القاعدة الرّابعة والسّبعون [الواجب والحرام]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا واجب مع عجز، ولا حرام مع ضرورة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
أدلّة هذه القاعدة من الكتاب: قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣). وقوله سبحانه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٤) وغيرها من الآيات الدّالة على إباحة المحرّمات لأجل الضّرورة.
وغيرها من الآيات الّتي تدلّ على أنّ التّكليف بقدر الوسع والطّاقة.
ومن السّنّة قوله ﷺ : "إذا أمرتكم بالشّيء
стр. 3362
فخذوا به ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" (١).
فالقاعدة تدلّ دلالة صريحة على أنّ الواجبات تسقط إذا عجز المكلّف عن فعلها، وأنّ المحرّمات قد تستباح عند الضّرورة، وهذا من يسر هذه الشّريعة وسماحتها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
المصلّي إذا عجز عن القيام سقط عنه وصلّى بحسب قدرته واستطاعته. ومنها المريض إذا عجز على الصّيام لمرض مزمن لا يرجى برؤه، سقط عنه الصّيام، وعليه الفدية.
ومنها: المضطر الّذي يخشى على نفسه الهلاك، يجب عليه أكل الميتة إذا وجدها، فلو لم يأكل ومات فهو آثم.
ومنها: المكره على النّطق بكلمة الكفر يباح له ما دام قلبه مطمئناً بالإيمان.
ومنها: الرّجل خلف الصّفّ إذا لم يجد فرجة ولم يجد من يقوم معه وصلّى فذّاً خلف الصّفّ صحّت صلاته للحاجة.
стр. 3363
القاعدة الخامسة والسّبعون [الولاية]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا ولاية لأحد على غيره إلا في حدود ولايته على نفسه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبقت هذه القاعدة ومثيلتها ضمن قواعد حرف الهمزة تحت الرّقم ٦٣٤ وتدلّ على أنّه لا يجوز أن يتجاوز الإنسان مرتبته فيما يمكن التّجاوز فيه إلى غيره؛ لأن المرء لا ولاية له على غيره إلا في حدود ولايته على نفسه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الصّغير ولايته على نفسه ناقصة فلا يجوز أن يكون وكيلاً عن بالغ في أموره. كما لا يجوز له أن يتصرّف في شؤون غيره تصرّفاً لا يمكن أن يتصرّف فيه على نفسه.
ومنها: العبد لا ولاية له على نفسه، فبالأولى أن لا يكون وليّاً على غيره.
стр. 3364
القاعدة السّادسة والسّبعون [بيع المال]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا ولاية لأحد في بيع المال على مالكه من غير حقّ مستحقّ عليه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
لا يجوز ويحرم أن يبيع أحد كائناً من كان بيع مال غيره بدون إذنه من غير حقّ استحقّ على المالك؛ لأنّه لا ولاية لغير المالك على ماله.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أراد واحد أن يبيع أرض غيره أو سيّارته أو متاعه جبراً عليه - بحجّة أنّه لا يعجبه - وبدون إذن من المالك، فلا يجوز والبيع باطل.
ومنها: المفلس إذا طالب غرماؤه بيع ممتلكاته عليه لسداد ديونهم فذلك جائز بإذن من القاضي أو الحاكم. وذلك لوجود الحقّ المستحقّ على المفلس. لكن مع ذلك يبدأ بالنّقود فإن وفَت بسداد ديونهم وأدائها لا يباع شيء آخر من متاعه، وإن لم تفِ تباع العُروض، ولا يباع العقار إلا إذا لم تفِ العروض بالدّيون.
ومنها: إذا وُجد مسلم يحمل في سيّارته أو على دابّته خمراً،
стр. 3365
فالإمام له حقّ تأديبه بإراقة الخمر. وليس بإتلاف الزق - أو مصادرة السّيّارة أو الدّابّة - إلا إذا تقدّم الإِمام بذلك ورأى في ذلك تأديباً له.
وأمّا إن أراد أن يبيع الآنية أو الدّابّة أو السّيّارة الّتي كان عليها الشّراب أو الممنوع فبيع ذلك كلّه باطل؛ لأنّه باع مال غيره بغير إذن صاحبه، والإمام في هذا كغيره من النّاس في أنّه لا ولاية له في بيع المال على مالكه من غير حقّ مستحقّ عليه (١).
لكن إذا كان الإِمام قد تقدّم للنّاس وحذّرهم وأنذرهم أنّ من وُجِدَ معه خمر أو مخدّرات أو ممنوعات شرعيّة أنّه سيصادر المركبة الّتي يوجد عليها الممنوع وأعلن للنّاس ذلك ففي هذه الحال قد يجوز له بيعها ومصادرتها.
стр. 3366
القاعدة السّابعة والسّبعون [ولاية الذّمّيّ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا ولاية للذّمّي ولا الحربي على المسلم (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الذّمّي: هو مَن رضي بالخضوع لحكم الإِسلام والبقاء في أرض الإسلام مقابل دفع الجزية والبقاء على دينه، ويشمل ذلك: اليهود والنّصارى والمجوس.
والحربي: هو المشرك المحارب للإسلام الّذي لم يرض بالدّخول في الإسلام ولا بدفع الجزية.
فمفاد القاعدة: أنّ هؤلاء ليس لهم ولاية على المسلمين، ولا نفوذ لهم عليهم، وقد سبق بيان أنّه لا تقبل شهادتهم على المسلمين، لأنّ الشّهادة نوع من الولاية.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
لا تقبل شهادة الذّمّيّ على المسلم أو المسلمة إلا تبعاً. كما سبق بيانه.
ومنها: إنّ المرأة المسلمة إذا كان أبوها ذمّيّاً فلا ولاية له عليها في تزويجها.
стр. 3367
ومنها: أنّ الحربي أبعد من الذّمّيّ، فلا ولاية له على ذمّيّ - ولو من أهل دينه - ولا على مسلم بطريق الأولى. حيث لا تقبل شهادة حربي على ذمّي. كما سبق بيانه.
ومنها: إذا أوصى المسلم إلى ذمّيّ أو حربيّ مستأمن أو غير مستأمن، فالوصيّة باطلة؛ لأنّ في الوصيّة إثبات الولاية للوصي على سبيل الخلافة عنه، فالوصي يخلف الموصي في التّصرّف، كما أنّ الوارث يخلف المورث في الملك بالتّصرّف، ثمّ الكافر لا يرث المسلم. فكذلك لا يكون وصيّاً للمسلم.
ومنها: إذا أوصى الذّمّيّ إلى الحربي لم تجز الوصيّة، لهذا المعنى السّابق.
وأمّا وصيّة الذّمّيّ إلى الذّمّيّ فجائزة؛ لأنّه يثبت لبعضهم على بعض ولاية بالقرابة فكذلك بالتّفويض. وأحدهما يرث صاحبه، فيجوز أن يكون وصيّاً له.
стр. 3368
القاعدة الثّامنة والسّبعون [المعلوم والموهوم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يؤخّر استيفاء المعلوم لمكان الموهوم (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الاستيفاء: استفعال من الوفاء. ومعناه: طلب ما يفي بغرضه. فلا يجوز تأخير طلب الشّخص الموجود لحقّه بحجّة مستحقّ آخر غائب - قد يطلب وقد لا يطلب - هذا إذا كان الحاضر مستحقّاً للحقّ على الكمال.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قطع رجل يدي رجلين ووجب القصاص لهما على الكمال، فإذا اقتُصَّ لأحدهما فيجب الأرش - أي الغرم - للآخر - على رأي الشّافعي ﵀. وعلى رأي الحنفيّة يكون القطع لهما، فكأنّ كلّ واحد منهما استوفى نصف حقّه، ويجب لهما الأرش نصفين، للنّصف الباقي لكلّ منهما. وإذا عفا أحدهما: فيكون القصاص للآخر فقط.
وإذا حضر أحدهما دون صاحبه لم ينتظر الغائب، ويُقْتَصّ لهذا الحاضر؛ لأنّ حقّه ثابت في جميع، اليد، ومزاحمة الآخر معه في الاستيفاء موهومة.
стр. 3369
ومنها: إذا كان لدار أو أرض شفيعان، وحضر أحدهما وغاب الآخر، فللحاضر حقّ الشّفعة كاملاً، ولا ينتظر الغائب لعلّه يطلب أو لا يطلب.
ومنها: إذا كان لغريمين دين على التّركة - وأحدهما غائب - فلا ينتظر، وللغريم الحاضر أن يأخذ دينه من التّركة.
стр. 3370
القاعدة التّاسعة والسّبعون [ترك الواجب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يؤمر بترك الواجبات لما ليس بواجب (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة وثيقة الصّلة بقاعدة سابقة. ينظر القاعدتان رقم ٦١، ٦٢.
الواجبات أو الفرائض: أعلى المطلوبات الشّرعيّة؛ لأنّها - كما سبق قريباً - ثبتت بالطّلب الجازم للفعل، وترتّب الإثم على التّرك.
وما ليس بواجب إمّا مندوب أو مباح، والمندوب يستحبّ فعله، وفاعله يثاب على الفعل ولا يأثم على التّرك. وطلب المندوب غير جازم، فهو أضعف من الواجب.
والمباح: مأذون في فعله أو تركه، ولا إثم على الفعل أو التّرك، كما أنّه لا أجر ولا ثواب على الفعل أو التّرك إلا إذا صحب ذلك نيّة العمل أو التّرك لله.
ومفاد القاعدة: أنّ الشّارع لا يأمر بترك الواجبات لفعل المندوبات أو المباحات؛ لتأكّد الواجب بالطّلب الجازم. ولما في ترك الواجب من المفسدة، ولما في فعله من المصلحة الّتي لا توجد في
стр. 3371
غيره، ولكن قد يأمر الشّارع الحكيم بترك واجب لواجب هو أقوى منه وآكد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من الأدلّة على الوجوب المؤكّد لصلاة الجماعة أنّه قد يترك لها أكثر واجبات الصّلاة في صلاة الخوف وغيره. فلولا أنّ صلاة الجماعة واجبة وجوباً مؤكّداً لم يؤمر بترك بعض الواجبات؛ لأنّه لا يؤمر بترك الواجبات لما ليس بواجب.
ومنها: إنّ المصلّي إذا كان لا يستطيع القيام فيؤمر بالصّلاة قاعداً، أو على جنب. والقيام للصّلاة واجب، ويؤمر بتركه عند الضّرورة لواجب آخر وهو القعود في هذه الحال. ولأنّ القعود في الصّلاة المفروضة بدل القيام عند القدرة غير مشروع.
стр. 3372
القاعدة السّادسة والأربعون: مكرّر [اختلاف الأسباب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يبالى باختلاف الأسباب عند سلامة المقصود (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأسباب: جمع سبب، وهو ما يترتّب عليه الحكم عند وجوده.
فاختلاف الأسباب لا يضرّ إذا تبيّن سلامة المقصود، وهو المدَّعَى. وقد سبقت هذه القاعدة تحت الرّقم ٤٦.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ادّعى على شخص ألف دينار، وأتى بالبيِّنة، فشهد أحد الشّاهدين أنّ الألف دينار قرض أقرضه المدّعِي للمدّعى عليه. وشهد الآخر أنّ الألف دينار ثمن سلعة باعها المدّعِي للمدّعَى عليه، أو اغتصبها منه، فلا يضرّ اختلاف الشّاهدين في الأسباب في ثبوت الحقّ للمدَّعِي؛ لاتّفاق الشّاهدين على ثبوت الدّين في ذمّة المدّعَى عليه. وهو المقصود.
ومنها: أنكر رجل أنّه تزوّج هذه المرأة، وأقامت المرأة البيِّنة على زواجها منه، فشهد أحد الشّاهدين أنّه تزوّجها منذ شهر. وشهد الآخر أنّه تزوّجها منذ شهرين، فيثبت الزّواج مع اختلاف الشّهادتين في التّاريخ؛ لأنّها اتّفقا على وقوع النّكاح، والاختلاف في الأسباب لا يضر. وينظر القاعدة رقم ٤٥، ٤٦، ٤٧.
стр. 3373
القاعدة الثّمانون [الأصل والفرع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يبطل الأصل ببطلان فرع له (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
القاعدة أنّ الفرع يبطل ببطلان أصله، ويسقط بسقوطه - كما سبق بيانه - لكن الأصل لا يبطل ببطلان فرع له.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا وكَّل شخص آخَرَ في استيفاء دين له، ثمّ استوفاه الموكِّل بنفسه، فتبطل الوكالة، ولا حقّ للوكيل في المطالبة، لكن إذا وكّله في الاستيفاء ثمّ ألغى وكالته فلا تبطل مطالبة الأصيل بالحقّ.
ومنها: إذا أعتق ما في بطن هذه الجارية جاز دونها، فلا تبطل عبودية الجارية ورقُّها بتحرير ما في بطنها، وإن كان فرعاً لها.
ومنها: الشّفعة فرع للبيع، فإذا بطلت الشّفعة لا يبطل البيع ببطلانها، وذلك فيما إذا باع المريض لأجنبي محاباة، وكان الشّفيع في البيع وارثاً، ففي وجه عند الشّافعي ﵀ يبطل البيع من أصله؛ لإفضائه إلى إيصال المحاباة إلى الوارث. وهذا الوجه فاسد؛ لأنّ الشّفعة فرع البيع فإذا بطلت لا يبطل البيع.
стр. 3374
القاعدة الحادية والثّمانون [بطلان العقد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يبطل عقد من العقود إلا بما ينافي مقصود ذلك العقد، دون ما لا ينافي مقصوده، وإن كان منهيّاً عن مقارنته معه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
العقود إنّما يحكم ببطلانها إذا وجد ما يعارض وينافي المقصود من كلّ عقد منها. وأمّا إذا وجد ما لا ينافي مقصود العقد فالعقد صحيح لا يبطل، ولو وجد معه ما كان منهيّاً، عن مقارنته معه ومصاحبته له.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
عقد البيع - مثلاً - يبطل إذا شرط البائع على المشترى عدم الانتفاع بالمبيع. لكن إذا أخلّ البائع أو المشتري بأحد شروط العقد المنهي عن الإخلال بها لا يبطل العقد. كما إذا لم يدفع المشتري الثّمن حالاً مع اشتراط الحلول. فالعقد صحيح وعلى المشتري أن يدفع الثّمن، وإلا يرفع الأمر للقضاء.
ومنها: عقد الذّمّة لا يبطل إلا إذا انتقض شرط ينافي مقصوده، وهو الحرابة مثلاً. لكن إذا سبّ الذّمّي مسلماً أو قتله خطأ، أو ضربه،
стр. 3375
فإنّ عقد الذّمّة لا يبطل. ومنع الجزية والتّمرّد على الأحكام، وإكراه المسلمة على الزّنا، كلّ ذلك ينقض عقد الذّمّة، ويبيح دم الذّمّيّ وماله.
стр. 3376
القاعدة الثّانية والثّمانون [بقاء الاستحقاق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يبقى الاستحقاق بعد موت المستحقّ، وإن كان السّبب منعقداً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة ليست على إطلاقها بل فيها تفصيل؛ لأنّ الاستحقاق الّذي يستحقّه الإنسان إمّا أن يورث عنه وإمّا أن لا يورث.
ومفاد هذه القاعدة القسم الثّاني الّذي لا يورث، من حيث بطلان الاستحقاق إذا مات مستحقّه ولا يورث عنه.
وهذه من المسائل الخلافيّة بين الحنفيّة ومن سواهم، حيث إنّ الحنفيّة يشترطون لاستحقاق الغنيمة الإصابة - أي الاغتنام - ثمّ الإحراز بدار الإسلام. فما لم تحرز في دار الإسلام لا تقسم. ومن مات من المجاهدين قبل إحرازها في دار الإسلام لا يورث نصيبه منها.
وحجّتهم في ذلك: أنّ الغنيمة إذا لم تحرز في دار الإسلام فاحتمال استرداد العدو لها قائم. وأمّا إذا دخلت دار الإسلام فيستبعد استرجاع العدو لها.
وعندهم: أنّ المجاهد لو قتل في دار الحرب أو مات بعد الفراغ
стр. 3377
قبل الإحراز أنّه لا يستحقّ شيئاً؛ لأنّه وقع أجره على الله .
وأمّا عند الشّافعي ومالك وأحمد رحمهم الله تعالى أنّ سهم المجاهد يورث؛ لأنّ الملك للغنيمة عندهم يثبت بنفس الإصابة، وموت أحد الشّركاء لا يبطل مِلكَه عن نصيبه، ويجوز عندهم قسمة الغنائم في دار الحرب، خلافاً لأبي حنيفة ﵀.
ولكلّ من الرّأيين دليل من فعل الرّسول ﷺ وفعل الصّحابة رضوان الله عليهم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا مات الفارس لم تستحقّ فرسه من الغنيمة إذا كان موته قبل الإحراز, لأنّه لا يورث سهمه، وعند الشّافعي ﵀ يورث؛ لأنّ الحقّ عند الحنفيّة يثبت بالإصابة ويتأكّد بالإحراز بالدّار، ودون الإحراز هو حقّ ضعيف، والحقّ الضعيف لا يورث.
ومنها: حقّ الشفعة يسقط إذا مات الشّفيع قبل الطّلب، وإلا فللورثة المطالبة (١). وعند مالك ﵀ الشّفعة موروثة (٢).
стр. 3378
القاعدة الثّالثة والثّمانون [الحكم والسّبب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يبقى الحكم بعد زوال سببه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحكم يبنى على السّبب، فإذا زال السّبب زال الحكم وانتفى؛ لأنّ السّبب أساس وجود الحكم فإذا انتفى الأساس وانتقض انهدم البناء.
وقد سبق بيان ما يتعلّق بهذه القاعدة وأمثلتها ضمن قواعد حرف الحاء تحت الرّقم ٨٦، وقد وردت بلفظ "الحكم يدور مع علّته وجوداً وعدماً" وغير ذلك من ألفاظ ورود القاعدة فلتنظر هناك.
стр. 3379
القاعدة الرّابعة والثّمانون [الملك على النّفس]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يبقى للإنسان الملك على نفسه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الإنسان يملك غيره، من حيوان أو متاع أو رقيق، ولكنه لا يملك نفسه، ولا يبقى له ملك على نفسه، ومعنى ذلك: أنّ العبد إذا أحرز نفسه بخروجه إلى دار الإسلام مسلماً كان أو ذمّيّاً مراغماً لمولاه فهو حرّ ويوالي مَن شاء. والعتق والحرّيّة ينافيان الملكيّة ولو على النّفس. ولذلك لا يثبت عليه الولاء لأحد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا خرج عبد هارباً من دار الحرب إلى دار الإسلام معلناً إسلامه، أو طلب أن يكون ذمّيّاً، فهو يجاب إلى طلبه ويعتبر حرّاً يوالي من شاء. ولا يعتبر رقيقاً مالكاً نفسه.
стр. 3380
القاعدة الخامسة والثّمانون [اتّحاد القابض والمقبّض أو الموجب والقابل]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
لا يتّحد القابض والمقبض (١).
وفي لفظ: اتّحاد الموجب والقابل ممنوع (٢).
وفي لفظ: هل اليد تكون قابضة دافعة في آن واحد (٣)؟ وتأتي في حرف الهاء إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأصل أنّ العقود إنّما تجري بين شخصين أحدهما قابض والآخر مقبّض، أو أحدهما موجب والثّاني قابل. وأمّا أن يكون القابض والمقبض أو البائع والمشتري واحداً فهذا لا يكون، وينظر القاعدتان رقم ٢٨١ و٤١٩ من قواعد حرف الهمزة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا وكَّل وكيلاً في بيع مال له، فلا يجوز أن يبيع الوكيل من نفسه، بأن يشتري المال الّذي وُكِّل ببيعه.
стр. 3381
ومنها: إذا قالت امرأة لرجل: زوَّجني. فلا يجوز أن يزوّجها من نفسه.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة، واتّحد الموجب والقابل:
الأب أو الجد يبيع مال الطّفل لنفسه، أو بيع ماله للطّفل، أو يهب منه وله أو يرهن منه وله.
ومنها: أن يزوّج الجدّ بنت ابنه بابن ابن آخر له، على الأصحّ.
ومنها: إذا زوّج عبده الصّغير بأمته. على قول الإجبار.
ومنها: إذا وكّله وأذن له في البيع من نفسه، وقدَّر الثّمن ونهاه عن الزّيادة.
ومنها: إذا خالعها على طعام في ذمّتها بصفة السّلم وأذن لها في صرفه لولده منها فصرفته له من غير توسّط قبض صاحب المال، فإنّها تبرأ.
стр. 3382
القاعدتان السّادسة والسّابعة والثّمانون [المقدور والمعجوز]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يترك القليل من السُّنَّة للعجز عن كثيرها (١).
وفي لفظ: الميسور لا يسقط بالمعسور (٢). وتأتي في قواعد حرف الميم إن شاء الله تعالى.
وفي لفظ: مَن قدر على بعض الشّيء لزمه (٣). وتأتي في حرف الميم إن شاء الله تعالى.
وفي لفظ: لا يسقط المقدور عليه بالمعجوز عنه (٤).
وفي لفظ: مَن قدر على بعض العبادة وعجز عن باقيها هل يلزمه الإتيان بما قدر عليه منها أم لا (٥)؟ وتأتي في قواعد حرف الميم إن شاء الله تعالى.
стр. 3383
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١).
وقال الرّسول الكريم ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٢).
المأمورات مبناها على القدرة والاستطاعة، فمن قدر على فعل بعض المأمور به وعجز عن باقيه وجب عليه فعله، ولا يجوز ترك الكلّ بدعوى عدم القدرة على البعض. بل يجب على المكلّف فعل ما يقدر عليه؛ لأنّ القدرة على الفعل شرط من شروط التّكليف، فالأمر الّذي يستطيع المكلّف فعله وهو قادر عليه لا يسقط بما عجز عنه أو شقّ عليه فعله، وينظر من قواعد حرف الباء القاعدة ٣١.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من لم يجد السّواك فاستاك بإصبعه أو خرقة - فقد قيل لا يصيب السّنّة؛ لأنّ الشّرع لم يرد به - والصّحيح - عند ابن قدامة ﵀ أنّه يصيب بقدر ما يحصل من الإنقاء - ولا يترك القليل من السّنّة للعجز عن كثيرها (٣).
القادر على بعض الفاتحة في الصّلاة يأتي به بلا خلاف.
стр. 3384
ومنها: القادر على بعض السّترة يستر به القدر الممكن جزماً.
ومنها: من لم يستطع القيام في الصّلاة وقدر على القعود وجب عليه.
ومنها: إذا عجز عن الرّكوع والسّجود وهو قادر على القيام وجب عليه ولزمه القيام بلا خلاف.
ومنها: مقطوع بعض الأطراف يجب عليه غسل الباقي.
ومنها: مَن قدِر على بعض صاع في الفطرة لزمه.
ومنها: إذا كان محدثاً وعليه نجاسة حسّيّة - ولم يجد إلا ماءً يكفي أحدهما - غسل النّجاسة وتيمّم للحدث.
ومنها: إذا عجز عن سداد كلّ الدّين أدّى ما قدّر عليه.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القواعد:
إذا قدر على بعض الرّقبة في الكفّارة، لا يعتقها، بل ينتقل إلى البدل بلا خلاف.
ومنها: من قدر على صوم بعض يوم دون كلّه لا يلزمه إمساكه، بلا خلف؛ لأنّ صوم اليوم لا يتبعّض.
стр. 3385
القاعدة الثّامنة والثّمانون [التّبرّع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يتمّ التّبرّع إلا بالقبض (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق بيان ما يتعلّق بهذه القاعدة وأمثلتها ضمن قواعد حرف الشّين تحت الرّقم ١٨، وقد وردت بلفظ: (شرط صحّة الصّدقة التّمليك).
كما وردت أيضاً ضمن قواعد حرف الصّاد تحت الرّقم ١١ بلفظ: "الصّدقة لا تتمّ إلا بالقبض" وبلفظ "الصِّلات لا تملك قبل القبض". فلتنظر هناك.
стр. 3386
القاعدة التّاسعة والثّمانون [حكم الخطاب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يثبت حكم الخطاب في حقّ المخاطَب ما لم يعلم به (١). فقهيّة أصوليّة
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة فقهيّة أصوليّة، وهي ذات مدلول مسلَّم شرعاً وعقلاً؛ لأنّ تكليف الإنسان بحكم لم يعلمه هو تكليف بالمستحيل، وشرط التّكليف العلم بالفعل المكلّف به وحكمه. فحكم الخطاب - سواءً أكان من خطابات الشّرع أم من خطابات البشر بعضهم لبعض - لا يثبت ولا يطالب به المكلّف قبل العلم به.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أسلم شخص في دار الحرب - ولم يعلم أنّ الصّلاة عليه واجبة، أو أنّ الخمر حرام - فلم يصلّ وشرب الخمر، ثم علم بعد ذلك، فإنّ ما فاته من صلاته لا يطالب بقضائه، ولا يقام عليه حدّ الشّرب ولا يأثم لجهله. والجهل في دار الحرب عذر.
ومنها: إذا وكّل شخص شخصاً آخر وكالة، فإنّ حكم هذه الوكالة لا يلزم الوكيل قبل علمه بها. وكذلك لو عزله عن الوكالة لا
стр. 3387
ينعزل قبل علمه بالعزل على الصّحيح.
ومنها: إذا اشترى شيئاً أو باعه بشرط الخيار له أو للآخر، فإنّ مَن له الخيار لا يحقّ له الفسخ إلا بحضور العاقد الآخر، ولا يلزم العاقد الآخر الفسخ إلا بالعلم به في مدّة الخيار.
стр. 3388
القاعدتان التّسعون والحادية والتّسعون [الحكم قبل الوجود والوقوع]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
لا يثبت حكم الشّيء قبل وجوده (١).
وفي لفظ: لا يثبت حكم المعلوم قبل وقوعه (٢).
وفي لفظ: المتوقّع هل يجعل كالواقع (٣)؟
وفي لفظ: ما قارب الشّيء هل يعطى حكمه (٤)؟ وتأتي في قواعد حرف الميم إن شاء الله تعالى.
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
إذا كان الشّيء متوقّعاً وجوده، ويغلب على الظّنّ حصوله في زمن آت قريب، فهل يثبت حكمه كأنّه موجود حالاً، أو لا يثبت حكمه إلا بعد وجوده ووقوعه؟ خلاف يظهر في كثير من المسائل. ولفظ القاعدتين الأوليين يفيد القطع بعدم ثبوت الحكم قبل الوجود والوقوع.
стр. 3389
والقاعدة الثّالثة: تفيد وجود الخلاف في ذلك ومثلها القاعدة الرّابعة. وينظر من قواعد حرف التّاء القاعدة ٥٠، وقواعد حرف الطّاء القاعدة ١٤، وقواعد حرف العين القاعدة ٢٤.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
لو أسلم فيما يَعُمّ وجوده عند المحل، فعرضت آفة عُلِم بها بانقطاع الجنس عند المحل. فهل يتنجز حكم الانقطاع في الحال، أو يتأخر إلى المحل؟ وهو الأصحّ.
ومنها: من عليه عشرة أيام من رمضان فلم يقضها حتى بقي من شعبان خمسة أيّام، فهل يجب عليه فدية ما لا يسعه الوقت في الحال. أو لا يجب حتّى يدخل رمضان، فيه وجهان.
ومنها: إذا أوصى له بثلث ماله، فهل يعتبر الثّلث حال التّعليق - أي عند النّطق بالوصيّة - أو حال الوفاة - قولان.
стр. 3390
القاعدة الثّانية والتّسعون [الحكم والدّليل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يثبت لله حكم على المكلّفين غير مستند إلى دليل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
أحكام الله على المكلّفين إنّما عُرِفت ووجبت على المكلّفين وشغلت بها ذممهم على ألسنة رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم بأدلّة ذكروها ونصوص عن الله أوردوها، فما لم يرد عن الله أدلّة بأحكامه، فلا يثبت على المكلّفين منها حكم، ولا يجب عليهم منها شيء، ولا تشغل ذممهم بأحكام لم يقم عليها لله دليل أو أمارة عن طريق صحيح.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
لا يجب على المكلّفين من المسلمين صلاة غير الصّلوات الخمس التي ثبتت بأدلّتها الصّحيحة من الكتاب والسّنّة.
ومنها: لا يجب ولا يثبت على المكلّفين إخراج غير الزّكاة المفروضة ربع العشر أو نصفه أو العشر، على اختلاف الأصناف، فإذا فرض أحد على النّاس أن يدفعوا له خمس أموالهم على أنّه حكم من
стр. 3391
الله ، فلا يطاع ولا يثبت على المكلّفين ذلك لعدم قيام الدّليل على دعواه.
ومنها: إذا ادّعى أحدهم تحريم مأكول أو مشروب أو ملبوس أو معاملة فيطالَب بالدّليل، فما لم يُقِم على دعواه دليل صحيح فلا تحريم، ولا يجوز لأي مكلّف اتّباعه وتحريم ما حرّمه؛ لأنّ التحريم والتّحليل لا يكون إلا عن طريق الشّرع بالأدلّة الصّحيحة.
стр. 3392
القاعدة الثّالثة والتّسعون [شطر العلّة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يثبت شيء من الحكم بشطر العلّة (١). فقهيّة أصوليّة
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق مثل هذه القاعدة ضمن قواعد حرف الباء تحت رقم ٥ ونصّها: "ببعض أركان العلّة لا يثبت شيء من الحكم". وينظر أيضاً من قواعد حرف الشّين القاعدة ٤٥، والقاعدة ٨٩ من قواعد حرف الحاء. فالعلّة المركّبة من أوصاف عدّة إذا وُجِد بعض هذه الأوصاف في محلّ الحكم، فلا يترتّب عليها شيء من الحكم؛ لأنّه لا بدّ من توافر كلّ أجزاء العلّة وأركانها ليترتّب الحكم عليها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قتل والد ولده، لا يقتصّ منه؛ لأنّ علة القصاص مركّبة من قتل عمد عدوان من مكافئ غير والد.
ومنها: إذا شهد شاهد واحد على الطّلاق، لم يثبت القاضي الطّلاق حتى يأتي شاهد ثانٍ؛ لأنّ الشّاهد الواحد جزء العلّة وشطرها.
стр. 3393
القاعدة الرّابعة والتّسعون [الفرع والأصل، والمسبّب والسّبب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يثبت الفرع والأصل باطل، ولا يحصل المسبّب والسّبب غير حاصل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة ذات شقّين مرتبطين فالشّقّ الأوّل خاصّ بالفرع والأصل، ومفاده أنّه إذا كان وجود الفرع تبعاً لوجود أصله، فإنّه إذا بطل الأصل وانتفى بَطَل الفرع وانتفى كذلك، والشّقّ الثّاني عامّ في الأسباب ومسبّباتها ومفاده أنّ المسبّب ناتج عن وجود السّبب فلا يمكن أن يوجد مسبّب وسببه غير حاصل أو موجود، فالسّبب أصل والمسبّب فرع.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الابن فرع لوجود الأب، فإذا انتفت الأبوّة انتفت البنوّة.
ومنها: أغصان الشّجرة وثمارها تابعة لوجود جذعها وساقها، فإذا قطع الجذع والسّاق سقطت الأغصان والثّمار والأوراق.
ومنها: الغروب والزّوال والفجر أسباب ظاهرة لترتّب الصّلاة في ذمّة المكلّف فالصّلاة مسببه عن هذه الأوقات، فإذا لم تغرب الشّمس
стр. 3394
لم تجب المغرب، وإذا لم تزل الشّمس لم تجب الظّهر، وإذا لم يطلع الفجر لم تجب صلاته.
ومنها: الإتلاف سبب للضّمان، فإذا لم يوجد الإتلاف لا يجب الضّمان.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
يندب أو قد يجب - على المحرم الأصلع إمرار الموسى على رأسه عند الحِلّ، وإن كان ليس على رأسه شعر.
стр. 3395
القاعدة الخامسة والتّسعون [القضاء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يجب القضاء ما لم يتقرّر الوجوب (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
معنى القضاء: هو فعل العبادة في غير وقتها المحدّد لها شرعاً ولم تسبق بأداء مختل أو ناقص. فالقضاء في الحقيقة لا يتصوّر قبل وجوب المراد قضاؤه وتعلّق أدائه في ذمّة المكلّف، فالقضاء لا يقع إلا بعد الوجوب. وتعلّق الواجب في ذمّة المكلّف؛ لأنّ قضاء العبادة مبني على سبق وجوبها وتعلّقها في ذمّة المكلّف، فما لم يثبت وجوب العبادة لا يجب قضاؤها، ويمتنع, لأنّه فعل عبادة غير مأذون بها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
مَن أراد قضاء صلاة لم تجب عليه لا يصحّ ولا يجوز.
ومنها: الحائض لا يجب عليها قضاء ما فاتها من الصّلوات أثناء الحيض؛ لأنّ الصّلاة في الحيض غير واجبة بل محرّمة غير جائزة. فلا قضاء عليها.
ومنها: قضاء الحائض أو النّفساء صوم رمضان واجب؛ لأنّ الصّيام واجب عليها، ولكن منع من الأداء وقوع الحيض في رمضان.
стр. 3396
ومنها: لا يجب على الإنسان قضاء دين لم يجب في ذمّته قبلاً.
ومنها: لا يجوز التّكفير عن الحنث قبل وجود اليمين.
ومنها: من أراد أن يحجّ قضاء عن حجّ يريد إفساده مستقبلاً، فلا يجوز.
стр. 3397
القاعدة السّادسة والتّسعون [العين المعقود عليها]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يجتمع على عين عقدان لازمان بل يكون أحدهما على العين والآخر على المنفعة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالعين: الشّيء الّذي يقع عليه العقد كالدّار، مثلاً.
فلا يجوز أن يجتمع على شيء واحد عقدان صحيحان لازمان من جنس واحد؛ لأنّ كلّ صاحب عقد يريد حقّه على سبيل الكمال، فيقع النّزاع والتّخاصم.
ولكن اجتماع عقدين مختلفين على شيء واحد جائز، كأن يكون أحد العقدين على ذات العين أو الشّيء والآخر على منفعة تلك العين أو ذلك الشّيء.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
أجر داره من إنسان ثم باعها لشخص آخر. فالبيع للعين والإجارة على المنفعة وذلك جائز.
ومنها: رهن داره من شخص ثمّ أجرها لشخص آخر فذلك
стр. 3398
جائز.
ومنها: يجوز للسّيّد إيجاز جاريته المزوّجة، ثمّ لا يجوز للزّوج منعها من المستأجِر.
ومنها: ولو أجرت امرأة نفسها، ثمّ نكحت في المدّة صحّ قطعاً والإجارة بحالها.
стр. 3399
القاعدة السّابعة والتّسعون [اجتماع فرضين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يجتمع فرضان في وقت واحد (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الفرض في اللغة: من فَرَض يفرض إذا حزَّ وأثّر. ويأتي بمعنى التّقدير أيضاً.
وبمعنى الوجوب. والمراد هنا المعنى الشّرعي: وهو الوجوب، فالفرض ما أوجبه الله علينا بدليل قطعي لا شبهة فيه، ورتّب على فعله الثّواب وعلى تركه العقاب وعند الجمهور - غير الحنفيّة - أنّ الفرض والواجب مترادفان.
فمفاد القاعدة: أنّه لا يجتمع على المكلّف في وقت واحد فرضان أو واجبان من جنس واحد ودليل القاعدة قوله ﷺ : "لا تصلّوا صلاة مكتوبة في يوم مرّتين". وفي لفظ: "لا تصلّوا صلاة في يوم مرّتين" (٢).
стр. 3400
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
فرض الله الصّلوات خمساً، ولم يفرض في وقت واحد صلاتين.
وفي هذا ردّ على من يوجبون صلاة الظّهر بعد صلاة الجمعة يوم الجمعة؛ لأنّ الجمعة فرض الوقت لمن استوفى شروطها، بدلاً من الظّهر، فلا يجتمع البدل والمبدل منه. ولذلك لا يجتمع فرضان في وقت واحد.
ومنها: من عليه قضاء رمضان أو نذر وأراد أن يأتي في شهر رمضان بأن ينوي صوم رمضان والقضاء أو النّذّر، فذلك غير جائز، ولا يقع صومه إلا عن رمضان خاصّة. فمن نذر أن يصوم يوماً من رمضان لم يصحّ نذره؛ لأنّ كلّ يوم في رمضان مشغول بصيام واجب فلا يجتمع معه واجب آخر.
ومنها: من صلّى الظّهر في بيته، أو وهو في طريقه - إذا كان مسافراً - ثمّ دخل بلدة وصلّى الجمعة مع الإِمام فالجمعة فرضه ويصير الظّهر تطوّعاً له؛ لأنّ الجمعة أقوى من الظّهر.