القاعدة الثّالثة والخمسون [الدّلالة - النّصّ]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
لا قوام للدّلالة مع النّصّ (١).
وفي لفظ سبق "لا عبرة للدّلالة مع التّصريح" (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
قِوام الشّيء - بالكسر - نِظامه وعماده وملاكه الّذي يقوم به (٣).
الدّلالة: غير النّطق.
النّصّ: المراد به هنا المنطوق.
فلا اعتبار للدّلالة مع وجود النّصّ المخالف لها. أي أنّه لا يحتجّ بالدّلالة على أمر أو حكم إذا ورد نصّ منطوق به مخالف لها، وذلك قبل العمل بالدّلالة وبناء الحكم عليها. وينظر القاعدة رقم ٤٨. والقاعدة رقم ١٢ من قواعد حرف الصّاد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الأمين له السّفر بالوديعة إذا خشي عليها حين غيابه دلالة، لكن إذا نهاه المودِع عن السّفر بها صراحة فليس له السّفر بها. وإذا سافر
стр. 3327
بها وضاعت فهو ضامن.
ومنها: إذا قبض الأب مهر ابنته البكر البالغة من الزّوج فعلمت وسكتت، كان سكوتها إذناً بقبض الأب دلالة، ويبرأ الزّوج. لكن لو صرّحت البنت بالنّهي لا يجوز قبض الأب عليها ولا يبرأ الزّوج.
стр. 3328
القاعدة الرّابعة والخمسون [ما استحلّ بتأويل القرآن]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا قَوَد في دم استحلّ بتأويل القرآن، ولا حدَّ في فَرْج استحلّ بتأويل القرآن، ولا ضمان في مال استحلّ بتأويل القرآن. كلّ ذلك بشرط المنَعَة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تمثَّل أساساً لمعاملة المحاربين من المسلمين، والخارجين على الإمام إذا كانوا متأوّلين ولهم مَنَعة. وترتّب على خروجهم قتل أو وطء أو امتلاك مال.
فمفاد القاعدة: ثلاثة أمور بشرطين: الأمر الأوّل: أنّه لا قصاص في القتلى. والأمر الثّاني: أنّه لا حَدَّ في الوطء. الأمر الثّالث: أنّه لا ضمان في الأموال. والشّرطان: الأوّل، أن يكون خروجهم وقتلهم ووطؤهم وأخذهم الأموال بسبب تأويلهم لكتاب الله. والشّرط الثّاني: أن يكون لهم مَنَعة أي قوّة وجماعة كبيرة. والأصل في هذا كلّه فعل الإمام علي ﵁ في معاملته مَنْ قاتله من أتباع معاوية بن أبي سفيان ﵄ أو في معاملته لمن قاتله من
стр. 3329
الخوارج.
أمّا إذا كان الخروج بغير تأويل للقرآن كقطّاع الطّرق والمفسدين في الأرض، ولم يكن لهم مَنَعة - أي قوّة. فلا بدّ من قتلهم إذا قتلوا، وحدِّهم إذا وطئوا حراماً، وغرامتهم إذا سلبوا الأموال أو أتلفوها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا تزيّا بعض المجرمين بزيّ الجنود أو الشّرطة وقطعوا طريق المسافرين فقتلوا بعض النّاس وانتهكوا الحرمات واعتدوا على النّساء وسلبوا الأموال. ثمّ قبض عليهم. فهؤلاء يجب قتلهم قصاصاً لمن قتلوه من المسافرين، ويجب حدُّهم حدّ الزّنا لانتهاكم الحرمات، كما يجب تغريمهم الأموال التي سلبوها من النّاس؛ ودْلك لأنّهم غير متأولين للقرآن ولم يكن لهم منعة.
стр. 3330
القاعدة الخامسة والخمسون [قول المملوك]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا قول للمملوك في نقله من ملك إلى ملك في الرّضا والسّخط (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المملوك: هو الرّقيق ذكراً كان أو أنثى. والشّرط في المملوكيّة أن تكون نتيجة حرب وقتال مع الكفّار لإعلاء كلمة الله، أو لمن تولّد منهم؛ وذلك لأنّ الاسترقاق ليس له سوى طريق واحد رئيس وهو الأخذ بسبب الحرب لإعلاء كلمة الله، حينما يدعى المشركون للإسلام فلم يجيبوا، أو الجزية فلم يطيعوا، ويأبون إلا القتال، فقاتلهم المسلمون، واحتلوا ديارهم، فما أخذه المسلمون منهم من رجال ونساء وأطفال فهم أرقّاء مملوكون، حتى ولو أسلموا بعد ذلك؛ لأنّ الإسلام يمنع الرّقّ ابتداءً ولا يمنعه بقاءً، فالإِسلام لا يزيل الرّقّ بعد وجوده، وإنّما يمنعه قبل حدوثه.
ولهذه الطّريق نتائج يصحّ الرّقّ بها، وهو أن يتزوّج العبد أمة فتلد فولدهما رقيق تبع لهما، أو تزوّج الأمة من حرّ، فولدها رقيق تبعاً لها. وليس هناك طريق آخر للاسترقاق.
стр. 3331
فمفاد القاعدة: أنّ الرّقيق المملوك يصبح بِرِقَّه مالاً، لا ملك له على نفسه ولا على غيره بطريق الأولى، فهو يُمْلَك ولا يَمْلك - ويصبح لا رأي له في نفسه كالدّابّة. فلمالكه أن يبيعه ويهبه أو يؤجّره أو يحررّه، وليس للرّقيق الاعتراض، ولا الاختيار فيما يفعله فيه مالكه من التّصرفات الشّرعيّة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
عبد رقيق عند رجل موسر باعه من رجل فقير، أو وهبه له، أو كانت جارية، فليس للعبد ولا للجارية الاعتراض.
ومنها: أَمَة رقيقة وهبها سيّدها شخص آخر فقبلها، فليس لها الاعتراض على ذلك سواء رضيت أم سخطت.
стр. 3332
القاعدة السّادسة والخمسون [قياس العبادات]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا قياس في العبادات غير معقولة المعنى (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
القياس: عند الأصوليّين - وكما سبق - (هو إلحاق فرع بأصل في حكم لعلّة جامعة بينهما). أو هو: (حمل فرع على أصل في حكم لجامع بينهما). فالمقيس عليه هو الأصل، والمقيس هو الفرع، والجامع هو العلّة، أو الوصف المناسب. والحكم هو قضاء الله بكون الشّيء واجباً أو حراماً أو مندوباً أو مكروهاً أو مباحاً.
والعبادات الّتي هي غير معقولة المعنى: هي تلك العبادات الّتي لا يمكن تعليلها بعلّة موجبة لحكمها بإيجاب الله تعالى. أو هي تلك العبادات الّتي يعجز البشر عن إدراك علّة مشروعيّتها.
فمفاد القاعدة: أنّ العبادات الّتي لا تدرك علَّتها ولا يمكن تعليل حكمها - وهي العبادات التي قصد بها الخضوع لله واتّباع أمره، ولا يدرك العقل البشري علّة أو سبباً لها.
فهذه العبادات لا يجوز القياس عليها؛ لأنّ مبنى القياس على إدراك العلّة في الأصل، فما لم تدرك علّة الأصل لا يصحّ القياس.
стр. 3333
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الصّلوات المفروضات غير معقولة المعنى، ولذلك لا يمكن أن يقاس عليها، فيستنبط المكلّف صلوات أخرى تشبهها قياساً عليها لتكون واجبة مثلها.
ومنها: صوم شهر رمضان غير معقول المعنى من حيث خصوص هذا الشّهر، فلا يجوز أن يقيس أحدهم شهراً آخر فيوجب الصّيام فيه على نفسه.
ومنها: الوقوف بعرفة دون غيرها من الأماكن غير معقول المعنى، فلا يمكن أن يقاس عليه مكان آخر يصحّ فيه الوقوف.
стр. 3334
القاعدة السّابعة والخمسون [قيمة العمل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا قيمة للعمل إلا بتسمية العوض وتسليم تامّ إلى مَن يكون له العمل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تعبّر عن أُسُس صحّة العمل وترتّب ثمرته عليه، فتفيد أنّ العمل لا يكون صحيحاً وله قيمة واعتبار إلا بشروط:
١ - بيان العمل المطلوب وتحديده. ٢ - ذكر العوض أو الأجر على العمل وتسميته. ٣ - تسليم موقع العمل أو ما يراد بالعمل إلى من يكون عاملاً، وهو الأجير أو العامل.
وبدون هذه الشّروط لا يصحّ العمل ويعتبر العقد عليه باطلاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
أراد أن يبني بيتاً فاتّفق مع البنّاء على نوع البناء وصفته وتخطيطه، ومقدار الأجرة وشروط دفعها، وتحديد مدّة العمل، وسلَّم له الموقع، فالعقد صحيح، وعلى كلٍّ منهما الوفاء بشروط العقد. لكن لو لم يتّفقا على الأجرة، أو على تحديد المدّة، أو لم يسلّم صاحب العمل الموقع إلى البنّاء فالعقد باطل.
стр. 3335
ومنها: إذا كان النّخيل بين رجلين، أو الشّركة بين اثنين، فدفعه أحدهما إلى صاحبه سَنَته، على أن يقوم عليه ويسقيه ويلقّحه، أو على الشّركة فيديرها ويشرف عليها، فما خرج من الثّمرة أو الرّبح فهو بينهما للعامل ثلثاه، وللآخر ثلثه، فهذه الصّورة يقول عنها السّرخسي: إنّها معاملة فاسدة؛ لأنّ الّذي شرط االثّلث لنفسه استأجر صاحبه للعمل في نصيبه بثلث الخارج من نصيبه، وإنّما هو يعمل فيما هو شريك فيه لنفسه، واستئجار أحد الشّريكين لصاحبه للعمل فيما هو فيه شريك باطل. ويقول السّرخسي: ويصحّح المعاملة أن يكون الخارج بينهما نصفين.
وسبب الفساد في نظره ورأيه: أنّه لا قيمة للعمل إلا بتسمية العوض وتسليم تامّ إلى من يكون له العمل والشّركة تمنع من ذلك. وهذا الرّأي خالفه الكاساني في بدائع الصّنائع (١) وغيره من فقهاء المذاهب (٢)، وأجازوا مثل هذه المعاملة، وهو الحقّ إن شاء الله تعالى؛ لأنّ زيادة النّصيب مقابل عمل الشّريك في المال المشترك؛ ولأنّ استحقاق أصل الأجر بأصل ضمان العمل لا بالعمل (٢).
стр. 3336
القاعدة الثّامنة والخمسون [الرُّخص]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا مدخل للرّأي في إثبات الرُّخَص (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الرّخص: جمع رخصة، والرّخصة في اللغة: من الرّخص وهو: الّلين والتّوسعة، والسّهولة (٢). ومعنى الرّخصة في الاصطلاح الفقهي: هي الأحكام الّتي تثبت مشروعيّتها بناء على الأعذار مع قيام الدّليل المحرّم توسّعاً في الضيّق (٣).
واختلف في حكمة مشروعيّة الرّخص: هل شرِعت تَرفّهاً وتوسعة على أصحاب الأعذار، أو شرعت ترفّهاً فقط. فلا يناط بالمعصية؟ خلاف.
وهل يقاس على الرّخص أو لا يقاس؟ خلاف بين الفقهاء في ذلك.
فمفاد القاعدة: أنّ الرّخص إنّما شرعت تعبّداً من الشّارع وتيسيراً على العباد، فلا مجال للرّأي بالاجتهاد فيها، ولا يُتَعدّى بها
стр. 3337
مواضعها، ولا يقاس عليها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا صلّوا في الحرب أو الخوف ركباناً جماعة إمامهم أمامهم، فقد أجاز ذلك محمَّد بن الحسن رحمه الله تعالى؛ لينالوا فضيلة الجماعة. ولكن السّرخسي لم يجز ذلك؛ لأنّه لما جاز للمصلّين صلاة الخوف الذّهاب والمجيء في أثناء الصّلاة؛ إنّما جاز ذلك رخصة ثابتة بالنّصّ، ولا يقاس عليها؛ لأنّه لا مدخل للرّأي في الرّخص. ولكن الإمام محمَّد بن الحسن أجاز ذلك قياساً على جواز ذهابهم ومجيئهم وتحرّكهم. فأجاز صلاتهم ركباناً جماعة.
ومنها: إذا شرعت الرّخصة بالتّيمّم عند فقد الماء، أو عدم القدرة على استعماله - مع وجوده - لخوف على حياة أو لمرض أو لبرد أوغيره، فلا يجوز التّيمّم مع وجود الماء البارد مع القدرة على تسخينه.
стр. 3338
القاعدة التّاسعة والخمسون [الكفّارة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا مدخل للقياس في الكفّارة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الكفّارة: فعَّالة من التّكفير. والمادة (كَفَر). بمعنى غطّى. فالكفّارة مُغَطِّية للذّنب وساترة له.
والكفّارات أحكام شرعيّة شرعت لمحو الخطايا وغفران الذّنوب في عدد من المعاصي والأخطاء الّتي يقع فيها المكلّف. ككفّارة القتل الخطأ، واليمين بعد الحنث.
فمفاد القاعدة: أنّ الكفّارات أمور تعبّديّة غير معقولة المعنى، ولذلك لا مدخل للاجتهاد فيها والقياس عليها. كالرّخص.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
شرعت كفّارة للقتل الخطأ بالنّصّ، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٢).
стр. 3339
فلا يقاس عليه القتل العمد، عند الحنفيّة ومالك ﵀ والرّواية الرّاجحة عند أحمد ﵏. خلفاً للشّافعي والرّواية المرجوحة عند أحمد.
ومنها: شرعت الكفّارة بعد الحنث لليمين المنعقدة على أمر مستقبل. فلا تشرع لليمين الغموس. كذلك عند عامّة العلماء عدا الشّافعي ﵀ (١).
стр. 3340
القاعدة السّتّون [الحدود]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا مدخل للقياس في مقادير الحدود (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة لها صلة بالقاعدتين السّابقتين.
فمفادها: أنّ الحدود وهي العقوبات الّتي قدّرها الشّرع على جرائم محدودة، وهي القتل العمد، والزّنا، والسّرقة، والسّكر، والقذف، والحرابة بشروطها. فهذه الحدود غير معقولة المعنى، ولذلك لا يقاس عليها غيرها من الجرائم التي لم يرد في تحديد عقوبتها نصّ، وإن كانت في الظّاهر - أشدّ ممّا شرعت لها الحدود. كجريمة الّلواطة وجريمة النبش.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
السّارق يجب قطع يده من الكوع - وهو مفصل الكف - حدّاً. وللسَّرقة الموجبة للحدّ شروط معروفة مفصّلة في كتب الفقه - فهل يقاس على السّارق النباش الّذي ينبش القبور ليسرق أكفان الموتى؟ خلاف. بنصّ القاعدة لا يقاس.
ومنها عند الحنفيّة: قبول شهادة السّارق الّذي قطعت يده وقد
стр. 3341
تاب. فلا يقاس عليها عندهم القاذف التّائب حيث لا تقبل شهادته، ولو تاب؛ لأنّه لا مدخل للقياس في مقادير الحدود، ورفض شهادة القاذف من تمام الحدّ، فلا تقاس عليها شهادة السّارق الأقطع التّائب.
стр. 3342
القاعدة الحادية والسّتّون [الاجتهاد - النّصّ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا مساغ للاجتهاد في مورد النّصّ (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
مساغ: مفعل من ساغ يسوغ بمعنى: سهل. فلا مساغ: أي لا منفذ ولا طريق ولا دليل يجيز.
الاجتهاد: بذل الجهد العلمي، واستفراغ الوسع في استنباط الأحكام من أدلّتها.
النّصّ: لغة: الرّفع والإظهار.
واصطلاحاً: هو خطاب الشّارع. وهو آيات الكتاب العزيز والأحاديث النّبويّة الصّحيحة الثّابتة، والإجماع الثّابت بالنّقل الصّحيح.
فمفاد القاعدة: أنّه لا يجوز الاجتهاد باستعمال الرّأي والقياس لإيجاد حكم لمسألة ما قد ورد فيها نصّ شرعي من كتاب أو سنّة أو إجماع صحيح.
والاجتهاد الممنوع هنا في مورد النّصّ ما كان مصادماً للنّصّ الثّابت الواضح المعنى الّذي ورد فيه، وهو ما لا يقبل التّأويل ولا
стр. 3343
يحتمله. بخلاف الاجتهاد في فهم النّصّ فذلك مطلوب.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قضى حاكم بقسمة الميراث على وجه التّسوية بين الذّكر والأنثى وقال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (١). فهذا اجتهاد باطل وحكم جائر وقضاء ظالم يجب رفضه وردّه؛ لأنّه مخالف للنّصّ وهو قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (١). والحاكم بذلك المتعمّد زنديق كافر.
ومنها: إذا أوجب حاكم موافقة الزّوجة على الرّجعة لزوجها في عدّة الطّلاق الرّجعي، فهذا حكم مرفوض؛ لأنّه معارض ومخالف لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (٢).
стр. 3344
القاعدتان الثّانية والثّالثة والسّتّون [الفرض، المباح، المستحبّ]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
١ - لا معارضة بين المباح والفرض (١).
٢ - لا يجوز ترك الواجب للاستحباب (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
المباح: هو الحلال مستوي الطّرفين، أي ما جاز للمكلّف أن يفعله أو أن لا يفعله، كما أنّه لا ثواب على الفعل أو على التّرك. ولا عقاب على الفعل أو على التّرك. إلا إذا صاحب ذلك النّيَّة.
والمستحبّ: هو ما كان فعله خيراً من تركه، أو هو ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه.
والفرض والواجب: هو ما طلبه الشّارع طلباً حتماً جازماً، ورتّب الثّواب على فعله، والعقاب على تركه.
فالفرض أقوى من المستحبّ والمباح، ولمّا كان لا معارضة بين القوي والضّعيف؛ لأنّ (الضّعيف لا يظهر في مقابلة القوي) - كما تقدّم بيانه؛ فإنّه لا معارضة بين الفرض والمباح لعدم التّساوى؛ لأنّ شرط وجود المعارضة التّساوي، ولم يوجد، فإذا وجد مباح وفرض
стр. 3345
وجب العمل بالفرض وترك المباح لترجّح جانب الفرض بالطّلب الجازم.
وكذلك لا معارضة بين الفرض والمستحبّ؛ لأنّ الفرض أقوى، ولذلك لا يجوز ترك واجب لإدراك مستحبّ أو مندوب؛ لأنّ ترك الواجب - أي الفرض - يترتّب عليه إثم، وفعل المستحبّ - وإن كان يترتّب على فعله أجر - لكن لا إثم في تركه بخلاف الواجب.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا استولى المسلمون على حصن، وأخذوا مَن فيه أسرى، وأرادوا قتل الرّجال المحاربين منهم، وكان بينهم ذمّيّ أسير، أو دخل الحصن أو المدينة لتجارة أو عمل، ولا يعرف من بينهم، فإنّه لا ينبغي للإمام أن يقتل أحداً منهم؛ لأنّ قتل الأسير مباح، والتّحرّز عن قتل الذّمّيّ واجب، ولا معارضة بين الفرض والمباح.
ومنها: إذا أسلم قبل الفتح بعض أهل الحصن، ولم يخرجوا حتّى ظهر عليهم المسلمون واستولوا على الحصن، فادّعى كلّ واحد منهم أنّه هو الّذي أسلم. كانوا جميعاً فيئاً إلا مَن عُرِف بعينه أنّه أسلم قبل فتح الحصن، فحينئذ يكون حرّاً هو وأولاده الصّغار ويسلّم له ماله؛ لأنّه لو لم يفعل ذلك لما أمكن سبي أهل مدينة علمنا أنّ فيهم مسلماً واحداً أو ذمّيّاً واحداً لا يعرف بعينه. فيسبون جميعاً حتى يُعرف المسلم أو الذّمّيّ بعينه.
ومن أمثلة الثّانية:
стр. 3346
إذا أراد أهل الحرب مفاداة بعض أسارى المسلمين الأحرار ببعض أساراهم المسلمين عندهم الرّجال بالرّجال، والنّساء بالنّساء، والصّبيان بالصّبيان. فإذا رضي المسلمون بذلك، ثمّ جاءوا بالأسراء فأراد الأمير المسلم أن يأخذهم ولا يعطيهم فداءهم، فهذا واسع له أن يفعله - أي يجوز له -؛ لأنّ أهل الحرب لم يملكوهم، وهم ظالمون في حبسهم. (وإعطاء الأمان على التّقرير على الظّلم لا يجوز).
وأمّا إذا فادوهم بمال فالمستحبّ لهم الوفاء بما عاملوهم عليه لئلا ينسبوا إلى الغدر، وليطمئنوا إليهم في مثل هذا في المستقبل، بخلاف الأسارى أو السّلاح إذا وقعت المفاداة بها؛ لأنّ الامتناع من ردّ ذلك عليهم واجب شرعاً ولا يجوز ترك الواجب للاستحباب. والمستحبّ هنا الوفاء بما وقع الصّلح به من الأسارى المسلمين لا المال؛ لأنّ الامتناع من دفع المال إليهم مستحبّ وليس بواجب شرعاً وتخليص المسلمين واجب شرعاً.
стр. 3347
القاعدة الرّابعة والسّتّون [الاجتهاد - اليقين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا معتبر بالاجتهاد بعد اليقين (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق معنى الاجتهاد.
واليقين: من يقِنَ الماء في الحوض إذا استقرّ ودام.
وفي الاصطلاح: اليقين هو الاعتقاد الجازم الثّابت المطابق للواقع.
فمفاد القاعدة: أنّه بعد حصول الجزم والقطع بالحكم أو الأمر لا يعتدّ باجتهاد مجتهد بخلاف ذلك. وهذه القاعدة بمعنى القاعدة السّابقة القائلة: "لا مساغ للاجتهاد في مورد النّصّ".
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
المصلّي في المسجد الحرام يجب عليه التّوجّه إلى عين الكعبة، ولا مجال للاجتهاد في معرفة جهة القبلة, لأنّها متيّقنة ومقطوع بها.
ومنها: إذا قضى القاضي باجتهاد في مسألة، ثمّ ظهر نصّ بخلاف اجتهاده فلا يعتدّ بذلك الاجتهاد، إذ هو باطل في مقابلة النّصّ؛ حيث إنّ النّص يقين، وكما سبق قريباً أنّه (لا مساغ للاجتهاد في مورد النّصّ).
стр. 3348
القاعدتان الخامسة والسّتّون والسّادسة والسّتّون [البدل والأصل]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
لا معتبر بالبدل حال قيام الأصل، ولا يجمع بين البدل والأصل (١).
وفي لفظ: لا يقوم البدل حتّى يتعذّر المبدل منه (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
البدل لا يعتدّ به إلا عند عدم وجود الأصل المبدل منه.
فمع وجود الأصل وقيامه فلا اعتداد بالبدل، ولا اعتبار له؛ لأنّه لا يجمع بين الأصل والبدل في حالة واحدة. وينظر من قواعد حرف الهمزة القاعدة ١١١ - ١١٢، ٢٩٤.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
لا يجوز التّيمّم مع وجود الماء، والقدرة على استعماله.
ومنها: مَن وجب عليه دم تمتّع أو قِرَان وهو واجد له وقادر عليه لا يجوز له الصّوم.
ومنها: مَن قدر على عتق رقبة في الكفّارة الواجبة على القتل الخطأ أو الظّهار فلا يجوز له الانتقال إلى الصّوم.
стр. 3349
ومنها: الجمعة ليست بدلاً عن الظّهر بل هي أصل، كما هو مذهب مالك والشّافعي رحمهما الله تعالى (١). لأنّها لو كانت بدلاً عنها لوجب قضاؤها إذا فاتت، ولكن إذا فاتت الجمعة وجب قضاء الظّهر لا الجمعة.
стр. 3350
القاعدة السّابعة والسّتّون [الظّاهر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا معتبر بالظّاهر إذا تبيّن الأمر بِخلافه، أو إذا قام الدّليل بخلافه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالظّاهر: دلالة الحال. والأصل أنّ الظّاهر من الألفاظ: هو الّلفظ الّذى يغلب على الظّنّ فهم معنى منه، مع تجويز غيره (٢). أو هو ما دلّ على معنى دلالة راجحة بحيث يظهر منه المراد للسّامع بنفس الصّيغة، ويكون محتملاً للتّأويل والتّخصيص (٣).
وقد سبق بيان ما يتعلّق بهذه القاعدة وأمثلتها ضمن قواعد حرف الظّاء تحت الرّقم ٥، وقد وردت بلفظ "الظّاهر يسقط اعتباره إذا تبيّن الحال بخلافه".
стр. 3351
القاعدة الثّامنة والسّتّون [القبول والرّدّ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا معتبر بالقبول والرّدّ قبل أوانه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
القبول مرتّب على الإيجاب، فإذا لم يحصل الإيجاب لم يصحّ القبول بدونه؛ لأنّ أهم ركنين في العقود هما الإيجاب والقبول أو الرّدّ, لأنّهما دليل الرّضا.
والإيجاب سابق للقبول والرّدّ، فإذا قبل أو رفض وردّ قبل الإيجاب فهذا لا يعتبر، وله القبول أو الرّدّ بعد حصول الإيجاب.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أعلنت المرأة - أو وَليُّها - قبول هذا الرّجل زوجاً لها قبل طلبه الزّواج منها. أو أعلنت رفضها للزّواج منه، فقبولها أو رفضها أو قبول وليّها أو رفضه لا يعتدّ به، ولهما بعد إيجابه وطلبه الزّواج منها القبول أو الرّفض.
ومنها: إذا أوصى لشخص بوصيّة، فأعلن الموصَى له قبول الوصيّة في حياة المُوصِي، فهذا القبول لا اعتبار له؛ لأنّ أوان وجوب الوصيّة هو ما بعد موت الموصِي. فإن مات الموصِي فالموصَى له إمّا
стр. 3352
أن يقبل الوصيّة فيملك الموصَى به - قبضه أو لم يقبضه -؛ لأنّه بمجرّد القبول بعد وفاة الموصِي يلزم العقد على وجه لا يملك أحد إبطاله، فيثبت حكمه وهو الملك. وإمّا أن لا تقبل فَتبطل الوصيّة.
стр. 3353
القاعدة التّاسعة والسّتّون [القضاء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا معتبر بالقضاء عن جهل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
يشترط في القاضي العلم والاجتهاد والفقه، فإذا كان القاضي جاهلاً بطرق الاجتهاد، أو غير فقيه، ولم يسأل من هو أفقه منه، وحكم في مسألة بجهل؛ فإنّ حكمه باطل لا يعتدّ به، وهو آثم إن لم يكن اجتهاده صحيحاً سليماً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أعتق جارية بعينها من جواريه ثمّ نسيها، ثمّ باع بعضهن، فحكم الحاكم بجواز بيعهن اجتهاداً وجعل الباقية هي المعتقة، ثمّ رجع إليه شيء ممّا باع بشراء أو هبة أو ميراث لم ينبغ له أن يطأها؛ لأنّ القاضي قضى بغير علم، وهو مخطئ في قضائه؛ لأنه حكم بجواز بيع محل لا يعرف فيه الملك بيقين، فيكون باطلاً.
ومنها: إذا حكم قاضٍ بجواز رجعة المطلّقة البائنة إلى زوجها بغير عقد جديد، فحكمه باطل، لأنّ البائن لا يجوز رجوعها إلى زوجها المطلّق إلا بعقد جديد ولو كانت في عدّتها، ولا بدّ من رضاها في طلاق
стр. 3354
بائن بينونة صغرى، وأمّا الكبرى فلا يجوز رجعتها للزّوج إلا بعد زواجها من آخر ثمّ طلاقها منه وانتهاء عدّتها منه. ولا يكون رجوعها للزّوج الأوّل إلا بعقد جديد.
стр. 3355
القاعدة السّبعون [الاحتياط]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا معنى للاحتياط قبل ظهور السّبب (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الاحتياط: افْتعال من الحيطة وهي الحفظ.
ومعناه: طلب الأَحَظِّ، والأخذ بأوثق الوجوه (٢).
فالاحتياط إنّما يطلب بعد ظهور سبب الحكم لا قبله.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أراد أن يتزوّج امرأة فلا يجوز له أن يحتاط فلا يتزوّجها بحجّة أنّها ربّما تكون قد رضعت معه أو رضع معها بدون دليل ظاهر، أو على سبيل التّوهّم. لكن إذا أخبره مخبر رجل أو امرأة أنّ هذه المرأة قد رضعت معك، ولم يتيقّن، فهنا يجوز له الأخذ بالأحوط، وهو عدم الزّواج منها.
ومنها: إذا أراد أن يشتري لحماً، وقبل الشّراء حدّثته نفسه أنّ هذا اللحم الموجود في السّوق ربّما يكون لحماً غير مذكّى الذّكاة الشّرعيّة فالأحوط أن لا يشتري منه. فهذا وهم باطل ولا معنى له غير وسوسة
стр. 3356
الشّيطان. لكن إن أخبر مخبر أنّ هذا اللحم في هذا المحلّ فيه شبهة فله الأخذ بالأحوط، والشّراء من غيره.
ومنها: إذا قال لامرأته: إن لم أدخل الدّار اليوم فأنت طالق ثلاثاً. ثمّ مات بعد مضي اليوم ولا يُدرى أدخل أم لم يدخل، فعليها عدّة الوفاة، وليس عليها العدّة بالحيض - أي عدّة الطّلاق -؛ لأنّ سبب وجوب العدّة بالحيض هو الطّلاق، ووقوع الطّلاق بوجود الشّرط غير معلوم بل مشكوك فيه، ولا معنى للاحتياط قبل ظهور السّبب.
ومنها: لا يجوز التّكفير عن الحنث قبل اليمين احتياطاً.
стр. 3357
القاعدة الحادية والسّبعون [المرتدّ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا ملّة للمرتدّ والمرتدّة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المرتدّ - والعياذ بالله تعالى - هو إنسان كان مسلماً ثمّ كفر. وسمّي مرتدّاً لأنّه ارتدّ أي رجع على عقبيه عن الإسلام إلى الكفر، وعن الهدى إلى الضّلال.
وهذا المرتدّ سواء تنصّر أو تهوّد أو تمجّس، فهو لا ملّة له ولا دين؛ لأنّ المرتدّ يستحقّ القتل شرعاً لردّته - وليس له دين يحميه - ولكن يمهل ثلاثة أيّام ليتأمّل فيما عَرَض له من الشّبهة. ففيما وراء ذلك اعتبر كأنّه لا حياة له حكماً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
لا يجوز للمرتدّ أن يتزوّج مرتدّة، ولا كافرة أصليّة يهوديّة، أو نصرانيّة أو مجوسيّة، ولا مسلمة بطريق الأولى، لأنّ النّكاح يعتمد الملّة ولا ملّة للمرتدّ ذكراً أو أنثى؛ لأنّ النّكاح مشروع لبقاء النّسل، والمرتدّ مستحقّ للقتل، فما كان سبب بقائه لا يكون مشروعاً. وهو ميّت حكماً؛ لأنّه يستحقّ القتل، والميّت لا ينكح.
стр. 3358
ومنها: المرتدّة لا يجوز نكاحها من أحدٍ؛ لأنّها بالرّدّة صارت محرّمة حتّى وإن لم تقتل كما يقول الحنفيّة. وأمّا عند غيرهم فتقتل كالرّجل سواء.
стр. 3359
القاعدتان الثّانية والثّالثة والسّبعون [النّيابة في الأيمان]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
لا نيابة في اليمين (١). أو الأَيْمَان (٢).
وفي لفظ: النّيابة لا تجزي في الاستحلاف، وتجزي في قبول البيِّنة (٣). وينظر من قواعد حرف النّون القاعدة رقم ٨٢.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
اليمين شرعت بجانب المدّعَى عليه - المنكر - المتمسّك بالأصل والظّاهر.
ولمّا كانت اليمين نافية لدعوى المدّعِي ومثبتة لحقّ المدّعَى عليه أو براءة ذمّته من الدّعوى فلا ينوب عن المدّعَى عليه أحد في حلفها؛ لأنّ براءة الذّمّة والتّمسّك بالأصل لا يعرفه غير صاحبه. وأمّا في الشّهادة فتجوز النّيابة فيها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى شيئاً لغيره بأمره واشترط له الخيار، فقال البائع:
стр. 3360
رضي الآمر - وهو غائب - لم يصدّق على ذلك؛ لأنّ البيع غير لازم بسبب الخيار المشروط للآمر، والبائع يدّعي لزومه، فلا يصدّق إلا ببيّنة. وليس له استحلاف المشتري؛ لأنّه وكيل، ولأنه لا يدَّعي عليه الرّضا، وإنّما يدَّعيه على الآمر، والآمر غير موجود، ولا نيابة في اليمين.
ومنها: إذا قال المشتري أو البائع للقاضي: حَلِّف الوكيل ما يعلم أنّ صاحبه سلَّم الشّفعة. فإنّ القاضي لا يجيبه إلى ذلك؛ لأنّه لا يمين على الوكيل، لأنّ التّسليم مدّعى على الموكل ولو استحلف الوكيل في ذلك كان بطريق النّيابة، ولا نيابة في الأيمان.
стр. 3361
القاعدة الرّابعة والسّبعون [الواجب والحرام]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا واجب مع عجز، ولا حرام مع ضرورة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
أدلّة هذه القاعدة من الكتاب: قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣). وقوله سبحانه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٤) وغيرها من الآيات الدّالة على إباحة المحرّمات لأجل الضّرورة.
وغيرها من الآيات الّتي تدلّ على أنّ التّكليف بقدر الوسع والطّاقة.
ومن السّنّة قوله ﷺ : "إذا أمرتكم بالشّيء
стр. 3362
فخذوا به ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" (١).
فالقاعدة تدلّ دلالة صريحة على أنّ الواجبات تسقط إذا عجز المكلّف عن فعلها، وأنّ المحرّمات قد تستباح عند الضّرورة، وهذا من يسر هذه الشّريعة وسماحتها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
المصلّي إذا عجز عن القيام سقط عنه وصلّى بحسب قدرته واستطاعته. ومنها المريض إذا عجز على الصّيام لمرض مزمن لا يرجى برؤه، سقط عنه الصّيام، وعليه الفدية.
ومنها: المضطر الّذي يخشى على نفسه الهلاك، يجب عليه أكل الميتة إذا وجدها، فلو لم يأكل ومات فهو آثم.
ومنها: المكره على النّطق بكلمة الكفر يباح له ما دام قلبه مطمئناً بالإيمان.
ومنها: الرّجل خلف الصّفّ إذا لم يجد فرجة ولم يجد من يقوم معه وصلّى فذّاً خلف الصّفّ صحّت صلاته للحاجة.
стр. 3363
القاعدة الخامسة والسّبعون [الولاية]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا ولاية لأحد على غيره إلا في حدود ولايته على نفسه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبقت هذه القاعدة ومثيلتها ضمن قواعد حرف الهمزة تحت الرّقم ٦٣٤ وتدلّ على أنّه لا يجوز أن يتجاوز الإنسان مرتبته فيما يمكن التّجاوز فيه إلى غيره؛ لأن المرء لا ولاية له على غيره إلا في حدود ولايته على نفسه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الصّغير ولايته على نفسه ناقصة فلا يجوز أن يكون وكيلاً عن بالغ في أموره. كما لا يجوز له أن يتصرّف في شؤون غيره تصرّفاً لا يمكن أن يتصرّف فيه على نفسه.
ومنها: العبد لا ولاية له على نفسه، فبالأولى أن لا يكون وليّاً على غيره.
стр. 3364
القاعدة السّادسة والسّبعون [بيع المال]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا ولاية لأحد في بيع المال على مالكه من غير حقّ مستحقّ عليه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
لا يجوز ويحرم أن يبيع أحد كائناً من كان بيع مال غيره بدون إذنه من غير حقّ استحقّ على المالك؛ لأنّه لا ولاية لغير المالك على ماله.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أراد واحد أن يبيع أرض غيره أو سيّارته أو متاعه جبراً عليه - بحجّة أنّه لا يعجبه - وبدون إذن من المالك، فلا يجوز والبيع باطل.
ومنها: المفلس إذا طالب غرماؤه بيع ممتلكاته عليه لسداد ديونهم فذلك جائز بإذن من القاضي أو الحاكم. وذلك لوجود الحقّ المستحقّ على المفلس. لكن مع ذلك يبدأ بالنّقود فإن وفَت بسداد ديونهم وأدائها لا يباع شيء آخر من متاعه، وإن لم تفِ تباع العُروض، ولا يباع العقار إلا إذا لم تفِ العروض بالدّيون.
ومنها: إذا وُجد مسلم يحمل في سيّارته أو على دابّته خمراً،
стр. 3365
فالإمام له حقّ تأديبه بإراقة الخمر. وليس بإتلاف الزق - أو مصادرة السّيّارة أو الدّابّة - إلا إذا تقدّم الإِمام بذلك ورأى في ذلك تأديباً له.
وأمّا إن أراد أن يبيع الآنية أو الدّابّة أو السّيّارة الّتي كان عليها الشّراب أو الممنوع فبيع ذلك كلّه باطل؛ لأنّه باع مال غيره بغير إذن صاحبه، والإمام في هذا كغيره من النّاس في أنّه لا ولاية له في بيع المال على مالكه من غير حقّ مستحقّ عليه (١).
لكن إذا كان الإِمام قد تقدّم للنّاس وحذّرهم وأنذرهم أنّ من وُجِدَ معه خمر أو مخدّرات أو ممنوعات شرعيّة أنّه سيصادر المركبة الّتي يوجد عليها الممنوع وأعلن للنّاس ذلك ففي هذه الحال قد يجوز له بيعها ومصادرتها.