: أنّ دلالة النّصّ واقتضائه لا يحتملان التّخصيص؛ لأنّ التّخصيص إنّما يرد على العموم والعموم من أوصاف اللفظ ولا لفظ في الدّلالة، والمقتضى معنى لا لفظ فيه، فلذلك لا يجوز تخصيصه.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
من أمثلة دلالة النّصّ: سؤر الهرة الأهلية طاهر بالنَّص لعلة الطّواف. وأمّا الهرّة الوحشيّة فسؤرها نجس بدلالة النّص لعدم الطّواف.
стр. 3323
ومن أمثلة اقتضاء النّصّ: قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (١) يقتضي لتصحيحه شرعاً الملك للرّقبة، وكأنّه قال: فتحرير رقبة مملوكة للمحرّر. لأنّ تحرير رقبة مملوكة للغير غير متصوّر، وتحرير الحرّ كذلك.
ومنها: إذا حلف وقال لا آكل، ونوى طعاماً دون طعام، فعند الحنفيّة. لا يدَّيَّن في القضاء ولا فيما بينه وبين الله تعالى. فهو حانث بأكل أي طعام. ولا يجوز تخصيصه بطعام دون طعام ولو نواه، وأمّا عند الإمام الشّافعي ﵀. فكأنّه قال: لا آكل طعاماً؛ ولأنّ الأكل يقتضي مأكولاً. فلا يحنث إذا أكل غير ما نواه. لأنّ عنده أنّ المقتضى له عموم فيجوز تخصيصه بالنّيَّة.
стр. 3324
القاعدة الثّانية والخمسون [ضمان الإتلاف]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
لا فرق في الإتلاف الموجب للضّمان بين العلم والجهل (١).
وفي لفظ: لا فرق في ضمان المتلَف في العلم والجهل (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الإتلاف والإفساد لما يملكه الآخرون موجب لضمان المتلَف على المتلِف شرعاً، ولا فرق في إيجاب الضّمان والغرامة على المتلِف بين أن يقوم على الإتلاف عالماً عامداً، وبين أن يكون جاهلاً مخطِئاً غير متعمّد.
لكن الفرق في استحقاق الإثم، فالعالم العامد المتلف لمال غيره آثم ضامن وقد يضاعف عليه الغرم. والجاهل غير المتعمّد ضامن غير آثم، ولا يضاعف عليه الغرم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
مَن قتل دابّة غيره، أو أحرق زرعه، أو مزّق ثوبه - متعمّداً
стр. 3325
قاصداً للإتلاف، فهو ضامن آثم.
ومنها: مَن رمى طائراً فأصاب دابّة لغيره، فهو ضامن للدّابّة، لكنّه غير آثم لأنّه لم يتعمّد.
ومنها: إذا اشترى المضارب من مال المضاربة مَن يعتق على ربّ المال، كأبيه وأمّه - انفسخ عقد المضاربة ووجب الضّمان على المضارب متعمّداً كان أو جاهلاً.
ومنها: إذا كان نائماً ومال على طفل بجواره فقتله، أو مال فأتلفه. فعليه ديّة الصّغير والكفّارة كما عليه ضمان المال المُتْلَف.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا كان في دار الحرب فرأى رجلاً ظنّه من الكافرين فأطلق عليه النّار فقتله، ثمّ تبيّن أنّه مسلم. فالأصحّ أنّه لا تجب الدّيّة.
стр. 3326
القاعدة الثّالثة والخمسون [الدّلالة - النّصّ]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
لا قوام للدّلالة مع النّصّ (١).
وفي لفظ سبق "لا عبرة للدّلالة مع التّصريح" (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
قِوام الشّيء - بالكسر - نِظامه وعماده وملاكه الّذي يقوم به (٣).
الدّلالة: غير النّطق.
النّصّ: المراد به هنا المنطوق.
فلا اعتبار للدّلالة مع وجود النّصّ المخالف لها. أي أنّه لا يحتجّ بالدّلالة على أمر أو حكم إذا ورد نصّ منطوق به مخالف لها، وذلك قبل العمل بالدّلالة وبناء الحكم عليها. وينظر القاعدة رقم ٤٨. والقاعدة رقم ١٢ من قواعد حرف الصّاد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الأمين له السّفر بالوديعة إذا خشي عليها حين غيابه دلالة، لكن إذا نهاه المودِع عن السّفر بها صراحة فليس له السّفر بها. وإذا سافر
стр. 3327
بها وضاعت فهو ضامن.
ومنها: إذا قبض الأب مهر ابنته البكر البالغة من الزّوج فعلمت وسكتت، كان سكوتها إذناً بقبض الأب دلالة، ويبرأ الزّوج. لكن لو صرّحت البنت بالنّهي لا يجوز قبض الأب عليها ولا يبرأ الزّوج.
стр. 3328
القاعدة الرّابعة والخمسون [ما استحلّ بتأويل القرآن]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا قَوَد في دم استحلّ بتأويل القرآن، ولا حدَّ في فَرْج استحلّ بتأويل القرآن، ولا ضمان في مال استحلّ بتأويل القرآن. كلّ ذلك بشرط المنَعَة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تمثَّل أساساً لمعاملة المحاربين من المسلمين، والخارجين على الإمام إذا كانوا متأوّلين ولهم مَنَعة. وترتّب على خروجهم قتل أو وطء أو امتلاك مال.
فمفاد القاعدة: ثلاثة أمور بشرطين: الأمر الأوّل: أنّه لا قصاص في القتلى. والأمر الثّاني: أنّه لا حَدَّ في الوطء. الأمر الثّالث: أنّه لا ضمان في الأموال. والشّرطان: الأوّل، أن يكون خروجهم وقتلهم ووطؤهم وأخذهم الأموال بسبب تأويلهم لكتاب الله. والشّرط الثّاني: أن يكون لهم مَنَعة أي قوّة وجماعة كبيرة. والأصل في هذا كلّه فعل الإمام علي ﵁ في معاملته مَنْ قاتله من أتباع معاوية بن أبي سفيان ﵄ أو في معاملته لمن قاتله من
стр. 3329
الخوارج.
أمّا إذا كان الخروج بغير تأويل للقرآن كقطّاع الطّرق والمفسدين في الأرض، ولم يكن لهم مَنَعة - أي قوّة. فلا بدّ من قتلهم إذا قتلوا، وحدِّهم إذا وطئوا حراماً، وغرامتهم إذا سلبوا الأموال أو أتلفوها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا تزيّا بعض المجرمين بزيّ الجنود أو الشّرطة وقطعوا طريق المسافرين فقتلوا بعض النّاس وانتهكوا الحرمات واعتدوا على النّساء وسلبوا الأموال. ثمّ قبض عليهم. فهؤلاء يجب قتلهم قصاصاً لمن قتلوه من المسافرين، ويجب حدُّهم حدّ الزّنا لانتهاكم الحرمات، كما يجب تغريمهم الأموال التي سلبوها من النّاس؛ ودْلك لأنّهم غير متأولين للقرآن ولم يكن لهم منعة.
стр. 3330
القاعدة الخامسة والخمسون [قول المملوك]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا قول للمملوك في نقله من ملك إلى ملك في الرّضا والسّخط (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المملوك: هو الرّقيق ذكراً كان أو أنثى. والشّرط في المملوكيّة أن تكون نتيجة حرب وقتال مع الكفّار لإعلاء كلمة الله، أو لمن تولّد منهم؛ وذلك لأنّ الاسترقاق ليس له سوى طريق واحد رئيس وهو الأخذ بسبب الحرب لإعلاء كلمة الله، حينما يدعى المشركون للإسلام فلم يجيبوا، أو الجزية فلم يطيعوا، ويأبون إلا القتال، فقاتلهم المسلمون، واحتلوا ديارهم، فما أخذه المسلمون منهم من رجال ونساء وأطفال فهم أرقّاء مملوكون، حتى ولو أسلموا بعد ذلك؛ لأنّ الإسلام يمنع الرّقّ ابتداءً ولا يمنعه بقاءً، فالإِسلام لا يزيل الرّقّ بعد وجوده، وإنّما يمنعه قبل حدوثه.
ولهذه الطّريق نتائج يصحّ الرّقّ بها، وهو أن يتزوّج العبد أمة فتلد فولدهما رقيق تبع لهما، أو تزوّج الأمة من حرّ، فولدها رقيق تبعاً لها. وليس هناك طريق آخر للاسترقاق.