أو هو عامّ في كلّ مبيع - وعلى هذا أكثر الفقهاء -؛ لورود أحاديث صحيحة بلفظ (الشّيء)، وهو عامّ في الطّعام وغيره.
ومفاد القاعدة: أنّه لا يجوز ولا يصحّ بيع الشّيء قبل قبضه، فإذا اشترى سلعة - طعاماً أو غيره - فيجب عليه قبضها ثمّ بيعها بعد ذلك إذا شاء. وأمّا بيعها قبل قبضها وهي ما زالت عند البائع الأوّل - وفي ضمانه، ولم يُحَوّلها المشتري - فلا يجوز ذلك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى سيّارة من أحد المعارض، ثم أراد بيعها - فلا يصحّ البيع إلا إذا أخرجها من المعرض وتسلّمها، قبل البيع الثّاني. وإلا كان البيع الثّاني باطلاً. على القول بعموم النّهي.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
الأمانات والودائع يجوز بيعها قبل قبضها، لتمام الملك وعدم الضّمان (١).
ومنها: الإرث، والوصيّة، وغلّة الوقف، والرّزق المقرّر من بيت المال، والسّهم المقرّر من الغنيمة، والصّيد إذا ثبت ووقع في الشّبكة، وما رجع فيه الوالد من الهبة لولده. كلّ هذه الأشياء يجوز بيعها قبل قبضها لتمام الملك وعدم الضّمان (٢).
стр. 3467
القاعدة الثّالثة والثّلاثون بعد المئة [تأجيل الأعيان]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يصحّ تأجيل الأعيان (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأعيان: هي الأشياء ذوات الأمثال والقيم، وهي السّلع المبيعة، والّتي يقابلها الأثمان.
فالأعيان لا تقبل التّأجيل - أي تأخير تسليمها للمشتري - في غير عقد الاستصناع والسّلم -؛ لأنّ ما يقبل التّأجيل إنّما هو الأثمان؛ لأنّها تتعلّق بالذّمّة، بخلاف الأعيان فإنّها لا تتعلّق بالذّمّة، وكذلك لا يصحّ البراءة عن الأعيان؛ لأنّ البراءة إسقاط، والإسقاط لا يرد على العين بل هو مخصوصٌ بالدّين. أمّا لو قلنا إنّ الإبراء تمليك فيجوز الإبراء، وينظر القاعدة رقم ٥٢٠ من قواعد حرف الهمزة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا باع داراً أو سيّارة بشرط عدم تسليمها للمشتري إلا بعد شهر مثلاً، بطل البيع؛ لأنّ الأجل في المبيع المعيَّن باطل؛ ولأنّ التّأجيل للتّحصيل، والعين حاصل. فيكون شرطاً فاسداً.
ومنها: إذا كان عند شخص عبد وجنى جناية فيما دون النّفس،
стр. 3468
فإنّ على سيّده، إمّا أن يدفعه بالجناية للمجني عليه حالاً، أو يفديه بدفع أرش الجناية حالاً؛ لتخليص عبده, لأنّ دفع العبد دفع عين والعين لا تقبل الأجل، والفداء بدله.
стр. 3469
القاعدة الرّابعة والثّلاثون بعد المئة [الرّجوع عن القضاء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يصحّ رجوع القاضي عن قضائه - في موضع الاجتهاد - إذا كان مع شرائط الصّحّة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
القاضي إنّما نُصِب لفصل الخصومات، وقطع المنازعات، وإيصال الحقوق لأربابها، ومنع التّظالم، وردع الظّالم، وعلى القاضي أن يحكم بحكم عادل مستوف لشرائط الصّحة. فإذا حكم قاض في دعوى صحيحة حكماً مستوفياً شرائط الصّحّة فليس له بعد ذلك الرّجوع عن حكمه لأي سبب من الأسباب؛ لأنّ رجوعه عن قضائه الصّحيح المجتهد فيه ظلم لصاحب الحقّ، والظّلم باطل ومرفوض. وأيضاً في جواز الرّجوع عن القضاء عدم اطمئنان النّاس لأحكام القضاة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال القاضي - بعد فصل القضيّة - رجعت عن قضائي، أو وقعت في تلبيس الشّهود، أو أبطلت حكمي. لم يصحّ قوله. والقضاء ماضٍ.
стр. 3470
رابعاً: من المسائل المستثناة من هذه القاعدة:
إذا ظهر للقاضي خطؤه - بأن اجتهد اجتهاداً مخالفاً لنصّ ثابت - فيجب عليه نقض قضائه، لا إذا تبدّل اجتهاده.
ومنها: إذا كان قضى في مسألة بعلمه، فله الرّجوع عنه. لأنّها ليست مسألة اجتهاديّة.
ومنها: إذا قضى في مجتهد فيه مخالف لمذهبه. فله نقضه دون غيره.
стр. 3471
القاعدة الخامسة والثّلاثون بعد المئة [السّبب - الألفاظ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يصنع السّبب شيئاً إنّما تصنع الألفاظ (١). عن الشّافعي ﵀.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق معنى السّبب والأسباب، والمراد بالألفاظ، الألفاظ الصّريحة الّتي لا تحتمل غير معناها الشّرعي، كلفظ الطّلاق، أو الفراق، أو السّراح؛ لأنّ هذه الألفاظ الثّلاثة عند الشّافعي ﵀ صريحة في حلّ عقد الزّوجية، ولا ينظر إلى سبب النّطق أو ظروفه، لكن إذا ادّعى الزّوج أنّه لم ينو طلاقاً فيسعه أن يمسكها، ولكن لا يسعها أن تقيم معه؛ لأنّها لا تعرف من صدقه ما يعرف من صدق نفسه.
وهذه القاعدة لها ارتباط بالقاعدة الأصوليّة القائلة "العبرة في عموم اللفظ لا في خصوص السّبب". أي أنّ الحكم الشّرعي الوارد على سبب خاصّ لا يختصّ به، وإنّما يعمّ كلّ حادثة مشابهة لتلك الحادثة الّتي ورد لأجلها الحكم. ولا يكون الحكم خاصّاً بسببه إلا بدليل يخصّ. فالسّبب لا يُخَصُّ به العامّ الوارد بعده.
стр. 3472
فمفاد القاعدة: أنّ الأحكام الشّرعيّة لا تبنى على أسبابها الخاصّة - إلا بدليل مخصّص - وإنّما تبنى على الألفاظ الدّالة على السّبب.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
مسألة العرايا: وردت في الفقراء، فهل تختص بهم؟ الرّاجح أنّها لا تختصّ؛ لأنّ اللفظ المبيح عام، ورد على سبب وهو الحاجة، والعبرة بعموم اللفظ دون قصره على سببه.
ومنها: قوله ﷺ : "الولد للفراش" (١) لا يختصّ بالمولود في قصّة زمعة، بل يعمل به في كلّ مولود ولد على فراش الرّجل.
стр. 3473
القاعدة السّادسة والثّلاثون بعد المئة [الاستحالة المطهرة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يطهر شيء من النّجاسات بالاستحالة - إلا الخمرة - إذا انقلبت بنفسها (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق مثل هذه القاعدة ضمن قواعد حرف الهمزة تحت الأرقام ٦٢٣، ٦٢٤.
وعند ابن قدامة رحمه الله تعالى - وهو مذهب الحنابلة - أنّ الاستحالة - أي تحوّل شيء نجس إلى شيء آخر، لا يجعل ذلك النّجس طاهراً، إلا إذا تحوّلت الخمر إلى خلّ بنفسها، فيحكم حينئذ بطهارتها.
وعند الحنفيّة: أنّ الخمر إذا تخلّلت بنفسها أو خلّلت بفعل فاعل فإنّها تطهر. وكذلك إذا وقعت نجاسة في مملحة واستحالت ملحاً فإنّها تطهر.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا تغيّرت الخمر فأصبحت خلاً - بدون فعل فاعل - فإنّها تطهر ويطهر الظّرف الّذي هي فيه، وذلك بشرط أن تنقلب وتستحيل بنفسها،
стр. 3474
بدون فعل آدميّ، وهذا أمر متّفق عليه.
ومنها: إذا وقعت جيفة حمار أو كلب في مملحة فأصبحت ملحاً، فهو طاهر - عند الحنفيّة - خلافاً للآخرين؛ لأنّ انقلاب الأعيان من المطهّرات عندهم (١).
ومنها: إذا أحرقت الميتة فهل رمادها طاهر؟ خلاف.
стр. 3475
القاعدة السّابعة والثّلاثون بعد المئة [الضّعيف - القوي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يظهر الضّعيف في مقابلة القوي (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق لهذه القاعدة مثيلات ينظر قواعد حرف الضّاد - القاعدة ١٢.
فالدّليل الضّعيف أمام الدّليل القوي لا حكم له، والعمل بالدّليل القوي.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
مريض أو مسافر صلّى الظّهر يوم الجمعة، ثمّ صلّى الجمعة مع الإمام، فهل فرضه الظّهر أو الجمعة؟ الرّاجح عند جمهور الحنفيّة أنّ فرضه الجمعة، والظّهر الّذى صلاه قبلها غير معتبر، خلافاً لزفر بن الهذيل (٢) من الحنفيّة حيث قال: إنّ فرضه الظّهر لا الجمعة؛ لأنّ المريض أو المسافر لا تجب عليه الجمعة، وهو كذلك عند الأكثرين (٣).
стр. 3476
القاعدة الثّامنة والثّلاثون بعد المئة [الخلف والأصل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يعتبر الخلف مع وجود الأصل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق أمثال لهذه القاعدة ضمن قواعد حرف الباء تحت رقم ١١، وقواعد حرف الخاء تحت الأرقام من ٢٦ - ٢٨.
فالأصل إذا كان موجوداً ومقدوراً عليه فلا اعتبار بوجود البدل في الأحكام.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
التّيمّم خلف وبدل عن الماء عند فقده، أو عند عدم القدرة على استعماله مع وجوده، ولكن عند وجود الماء والقدرة على استعماله لا يجوز التّيمّم.
منها: إذا قدر المتمتّع أو القارن على الهدي فلا يجوز له الصّوم بدلاً عنه.
стр. 3477
القاعدة التّاسعة والثّلاثون بعد المئة [الأهليّة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يعتبر قيام الأهليّة عند وجود الشّرط - بل عند التّعليق (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأهليّة: هي عبارة عن صلاحيّة الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له أو عليه (٢)، ولا توجد الأهليّة ولا تتحقّق إلا إذا بلغ الإنسان عاقلاً.
والتّعليق: ربط مضمون جملة بمضمون جملة أخرى - كجملة الشّرط.
فوجود أهليّة الزّوج أو المتصرّف إنّما تعتبر عند تعليق الأمر المراد بالشّرط لا عند وجود الشّرط المعلّق عليه وتحقّقه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا زوّج الأب ابنه الصّغير، فطلّق الصّغير زوجته - فلا يقع طلاقه، وكذلك إذا قال الصّغير لزوجته تلك: إن كلّمت فلاناً فأنت طالق. فكلّمته بعد بلوغ الصّبي. فلا يقع الطّلاق؛ لأنّ الشّرط قيام
стр. 3478
الأهليّة عند التّعليق، لا عند وجود الشّرط. وعند التّعليق كان الصّبي فاقد الأهليّة.
ومنها: إذا قال البالغ لزوجته: إن دخلت الدّار فأنت طالق. ثم جُنَّ الزّوج، ودخلت المرأة الدّار بعد جنونه طلقت، لاستيفاء الشّرط وهو وجود الأهليّة عند التّعليق.
стр. 3479
القاعدة الأربعون بعد المئة [الوصف]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
لا يعتبر الوصف في المعيَّن، وفي غير المعيَّن معتبر (١).
وفي لفظ: عند التّعريف بالإشارة يسقط اعتبار التّسمية؛ لأنّ الإشارة أبلغ (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق ذكر الثّانية منهما ضمن قواعد حرف العين تحت رقم ٨٢.
ومفاد الأولى: أنّ الشّيء إذا كان معيّناً حاضراً فإن ذكر أوصافه لا اعتبار لها؛ لأنّ حضوره أقوى من ذكر الأوصاف، حتى لو خالف الوصف فإنّ الاعتبار للتّعيين، وأمّا إذا كان الشّيء غائباً عن مجلس العقد فإنّ ذكر الأوصاف ضروري وهو معتبر في الحكم.
حتّى إذا وجد مخالفاً للوصف المذكور فإنّ المشتري بالخيار، وينظر القاعدة رقم ٨٤ من قواعد حرف العين.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أراد أن يشتري سيّارة حاضرة فقال البائع: أبيعك هذه السّيّارة الحمراء - وهي بيضاء - ورضي المشتري فلا خيار له بعد ذلك.
стр. 3480
وأمّا إذا كانت السّيّارة غائبة فقال: أبيعك سيّارتي الحمراء، ثمّ ظهر أنّها بيضاء فالمشتري بالخيار بين إتمام الصّفقة أو رفضها.
стр. 3481
القاعدة الحادية والأربعون بعد المئة [الخط]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
لا يعتمد على الخط ولا يعمل به (١).
وفي لفظ: لا عبرة بالخط عندنا، إلا في مسائل (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
عند أبي حنيفة ﵀ أنّ الخطّ - ويراد به المكتوب في الحجج أو الوصايا والشّروط - أنّه لا يعتدّ به ولا يحتجّ، ولا يجوز العمل بمقتضاه وحده. وحجّتهم في ذلك: أنّ الخطّ يشبه الخطّ، فقد يكون الكتاب مزوّراً.
وأمّا عند تلاميذه وعند الأئمة الآخرين فإنّه يعتبر حجّة، ويعمل به إذا كان الكتاب كتب بالطّريقة المتعارف عليها. وهو الرّاجح إن شاء الله.
ولكن إذا وجدت حجّة أو وصيّة بخطّ واقف أو موصٍ وعليها ختمه وتوقيع الشّهود فهل تردّ هذه أيضاً؟ في الواقع أنّ الحجّة أَو الصّك إذا استوفى شروطه المنصوص عليها في النّظام فإنّه يعتبر ويجب العمل به، وإلا ضاعت حقوق كثيرة، ولهذا استثنى الحنفيّة من عدم
стр. 3482
قبول الخطّ مسائل، ستأتي.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
قالوا: القاضي لا يقضي إلا بالحجّة - أي البيِّنة - فلا يجوز له العمل بمكتوب الوقف الّذي عليه خطوط القضاة الماضين.
ومنها: إذا أحضر المدّعي صكاً وفيه خط المدّعَى عليه بإقراره فإنّه - أي المدّعَى عليه - لا يحلَّف أنّه ما كتب، وإنّما يحلَّف على أصل المال.
ومنها: إذا اشترى حانوتاً أو داراً ثم وجد بعد قبضه أنّه مكتوب على بابه: أنّه وقف على المسجد الفلاني. قالوا: لا يرُدَّه ولا يبطل البيع؛ لأنّ الخطّ علامة لا تبنى عليها الأحكام.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
كتاب أهل الحرب بطلب الأمان، فإنّه يعمل به، ويثبت الأمان لحامله.
ومنها: العمل بما كتب في دفتر السّمسار والصّرّاف والبياع؛ لأنّه لا يكتب في دفتره إلا ماله أو عليه.
стр. 3483
القاعدة الثّانية والأربعون بعد المئة [الظّنّ والعمل به]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يعمل بالظّنّ - عند الشّافعي ﵀ إلا أن يقوم دليل خاصّ على اعتباره، إمّا في جنس الحاكم، أو في نوعه.
وعند مالك ﵀ لا حاجة إلى ذلك؛ إذ يعمل بالظّنّ إلا أن يقوم دليل خاصّ على إلغائه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الظّنّ: هو إدراك الجانب الرّاجح، ويقابله الوهم، وهو إدراك الجانب المرجوح.
ومفاد القاعدة: أنّ العمل بالظّنّ مختلف فيه بين الإمامين الجليلين: مالك بن أنس، محمَّد بن إدريس الشّافعي رحمهما الله تعالى، فإنّ الشّافعي لا يعمل بالظّنّ إلا إذا قام دليل خاصّ على اعتباره؛ إمّا في جنس الحكم وإمّا في نوعه. وأمّا مالك فإنّه يعمل بالظّنّ ما لم يقم دليل خاصّ على إلغائه.
فبناء على ذلك فإنّ الأصل عند الإِمام الشّافعي ﵀ عدم العمل بالظّنّ، إلا إذا قام دليل على الاعتبار.
стр. 3484
وعند الإمام مالك ﵀ الأصل العمل بالظّنّ إلا إذا قام دليل على الإلغاء.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
المصالح المرسلة معتبرة عند مالك ﵀، وغير معتبرة عند الشّافعي ﵀.
ومنها: الصّغر: هو وصف وعلّة في ثبوت ولاية النّكاح وولاية المال، والمعتبر هنا جنس الولاية وهذا باتّفاق.
ومنها: لمس الذّكر في نقض الوضوء ثبت اعتباره بنصّ الحديث. وهذا ممّا اعتبر فيه الظّنّ في نوع الحكم.
стр. 3485
القاعدة الثّالثة والأربعون بعد المئة [عمل القاضي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يعمل القاضي في سجل مَن قبله برأيه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تمثّل مبدأً من مبادئ العدالة، ونظاماً من نظم القضاء. حيث أفادت أنّ القاضي - أيّ قاضٍ كان - لا يجوز له أن يتصرّف في سجلات القضاة السّابقين له ويعمل فيها برأيه - حتى وإن كان ما فيها مخالفاً لرأيه، متى وافق فصلاً مجتهداً فيه - وذلك استخفافاً بقضائهم، أو مهملاً لما توصّلوا إليه من الأحكام في القضايا الّتي عرضت عليهم - وكلّ ذلك إذا لم تكن تلك الأحكام قد نُفِّذت - وإنّما عليه أن يسعى في تنفيذ ما توصّلوا إليه. إن لم يكن قد نُفِّذ؛ لأنّ ما في السّجل حُكم، وكذلك إذا رُفع إليه حكم حاكم يجب عليه إمضاؤه متى وافق فصلاً مجتهداً فيه، وهذا بخلاف كتاب القاضي إلى قاضٍ آخر، فإنّه يعمل فيه برأيه إذا كان مخالفاً، ولا يُنَفَّذ كتاب القاضي المرسِل إذا كان على خلاف رأيه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
لو أن رجلاً جاء إلى قاضٍ وقال: إنّ لفلان بن فلان الغائب عليَّ
стр. 3486
كذا من المال، وإنّي قد قضيته، وهو الآن في بلدة كذا، وأنا أريد الذّهاب إلى تلك البلدة، وأخاف أن يأخذني الطّالب بالمال ثمّ يجحد الإيفاء، فاسمع من شهودي ها هنا، واكتب لي حجّة، حتّى لو خاصمني يكون حجّة لي. فإنّ القاضي يسمع بيّنته، ويجعل على الغائب خصماً. وليس لقاضٍ في البلد الآخر أن يحكم بخلاف حكم الأوّل.
ومنها: إذا ادّعت المرأة أنّ زوجها الغائب قد طلّقها، وطلبت من القاضي سماع شهودها على الطّلاق، فإنّ القاضي يسمع بيّنتها، ويجعل عن زوجها الغائب خصماً، فلو ذهبت إلى البلدة التي فيها زوجها الغائب، وادّعى عدم تطليقها, لا تقبل دعواه بعد حكم القاضي الأوّل.
ومنها: لو أن قاضياً قضى بجواز بيع المُدَبَّر، ونفذ قضاؤه، حتى لو رفع إلى قاض آخر يرى خلاف ذلك لا يكون للثّاني أن يبطل حكم الأوّل.
стр. 3487
القاعدتان الرّابعة والخامسة والأربعون بعد المئة [تكفير المسلمين أهلِ القبلة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
لا يفتى بكفر مسلم مهما أمكن حمل كلامه على محمل حسن، أو كان في كفره اختلاف (١).
وفي لفظ: لا يكفر أحد من أهل القبلة (٢). من قول الشّافعي ﵁.
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هاتان القاعدتان متّفق على مضمونهما، فإنّ المسلم محقون الدّم مصان العرض، فإذا كان يحرم قتله بغير موجب، ويحرم قذفه بغير دليل، فأولى أن لا يفتى بكفره بغير دليل واضح وصريح، من قول أو فعل؛ لأنّه كما قالوا: "لا يُخْرِجُ الرّجل من الإيمان إلا جحود ما أدخله فيه"، ثمّ ما تُيُقّن أنّه رِدَّة يحكم بها. وأمّا ما يشكّ أنّه ردّه فلا يحكم بها، إذ الإسلام الثّابت لا يزول بالشّكّ، مع أنّ الإسلام يعلو.
وقالوا: إذا كان في المسألة وجوه توجب التّكفير ووجه واحد يمنعه، فعلى المفتي أن يحيل إلى الوجه الّذي يمنع التّكفير، تحسيناً
стр. 3488
للظّنّ بالمسلم. إلا إذا صرَّح بإرادة موجب الكفر، فلا ينفعه التّأويل (١).
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
مَن ظنّ عَدَم حرمة شيء وارتكبه، فلا يكفر. بخلاف ما لو اعتقد الحرام حلالاً، أو أنكر حرمة ما ثبت من الدّين بالضّرورة كحرمة الزّنا.
ومنها: مَن سجد لصنم - أو وضع مصحفاً في قاذورة فإنّه يكفر، وإن كان مصدّقاً؛ لأنّ فعله ذلك قائم مقام التّكذيب.
ومنها: من تكلّم بكلمة الكفر هازلاً أو لاعباً أو عالماً عامداً كَفَر عند الكلّ، ولا اعتبار باعتقاده. ولكن مَن تكلّم بها مخطئاً أو مكرهاً لا يكفر عند الكلّ.
стр. 3489
القاعدة السّادسة والأربعون بعد المئة [الموهوم والمعلوم]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
لا يقابِل الموهومُ المعلومَ (١).
وفي لفظ: لا يبنى الحاكم على الموهوم (٢).
وفي لفظ: لا يترك المعلوم بالموهوم (٣).
وفي لفظ سبق: لا عبرة بالتّوهم (٤). تحت رقم ٣٦
وفي لفظ: بالموهوم لا تثبت القدرة (٥).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
لا عبرة: لا اعتبار ولا اعتداد.
الموهوم: اسم مفعول من الوهم، والوهم والتّوهّم: التّخيّل والتّمثيل في الذّهن، وهو أدنى درجة من الظّنّ أو الشّكّ. والمراد به: تخيّل غير الواقع، أي الاحتمال العقلي البعيد النّادر الحصول.
فإن كان الظّن الخاطئ لا اعتداد به، فبالأولى أن لا يعتدّ
стр. 3490
بالتّوهّم، ولا يبنى عليه حكم، ولا يمنع القضاء، ولا يؤخّر الحقوق؛ لأنّه غير مستند إلى دليل عقلي أو حسّي.
فمفاد القواعد: أنّه لا يثبت حكم شرعي استناداً إلى وهم، كما أنّه لا تعارض بين المعلوم والموهوم؛ لأنّ الموهوم ضعيف جدّاً أمام المعلوم القوي. كما أنّه لا يجوز تأخير الشّيء الثّابت بصورة قطعيّة بوهم طارئ.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا اشتبهت القبلة على إنسان فصلى إلى جهة بدون تحرّ ولا اجتهاد. لا تصحّ صلاته؛ لابتنائها على مجرّد الوهم. بخلاف ما لو تحرّى واجتهد مع غلبة الظّنّ، فصلاته صحيحة وإن تبيّن بعد ذلك أنّه أخطأ جهة القبلة.
ومنها: إذا كان لدار شفيعان أحدهما غائب، فللحاضر أن يأخذ كلّ الدّار بالشّفعة؛ لأنّ سبب ثبوت الحقّ على الكمال وُجد في حقّه، وقد تأكّد بالطّلب، ولم يعرف تأكّد حقّ الغائب, لأنّه يحتمل أَن يطلب وأن لا يطلب أو يُعرِض، فلم يقع التّعارض والتّزاحم، فلا يمنع الحاضر من استيفاء حقّه الثّابت بحقّ محتمل، ولا عبرة بالتّوهّم.
ومنها: إذا جاء ورثة الميّت أمام القاضي، وأقاموا البيِّنة أنّهم ورثته، وطالبوا بتقسيم التّركة، فإنّ القاضي يجب عليه ذلك، ولا يؤخّر لاحتمال أن يظهر وارث آخر، أو غريم للميّت.
стр. 3491
القاعدة السّابعة والأربعون بعد المئة [القياس على المخصوص]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يقاس على المخصوص من القياس؛ لأنّ قياس الأصل يعارضه (١). أصوليّة فقهيّة
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المخصوص من القياس: هو المستثنى من القواعد العامّة.
فمفادها: أنّ ما كان مستثنى من قاعدة عامّة لا يقاس عليه غيره إلا إذا كان في معناه من كلّ وجه - لأنّ القاعدة العامّة تعارض هذا القياس.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا تنازع اثنان دابّة - وهي بيد أحدهما - وأقام كلّ منهما البيّنة أنّ الدّابة دابّته، وأقام ذو اليد - أي مَن كانت الدّابّة عنده وتحت تصرّفه - البيِّنة أنّ الدّابة قد نتجت - أو ولدت - عنده. فالمعتبر بيّنته، وهو قضاء رسول الله ﷺ : فهذا مخصوص من القاعدة العامّة وهي إنّ البيّنة بيّنة الخارج عند التّنازع. فهذه القضية المخصوصة يمكن أن يقاس عليها كلّ ما كان مثلها ممّا لا يحصل إلا مرّة واحدة أي لا يتكرّر كالنّتاج. وأمّا ما يمكن أن يتكرّر فلا يقاس على
стр. 3492
النّتاج، فيحكم فيه بأصل القياس أي بالقاعدة العامّة وهي تقديم بيّنة الخارج على بيّنة ذي اليد.
ومنها: إذا تنازع اثنان داراً - وأحدهما ساكن فيها - وأقام كلّ منهما البيِّنة، فإن ذكر كلّ منهما تاريخاً كانت الدّار لصاحب التّاريخ المتأخّر، وإن لم يذكرا تاريخاً فهي بينهما نصفان.
ومنها: العرايا ثبتت رخصة في الرّطب والتّمر. فهل يقاس عليها الزّبيب والعنب؟ خلاف. لأنّ القاعدة هي قاعدة الرّبا. والرّطب والتّمر جنس واحد ولكن الرّسول ﷺ رخّص في العرايا وأباحها. فهي مخصوصة من القاعدة العامّة.
стр. 3493
القاعدة الثّامنة والأربعون بعد المئة [قياس المنصوص]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يقاس المنْصوص علي المنصوص (١). أصوليّة فقهيّة
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا ورد نصّان في أمرين مختلفين بينهما نوع تشابه، وذكر حكم أحدهما ولم يذكر حكم الآخر فهل يقاس أحدهما على الآخر فيعطى المسكوت عن حكمه حكم المنطوق به؟.
مفاد القاعدة: أنّه لا يقاس أحدهما على الآخر، بل يعمل بكلّ نصّ في محلّه ودلالته.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
المحصر إذا لم يقدر على الهدي - قيل: يتحلّل بغير شيء. وهو قول أهل المدينة. وقال عطاء: يتحلّل بصيام عشرة أيّام. قياساً على عدم القدرة على هدي التّمتع.
لكن عند الحنفيّة: أنّه لا يتحلّل إلا بالهدي؛ لأنّ حكم المحصر منصوص عليه في القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا
стр. 3494
اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١) فهو التّحلّل بالهدي خاصّة. وسكتت الآية عن حكم غير الواجد فليس له حكم غيره لكن هدي التّمتّع منصوص عليه، وفيه الصّوم إذا لم يجد الهدي. فلا يقاس المنصوص على المنصوص.
стр. 3495
القاعدة التّاسعة والأربعون بعد المئة [رجوع المقرّ]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
لا يقبل رجوح المقرّ عن إقراره. إلا فيما كان حدّاً لله يدرأ بالشّبهات ويحتاط لإسقاطه (١).
وفي لفظ: كلّ مَن أقرّ بشيء ثمّ رجع لم يقبل إلا في حدود الله تعالى (٢). وينظر القاعدة ١٠٨ من قواعد حرف الهمزة.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق معنى الإقرار، وسبق أيضاً مثل لهذه القاعدة في قواعد حرف الهمزة تحت الأرقام ٥٤٥، ٥٥٢، ٥٥٤، وفي قواعد حرف الرّاء تحت الرّقم ٦.
فالمُقِرُّ بحقّ عليه لغيره، لا يقبل منه رجوعه عن إقراره؛ لأنّ في ذلك ضياع حقّ المُقرِّ له. ولكن إذا كان الحقّ المُقَرُّ به حقّاً لله يدرأ ويدفع بالشّبهة فإنّ للمُقِرّ الحقّ في الرّجوع عن إقراره ذلك؛ لأنّ رجوعه عن إقراره تكذيب لنفسه فيعتبر شبهة يدرأ الحدّ بسببها.
стр. 3496
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
أقرّ أنّ لفلان عنده ألف دينار، ثمّ أنكر إقراره، أو رجع عنه، أو استثنى الكلّ بأن قال: لفلان عندي ألف دينار إلا ألف دينار، فلا يقبل منه وعليه الألف الدّينار. فلا يقبل منه إنكار أو استثناء.
ومنها: إذا أقرّ إمام الحاكم أنّه زنى فأمر الحاكم بإقامة الحدّ عليه، وعندما أحسّ بألم الضّرب هرب، أو قال: ردّوني للحاكم. فردّوه فأنكر أنّه زنى. فيترك ولا يقام عليه الحدّ بدليل قصّة ماعز ﵁ (١). لكن إذا ثبت الحدّ بالبيِّنة - أي الشّهود - فلا يقبل إنكاره أو رجوعه.
стр. 3497
القاعدة الخمسون بعد المئة [التّزاحم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يقدّم أحد في التّزاحم على الحقوق إلا بمرجِّح (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التّزاحم: تفاعل من زَحَم بمعنى دفع. فالتّزاحم: التّدافع، ولا يكون ذلك إلا في مضيق. يقال: تزاحم القوم: إذا تضايقوا في المجالس (٢).
فمفاد القاعدة: أنّه إذا اجتمع أصحاب حقوق وضاقت الحقوق عنهم، فإنّ تقديم بعضهم على بعض لا يكون إلا بسبب يرجّح المُقَدَّم على غيره. ولا يجوز تقديم أحد منهم بدون مرجّح.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ازدحموا في الدّعوى فإنّ القاضي لا يقدّم أحداً منهم إلا بمرجّح؛ كأن يكون بينهم مريض لا يصبر على الانتظار، أو غريب يريد الرّجوع إلى أهله. أو أوّلهم حضوراً.
ومنها: إذا تزاحموا على مجالس الإفتاء أو الدّرس يقدّم أوّلهم حضوراً، فإن استووا في المجيء أقرع بينهم.
стр. 3498
ومنها: إذا ازدحمت الدّيون على التّركة يقدّم الدّين المقَرُّ به في الصّحّة، وما كان معلوم السّبب، على الدّين المُقَرِّ به في المرض، أو المجهول السّبب.
ومنها: في باب الإمامة يقدّم الأعلم، ثم الأقرأ، ثم الأورع.
стр. 3499
القاعدة الحادية والخمسون بعد المئة [النّكول عند الشّافعيّة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يقضى بالنّكول. واستثني من ذلك مسائل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
النّكول: هو امتناع المدَّعَى عليه عن أداء اليمين بعد توجهها عليه.
من نَكَل: إذا جَبُن وتأخّر وامتنع.
فعند الشّافعيّة: أنّه لا يقضى على المدّعَى عليه إذا امتنع عن أداء اليمين. وإنّما تردّ اليمين على المدّعِي. وأمّا عند الحنفيّة والحنابلة فيقضى بالنّكول. ويقضى على النّاكل بالمدَّعى به (٢). وعند المالكيّة يقضى على النّاكل إذا كان للمدّعِي شاهد واحد عدل. وإلا حُلِّف المدَّعِي مع الشّاهد الواحد العدل (٣).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ادّعى على آخر ديناً، وبيَّن مقداره، ولم يأت بشاهدين، أو جاء
стр. 3500
بشاهد واحد، فتوجّه اليمين على المدَّعَى عليه، فإن حلف سقطت الدَّعوى، وإن نكل عن اليمين ونَبَّهَهُ القاضي أنّه إذا أصرّ على الامتناع وعدم الحلف أنّه يحكم عليه، فإن أبى الحلف حكم عليه، عند الأئمة الثّلاثة أبي حنيفة ومالك وأحمد رحمهم الله تعالى. وأمّا عند الشّافعي ﵀ فلا يحكم عليه بالنّكول، وإنّما يردّ اليمين على المدَّعِي قولاً واحداً.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة وحكم بالنّكول عند الشّافعيّة:
إذا ادّعى ربّ المال أنّه لا زكاة عليه، ونكل عن اليمين، لزمته الزّكاة.
ومنها: إذا أُسِر صبي - ووجد قد أنبت - أي شعر عانته قد ظهر - وادّعى استعجال الإنبات بالدّواء - لأنّ الإنبات علامه البلوغ - فيُحَلَّف - أي أنّه استعجل الإنبات بالدّواء - فإن نكل عن اليمين جاز قتله.
ومنها: إذا أسلم الذّمّي وادّعى أنّ إسلامه قبل السَّنة فلا يجب عليه الجزية، فيُحلَّف أنّه أسلم قبل السَّنَة. فإن نكل عن اليمين أخذت منه الجزية.
стр. 3501
القاعدة الثّانية والخمسون بعد المئة [التّعارض بين الضّعيف والقوي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يقع التّعارض بين الضّعيف من السّبب وبين القوي (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق لهذه القاعدة أمثال، ينظر قواعد حرف الضّاد تحت رقم ١٢، وقواعد حرف - لا - تحت رقم ١٣٦.
قد سبق بيان أنّه لا تعارض بين الضّعيف والقوي. لأنّ الضّعيف أمام القوي لا يعتدّ به ولا يعتبر، فلا يمكنه مقاومة القوي.
стр. 3502
القاعدة الثّالثة والخمسون بعد المئة [الأكثر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يقوم الأكثر مقام الكلّ، أو الكمال. عند الشّافعي ﵀ (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق ضمن قواعد حرف الهمزة واللام أنّ الأكثر يقوم مقام الكلّ، وأنّ للأكثر حكم الكمال، عند الحنفيّة والحنابلة.
ينظر قواعد حرف الهمزة الأرقام ٥٧٥ - ٥٧٨. وقواعد حرف اللام تحت الرّقم ٤ ولكن عند الشّافعي رحمه الله تعالى أنّه يرى أنّ الأكثر لا يقوم مقام الكلّ وينكر ذلك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
عند الحنفيّة أنّ أكثر أشواط الطّواف بمنزلة الكلّ في حكم التّحلّل به عن الإحرام، وذلك عند طواف الإفاضة أو طواف العمرة. ولكن عليه دم للإخلال بالواجب وهو الطّواف سبعة أشواط كاملة. وأمّا عند الشّافعي رحمه الله تعالى وأحمد ومالك رحمهم الله تعالى: أنّه لا يجزئه إلا طواف سبعة أشواط كاملة، لأنّ الشّافعي كما هو أصله الّذي ذكرنا.
стр. 3503
لا يقوم الأكثر مقام الكلّ. لأنّ من أصل الشّافعي اعتبار الطّواف بالصّلاة في العدد والطّهارة، فكما أنّ أكثر عدد الرّكعات في الصّلاة لا يقوم مقام الكامل فكذلك أشواط الطّواف, لأنّ تقدير أشواط الطّواف بسبعة أشواط ثابت بالنّصوص المتواترة فكان كالمنصوص عليه في القرآن، وما يقدر شرعاً بقدر لا يكون لما دون ذلك القدر حكم كما في الحدود وغيرها.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
قال الشّافعي ﵀: كمال الذّكاة بأربع الحلقوم والمريء والودجين. وأقلّ ما يكفي من الذّكاة اثنان الحلقوم والمريء (١). فهو قد أباح الذّبيحة بدون قطع الودجين، فأقام الأكثر مقام الكلّ. ولكن لو قطع الحلقوم وحده والمريء وحده مع الودجين لا تحلّ الذّبيحة. فليس للأكثر هنا حكم الكلّ.
стр. 3504
القاعدة الرّابعة والخمسون بعد المئة [اليقين - الاختلاف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يقين في موضع الاختلاف (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
اليقين لغة: من يَقِن الماء في الحوض إذا استقرّ ودام وثبت (٢).
واليقين في الاصطلاح: هو العلم القطعي الحاصل عن نظر واستدلال. وهو الاعتقاد الجازم الثّابت المطابق للواقع (٣).
فمفاد القاعدة: أنّ اليقين هو الاعتقاد الجازم والعلم القطعي، وما كان كذلك فلا يجوز أن يطرأ عليه خلاف، أو يقع فيه الخلاف، فإذاً الموقع الذي يقع فيه الاختلاف لا يجوز أن يكون يقيناً؛ لأنّ اليقين والخلاف والاختلاف متنافيان.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
فرضيّة الصّلاة مقطوع بها يقيناً فلا يقع فيها اختلاف ولا خلاف بين المسلمين علماء وعامّة.
لكن نقض الوضوء من مسّ المرأة أو لمسها ليس يقيناً؛ لموضع
стр. 3505
الاختلاف فيه. حيث قال بعض العلماء بأنّ المسّ ناقض. وقال آخرون: بأنّه غير ناقض.
ومنها: الحكم ببلوغ الصّبي مختلف فيه. والصّغر صفة معلومة في الصّغير بيقين. فلا تزول إلا بيقين مثله - عند أبي حنيفة - ولذلك لا يحكم ببلوغ الصّغير إذا لم تظهر عليه علامات البلوغ الحقيقيّة، إلا إذا بلغ ثماني عشرة سنة.