القاعدة الثّانية والخمسون بعد المئة [التّعارض بين الضّعيف والقوي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يقع التّعارض بين الضّعيف من السّبب وبين القوي (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق لهذه القاعدة أمثال، ينظر قواعد حرف الضّاد تحت رقم ١٢، وقواعد حرف - لا - تحت رقم ١٣٦.
قد سبق بيان أنّه لا تعارض بين الضّعيف والقوي. لأنّ الضّعيف أمام القوي لا يعتدّ به ولا يعتبر، فلا يمكنه مقاومة القوي.
стр. 3502
القاعدة الثّالثة والخمسون بعد المئة [الأكثر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يقوم الأكثر مقام الكلّ، أو الكمال. عند الشّافعي ﵀ (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق ضمن قواعد حرف الهمزة واللام أنّ الأكثر يقوم مقام الكلّ، وأنّ للأكثر حكم الكمال، عند الحنفيّة والحنابلة.
ينظر قواعد حرف الهمزة الأرقام ٥٧٥ - ٥٧٨. وقواعد حرف اللام تحت الرّقم ٤ ولكن عند الشّافعي رحمه الله تعالى أنّه يرى أنّ الأكثر لا يقوم مقام الكلّ وينكر ذلك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
عند الحنفيّة أنّ أكثر أشواط الطّواف بمنزلة الكلّ في حكم التّحلّل به عن الإحرام، وذلك عند طواف الإفاضة أو طواف العمرة. ولكن عليه دم للإخلال بالواجب وهو الطّواف سبعة أشواط كاملة. وأمّا عند الشّافعي رحمه الله تعالى وأحمد ومالك رحمهم الله تعالى: أنّه لا يجزئه إلا طواف سبعة أشواط كاملة، لأنّ الشّافعي كما هو أصله الّذي ذكرنا.
стр. 3503
لا يقوم الأكثر مقام الكلّ. لأنّ من أصل الشّافعي اعتبار الطّواف بالصّلاة في العدد والطّهارة، فكما أنّ أكثر عدد الرّكعات في الصّلاة لا يقوم مقام الكامل فكذلك أشواط الطّواف, لأنّ تقدير أشواط الطّواف بسبعة أشواط ثابت بالنّصوص المتواترة فكان كالمنصوص عليه في القرآن، وما يقدر شرعاً بقدر لا يكون لما دون ذلك القدر حكم كما في الحدود وغيرها.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
قال الشّافعي ﵀: كمال الذّكاة بأربع الحلقوم والمريء والودجين. وأقلّ ما يكفي من الذّكاة اثنان الحلقوم والمريء (١). فهو قد أباح الذّبيحة بدون قطع الودجين، فأقام الأكثر مقام الكلّ. ولكن لو قطع الحلقوم وحده والمريء وحده مع الودجين لا تحلّ الذّبيحة. فليس للأكثر هنا حكم الكلّ.
стр. 3504
القاعدة الرّابعة والخمسون بعد المئة [اليقين - الاختلاف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يقين في موضع الاختلاف (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
اليقين لغة: من يَقِن الماء في الحوض إذا استقرّ ودام وثبت (٢).
واليقين في الاصطلاح: هو العلم القطعي الحاصل عن نظر واستدلال. وهو الاعتقاد الجازم الثّابت المطابق للواقع (٣).
فمفاد القاعدة: أنّ اليقين هو الاعتقاد الجازم والعلم القطعي، وما كان كذلك فلا يجوز أن يطرأ عليه خلاف، أو يقع فيه الخلاف، فإذاً الموقع الذي يقع فيه الاختلاف لا يجوز أن يكون يقيناً؛ لأنّ اليقين والخلاف والاختلاف متنافيان.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
فرضيّة الصّلاة مقطوع بها يقيناً فلا يقع فيها اختلاف ولا خلاف بين المسلمين علماء وعامّة.
لكن نقض الوضوء من مسّ المرأة أو لمسها ليس يقيناً؛ لموضع
стр. 3505
الاختلاف فيه. حيث قال بعض العلماء بأنّ المسّ ناقض. وقال آخرون: بأنّه غير ناقض.
ومنها: الحكم ببلوغ الصّبي مختلف فيه. والصّغر صفة معلومة في الصّغير بيقين. فلا تزول إلا بيقين مثله - عند أبي حنيفة - ولذلك لا يحكم ببلوغ الصّغير إذا لم تظهر عليه علامات البلوغ الحقيقيّة، إلا إذا بلغ ثماني عشرة سنة.
стр. 3506
القاعدة الخامسة والخمسُونَ بعد المئة [ضمان الممتنع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يلزم ضمان ما لا يستطاع الامتناع منه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
ضمان ما يتلفه الإنسان باختياره أو خطئه واجب إذا كان يستطيع المتلف الامتناع على الإتلاف بأخذه الاحتياطات اللازمة فقصّر فيها.
لكن ما لا يمكن التّحرّز عنه، وما ليس في وسع الإنسان الامتناع منه، فهو غير ضامن له ولا إثم عليه في وقوعه.
فالماشي في الطّريق مستعمل حقّه؛ لأنّ السّير في الطّريق مباح، وهو محتاج إلى ركوب الدّابّة أو السّيّارة؛ لأن قضاء المصالح بدونهما متعذّر أو شبه متعذّر، ولكن ذلك مشروط بسلامة غيره, لأنّ حقّه في السّير في الطّريق بدون ضرر يصيب الآخرين، ولأنّ دفع الضّرر عن غيره واجب عليه. فيقيّد بالسّلامة. ولكن ما ليس في وسعه الامتناع منه لا يكون ضامناً له.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كان راكباً دابّة فنفحت - أي رَفَست - برجلها أو بذنبها، فلا ضمان على الرّاكب؛ لأنّ وجه الرّاكب أمام الدّابة لا خلفها. والرّاكب
стр. 3507
ليس في وسعه التّحرّز عن ذلك.
ومنها: إذا كان راكباً سيّارة فضربت بعجلها وهي تسير حصاة في الطّريق أو نواة فأصابت إنساناً ففقأت عينه، فلا ضمان على سائق السّيّارة؛ لأنّ هذا لا يمكن التّحرّز منه.
ومنها: إذا كانت سيّارة محمّلة ببضائع أو أمتعة أو آلات فسقط منها وهي سائرة شيء فضرّ إنساناً أو حيواناً أو سقط على سيّارة وراءه أو بجانبه، فالسّائق ضامن؛ لأنّه لم يحسن ربط الأمتعة أو البضائع أو الآلات على السّيّارة، وهذا ممّا يمكن التّحرّز منه.
ومنها: حفر حفرة في الطّريق بالإذن وأخذ الاحتياطات اللازمة التي تنبه السّائرين في الطّريق من الإشارات والأنوار، ومع ذلك سقطت فيها سيّارة بخطأ قائدها، فلا ضمان على الحافر.
стр. 3508
القاعدة السّادسة والخمسون بعد المئة [الطّهارة - النّجاسة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يمكن الحكم بالطّهارة مع بقاء السّبب الموجب للنّجاسة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
شرط تمام الطّهارة عدم وجود المنافي.
فلا يمكن الحكم بطهارة الإنسان غسلاً أو وضوءاً، ولا بطهارة الثّوب أو الأرض ما دام سبب النجاسة باقياً وموجوداً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
لا يحكم بطهارة المغتسل إذا اغتسل وهو مجامع زوجته، أو ما زال منيُّه يقطر.
ومنها: لا يحكم بصحّة وضوء إنسان وطهارته وهو قائم يبول.
ومنها: لا يحكم بطهارة الماء أو السّمن الّذي وقعت فيه فأرة أو حيوان ما دامت الميتة موجودة ولو نزحت البئر كلّها مع وجودها، إذ يجب أوّلاً رفع الميتة، فإن كان الماء كثيراً نزح منه بقدر ما يغلب على الظّنّ الطّهارة.
стр. 3509
والسّمن إن كان جامداً رفعت الفأرة وما حولها. وإن كان ذائباً سائلا أُريق.
ومنها: إذا اغتسلت الحائض قبل انقطاع الدّم لا يحكم بطهارتها فلا تجوز صلاتها ولا صيامها, ولا يطأها زوجها قبل انقطاع الدّم.
стр. 3510
القاعدتان السّابعة والثّامنة والخمسون بعد المئة [القضاء بالحكم والسّبب]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
لا يمكن القضاء بالحكم إلا بعد القضاء بالسّبب (١).
وفي المقابل: لا ينتفي حكم الفعل إذا تقرّر سببه (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
كلّ تصرف يبنى عليه حكم يكون سبباً لذلك الحكم. فإذا ثبت السّبب وتقرر فالقضاء بالحكم لازم ولا يجوز انتفاؤه؛ لأنّه مبني على سببه، فإذا تقرّر السّبب وقضى به وجب القضاء بالحكم، وينظر القاعدتان ٦٤٢، ٦٤٣ من قواعد حرف الهمزة، ولذلك لا يجوز للقاضي أن يصدر حكماً في قضيّة ما إلا بعد قضائه بسبب ذلك الحكم، لأنّ السّبب إذا لم يعتدّ به ولم يعتبر لا يبنى عليه حكم، وبالمقابل فإنّ السّبب إذا تقرّر لا يجوز انتفاء حكم الفعل المبني على سببه.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا شهد شاهدان على أنّ هذا قطع يد هذا من المفصل عمداً، وشهد شاهدان آخران على أنّه قطع رِجْله عمداً، وشهدوا جميعاً أنّ
стр. 3511
الجريح لم يزل صاحب فراش حتى مات، وزُكِّي أحد شاهدي اليد وأحد شاهدي الرِّجل. لم يؤخذ القاطع بشيء؛ لأنّ واحداً من الفعلين لم يثبت عند القاضي؛ لأنّ العدل من الشّهود بكلّ فعل واحد. وشرط الإثبات عند القاضي عدالة الشّاهدين على كلّ فعل. فلمّا لم يثبت ذلك تعذّر القضاء بالحكم لتعذّر القضاء بالسّبب.
لكن لو زُكي شاهدا اليد أو الرِّجل وشهدا أنّ الجريح ما زال صاحب فراش حتى مات، والولي يدّعي العمد، لثبت السّبب عند القاضي ووجب الحكم والقضاء به على القاطع بالقصاص، ولا يجوز نفي الحكم بعد تقرّر سببه.
ومنها: إذا ادّعى شخص على آخر مالاً أنّه أقرضه إيّاه، وأقام شاهدين مقبولي الشّهادة فإنّ القاضي يحكم بالمال بناء على قضائه بالسّبب الثّابت بشهادة الشّاهدين. ولا يجوز له نفي حكم الفعل بعد تقرّر السّبب.
ومنها: إذا حلق شخص رأس محرم وهو نائم أو مكرَه - فعند الحنفيّة - يجب على المحلوقة رأسه الفدية وهي الدّم؛ لأنّ النّوم أو الإكراه لا يخرج المكرَه من أنّ يكون مؤاخذاً بحكم الفعل، ولكن ينتفي عنه الإثم، ولكن لا ينتفي حكم الفعل إذا تقرّر سببه.
والسّبب هنا: ما نال المحرم من الرّاحة والزّينة بحلق رأسه. وأمّا عند الشّافعي ﵀ فلا شيء عليه؛ لأنّ الإكراه عنده يخرج المكرَه أن يكون مؤاخذاً بحكم الفعل وكذلك النّائم.
стр. 3512
القاعدتان التّاسعة والخمسون والسّتّون بعد المئة [تمليك الغير]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
لا يملك أحد إثبات ملك لغيره بلا اختياره وقبوله، إلا الإرث (١).
وفي لفظ: لا يملك أحد أن يدخل شيئاً في ملك غيره بغير رضاه (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
كما لا يجوز امتلاك شيء مملوك للغير بغير إذن صاحبه، فكذلك لا يجوز أن يُدخل أو يثبت أحد شيئاً في ملك غيره بغير اختياره ورضاه. ينظر القاعدة رقم ١٠٠. وللتمليك أسباب لا بدّ من وجود أحدها ليصحّ تمليك الغير ما لم يكن يملكه، منها: المعاوضات الماليّة، والمهور، ومال الخلع، والميراث، والهبات والصّدقات والوصايا، والوقوف، والغنائم، والاستيلاء على المباح، والإحياء، وبغير ذلك لا يصحّ التّملّك الشّرعي والتّمليك.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا تصدّق على آخر بصدقة، فلا يتمّ قبولها إلا بقبول من
стр. 3513
المتصدَّق عليه وقبضه لها فعلاً أو حكماً.
ومنها: إذا كفَّر غير المظاهر عنه بغير أمره لا يجزيه.
ومنها: إذا قال: بعتك هذه الدّار بكذا فخذها وتملّكها. فلا تدخل في ملك المشتري إلا بإظهار القبول ودفع الثّمن، ولا يملكها بمجرّد إيجاب البائع ولو سلّمه مفاتيحها أو أخلاها له.
ومنها: إذا قال: إذا تزوجتك فهذه الحديقة هي مهرك. فلا تكون الحديقة ملكاً للمرأة المخاطَبة إلا إذا تمّ عقد النّكاح بالتّراضي.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هاتين القاعدتين:
الإرث يدخل في ملك الوارث بغير اختياره أو رضاه؛ لأنّ الإِرث خلافه، فلا يحتاج للقبول والاختيار، بل يثبت جبراً من الشّارع.
ومنها: الوصيّة للجنين لا تحتاج إلى قبول.
ومنها: غلّة الوقف يملكها الموقوف عليه، وإن لم يقبل.
ومنها: البيع المشروط فيه الخيار للبائع أو المشتري - إذا مات مَن له الخيار - دخل المبيع في ملكه بغير قبول.
ومنها: الوصيّة لا تدخل في ملك الموصَى له إلا بعد قبوله لها بعد وفاة الموصِي. لكن إن مات الموصِي والموصَى له قبل قبول الوصيّة دخلت في ملكه ويأخذها ورثته (١).
стр. 3514
القاعدة الحادية والسّتّون بعد المئة [التّصرّف في الملك]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يمنع الرّجل من التصرف في ملكه إذا لم يضرّ بغيره ضرراً بيِّناً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الملك: معناه القدرة على التّصرف، فالمالك له الحقّ في التّصرف بما يملكه كيف يشاء، ولو أضرّ ذلك بغيره، ما لم يتعمّد الضّرر.
ولكن هذه القاعدة تقيّد تصرّف المالك في ملكه بقيد عدم حصول الضّرر الفادح بغيره، أمّا إذا كان يتصرّف في ملكه بما يضرّ غيره ضرراً بيِّناً واضحاً فإنّه يمنع من ذلك التّصرّف. لأنّ تصرّفه مقيّد بقيد السّلامة وهذا عند أبي حنيفة ﵀ وعليه الفتوى والعمل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أراد صاحب الدّار أن يبني في داره اصطبلاً، أو حماماً عامّاً، أو تنوراً، يمنع من ذلك؛ لثبوت الضّرر على الجيران.
ومنها: إذا أراد أن يجعل في داره مصنعاً أو ورشة فإنّه يمنع من ذلك لما فيه من الإيذاء الواضح والضّرر البيِّن على الآخرين.
стр. 3515
وعلى ذلك أنظمة المدن الحديثة.
ومنها: إذا كان لرجل عُلُوُّ بيت ولآخر سفله فليس لصاحب العلو أن يبني في علوه بناء أو يتدّ وتداً إلا برضاء صاحب السّفل. إذا أضرّ ذلك بصاحب السّفل.
كما ليس لصاحب السّفل أن يهدم جداراً أو بناء في سفله إلا برضاء صاحب العلو؛ لأنّ ذلك قد يوهي البناء فيضرّ بصاحب العلو.
стр. 3516
القاعدة الثّانية والسّتّون بعد المئة [الضّرر ممنوع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا ينبغي لأحد أن يحدث شيئاً في طريق المسلمين ممّا يضرّهم، ولا يجوز للإمام أن يقطع شيئاً ممّا فيه الضّرر عليهم ولا يسعه ذلك (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة ذات شقّين أو جانبين: أحدهما: يتعلّق بعامّة المسلمين ومفاده أنّه لا يجوز لأي شخص كان أن يحدث أو ينشئ في طريق المسلمين ما يضرّهم ويضيّق عليهم الطّريق؛ لأنّ الطّريق العام ملك لعامّة المسلمين.
والجانب الثّاني: يتعلّق بالإمام أو ولي الأمر، فإنّ سلطة الإمام أو الملك أو الرّئيس سلطة مقيّدة بمصلحة مجموع الأمّة، ولذلك فلا يجوز لهذا الإمام أو الملك أو الرّئيس أو الوالي أن يقطع أرضاً أو موقعاً لشخص من الأشخاص أو جهة من الجهات إذا كان في هذا الإقطاع ضرر لعامّة المسلمين.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حفر أحدهم حفرة أمام بيته ليجتمع فيها الماء - وكان ذلك
стр. 3517
يضرّ بمن يمرّ في هذا الطّريق أو الشّارع، أو يسبّب ضرراً عامّاً بسبب اجتماع الماء فإنّه يؤمر بردمها وإزالتها.
ومنها: لا يجوز لأحد أن يوقف سيّارته في الشّارع بحيث يضيق الطّريق أو يمنع عبور الشّارع على السّيّارات الأخرى.
ومنها: لا يجوز لولي الأمر أن يقطع لأحد الأشخاص أرضاً هي مرعى لدوابّ المسلمين, لأن هذا يضرّهم.
стр. 3518
القاعدة الثّالثة والسّتّون بعد المئة [الحدّ حقّ الله]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا ينبغي لوالٍ ثبت عنده حدّ حقّ لله تعالى إلا أقامه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الولاة هم حماة شرع الله والمنفّذون لحدوده وأحكامه، فإذا ثبت عند والٍ من الولاة أو حاكم من الحكّام حدٌّ في حقّ من حقوق الله تعالى فيجب عليه إقامته وتنفيذه، ولا يجوز له التّهاون أو الإهمال في ذلك بأي سبب، إلا إذا وجدت شبهة تمنع إقامته.
دليل القاعدة: فعل رسول الله ﷺ في إقامته حدّ السّرقة (٢) على المخزوميّة، وعلى سارق رداء صفوان. وتنفيذه ﷺ حدّ الزّنا (٣) على من ثبت زناه بإقراره أو بالبيِّنة، وكذلك
стр. 3519
حدّ القذف (١) إذا طالب به المقذوف. وحدّ الشّرب (٢).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
حدّ الحرابة لا يجوز العفو عنه، لا للأولياء ولا للإمام أيضاً.
وكذلك حدّ الزّنا، وحدّ السّرقة إذا رفع إلى الإمام.
стр. 3520
القاعدة الرّابعة والسّتّون بعد المئة [الخصم عن الغائب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا ينتصب أحد خصماً عن أحد غائب، بلا نيابة أو وكالة أو ولاية (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الدّعوى لا تقام إلا بوجود وحضور المدّعِي والمدَّعَى عليه. فلا يجوز أن يقوم أحد بالخصومة عن غائب سواء أكان مدّعياً أم مدّعَى عليه إلا إذا كان هذا القائم نائباً أو وكيلاً أو وليّاً للغائب عن مجلس القضاء. وإلا فلا يجوز أن يسمع القاضي الدّعوى، حتى ولو كان فيها منفعة ومصلحة للغائب؛ لأنّه لا ولاية لأحد في إدخال شيء في ملك غيره بغير اختياره ورضاه - كما سبق آنفاً - ولا تثبت النّيابة أو الوكالة أو الولاية، إلا بالبيِّنة حسب القواعد المرعيّة.
دليل هذه القاعدة: قول رسول الله ﷺ لعلي ﵁: لا تقض لأحد الخصمين حتى تسمع كلام الآخر، الحديث: "يا علي إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأوّل، فإنّك إذا فعلت ذلك تبيّن لك القضاء" (٢).
стр. 3521
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ادّعى داراً في يد رجل أنّها داره اشتراها من فلان الغائب - وهو يملكها -. وقال ذو اليد: الدّار داري. فأقام المدّعِي البيِّنة على دعواه. قبلت بيّنته. ويكون ذلك قضاء على الغائب والحاضر جميعاً، وينتصب الحاضر وهو ساكن الدّار خصماً عن الغائب نيابة؛ لأنّ المدَّعَى به شيء واحد وهو الدّار. وما ادّعي على الغائب وهو الشّراء منه سبب لثبوت ما يدّعَى على الحاضر؛ لأنّ الشّراء من المالك سبب لا محالة.
ومنها: نيابة الوصي عن الصّغير فإنّه يصير خصماً عن الصّغير نيابة في البيِّنة لا في اليمين؛ لأنّ اليمين لا نيابة فيها. أمّا الاستحلاف فتجري فيه النّيابة.
ومنها: إذا شهد شاهدان على رجل بحقّ من الحقوق، فقال المشهود عليه: هما عبدان لفلان الغائب فأقام المشهود له البيِّنة أنّ فلاناً الغائب أعتقهما وهو يملكهما قبل العتق. تقبل هذه الشّهادة ويثبت العتق في حقّ الحاضر والغائب جميعاً، والمدّعَى به شيئان المال والعتق على الغائب. لكن المدَّعَى به على الغائب سبب لثبوت المدَعَى به على الحاضر. فناب الحاضر عن الغائب في ذلك.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
ومنها: إنَّ أحد الورثة ينتصب خصماً عن باقي الورثة الغائبين.
ومنها: إنَّ أحد الموقوف عليهم ينتصب خصماً عن الباقي (١).
стр. 3522
القاعدة الخامسة والسّتّون بعد المئة [نقض الأعلى بالأدنى]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا ينتقض الشّيء بما هو دونه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق لهذه القاعدة مثيلات:
فالأدنى هو الأضعف ولمّا كان الضّعيف لا يظهر في مقابلة القوي - كما سبق ذكره - فإنّ الدّليل الأعلى والأقوى لا يجوز أن ينقض بالدّليل الأدنى لضعفه وقوّة ذاك.
وينظر من قواعد حرف الشّين القاعدة رقم ٨٢.
стр. 3523
القاعدتان السّادسة والسّابعة والسّتّون بعد المئة [السّاكت والسّكوت]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
لا ينسب إلى ساكت قول قائل ولا عمل عامل، إنّما ينسب إلى كلّ قوله وعمله (١).
وفي لفظ: لا ينسب إلى ساكت قول، ولكن السّكوت في معرض الحاجة إلى البيان بيان (٢).
وفي لفظ: لا أنسب إلى ساكت قولاً (٣).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
أنّ السّكوت لا يعتدّ به، ولا يجوز أن ننسب لساكت قولاً لم يقله أو عملاً لم يعمله، أو نحمل سكوته على معنى قول قد لا يكون يريده أو عمل لا يريده؛ لأنّ الأصل في المعاملات وتحمّل التّبعات هو اللفظ أو الفعل، فما لم يوجد اللفظ أو الفعل لا يجوز بناء الحكم على السّكوت.
لكن القاعدة الثّانية اشتملت على استدراك واستثناء وذلك أنّ السّكوت قد يكون بياناً كاللفظ وذلك عند الحاجة إلى البيان. ويتحقّق ذلك
стр. 3524
بثلاثة أمور:
الأوّل: أن يكون حال السّاكت دالاً على أنّ سكوته لو لم يكن بياناً ما كان ينبغي له أن يسكت عنه، وذلك كسكوت صاحب الشّرع ﷺ عند أمر يعاينه - عن التّغيير أو الإنكار فيكون سكوته إذناً به، وهذا ما يعبَّر عنه بالسنة التّقريريّة. وهذا أمر متّفق عليه.
الثّاني: أن يعتبر السّكوت كالنّطق لأجل حال في الشّخص، كسكوت البكر. وهذا وإن كان متّفقاً عليه لكن اختلفوا في الفروع.
الثّالث: أن يعتبر السّكوت لضرورة دفع الغرور والضّرر. كسكوت الشّفيع عن طلب الشّفعة بعد علمه بالبيع، إذ يعتبر إسقاطاً لشفعته عن الأكثرين. وينظر من قواعد حرف الهمزة القاعدة رقم ٣١٦، وينظر أيضاً من قواعد حرف السّين القواعد من ٢٥ - ٢٩.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا رأى إنساناً يتلف له شيئاً أو يبيع له متاعاً - وهو ساكت - فلا يعتبر سكوته رضاً، وله تضمين المتلِف وأخذ المتاع.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القواعد:
سكوت البكر عند استئمار وليّها قبل التّزويج.
ومنها: إذا حلفت أن لا تتزوّج فزوّجها أبوها فسكتت - حنثت. لأنّ سكوتها يعتبر رضاً بالزّواج.
ومنها: سكوت المتصدَّق عليه. يعتبر قبولاً للصّدقة. بخلاف الموهوب له.
стр. 3525
القاعدتان الثّامنة والتّاسعة والسّتّون بعد المئة [ما لا ينفذ من القضاء]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
لا ينفذ أمر القاضي إلا إذا وافق الشّرع (١).
وفي لفظ: لا ينفذ القضاء ما إذا قُضِيَ بشيء مخالف للإجماع (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
لا تختصّ هاتان القاعدتان بالقاضي والقضاء، بل يعمّ حكمها كلّ من تولّى أمراً من أمور المسلمين يتعلّق بالحكم والقضاء. فالإمام الأعظم لا ينفذ أمره إذا لم يوافق الشّرع والإجماع من الشّرع.
من أدلّة هاتين القاعدتين: قوله ﷺ : "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" (٣).
والحاكم والقاضي إنّما نصب لإقامة العدل وحفظ حدود الشّرع، فحكمه بغير الشّرع خروج عمّا نصّب له. ولذلك لا ينفذ أمره. وإنّما خصّ القاضي والقضاء لأثرهما في الأمّة وموقعهما من تنفيذ الشّرع وردّ الحقوق لأصحابها وخطرهما العظيم.
стр. 3526
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
لا يبيع القاضي مال الصّغير من نفسه، ولا يبيع ماله من الصّغير؛ لأنّ القاضي إنّما تعتبر ولايته في حقّ ما بين النّاس، وأمّا فيما بينه وبين النّاس فهو كغيره، ولا ولاية له فيه، فلا يجوز تصرّفه.
ومنها: لا يجوز للقاضي ولا للحاكم تزويجه الصّغيرة من غير كفء، ولا تأجيله عند وجود الكفء؛ لأنّ الحقّ ليس له.
ومنها: إذا أمر القاضي بجلد زان محصن أو سجنه، فهذا أمر مخالف لشرع الله ولإجماع الأمّة؛ لأن حدّ الزّاني المحصن الرّجم بالحجارة حتى الموت، فالحاكم بجلده فقط أو سجنه مخالف لشرع الله.
стр. 3527
القاعدة السّبعون بعد المئة [نقض الاجتهاد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد - أو بمثله (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا اجتهد مجتهد في حكم مسألة من المسائل الشّرعيّة الاجتهاديّة - غير النَّصِّيّة - وعمل باجتهاده فيها، ثم بان له رأي آخر في مسألة أخرى مشابهة، فلا يجوز أن ينقض اجتهاده الأوّل باجتهاده الثّاني، كما لا يجوز لغيره أن ينقض اجتهاده في مسألة صدر له فيها رأي.
والعلّة في ذلك: أنّ الاجتهاد الثّاني ليس بأقوى من الأوّل، وأنّه يؤدّي إلى أن لا يستقرّ حكم. وينظر من قواعد حرف الهمزة القواعد رقم ٢٦٧ - ٢٦٩.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
اجتهد مجتهد في أنّ قول القائل - عليَّ الحرام - أنّه لا شيء،
стр. 3528
وأفتى بذلك الاجتهاد مَن استفتاه، ثم تغيّر اجتهاده بعد ذلك فرأى أنّ هذا القول يجب اعتباره طلقة بائنة أو رجعيّة أو طلاق بات، فليس له الرّجوع في اجتهاده الأوّل إلى اجتهاده الآخر في المسائل الّتي صدرت فيها الفتوى. ولكن في مسائل مستجدّة له الحكم والفتوى بالاجتهاد الثّاني.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
يجوز نقض الاجتهاد إذا تبيّن الخطأ بيقين:
كما لو قضى بحكم مخالف للنّصوص الواضحة من الكتاب والسّنّة أو الإجماع أو القواعد الكلّيّة، أو خالف قياساً جليّاً، أو خالف المذاهب الأربعة - في قول.
ومنها: إذا كان الاجتهاد مخالفاً لشرط الواقف.
ومنها: إذا تبيّن خطأ الحاكم في نفس الحكم أو سببه أو طريقه. فينقض الحكم هنا لتبيّن بطلانه (١).
стр. 3529
القاعدة الحادية والسّبعون بعد المئة [تغيّر الأحكام]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا ينكر تغيّر الأحكام - الاجتهاديّة - بتغيّر الأزمان (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إنّ تغيّر الأوضاع والأعراف والأحوال الزّمنيّة له تأثير كبير في كثير من الأحكام الشّرعيّة الاجتهاديّة؛ لأنّ ما كان من الأحكام الشّرعيّة مبنيّاً على عرف النّاس وعاداتهم، أو على مصلحة من المصالح، أو وضع خاصّ من الأوضاع فإنّ هذه الأحكام تكون قابلة لتغيير كيفيّة العمل بمقتضى الحكم بسبب اختلاف العادة أو المصلحة، أو الوضع عن الزّمن السّابق، أمّا أصل الحكم الثّابت بالنّص فلا يقبل التّغيير بحال.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من المقرّر في أصول المذهب الحنفي أنّ المدين تَنفُذ تصرّفاته في أمواله، بالهبات والوقف وسائر وجوه التّبرّع - ولو كانت ديونه مستغرقة أمواله كلّها -؛ باعتبار أنّ الدّيون تتعلّق بذمّته - لا بأمواله -
стр. 3530
فتبقى أعيان أمواله حرّة، فينفذ فيها تصرّفه. هذا مقتضى القواعد القياسيّة. لكن لمّا فسد الزّمان وخربت الذّمم، وكثر الطّمع، وقلّ الورع، وأصبح المدينون يعمدون إلى تهريب أموالهم من وجه الدّائنين عن طريق وقفها، أو هبتها لمن يتقون به من قريب أو صديق، أفتى المتأخّرون من فقهاء الحنفيّة والحنابلة - في وجه عندهم (١) - بعَدم نفاذ هذه التّصرفات من المدين إلا فيما يزيد عن وفاء الدّيون من أمَواله.
стр. 3531
القاعدة الثّانية والسّبعون بعد المئة [المختلف فيه والمجمع عليه]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا ينكر المختلف فيه، وإنّما ينكر المجمع عليه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأحكام الشّرعيّة: منها أحكام مجمع على اعتبارها, ولا خلاف فيها. ومنها أحكام وقع الاختلاف بين الأئمة فيها.
فالأحكام المختلف فيها لا ينكر ولا يعترض على مَن خالف فيها ما دامت مخالفته مبنيّة على اجتهاد صحيح.
ولكن الأحكام المجمع عليها لو خالف فيها مخالف فيجب استنكار خلافه واعتراضه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حكم حاكم بأنّ الخلع فسخ فلا ينكر عليه؛ لأنّ كون الخلع فسخًا أو طلاقاً مسألة وقع فيها الخلاف.
ومنها: إذا أفتى مفت بأنّ لمس المرأة لا ينقض الوضوء اعتبرت فتواه، ولا يعترض عليها باجتهاد من رأى أنّ لمس المرأة ناقض. لوجود الخلاف في المسألة.
ومنها: إذا أفتى مفت بأنّ مَن جامع في نهار رمضان يجب عليه
стр. 3532
الصّيام شهرين متتابعين فقط. فهذا يعترض عليه؛ لأنّ الإجماع قائم على أنّ المجامع في نهار رمضان - وهو صائم مختار - إمّا أن يعتق رقبة فإن لم يجد فليصم وإن لم يجد فليطعم.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
أن يكون مذهب المخالف بعيد المأخذ ضعيف الدّليل بحيث ينتقض، فهذا ينكر عليه.
مثاله: إذا وطئ المرتهن المرهونة وجب عليه الحدّ. ولا ينظر لخلاف عطاء (١) الّذي يرى إباحة الجواري؛ لمخالفته المجمع عليه.
ومنها: أن يكون للمنكر حقّ فيه، كالزّوج يمنع زوجته الذّمّيّة من شرب الخمر، وإن كان مباحاً عندها.
стр. 3533
القاعدة الثّالثة والسّبعون بعد المئة [ما قبل البلوغ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
لا يوصف قبل البلوغ بالكراهة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
البلوغ: وهو وصول الإنسان من عمره مرحلة تجب عليه فيها الأحكام وتحسب عليه فيها تصرفاته القوليّة والفعليّة؛ وهي المرحلة التي يغلب على الظّنّ فيها نضج العقل والإدراك.
ومن علامات البلوغ بالنّسبة للرّجل الإنزال. والحيض بالنّسبة للمرأة، أو الإنبات لكليهما (٢) أو استكمال خمس عشرة سنة.
فقبل وصول الإنسان لهذه المرحلة من عمره فلا توصف أعماله وتصرّفاته بالكراهة أو بالتّحريم؛ لأنّه غير مكلّف في هذه الحال بشيء من العبادات، ولا بشيء من المنهيات. وإن كان يؤمر بالصّلاة عند بلوغه سبع سنين للتّعوّد عليها، وهو مثاب على فعل الطّاعات تفضّلاً من الله .
стр. 3534
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قتل الصّغير عمداً، فلا يقتصّ منه، ويعتبر عمده خطأ، والدّية على العاقلة.
ومنها: إذا قتل الصّغير مورثه عمداً، لا يوصف فعله بالخطأ والتّقصير، لعدم الخطاب (١). والجزاء يستدعي ارتكاب المحظور، بخلاف البالغ المخطئ فإنّه يوصف بالتّقصير لكونه محلاً للخطاب.
ومنها: إذا جامع الصّغير - ولو ببالغة - لا يعتبر فعله زناً، ولا يقام عليه الحدّ.
ومنها: لا يجب على الصّبي المحرم في جنايته جزاء لأنّ فعله غير موصوف بالحرمة، فلا يكون جانياً.
ومنها: أنّه إذا طلّق لا يقع طلاقه.
ملحوظة: الصّغير المحجور عليه يؤاخذ بأفعاله، والحجر إنّما هو في الأقوال لا في الأفعال. فما أتلفه من الأموال فيضمن في ماله.
ومنها: إذا أقرض رجل طفلاً صغيراً شيئاً فأتلفه لم يضمن الصّغير شيئاً.
ومنها: إذا أودع عند الصّغير شيئاً بغير إذن وليّه فأتلفه، أو أعاره فأتلفه، فلا يضمن (٢).
стр. 3535
ملحوظة هامّة:
الصّغير له حالتان: الحالة الأولى قبل سنّ التّمييز - أي دون سبع سنين - في هذا الطور لا يتحمّل الصّبي شيئاً ولا يوصف عمله وقوله بكراهة أو تحريم باتّفاق. لا في العبادات ولا في المعاملات.
والحالة الثّانية - سنّ التّمييز ما فوق سبع سنين إلى البلوغ. ففي هذا الطّور وقع الخلاف في كثير من المسائل السابقة. هل يعتبر فيها كالبالغ أو لا.
стр. 3536
لِأوّل مرَّة في تَارِيخ الفِقهِ الإسلَامي
مُوْسُوعَة
القَواعِد الفِقْهِيَّة
جَمع وَترتيب وَبَيان
الشيخ الدكتور
محمد صدقي بن أحمَد البُورْنوُ أبو الحَارث الغزِّي عَفَا الله عَنه
الأستاذ المشارك في كليّة الشريعَة وأصُول الِدّين
بالقصيم - بريدَة
الجزء التاسِع
القسم الحادي عشر
قواعد حرف الميم
عدد قواعده ٧١٩ قاعدة
مؤسسة الرسالة
ناشرون
стр. 3537
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
غاية في كلمة
جميع الحقوق محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
ISBN ٩٩٥٣ - ٣٢ - ٠٠٠ - ٤
حقوق الطبع محفوظة C ٢٠٠٣ م. لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه ولا يسمح باقتباس أي جزء من الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على خطي مسبق من الناشر. ١
стр. 3538
القاعدة الأولى [الشّرط المبطل]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
المؤثّر من الشّروط في بطلان العقد إنّما هو المقارن لصيغها، فإذا تقدّم الاتّفاق عليه أو تأخّر وقع العقد خالياً عنه، فإنّه لا أثر له غالباً (١).
وفي لفظ: المقارن للصّنيع إذا كان مؤثّراً، فإذا تقدّم أو تأخّر لا يؤثّر غالباً (٢)، وستأتي.
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هاتان القاعدتان - وإن اختلفتا صيغة ولفظاً - فهما متّحدتان معنى ومفهوماً ومدلولاً، فالشّروط المقارنة والمصاحبة للعقد أو التّصرّف هي التي تؤثّر فيه سلباً أو إيجاباً سواء منها ما كان لمصلحة الموجب أم لمصلحة القابل أم لمصلحة الطّرفين، والشّرط إذا كان مخالفاً لموجب العقد ومقتضاه فهو مبطل للعقد إذا كان مقارناً ومصاحباً عند التّعاقد وإجراء العقد، لكن إذا وجدت شروط قبل انعقاد العقد - ولم يُنصّ عليها في العقد -، أو تأخّرت عن انعقاد العقد فهل تؤثّر في العقد فتبطله؟.
стр. 3539
مفاد القاعدتين: أنّه إذا وقعت الشّروط متأخّرة أنّه لا أثر لها في العقد قطعاً، لكن إذا كانت الشّروط متقدّمة على العقد فمنها ما يؤثّر في العقد فيبطله، ومنها ما لا يؤثّر فيه بالإبطال؛ لأنّه إمّا أن يعتبر الشّرط وإمّا أن لا يعتبر، والعد صحيح لوقوعه خالياً عن تلك الشّروط، ومنها ما هو مختلف في اعتباره.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما المختلف فيها:
بيع الثلجئة (١) عند الشّافعيّة الأصحّ صحّة العقد وبطلان الشّرط المتقدّم.
ومنها: لو اتّفقا على البيع بألف، وأظهراه في العقد بألفين، صحّ بألفين، ولا أثر للاتّفاق السّابق.
ومنها: إذا اتّفقا على أنّ مهر السّرّ ألفان، ومهر العلانية ألف، فالرّاجح اعتبار المصطلح عليه قبل العقد، فهو كالمشروط فيه مقارناً.
ومنها: إذا قال: متى قلت لامرأتي: أنت عليّ حرام. فإنّي أريد الطّلاق. ثمّ قال لها ذلك بعد مدّة فعن الرّوياني (٢): إنّها تحتمل
стр. 3540
وجهين: أحدهما وقوع الطّلاق عملاً بكلامه السّابق، والثّاني أنّه كما لو لم يقل: لاحتمال تغيّر النّيَّة.