آخر بأصل آخر، وينظر قواعد حرف التّاء رقم ١١٧. وقواعد حرف الشّين رقم ٨٤. وقواعد حرف السّين رقم ١٥. وقواعد حرف القاف القاعدة ٢٠.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا وجد الإمام أنّ مَن سبقه من الأئمة يأخذ الخراج من بلد، وأهله يتبايعون أملاكه فيما بينهم - فمقتضى أخذ الخراج أن يكون وفقاً - فلا يباع - وهذا أصل. وبمقتضى بيعه أن لا يؤخذ منه الخراج - وهذا أصل آخر -. وقد نصّ الشّافعي رحمه الله تعالى: على أنّ الإمام يأخذ الخراج ويمكّنهم من بيعه، إعطاء لكلّ يد حقّها.
ومنها: العبد المنقطع خبره تجب فطرته على سيّده، لكن لو أعتقه عن الكفّارة لم يجزئه؛ لأنّ الأصل شغل الذّمّة بالكفّارة، فلا تبرأ إلا بيقين، والعبد الغائب لم تتيقّن حياته لكي يجزئه على كفّارة يشترط فيها يقين الحياة. والأصل الثّاني بقاء الحياة استصحاباً فتجب فطرته - ولو مع الشّكّ في حياته.
ومنها: نظر القابلة وشهادتها فهو خبر من وجه، وشهادة من وجه؛ لاختصاصها بمجلس الحكم. فلاعتباره بالشّهادة تعتبر فيه الحرّيّة ولفظ الشّهادة، ولاعتباره بالخبر لا يعتبر فيه الذّكورة ولا العدد.
ومنها: رجل مات وترك امرأة وأم ولد وولداً، فأقرّت الورثة أنّ كلّ واحدة منهما قد ولدت هذا الغلام من الميّت، فبناء على ذلك يثبت نسبه من الميّت ويشارك الورثة في الميراث، وإقرار الورثة ببنوّة الغلام
стр. 3572
إلزام للغير من وجه - حيث يحملون نسبه على الميّت - والتزام من وجه - حيث يشاركهم في الميراث. فلا بدّ من العدد ويسقط لفظ الشّهادة عملاً بالأصلين.
стр. 3573
القاعدة العشرون [الضّيِّق والمحرج]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما أدّى إلى الضّيق والحرج وتنفير الناس عنه كان حكمه ساقطاً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة بمعنى قاعدة "الضّرورات تبيح المحظورات".
لمّا كان الأصل في الشّرع التّيسير على العباد ورفع الحرج والضّيق والضّرر عنهم فكلّ ما يؤدّي إلى التّضييق على العباد والتّعسير عليهم، ويكون سبباً في نفرة النّاس وبعدهم عنه كان حكمه في الشّرع ساقطاً - أي لا حكم له. والأدلّة على ذلك كثيرة من الكتاب والسّنّة والإجماع.
١ - الأدلّة من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ
стр. 3574
الْعُسْرَ﴾ (١).
٢ - من السّنَّة: قوله ﷺ : "إنّ الله شرع الدّين فجعله سهلاً سمحاً واسعاً، ولم يجعله ضيّقاً" (٢).
والحديث المتّفق عليه عن عائشة ﵂: "ما خيِّر رسول الله ﷺ بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً".
ولأنّه (لا حرام مع ضرورة ولا واجب مع التّعذّر والاستحالة).
وللإجماع على عدم التّكليف بالشّاقّ، ومشروعيّة الرّخص عند المشقّة وينظر الوجيز ص ٢١٨ تحت شرح قاعدة المشّقّة تجلب التّيسير.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الرّخص كلّها إنّما شرعت لرفع الحرج والضّيق عن العباد، وهذا أمر علم من الدّين بالضّرورة وأجمعت عليه الأمّة.
ومنها: الإجماع على عدم وقوع التّكليف بما فيه مشقّة على العباد، أي المشقّة التي تتجاوز الحدود العاديّة والطّاقة البشريّة السّويّة. وإلا فكلّ الأعمال دنيويّة كانت أو دينيّة فيها مشقّة، ولكنّها واقعة تحت قدرة المكلّف عموماً.
ومنها: ركوب الفرس الحبيس للجهاد إذا ركبه في حوائجه داخل المدينة أو خارجها غير بعيد عنها؛ لأنّ هذا أمر فيه مصلحة للفرس أيضاً.
стр. 3575
القاعدة الحادية والعشرون [المطلق والمقيّد]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ما أطلقه الشّارع يعمل بمقتضى مسمّاه ووجوده، ولم يجز تقديره وتحديده بعده (١).
وفي لفظ: الواجب أن يطلق ما أطلقه صاحب الشّرع ﷺ ويقيّد ما قيَّده (٢). وتأتي في قواعد حرف الواو إن شاء الله تعالى.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الإطلاق ضدّ التّقييد، والمراد بالإطلاق هنا عدم التّحديد أو التّقدير، فالواجبات الشّرعيّة منها ما قيّده الشّارع بصفة أو حال أو عدد أو غير ذلك من المقيّدات، ومنها ما أطلقه الشّارع فلم يحدّدهُ.
فمفاد القاعدة: أنّ ما ورد عن الشّارع مقيّداً فيلزم قيده ولا يجوز تغييره، وما ورد على الشّرع مطلقاً عن القيد أنّه يجب العمل فيه بإطلاقه ومقتضى مسمّاه ووجوده، ولا يجوز للمكلّف تقييده بدون دليل شرعي أو عرفي يقيّد إطلاقه.
стр. 3576
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الواجب في الزّكاة قدّره الشّارع في جميع الأموال التي تجب فيها الزّكاة، فلا يجوز للمزكّي أن ينقص منه، ولا يزيد عليه على أنّه فرض.
ومنها: فرض الله الصّلوات خمساً وقدّر صفاتها وأوقاتها فلا يجوز الإخلال بشيء منها بالزّيادة أو النّقص أو التّغيير. وأمّا النّوافل فلم يقدّر أعدادها.
ومنها: السّفر المبيح للقصر هل هو مقيّد أو مطلق؟ فرأي الظّاهريّة - وتبعهم في ذلك ابن قدامة وابن تيميّة - رحمهما الله - أنّه كلّ سفر سواء قلّ أو كثر ولا يتقدّر بمدّة، وسواء كان مباحاً أم حراماً.
ومنها: الإقامة للمسافر لم يحدّها الشّرع بزمن محدود لا بأربعة أيّام ولا بخمسة عشر يوماً.
ومنها: الرّكوع والسّجود أمر بهما الشّارع ولم يقيّدهما بحدّ محدود فيعمل فيهما بمقتضى المسمّى أي ما يطلق عليه ركوع أو سجود.
стр. 3577
القاعدة الثّانية والعشرون [وسيلة الحرام]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما أفضى إلى الحرام كان حراماً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
أفضى: أي أوصل من الفعل "فضى" فضوّاً. والمراد به وسيلة الحرام فكلّ ما أوصل وأدّى إلى الحرام كان حراماً؛ لأنّ للوسائل أحكام المقاصد - كما سبق بيانه - فإذا كان المقصد حراماً فكلّ وسيلة تؤدّي وتوصل إليه فهي حرام، ولأنّ وسائل الحرام حرام.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
تبرّج النّساء وخروجهن سافرات شبه عاريات حرام, لأنّه يؤدّي إلى الزّنا المحرّم.
ومنها: اختلاط الرّجال بالنّساء في الأماكن العامّة أو الخاصّة - غير المحارم - حرام لأنّه يؤدّي ويفضي إلى الحرام.
ومنها: مباشرة المعتكف أو المحرم زوجته دون الفرج بشهوة حرام فإن أنزل فسد اعتكافه وحجّه أو عمرته.
ومنها: بيع العينة حرام لأنّه وسيلة إلى الرّبا المحرّم. وبيع العينة أن يبيع التّاجر سلعة إلى شخص بثمن إلى أجل ثمّ يشتريها من
стр. 3578
المشتري بأقلّ من الثّمن الّذي باعها له به نقداً.
كرجل احتاج إلى مبلغ من المال لغرض له ولم يجد من يقرضه، فيذهب إلى أحد التّجّار كتاجر للسّيّارات - مثلاً - فيشتري منه سيّارة بعشرة آلاف مؤجّلة إلى سنة، ثمّ يشتري البائع - أو وسيطه - السّيّارة من المشتري بثمانية آلاف نقداً يدفعها له. فيكون المشتري قد استدان ثمانية آلاف نقداً بعشرة آلاف مؤجّلة إلى سنة، وهذا هو ربا النّسيئة بعينه.
стр. 3579
القاعدة الثّالثة والعشرون [البدل مع مبدله]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما أقامه الشّارع مقام الشّيء لا يلزم إعطاؤه حكمه من كلّ وجه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الشّرع الحكيم قد يقيم شيئاً مقام شيء لضرورة أو حاجة، فالمقام مقام غيره هو البدل، والبدل لا يلزم أن يأخذ كلّ أحكام المُبدل منه، أو المقام مقامه، لكنّه يأخذ بعض أحكامه لا كلّها.
وقد سبق مثل لهذه القاعدة ضمن قواعد حرف اللام تحت الرّقم ٣٩. وضمن قواعد حرف الميم تحت الرّقم ٩، ١٠.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
التّيمّم بالتّراب أقامه الشّارع مقام الماء في الطّهارة والإجزاء، فلا يلزم أن يعمّ المتيمّم جميع جسمه بالتّراب عند عدم الماء ليتطهّر من الجنابة مثلاً. أو لا يلزم أن يعمّ جميع أعضاء الوضوء بالمسح بالتّراب كما يجب ذلك بالماء، بل يكفيه في التّيمّم ضربة أو ضربتان. وعند جماعة من الفقهاء لا يجوز له التّيمّم قبل دخول الوقت، وإذا تيمّم لنافلة ليس له أن يصلّي بهذا التّيمّم الفريضة، ومن تيمّم لفريضة لا يجوز له
стр. 3580
أن يصلّي بهذا التّيمّم فريضة وقت آخر.
ومنها: صيام المتمتّع بدل الهدي، فالهدي يجزي في أيّام الحجّ فقط، والصّوم بعضه فيها وبعضه عند الرّجوع للأهل.
ومنها: إشارة الأخرس بالطّلاق في الصّلاة لا تبطل الصّلاة في الصّحيح، فليست الإشارة منه كالنّطق من النّاطق؛ لأن النّاطق لو نطق بالطّلاق في الصّلاة بطلت صلاته اتّفاقاً. وقيل تبطل صلاة الأخرس بالإشارة كما تبطل بنطق النّاطق. والصّحيح خلافه.
стр. 3581
القاعدة الرّابعة والعشرون [العمد والسّهو - البطلان وعدمه]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما اقتضى عمده البطلان اقتضى سهوه السّجود، وما لا يُبطِل عهده لا يُسجَد لسهوه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه قاعدة من قواعد الصّلاة، فالصّلاة لها مبطلات إذا فعل المصلّي أحدهما بطلت صلاته، لكن هذه المبطلات ليست على درجة واحدة، فمنها ما يبطل عمده وسهوه، كترك ركن من الأركان فهذا يبطل الصّلاة أو الرّكعة إذا حصل، سواء أكان التّرك عمداً أو سهواً.
ومنها: ما يبُطل عمده دون سهوه - وهو موضوع هذه القاعدة - فما أبطل فعله أو تركه الصّلاة إذا وقع عمداً فإنّه إذا فعل أو ترك على وجه السّهو فهو يوجب سجود السّهو لا بطلان الصّلاة.
أمّا ما لا يبطل الصّلاة إذا فعل متعمّداً فلا يسجد لسهوه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ترك ركناً من الصّلاة كالقراءة أو القيام أو الرّكوع أو السّجود - مع القدرة عليه - إن كان متعمّداً التّرك بطلت صلاته، وكذلك لو تكلّم عامداً بطلت أيضاً.
стр. 3582
ومنها: إذا ترك ركناً سهواً - فإن تذكّر وهو في الصّلاة - فإنّه يأتي بركعة أخرى غير الّتي ترك فيها الرّكن - فهنا تبطل الرّكعة دون الصّلاة - لكن إذا تذكّر بعد خروجه من الصّلاة فيجب عليه إعادتها، إذا تيقّن من ترك الرّكن.
ومنها: إذا ترك الجلوس الأوسط في الفريضة متعمّداً بطلت صلاته، لكن إذا قام للثّالثة ساهياً ونسي الجلوس وجب عليه سجود السّهو.
ومنها: إذا أشار في صلاته متعمّداً لا تبطل صلاته، ولو أشار ساهياً لا يسجد للسّهو.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا تنفل على الدّابة فحوّلها عن صوب مقصده وعاد قريباً متعمّداً بطلت صلاته، وفي النّسيان خلاف في وجوب السّجود.
ومنها: إذا قرأ الفاتحة في الرّكوع أو السّجود أو قرأ التّشهّد في القيام، فإنّه يسجد للسّهو على الأصحّ ولا تبطل الصّلاة بعمده على الأصحّ.
стр. 3583
القاعدة الخامسة والعشرون [نقض الاجتهاد بالاجتهاد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما أمضي بالاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق لهذه القاعدة مثيلات في قواعد حرف الهمزة تحت الأرقام ٢٣ - ٢٥.
وينظر الوجيز مع الشّرح والبيان ص ٣٨٤.
وتأتي مثيلتها ضمن قواعد حرف "لا".
стр. 3584
القواعد السّادسة والسّابعة والثّامنة والعشرون [الشّكّ في الوجوب، انتفاء الدّليل]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ما شكّ في وجوبه لا يجب (١).
وفي لفظ: ما انتفى دليل وجوبه لا يجب (٢).
وما انتفى دليل تحريمه لا يحرم.
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
هذه القواعد تبيّن أنّ الأصل في الأحكام الشّرعيّة - وجوباً أو تحريماً - إنّما هو الدّليل الشّرعي الموجب أو المحرّم. ولا يجوز العمل بوجوب أو تحريم إلا إذا دلّ على ذلك دليل قطعي جازم. فمفاد القاعدة الأولى أنّه إذا وقع الشّكّ في وجوب أمر ما - أو في تحريمه - فإنّه لا يجوز العمل بالشّكّ، فلا يلزم العمل بالواجب المشكوك في وجوبه ولا تحريم ما شكّ في تحريمه - إلا من باب الاحتياط في المحرّم، ولكن إذا شكّ في دليل الوجوب قد ينتقل الأمر إلى النّدب أو الإباحة.
ومفاد القاعدتين التّاليتين: أنّه إذا كان لا يجب العمل بالشّك فمن باب أولى أنّه لا يجوز العمل أو الامتناع عند انتفاء الدّليل وعدمه
стр. 3585
يقيناً.
فالشّيء الّذي انتفى وانعدم دليل وجوبه لا يجب قطعاً.
والشّيء الّذي انتفى وانعدم دليل تحريمه لا يحرم قطعاً. ولا يلزم الامتناع عنه ولو من باب الاحتياط، بخلاف المشكوك في تحريمه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
الوتر - مثلاً - هل هو واجب - أي فرض - الأكثرون على نفي وجوبه، لكن لا يمنع ذلك أن يكون سنّة مؤكّدة كما هو رأي الكثيرين.
ومنها: زكاة الخيل أو الحمر الأهليّة مشكوك في وجوبها فلا تجب.
ومنها: إيجاب صلاة سادسة انتفى دليل وجوبها فلا تجب.
ومنها: ركوب السّيّارة والطّائرات وأنواع المأكولات لم يرد دليل يحرّمها، فلا يحرم منها إلا ما قام عليه الدّليل.
стр. 3586
القاعدة التّاسعة والعشرون [أعظم الأمرين وأهونهما]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما أوجب أعظم الأمرين بخصوصه لا يوجب أهونهما بعمومه (١). أو أصغرهما.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تتعلّق بتداخل الأحكام بعضها في بعض، إذ يدخل الأصغر في الأكبر والأهون في الأعظم، فإذا اجتمع أمران أحدهما أعظم من الآخر - وهما من جنس واحد - فالاعتبار لأعظم الأمرين بخصوصه فيجب فعله، وأمّا أهونهما وأصغرهما فلا يجب فعله؛ إذ يدخل الأصغر في الأكبر، ولكن إذا اختلف الجنسان أو النّوعان فلا يدخل أحدهما في الآخر، فمن زنى وسرق يقام عليه حدّ الزّنا وحدّ السّرقة. ومن قطع يد إنسان وقتل آخر، قطع ثمّ قتل. وينظر القاعدة ١٥٣ من قواعد حرف الهمزة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
لا يجب على الزّاني التّعزير بالملامسة والمفاخذة، فإنّ أعظم
стр. 3587
الأمرين - وهو الحد - قد وجب فدخل فيه ما هو الأقل والأهون.
ومنها: الزّاني المحصن لما أوجب أعظم الحدّين وهو الرّجم بخصوصه - وهو زنى المحصن - لم يوجب أهونهما وهو الجلد بعموم كونه زنى.
ومنها: إذا دخل المسجد وقد أقيمت الصّلاة فقد دخلت تحيّة المسجد في الفريضة.
стр. 3588
القاعدة الثّلاثون [الواجب ابتداء وعلى سبب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما أوجب الله ابتداءً أولى بالتّقديم ممّا أوجبه بناء على وجود سبب من المكلّف (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
ما أوجبه الله : أي ما افترضه على عباده.
ابتداءً: أي بدون سبب من المكلّف بل بالفرض الإلهي لاختبار طاعة المكلّف، كالصّلاة والزّكاة والحجّ.
وأمّا ما وجب بناء على وجود سبب من المكلّف فهو إمّا عقوبة وإمّا كفّارة.
فمفاد القاعدة: أنّه عند تعارض واجبين أحدهما ممّا أوجبه الله ابتداء، وثانيهما ممّا وجب بناء على سبب من المكلّف فإنّ ما أوجبه الله ابتداءً يقدّم على الآخر من باب الأولويّة. ولكن لا تؤخذ هذه القاعدة على إطلاقها بل إنّ ما وجب بناء على وجود سبب من المكلّف يقدّم على ما أوجبه الله ابتداءً، وبخاصّة إذا تعلّق بما وجب بناء على سبب حقوق للآخرين، أو ترتّب عليه إبراء ذمّة المكلّف من حقّ وجب عليه لله.
стр. 3589
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
صلاة الفريضة مقدّمة في الأداء على الصّلاة المنذورة إذا تعارضتا.
ومنها: الزّكاة الواجبة مقدّمة في الأداء على صدقة منذورة.
ومنها: حجّ الفريضة مقدّم أيضاً في الأداء على حجّ منذور مطلق عن التّحديد.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
أداء الدّين مقدّم على أداء الزّكاة الواجبة، أو حتى على الوصيّة.
ومنها: شخص عليه كفّارة عتق رقبة وعليه زكاة، وإذا اشترى الرّقبة للكفّارة نقص النّصاب فيجب عليه العتق دون الزّكاة. وذلك إذا كانت الكفّارة لقتل خطأ، وهو لا يستطيع الصّيام.
стр. 3590
القواعد الحادية والثّانية والثّالثة والثّلاثون [المتردّد بين المباح والسّنّة والواجب وبين البدعة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ما تردّد بين المباح والبدعة لا يؤتى به (١).
وفي لفظ: ما تردّد بين السُّنَّة والبدعة لا يؤتى به (١).
وفي لفظ: ما تردّد بين البدعة والفريضة يجب أداؤه (٢).
وفي لفظ: ما تردّد بين الواجب والبدعة يجب أداؤه احتياطاً (٢).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
هذه القواعد تتعلّق بالمتردّد والمشتبه في الفعل بين أمرين أحدهما مطلوب الفعل والثّاني مطلوب التّرك.
المراد بالبدعة: الأمر المحرّم أو المكروه. وهو الأمر الّذي لا أساس له في الشّرع. فإذا كان التّردّد والاشتباه بين أمرين أحدهما جائز الفعل والتّرك وهو المباح أو كان مطلوب الفعل طلباً غير جازم. والأمر الثّاني: غير جائز الفعل لكونه بدعة في الدّين، ولم يمكن التّرجيح ووقع الشّكّ فيهما ففي هذه الحال يجب ترك هذا الفعل وعدم الإتيان به؛ لأنّ
стр. 3591
المباح لا إثم ولا أجر في فعله ولا في تركه، وأمّا البدعه فيلزم الإثم والمفسدة بفعلها، فكان ترك ما لا يوجب أجراً ولا إثماً أولى.
وكذلك لو تعارض أمر بين كونه سنَّة أي مندوباً أو بدعة فلا يؤتى به كذلك لترتّب المفسدة عليه لو ثبت أنّه بدعة؛ ولأنّ ترك البدعة واجب ولازم، وأداء المسنون أو المندوب غير لازم.
ولكن إذا كان التّعارض بين ما يعتقد فرضيّته أو وجوبه وهل هو بدعة ففي هذه الحال يجب أداؤه احتياطاً؛ لأنّ الواجب يلزم الإثم بتركه وفي فعله الأجر والثّواب، والمصلحة المترتّبة على فعل الواجب أعظم من المفسدة المترتّبة على فعل البدعة لو ثبت كونه بدعة؛ ولأنّه لا وجه لترك الواجب.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
المستحاضة الدّائمة تغتسل لكلّ صلاة، وتصلّي المكتوبات والسّنن المشهورة - أي السّنن الرّواتب والوتر - ولا تصلّي شيئاً من التّطوّعات - عند الحنفيّة -؛ لأنّ أداء التّطوّع في حال الطّهر مباح، وفي حال الحيض حرام. وما تردّد في بين المباح والبدعة لا يؤتى به، والتّحرّز من البدعة واجب. وكذلك لا تمسّ المصحف، ولا تدخل المسجد؛ لأنّها في كلّ وقت على احتمال أنّها حائض.
ومنها: المستحاضة المتحيّرة لا تأتي بطواف التّحيَّة؛ لأنّه سنّة، وما تردّد بين السّنّة والبدعة لا يؤتى به.
ومنها: أنّها تأتي بطواف الزّيارة - الإفاضة - لأنّه ركن الحج فلا بدّ أن تأتي به.
стр. 3592
القاعدة الرّابعة والثّلاثون [أفعال الكافر الأصلي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما تركه الكافر الأصلي من واجبات وما فعله من محرّمات في دين الإسلام - الّتي يستحلّها في دينه - ثمّ أسلم فإنّه يسقط حكمه بالإسلام (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
دليل هذه القاعدة: قوله ﷺ : "الإسلام يجبّ ما قبله" (٢).
الكافر الأصلي: هو من ولد من أبوين كافرين ونشأ على الكفر. فهذا إذا أسلم لا يطالب بفعل الواجبات الّتي تركها حال كفره، وكذلك إذا فعل في حال كفره محرّمات - كالزّنا وشرب الخمر والرّبا وغير ذلك من المحرّمات في دين الإسلام - وهي في دينه كانت حلالاً - فإنّه يسقط أيضاً حكمها بالإسلام فلا يعاقب على شيء منها - إذا كانت من حقوق الله تعالى. وقيِّد بالكافر الأصلي لأنّ المرتدّ إذا رجع إلى الإسلام ففي قضائه ما تركه من الواجبات حال ردّته وفي عقوبته على ما فعله من محرّمات خلاف.
стр. 3593
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا نكح بلا ولي ولا شهود - وذلك جائز في دينه - ثمّ أسلم فإنّه يبقى على زواجه إذا أسلمت امرأته معه أو كانت كتابيّة.
ومنها: إذا ملك الحربي مال المسلمين بالقهر والغلبة ثمّ أسلم فلا يؤخذ منه، فإنّ الإسلام يغفر له به تحريم ذلك الفعل فيصير الفعل في حقّه عفواً. ودليل ذلك قوله ﷺ : "من أسلم على شيء فهو له" (١).
ومنها: كافر قتل نفساً وهو كافر أو سرق ثمّ أسلم فلا يعاقب على شيء من ذلك ولو كانت النّفس المقتولة مسلمة. وذلك بخلاف الذّمّي والمعاهد فإنّهم يحاسبون على ما يفعلون لرضاهم بحكم الإسلام.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
المجوسي إذا أسلم وتحته زوجة هي أمّه أو أخته أو ذات محرم منه، فإنّه يفرّق بينه وبينها، ولا يجوز إبقائها تحته، وإن كان ذلك مباحاً في دينه قبل إسلامه.
ومنها: إذا اغتصب كافر مالاً من آخر كافر مثله - والمال قائم - ثمّ أسلما، فيجب على الغاصب ردّ ما اغتصبه على صاحبه. لكن إذا كان المال مستهلكاً فلا يطالب بردّه ولا قيمته.
стр. 3594
القاعدة الخامسة والثّلاثون [التّخلّل والموالاة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ما تعتبر فيه الموالاة فالتّخلّل القاطع لها مضر (١).
وفي لفظ: المتخلّلات بين ما يشترط فيه الموالاة (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
الموالاة: المراد بها التّتابع في الأفعال دون فاصل.
والتّخلّل: من خَلَل الشّيء إذا وجد فيه فاصل أو فراغ أو فُرجة بين الشّيئين.
فمفاد القاعدة: أنّ كلّ ما تعتبر فيه الموالاة والتّتابع فإنّ دخول شيء ليس منه فيه يعتبر مضرّاً ومبطلاً له وقاطعاً. ومعرفة التّخلّل القاطع طريق معرفتها العرف؛ لأنّه لم يرد في الشّرع تحديد للتّخلّل القاطع.
والموالاة كما تكون في الأفعال تكون في الأقوال أيضاً.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
الإيجاب والقبول في البيع وفي العقود يشترط فيهما الاتّصال.
стр. 3595
ومنها: الاستثناء في العقود والأيمان يشترط اتّصاله، ولا يضرّ فيه سكتة التّنفّس والسّعال والعطاس مثلاً.
ومنها: الموالاة في الوضوء، وفي أشواط الطّواف وبين صلاتي الجمع.
ففي الوضوء يجب الموالاة بين الأعضاء، فإذا وجد قاطع طويل أبطل الوضوء ويجب الاستئناف. وفي أشواط الطّواف والسّعي يجب التّتابع، لكن لا يضرّ لو قامت الصّلاة قبل التّمام، أو تعب فجلس يستريح قليلاً ويتمّ من حيث انتهى.
стр. 3596
القاعدة السّادسة والثّلاثون [العلامة والسّيما]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما تعذّر الوقوف على حقيقته يعتبر فيه العلامة والسّيما (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
السيّما: العلامة. وعطف السّيما على العلامة من باب عطف المترادفين. فإذا استحال الوقوف على حقيقة الشّيء وجوهره فإنّه يعتبر فيه أي في بيان حكمه أو معرفته العلامة والسّيما. فما لم يتيقّن أمره يحكم فيه بغلبة الظّنّ؛ من حيث إنّ العلامة والسّيما تفيد ظنّاً غالباً. ودليل جواز تحكيم السّيما قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ (٣).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا رأى شخص إنساناً يدخل بيته ليلاً، ولا يدري أنّه سارق أو هارب من اللّصوص، فإنّه يحكم حاله، فإن كان عليه سيما
стр. 3597
اللّصوص، أو كان معه آخر يجمع المتاع فلا بأس بأن يقتلهما قبل أن يدنُوا منه، إذا لم يمكن طردهما بغير القتل.
وإن كان على الدّاخل سيما أهل الخير فعليه أن يؤويه ولا يسعه طرده.
ومنها: إذا وجد ميّت لا يدري أمسلم هو أم كافر، فإن كان عليه سيما المسلمين من الختان والخضاب ولبس السّواد - وهذا كان في زمنهم - فحينئذ يغسّل ويصلّى عليه.
стр. 3598
القاعدة السّابعة والثّلاثون [ما تعلّق بسببين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما تعلّق بسببين جاز تقديمه على أحدهما (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
من الأحكام والأفعال ما يترتّب على سبب واحد فهلا يجوز تقديمه عليه. ومنها ما يترتّب ويتعلّق على سببين، فإذا وجد السّببان وجب الحكم وتعلّق بذمّة المكلّف، ولكن إذا وجد أحد السّببين فيجوز تقديم الفعل قبل وجود السّبب الآخر، وذلك في الحقوق الماليّة دون البدنيّة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
كفّارة اليمين تجب باليمين مع الحنث. فإذا حلف، يجوز تقديم الكفّارة على الحنث.
ومنها: الزّكاة إنّما تجب بتمام النّصاب وحولان، الحول، فإذا وجد النّصاب قبل تمام الحول جاز إخراج الزّكاة، وتبرأ ذمّة المكلّف بأدائها.
стр. 3599
القاعدة الثّامنة والثّلاثون [ما تعلّق بالعين أو الذّمّة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما تعلّق بالعين مقدّم على ما تعلّق بالذّمّة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحقّ المتعلّق بالعين - أي بالسّلعة أو الشّيء المادّيّ المحسوس - مقدّم عند المطالبة على الحقّ المتعلّق بالذّمّة؛ لأنّ الحقّ المتعلّق بالعين معيّن ومحدّد والمتعلّق بالذّمّة غير معيّن. وينظر من قواعد حرف الحاء القاعدة رقم ٤٥.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى سلعة ولم يدفع ثمنها، ثمّ مات المشتري أو أفلس وعليه ديون لغرماء آخرين غير البائع، فإذا كانت السّلعة قائمة فالبائع أحقّ بها من سائر الغرماء؛ لأنّ حقّه تعلّق بعينها, وحقّ الغرماء الآخرين متعلّق بذمّة المدين الميّت أو المفلس، فحقوقهم بعد موته أو إفلاسه متعلّقة بتركته أو أمتعته وأمواله دون تلك السّلعة.
ومنها: المرتهن أحقّ بالمرهون من باقي الغرماء.
ومنهما: حقّ أرش الجناية يقدّم على غيره من الدّيون.
стр. 3600
القاعدة التّاسعة والثّلاثون [الخطاب والجواب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما تقدّم من الخطاب يصير كالمعاد للجواب (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الجواب متعلّق بخطاب سابق، والخطاب السّابق يصير كأنّه معاد في الجواب؛ لتضمّنه إيّاه، وإلا لم يكن جواباً عنه، وسواء في ذلك الاستفهام أو غيره.
وقد سبق لهذه القاعدة أمثال ضمن قواعد حرف الهمزة تحت الرّقم ٦٢٩، وقواعد حرف الحاء تحت الرّقم ٢٢، وقواعد حرف السّين تحت الرّقم ١.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا سأل سائل فقال: هل أمطرت السماء الليلة؟ فإذا كان الجواب بـ "نعم" فكأنّ المجيب قال: نعم أمطرت السّماء الليلة. وإن كان الجواب بـ "لا" فكأنّ المجيب قال: لا لم تمطر السّماء الليلة.
ومنها: إذا قال المشتري: اشتريت منك هذه السّلعة بكذا، أو قال البائع: بعتك هذه السّلعة بكذا. وقال البائع - في الأولى - بعتك إيّاها بما قلت. فكأنّه قال: إن اشتريتها بكذا فقد بعتكها بما قلت.
стр. 3601
القاعدة الأربعون [ما يحتاج إلى معرفته]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما تقع الحاجة إلى معرفته فطريقه في الشّرع الرجوع إلى أمثاله (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا دعت الحاجة إلى معرفة شيء ما أو قيمته ولم نتمكّن من معرفة ذاته أو قيمة ذاته، فإنّ الشّرع أوجب لمعرفة ذلك الرّجوع إلى أمثاله وأشباهه ممّا عرف أو عرفت قيمته.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
المفقود بعد فقده لا يجوز تقسيم تركته، ولا تبين منه زوجته، لكن إلى متى؟ عند الحنفيّة: قدّروا مدّة حياته ليحكم بعد ذلك بموته فتقسم تركته وتبين منه امرأته - بموت أقرانه - أي ممّن هو في مثل سنّه. وقدّر بعضهم ذلك بمئة وعشرين سنة، وبعضهم بتسعين سنة - أي المدّة التي لا يعيشها أمثاله غالباً.
ومنها: إذا أتلف إنسان لآخر شيئاً كدابّة أو دار أو متاع - واختلفا في تقدير قيمته - فيرجع إلى تقدير قيمة أمثاله وأشباهه.
ومنها: إذا وجب لامرأة مهر المثل، فيقدّر بمهر أمثالها من قومها - أي قوم أبيها - بكراً كانت أو ثيباً.
стр. 3602
القاعدة الحادية والأربعون [ما لا يحتاج إلى نيّة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما تميَّز بنفسه لا يحتاج إلى نيَّة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تندرج تحت قاعدة النّيَّة. فالنّيَّة إنّما شرعت لتمييز العبادات عن العادات التي لها شبه بها، ولتمييز رتب العبادات بعضها عن بعض، لكن إذا كانت العبادة متميّزة بنفسها، ولا تلتبس بعادة من العادات - أي لا مثيل لها في العادات، فلا تحتاج إلى نيَّة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ذكر الله ، والإيمان به لا يحتاج إلى نيَّة؛ لأنّه لا مثيل له في العادة وهو عبادة متميّزة بنفسها - إلا إذا كان الذّكر منذوراً فيجب فيه النّيَّة.
ومنها: الرّجاء في الله والخوف منه لا يحتاج إلى نيَّة.
ومنها: النّيَّة لا تحتاج إلى نيَّة وإلا تسلسل الأمر إلى ما لا نهاية.
ومنها: قراءة القرآن؛ لأنّ كلّ هذه متميّزة بصورتها. إلا إذا كانت القراءة منذورة.
стр. 3603
القاعدة الثّانية والأربعون [الثّابت بدلالة اللفظ والنّصّ]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ما ثبت بدلالة اللفظ فهو كالملفوظ (١).
وفي لفظ: ما ثبت بالدّلالة فهو كالثّابت بالنّص (٢).
وفي لفظ: ما ثبت بدلالة النّصّ عادة فهو كالمنصوص عليه (٣).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
دلالة اللفظ: هو أي يكون الحكم مفهوماً من اللفظ لغة أو عادة، فما ثبت بتلك الدّلالة يكون كالمنصوص عليه والمنطوق بعبارة النّصّ في بناء الحكم عليه وينظر القاعدة السّادسة من قواعد حرف الثّاء.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ (٤)، دليل على أنّ الشّهادة حجّة في الأحكام.
стр. 3604
ومنها: إذا أقرّ في مرض موته: أنّ هذه الألف درهم التي عنده لقطة، فيجب على الورثة التّصدّق بتلثها؛ لأنّ إقراره بها كالأمر للورثة أن يتصدّقوا بها دلالة، فيتصدّقوا به من ثلثه.
ومنها: إذا أقرّ بكرم في أرض. كان للمُقَرِّ له الكرم بأرضه؛ لأنّ اسم الكرم يجمع الشّجر والأرض عادة.
ومنها: إذا قال: غصبت من فلان شيئاً. فالإقرار صحيح، ويلزمه ما يبيِّنه، ولا بدّ أن يكون مالاً يجري فيه التّمانع بين النّاس؛ لأنّ الغصب لا يَرِد إلاَّ على مال.
ومنها: إذا قال: ليس لك عليّ أكثر من مئة درهم. كان ذلك دليلاً على وجوب المئة في ذمّته.
стр. 3605
القاعدة الثّالثة والأربعون
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ما ثبت بزمان يحكم ببقائه ما لم يوجد المزيل (١).
وفي لفظ: ما ثبت بزمان يحكم ببقائه ما لم يوجد دليل بخلافه (٢).
وفي لفظ: ما ثبت يكون باقياً ما لم يوجد الدّليل المزيل (٣).
وفي لفظ: ما عُلِم ثبوته فالأصل بقاؤه ما لم يعرف المُسْقِط (٤).
وفي لفظ: ما عُرِف قيامه فالأصل بقاؤه ما لم يعلم الهلاك (٥).
وفي لفظ: ما عُرِف ثبوته فالطّاهر بقاؤه (٦). أو فالأصل بقاؤه. ما لم يظهر خلافه.
стр. 3606
وفي لفظ: ما عرف ثبوته فالأصل بقاؤه ويجب التّمسّك به حتى يعلم خلافه (١).
وفي لفظ: ما عرف ثبوته فالأصل بقاؤه ما لم يتيقّن بزواله، أو إلى أن يتبيّن سبب زواله (٢).
[الثّابت يقيناً - الاستصحاب]
ثانياً: معنى هده القواعد ومدلولها:
هذه القواعد تمثّل قاعدة الاستصحاب السّابقة بلفظ: "الأصل بقاء ما كان على ما كان"، وينظر قواعد حرف الهمزة تحت الرقم ٣٥١، ٤٣٠ وينظر الوجيز ص ١٧٢. فما ثبت وجوده بزمان سابق فيجب الحكم ببقائه واستدامته إلا إذا وجد سبب ينفيه ويزيله يقيناً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا تزوّج رجل امرأة بعقد صحيح فنحن نحكم بالزّوجيّة بينهما، وينسب الأولاد من هذه المرأة إلى الزّوج، ويجب على الزّوج النّفقة إلى غير ذلك من الحقوق والواجبات، ولا نحكم بزوال الزّوجيّة بينهما إلا إذا وُجد سبب ذلك طلاق أو فسخ أو خلع، أو غير ذلك من أسباب الفرقة يقيناً.
ومنها: إذا شُغلت ذمّة إنسان بدين فإنّا نحكم بإشغال هذه الذّمّة بذلك الدّين حتى يثبت الأداء أو الإبراء.
стр. 3607
ومنها: إذا أقرَّ فقال: كان له عليَّ ألف درهم. ثمّ قال: قد قضيتها إيّاه قبل أن أُقِرّ به، وجاء بالبيِّنة على القضاء قبلت بيِّنه، فهو قد أقرّ بحقّ سابق ثمّ ادّعى أداءه بالبيّنة، فقد أتى بما يناقض إقراره، فيقبل منه بالبيّنة، وتكون البيّنة دليلاً على سقوط ما ثبت في ذمّته.
стр. 3608
القاعدة الرّابعة والأربعون [ما ثبت بالشّرع]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ما ثبت بالشّرع أولى ممّا يثبت بالشّرط (١).
وفي لفظ: ما ثبت بالشّرع مقدّم على ما ثبت بالشّرط (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
ما أثبته الشّرع يجب تقديمه على غيره؛ لأنّ الأصل أنّ الأحكام هي للشّرع ومنه لا لغيره، ولأنّ ما يثبته الشّرع حقّ ومصلحة، وما يثبته العبد لنفسه أو لغيره إمّا موافق لما أثبته الشّرع فهو مقبول، وإمّا مخالف لما أثبته الشّرع فهو مرفوض ومردود؛ لما فيه من المفسدة.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا قال الرّجل لامرأته: طلّقتك بألف على أنّ لي الرّجعة. يسقط قوله "بألف" ويقع رجعياً؛ لأنّ المال ثبت بالشّرط، والرّجعة ثبتت بالشّرع، فكانت أقوى. ولأنّه لو قدّمنا الشّرط لكان خلعاً لا حقَّ له في رجعتها، ولكنّه اشترط على أنّ له الرّجعة الثّابتة بطريق الشّرع.
ومنها: إذا استولد أمة ثمّ دبرها. قالوا: لا يصحّ التّدبير؛ لأنّ
стр. 3609
عتق المستولدة عند الموت ثابت بالشّرع فلا يحتاج وقت الموت إلى تدبير.
ومنها: لا يصحّ نذر الواجب؛ لأنّ الواجب ثابت بالشّرع.
ومنها: إذا أحرم بتطوّع أو نذر - وهو لم يحجّ حجّة الإسلام - وقع إحرامه عن حجّة الإسلام؛ لأنّه يتعلّق بالشّرع، ووقوعه عن التّطوّع والنّذر متعلّق بإيقاعه عنهما والأوّل أقوى.
стр. 3610
القاعدة الخامسة والأربعون [الثّابت بالضّرورة والعذر]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ما ثبت بالضّرورة يتقدّر بقدرها ويتجدّد بتجدّدها (١).
وفي لفظ: ما ثبت لعذر بطل بزواله (٢). أو ما جاز لعذر (٢).
وفي لفظ: ما أبيح للضّرورة يقدَّر بقدرها (٣).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
ما أبيح للضّرورة والعذر فهو يقدّر بقدر الضّرورة والعذر ولا يجوز أن يزيد عليهما. ولكن إذا زالت الضّرورة والعذر رجع الأمر إلى العزيمة. وكلّما عادت الضّرورة وتجدّد العذر لزمت الرّخصة وتجدّدت.
وينظر من قواعد حرف الضّاد القاعدة رقم ١١، ومن قواعد