وفي لفظ: ما عرف ثبوته فالأصل بقاؤه ويجب التّمسّك به حتى يعلم خلافه (١).
وفي لفظ: ما عرف ثبوته فالأصل بقاؤه ما لم يتيقّن بزواله، أو إلى أن يتبيّن سبب زواله (٢).
[الثّابت يقيناً - الاستصحاب]
ثانياً: معنى هده القواعد ومدلولها:
هذه القواعد تمثّل قاعدة الاستصحاب السّابقة بلفظ: "الأصل بقاء ما كان على ما كان"، وينظر قواعد حرف الهمزة تحت الرقم ٣٥١، ٤٣٠ وينظر الوجيز ص ١٧٢. فما ثبت وجوده بزمان سابق فيجب الحكم ببقائه واستدامته إلا إذا وجد سبب ينفيه ويزيله يقيناً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا تزوّج رجل امرأة بعقد صحيح فنحن نحكم بالزّوجيّة بينهما، وينسب الأولاد من هذه المرأة إلى الزّوج، ويجب على الزّوج النّفقة إلى غير ذلك من الحقوق والواجبات، ولا نحكم بزوال الزّوجيّة بينهما إلا إذا وُجد سبب ذلك طلاق أو فسخ أو خلع، أو غير ذلك من أسباب الفرقة يقيناً.
ومنها: إذا شُغلت ذمّة إنسان بدين فإنّا نحكم بإشغال هذه الذّمّة بذلك الدّين حتى يثبت الأداء أو الإبراء.
стр. 3607
ومنها: إذا أقرَّ فقال: كان له عليَّ ألف درهم. ثمّ قال: قد قضيتها إيّاه قبل أن أُقِرّ به، وجاء بالبيِّنة على القضاء قبلت بيِّنه، فهو قد أقرّ بحقّ سابق ثمّ ادّعى أداءه بالبيّنة، فقد أتى بما يناقض إقراره، فيقبل منه بالبيّنة، وتكون البيّنة دليلاً على سقوط ما ثبت في ذمّته.
стр. 3608
القاعدة الرّابعة والأربعون [ما ثبت بالشّرع]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ما ثبت بالشّرع أولى ممّا يثبت بالشّرط (١).
وفي لفظ: ما ثبت بالشّرع مقدّم على ما ثبت بالشّرط (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
ما أثبته الشّرع يجب تقديمه على غيره؛ لأنّ الأصل أنّ الأحكام هي للشّرع ومنه لا لغيره، ولأنّ ما يثبته الشّرع حقّ ومصلحة، وما يثبته العبد لنفسه أو لغيره إمّا موافق لما أثبته الشّرع فهو مقبول، وإمّا مخالف لما أثبته الشّرع فهو مرفوض ومردود؛ لما فيه من المفسدة.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا قال الرّجل لامرأته: طلّقتك بألف على أنّ لي الرّجعة. يسقط قوله "بألف" ويقع رجعياً؛ لأنّ المال ثبت بالشّرط، والرّجعة ثبتت بالشّرع، فكانت أقوى. ولأنّه لو قدّمنا الشّرط لكان خلعاً لا حقَّ له في رجعتها، ولكنّه اشترط على أنّ له الرّجعة الثّابتة بطريق الشّرع.
ومنها: إذا استولد أمة ثمّ دبرها. قالوا: لا يصحّ التّدبير؛ لأنّ
стр. 3609
عتق المستولدة عند الموت ثابت بالشّرع فلا يحتاج وقت الموت إلى تدبير.
ومنها: لا يصحّ نذر الواجب؛ لأنّ الواجب ثابت بالشّرع.
ومنها: إذا أحرم بتطوّع أو نذر - وهو لم يحجّ حجّة الإسلام - وقع إحرامه عن حجّة الإسلام؛ لأنّه يتعلّق بالشّرع، ووقوعه عن التّطوّع والنّذر متعلّق بإيقاعه عنهما والأوّل أقوى.
стр. 3610
القاعدة الخامسة والأربعون [الثّابت بالضّرورة والعذر]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ما ثبت بالضّرورة يتقدّر بقدرها ويتجدّد بتجدّدها (١).
وفي لفظ: ما ثبت لعذر بطل بزواله (٢). أو ما جاز لعذر (٢).
وفي لفظ: ما أبيح للضّرورة يقدَّر بقدرها (٣).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
ما أبيح للضّرورة والعذر فهو يقدّر بقدر الضّرورة والعذر ولا يجوز أن يزيد عليهما. ولكن إذا زالت الضّرورة والعذر رجع الأمر إلى العزيمة. وكلّما عادت الضّرورة وتجدّد العذر لزمت الرّخصة وتجدّدت.
وينظر من قواعد حرف الضّاد القاعدة رقم ١١، ومن قواعد
стр. 3611
حرفٍ الميم القاعدة رقم ١٣، ١٤، وينظر الوجيز ص ٢٣٩ - ٢٤١.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا حدثت مجاعة واضطر إلى أكل الميتة حلَّت له بل وجب عليه تناولها. ويأكل منها بقدر الضّرورة واستمرارها، فإذا زالت المجاعة حرم عليه تناولها. ولكن إذا رجعت المجاعة تجدّدت له رخصة تناول الميتة ما دام لم يجد المذكّاة أو الطّعام الحلال الطّيب.
ومنها: الطّعام في دار الحرب يؤخذ من الغنيمة قبلت القسمة على حسب الحاجة.
ومنها: المرأة إذا احتاجت إلى طبيب - عند عدم الطّبيبة المرأة - لم يجز لها أن تكشف من جسدها إلا القدر الّذي لا بدّ من كشفه، ولو زادت عصت الله تعالى.
стр. 3612
القاعدة السّادسة والأربعون [الثّابت بالعادات]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما ثبت بالعادات مثل ما ثبت بالشّهادات في تعليق الأحكام عليها (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الشّهادات بنى عليها الشّارع الحكيم أحكاماً، وأثبت بها أموراً عظيمة فيما يتعلّق بالدّين والدّم والمال والعرض. فبالشّهادة يباح الدّم ويحقن، وبها يباح المال ويحرم، وبها يباح العرض ويحرم.
فما ثبت بالعادة والعرف في بناء الأحكام عليه مثل ما ثبت بالشّهادة في بناء الأحكام عليها، لكن بشرط أن لا يكون العرف والعادة معارضاً للنّصوص الشّرعيّة أو لأحكام الشّرع. وينظر القاعدة رقم ٥ من قواعد حرف الثّاء.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الإجماع السّكوتي معتبر عند جمهور الأصوليّين - وهو أن يصدر على بعض المجتهدين حكم في مسألة ويعلم به المجتهدون الآخرون فيسكتون ولا يظهرون الرّضا ولا الإنكار ولم يكن ثمّة مانع أوجب سكوتهم أو قهر أوجب إظهار الرّضى، ففي هذه الحالة يعتبر هذا
стр. 3613
إجماعاً صحيحاً؛ لأنّ العادة فيما بين أهل الاجتهاد إظهار الخلاف من غير توقّف. فدلّ لسكوتهم هنا على الرّضا والموافقة على ذلك الحكم أو تلك الفتوى.
стр. 3614
القاعدة السّابعة والأربعون [الثّابت مع المنافي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما ثبت بوجود المنافي ضرورة لا يكون محالاً به على الإقرار (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تتعلّق ببعض مفسدات ومبطلات الإقرار، فإنّ الإقرار إذا كان مكذَّباً شرعاً فإنّه باطل وساقط، وكذلك إذا كذّبه الواقع، وفي هذه القاعدة بيان أحد مبطلات الإقرار وهو وجود المنافي والمعارض للإقرار ضرورة ولزوماً. وليس المراد بالضرورة هنا الاضطرار بل اللّزوم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ادّعى أبو الزّوج نسب زوجة ابنه - أي قال: إنّها ابنته. وصدَّقته - وكانت أقرّت قبلاً أنّها أمة لرجل - فينفسخ نكاحها من ابنه، لأنّها بادّعاء الأب تكون أخت الزّوج. فهنا عمل ادّعاء الأب ببنوّة الزّوجة على فسخ نكاحها من ابنه، ولم يعمل إقرارها بأنّها أمّة لرجل على إبقاء النّكاح - ومن ضرورة ثبوت نسبها من أب الزّوج انتفاء النّكاح.
стр. 3615
ومنها: لو أنّ مجهولة الأصل تزوّجت رجلاً، ثمّ أقرّت بالملك لرجل فهي أمة له؛ لإقرارها على نفسها بالرّق - وهو أمر محتمل في ذلك الزّمن - ولا تصدّق على فساد النّكاح؛ لأنّه ليس من ضرورة كونها أمة له بإقرارها فساد النّكاح؛ فإنّ نكاح الأمة بإذن مولاها صحيح.
ومنها: إذا ادّعى رجل على امرأة أنّها أمته وادّعت أنّه عبدها - ولا يعرف أصلهما - وليس الواحد منهما في يد صاحبه - وصدَّق كلّ واحد منهما صاحبه في دعواه، كان دعواهما وإقرارهما باطلاً؛ لأنّ تصديق كلّ واحد منهما لصاحبه إقرار بالرّق له على نفسه، وبين الإقرارين منافاة ضرورة؛ لاستحالة أن يكون كلّ واحد منهما مالكاً لصاحبه مملوكاً له. فإذا تحقّق التّنافي تهاترت الدّعويان والإقراران وتساقطا.
стр. 3616
القاعدة الثّامنة والأربعون [الثّابت باليقين]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ما ثبت بيقين لا يزول بالشّكّ (١). أو: لا يرتفع إلا بيقين مثله (٢). أو: فلا يرفع إلا بيقين (٣).
وفي لفظ: ما عرف ثبوته بيقين لا يحكم بزواله بالاحتمال (٤). أو: لا يُزال إلا بيقين مثله (٥).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة إحدى القواعد السّت الكبرى، وتعتبر من أهم القواعد وأكثرها فروعاً ومسائل، ومفادها: أنّ ما عرف ثبوته أو نفيه بيقين - أي قطع وجزم - لا يجوز رفعه بأدنى من اليقين، فلا يرتفع بالشّكّ أو بالظّنّ الضّعيف، ولكن قد يعتبر خلافه عند غلبة الظّنّ احتياطاً.
وقد سبق أمثال لهذة القاعدة ضمن قواعد حرف الهمزة تحت الرّقم ٤٢٨، وضمن قواعد حرف (لا) تحت الرّقم ١٢٠. وسيأتي لفظ القاعدة المشهور ضمن قواعد حرف الياء بلفظ: اليقين لا يزول بالشّكّ.
стр. 3617
القاعدة التّاسعة والأربعون [الحكم الأصلي - العوارض الجزئيّة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما ثبت حكماً أصليّاً لا يسقط بالعوارض الجزئية (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالحكم الأصلي الحكم العام المشروع بناء على القواعد المستقرّة، وهو العزيمة. والمراد بالعوارض الجزئيّة: الطّوارئ والظّروف النّادرة، لا الضّرورات المبيحة.
فالحكم الثّابت أصالة لا يسقطه وجود أمر طارئ عليه. وقد سبق مثل هذه القاعدة ضمن قواعد حرف "لا" تحت الرّقم ١١٥.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
نيَّة الصّلاة ولو ضاق الوقت لا بدّ من تعيينها، ولو كانت الصّلاة متعيّنة بضيق الوقت إلا عنها.
ومنها: العصمة الثّابتة بالإسلام والدّار لا تسقط بعارض الحرب، حتّى لو دخل مسلمان دار الحرب وقتل أحدهما صاحبه تجب الدّيّة؛ لأنّ الأصل وهو العصمة لا تبطل بهذا العارض.
стр. 3618
ومنها: وجوب الجزاء على المحرم إذا ذبح ظبياً مستأنساً؛ لأنّه صَيْد في الأصل فلا يبطله الاستيناس، كالبعير إذا ندّ - أي شرد عن صاحبه - لا يأخذ حكم الصّيد في الحرمة على المحرم حتى يحلّ عقره عليه، أي يجوز له أن يصيبه بالسّلاح في أي موضع ويحلّ أكله، وكذا لو سقط في بئر ولم يمكن إخراجه حيّاً.
стр. 3619
القاعدتان الخمسون والحادية والخمسون [التّابع تابع]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ما ثبت ضمناً لشيء لا يثبت قبله (١).
وفي لفظ: ما ثبت ضمناً للشّيء يتقدّر بقدره (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
القاعدة الأولى مفادها: أنّ الثّابت ضمن شيء آخر هو تابع له في وجوده وأحكامه، ولمّا كان المتبوع أصلاً، والتّابع فرعاً له، كان الضّامن أصلاً والمضمون فرعاً له كذلك، ولمّا كان التّابع لا يسبق متبوعه كان ما ثبت ضمناً لشيء لا يثبت قبله؛ ضرورة أنّ وجود التّابع مترتّب على وجود المتبوع. وينظر من قواعد حرف التّاء القاعدة ٣٠.
وأمّا مفاد القاعدة الثّانية: فالثّابت ضمن شيء آخر لا يزيد عليه بل هو مقدّر بقدره؛ لأنّ التّابع للشّيء في وجوده تابع له في حكمه.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
يجوز شراء بقرة في بطنها حمل، ولكن لا يجوز شراء الحمل
стр. 3620
في بطن البقرة قبل شراء البقرة.
ومنها: من استعمل الوديعة فهو ضامن لها، لكن إذا ردّها للحفظ لا يضمن فالضّمان مقدّر بزمن الاستعمال والمخالفة.
ومنها: ممنوعات الإحرام مقدّرة بوجود الإحرام، فإذا أحلّ المحرم أبيح له ما كان ممنوعاً، ولا يجوز له أن يحرّم على نفسه ما كان محرّماً بزمن الإحرام.
ومنها: الإمساك عن المفطرات مقدّر بطلوع الفجر إلى غروب الشّمس. فلا يجوز الاستمرار بالامتناع على المفطرات بعد الغروب.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هاتين القاعدتين:
الحرّ في بطن الأمة يزيد عنها - مع أنّه ثابت ضمنها - فيجوز الهبة والوصيّة والميراث له، وكلّ ذلك لا يجوز للأمة. كما أنّه يجوز أن يعتق ما في بطن الأمة قبل عتقها.
стр. 3621
القاعدة الثّانية والخمسون [الثّابت على خلاف الدليل - الرّخصة والقياس عليها]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما ثبت على خلاف الدّليل للحاجة قد يتقيّد بقدرها، وقد يصير أصلاً مستقلاً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تتعلّق بالرّخص والقياس عليها. فالرّخصة إنّما تثبت ضرورة أو لحاجة بخلاف دليل العزيمة. وهي مقدّرة بقدر الضّرورة أو الحاجة، وتزول بزوالهما.
ولكن هل تصبح الرّخصة أصلاً مستقلاً؟ أي حكماً شرعيّاً ثابتاً على العموم ويقاس عليها غيرها ممّا لا نصّ فيه؟
مفاد القاعدة: نعم. وهذا مذهب الشّافعيّة وعدد من الفقهاء؛ إذ يرون أنّ الرّخصة يجوز أن يقاس عليها ما يشبهها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
العرايا: وهي جمع عريَّة. ثبتت رخصة للحاجة في التّمر والرّطب خاصّ، فهل يقاس عليها العنب والزّبيب، والتّين الجاف والمشمش الجاف وأمثالها ممّا يجفّف من الفواكه والثّمار؟ خلاف.
стр. 3622
ومنها: صلاة القصر شرعت حالة الخوف بنصّ القرآن الكريم، الآية ١٠١ من سورة النّساء ثم عمَّت جميع الأسفار المباحة، وقال ﷺ : "صدقة تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" (١).
ومنها: الإجارة جوّزت على خلاف الدّليل لورودها على المنافع المعدومة - حين العقد - للحاجة، ولم تتقيّد بالحاجة، بل صارت أصلاً لعموم البلوى.
ومنها: السّلم لأنّه بيع معدوم.
ومنها: الجعالة لما فيها من جهالة العمل.
стр. 3623
القاعدة الثّالثة والخمسون [الثّابت على خلاف الدّليل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما ثبت على خلاف الدّليل في الواجب هل تلتحق به النّوافل (١)؟
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا ثبت شيء على خلاف القواعد العامّة في الفرائض، هل تلتحق به النّوافل والتّطوّعات فيثبت فيها ما ثبت في الفرائض مخالفاً للدّليل؟
ومعنى مخالفة الدّليل: إنّه فعلٌ لما لا يجب (٢).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
سجود السّهو قالوا: ثبت على خلاف الدّليل في الفرض.
وقالوا: للشّافعي قول غريب - وهو القول القديم. إنّه لا يسجد للسّهو في النّوافل. والجديد على خلافه.
ومنها: قالوا: التّيمّم على خلاف الدّليل في الواجب. ويشرع في النّفل أيضاً.
ومنها: هل تجوز النّيابة على المعضوب في حجّ التّطوّع، كالفرض. قولان عند الشّافعيّة.
стр. 3624
القاعدة الرّابعة والخمسون [الثّابت على خلاف الظّاهر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما ثبت على خلاف الظّاهر (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بخلاف الظّاهر: خلاف الحالة الواضحة الثّابتة التي يغلب على الظّنّ بقاؤها واستمرارها. فهذة الحالة الأصليّة قد تخالَف ويثبت ضدّها؛ لأنّ الشّرع إنّما أقام البيّنات وأجاز الدّعاوى لإثبات الحقوق أو نفيها بقطع النّظر عن حال الشّخص المدّعَى عليه؛ لأنّ هذه الظّواهر قابلة للتّغيّر في كثير من الأحيان.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ادّعى البرّ التّقي الصّدوق الموثوق بصدقه وعدالته على الفاجر المعروف والمشهور بالفجور وغصب الأموال وإنكارها أنّه غصب منه شيئاً أو أتلفه فعلى المدّعِي - وإن كان تقيّاً صدوقاً برّاً - البيِّنة، وعلى المدّعَى عليه اليمين إذا لم يُقِم المدّعِي البيّنة. وتقبل يمين المدّعَى عليه عند ذلك، وإن كان على خلاف الظّاهر.
ومنها: لو ادّعى ذلك الفاجر على هذا التّقي المشهور بالصّدق
стр. 3625
والأمانة شيئاً وطلب يمينه أحلفناه له، مع أنّ الظّاهر يكذّبه في دعواه.
ومنها: إذا ادّعى إنسان على قاضٍ أنّه استأجره لكنس داره ونحوه سمعت الدّعوى على الأصحّ وإن كان ذلك ممتنعاً عادة.
ومنها: إذا أتت الزّوجة بالولد لدون أربع سنين من حين الطّلاق بعد انقضاء عدّتها بالأقراء، فإنّ هذا الولد يلحق بالزّوج. مع أنّ الغالب الظّاهر أنّ الولد لا يتأخّر لهذه المدّة. قالوا: لأنّ الأصل عدم الزّنا، وعدم وطء الشّبهة، والشّارع متشوّق إلى السّتر ودرء الحدّ، فغلّب الأصل على الظّاهر.
ولكن في هذه المسألة خلاف؛ لأنّ الأخذ بهذا الحكم وبخاصّة في زمننا فتح باب يصعب سدّه، فكيف ينسب ولد لزوج طلّق زوجته أو مات عنها منذ أربع سنوات، وانتهت عدّتها بالأقراء في الطّلاق - وكيف يكون حصول الحمل مع وجود الحيض ثلاث مرّات بعد الطّلاق، هذا الحمل لا يعقل أن يكون من الزّوج قطعاً.
وقد قال ابن عبد السّلام ﵀: قلنا: وقوع الزّنا أغلب من تأخّر الحمل إلى أربع سنوات إلا ساعة واحدة. وكذلك الإكراه والوطء بالشّبهة. ولا يلزم على ذلك حدّ الزّنا فإنّ الحدود تسقط بالشّبهة (١).
وهذا هو الحقّ إن شاء الله.
стр. 3626
القاعدة الخامسة والخمسون [ما ثبت على خلاف القياس]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما ثبت على غير القياس - أو على خلاف القياس - فغيره لا يقاس عليه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تقابل قاعدة سبقت قريباً، ومفادها: أنّ ما ثبت على غير القواعد المستقرة وخلافاً للأحكام العامّة - والمراد به الرّخص - إنّما يقتصر به على مورده ولا يقاس عليه غيره. فالرّخص مقصورة على مواضع ورودها. وهذه من مسائل الخلاف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
قضاء سنّة الفجر معها ثبت على خلاف القياس، فلا يقاس عليها غيرها من السّنن - وهذا عند الحنفيّة - إذ عند غيرهم يجوز قضاء السّنن، كسنّة الظّهر البعديّة، وهذه تقضى وحدها - لكن إذا لم يصلّ الظّهر في وقتها فهل له قضاء سننها معها؟ وتقاس على الفجر؟ الرّاجح عند الجميع عدم القضاء.
стр. 3627
ومنها: البناء على الصّلاة إذا سبقه الحدث أو الرعاف ثابت على خلاف القياس، فلا يقاس عليه من أحدث عمداً، بل يجب عليه الاستئناف.
ومنها: عند الحنفيّة - لا يشترط النّيَّة في الوضوء مع اشتراطها في التّيمّم, لأنّ التّطهير بالتّراب تعبّدي لا بُدَّ له من النّيَّة فلا يقاس عليه الوضوء؛ لأنّ التّطهير بالماء معقول المعنى من حيث إنّ الماء مطهّر بنفسه فلا يحتاج إلى النّيَّة.
وأقول: ولو صحّ هذا القياس فلا ثواب للمتوضّئ؛ لأنّ الثّواب إنّما يترتّب على نيَّة العبادة، ولا يكون الوضوء عبادة يثاب عليها إلا بالنّيَّة. وهذا أمر متّفق عليه.
стр. 3628
القاعدة السّادسة والخمسون [ما ثبت على الفور أو التّراخي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما ثبت على الفور أو على التّراخي أو فيه خلاف (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تختصّ بالخيارات - جمع خيار - وهي على ثلاثة أنواع: نوع على الفور قولاً واحداً، ونوع على التّراخي قولاً واحداً، ونوع مختلف فيه والتّرجيح مختلف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
النوع الأوّل: ما هو على الفور قولاً واحداً:
خيار الرّدّ بالعيب. وخيار النقيصة، وخيار الخُلف إذا شرط الرّهن أو الضمين فلم يَفِ بذلك أو امتنع من إقباض الرّهن، وامتنع الضّامن من الكفالة.
ومنها: إذا زُوِّجت المرأة من غير كُفء بغير رضاها - فإذا قلنا بصحّة النّكاح - فلها الخيار وهو على الفور.
النّوع الثّاني: ما هو على التّراخي قولاً واحداً.
стр. 3629
خيار المجلس، ممتدّ بامتداد المجلس.
ومنها: خيار الشّرط ثلاثة أيّام فما دونها.
ومنها: خيار الوالد في الرّجوع فيما وهب لولده، وهو على التّراخي لا إلى أمد، حتى قالوا: لو أسقط هذا الخيار لم يسقط بل له الرّجوع بعد ذلك.
ومنها: خيار من أبهم الطّلاق بين زوجتيه، أو أبهم العتق بين أمَتيه. على التّراخي أيضاً.
ومنها: خيار التّعيين كمن أسلم على أكثر من أربع نسوة، لكنّه لا يمهل حتى تطول المدّة.
ومنها: تخيير الولي بين العفو والقصاص، وكذلك حقّ القذف أو التّعزير كلّه ثابت لصاحب الحقّ على التّراخي.
النوع الثالث: وهو ما فيه الخلاف وهو قسمان:
القسم الأوّل: ما فيه الخلاف والأرجح أنّه على الفور:
خيار التّصرية فيه وجهان، أصحّهما أنّه على الفور. والثّاني: أنّه يمتد ثلاثة أيّام.
ومنها: خيار البائع في الرّجوع إلى عين مالِه عند فلس المشتري. فيه وجهان: والأصحّ أنّه على الفور.
ومنها: الأخذ بالشّفعة: إذ الشّفيع مُخَيَّر بين الأخذ والتّرك. وفيه خمسة أقوال: أظهرها أنّه على الفور.
القسم الثّاني: ما فيه الخلاف والأرجح أنّه على التّراخي:
стр. 3630
خيار المجلس إذا مات من له الخيار، وانتقل حقّه إلى وارثه، فإن كان حاضراً مجلس العقد فحكمه حكم مورّثه. وإن كان غائباً ففيه أوجه: أصحّها، أنّه يمتدّ الخيار حتى يفارق مجلس الخبر.
ومنها: خيار السّلم إذا انقطع المسلم فيه عند محلة لجائحة، فالصّحيح أنّه على التّراخي.
стр. 3631
القاعدة السّابعة والخمسون [ما ثبت للجماعة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما ثبت لجماعة فهو بينهم على سبيل الاشتراك (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا ثبت شيء لإنسان فله التّصرف فيه منفرداً لا يشاركه فيه غيره، ولكن إذا ثبت شيء لجماعة - اثنين فصاعداً - فهو شركة بينهم على التّساوي أو التفاضل - بحسب أنصبتهم - ولا يجوز انفراد أحدهم بالتّصرّف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا وصَّى اثنين فلا يجوز انفراد أحدهما بالتّصرّف، فلا بدّ من اجتماعهما؛ لأنّ الموصي إنّما رضي باجتماع رأييهما.
ومنها: إذا جعل على الوقف ناظرين فكذلك لا يجوز انفراد أحدهما بالتّصرّف.
ومنها: إذا أعطى ماله مضاربة لشخصين فلا بدّ من اشتراكهما معاً في التّجارة.
стр. 3632
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
ولاية الإنكاح للصّغير والصّغيرة ثابتة للأولياء على سبيل الكمال لكل، فلكلّ واحد منهم حقّ تزويج الصّغير أو الصّغيرة منفرداً عن الآخرين.
ومنها: القصاص الموروث يثبت لكلّ من الورثة على الكمال، فلكلّ واحد من الورثة حقّ التنازل عن القصاص بدون رضاء الآخرين، فيسقط القصاص جملة؛ لأنّه لا يتجزّأ.
ومنها: ولاية المطالبة بإزالة الضّرر العام عن طريق المسلمين تثبت لكلّ من له حقّ المرور على الكمال؛ لأنّ الحقّ إذا كان لا يتجزّأ يثبت لكلٍّ على الكمال.
ومنها: حقّ الشّفعة يثبت للشركاء، لكلّ شريك على الكمال.
стр. 3633
القاعدة الثّامنة والخمسون [الثّابت لضرورة الشّهادة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما ثبت لضرورة الشّهادة فهو كالمشهود به (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الشّهادة إنّما شرعت لإثبات الحقوق المدَّعاة، ويثبت بها المدَّعَى به، وما يتعلّق بالمدّعَى ضرورة ولزوماً. فما ثبت بضرورة الشّهادة ولزومها يكون كأنّه مشهود به فيثبت ويلزم ويعتدّ به.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا شهد اثنان على رجل بأنّه قتل شخصاً عمداً أو خطأ، أو قطع يده أو رجله أو فقأ عينه عمداً أو خطأ فيلزم من اعتبار هذه الشّهادة والحكم بها ثبوت حقّ المطالبة بالقصاص أو الدّيّة لولي المقتول ضرورة، وكذلك ثبوت حقّ القصاص أو الأرش للمقطوع والمفقوءة عينه.
ومنها: ادّعى رجل وامرأة صبيّاً - وهو في يد المرأة - وأقام كلُّ من الرّجل والمرأة البيِّنة على أنّ هذا الصّبي ابنه، قضي وحكم بثبوت نسب الصّبي من كليهما، ومن ضرورة ذلك القضاء والحكم بالفراش بينهما - أي الزّوجيّة -. ولكن بشرط أن لا يكون في بيّنة المرأة ما يدفع بيّنة الرّجل كأن تدّعي في بيّنتها أن هذا الصّبي ابنها من زوجها فلان، غير الرّجل المدّعِي.
стр. 3634
القاعدة التّاسعة والخمسون [استثناء المنفرد بالعقد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما جاز إيراد العقد عليه بانفراده فإنّه يصحّ استثناؤه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الشّيء الّذي يجوز أن يقع العقد عليه منفرداً - أي هو المستقلّ بنفسه - يجوز ويصحّ استثناؤه من العقد؛ لأنّه غير تابع لغيره، وبالمقابل ما لا يجوز انفراده بالعقد لا يصحّ استثناؤه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الحيوان والعقار والعروض كلّها أشياء يجوز وقوع العقد عليها بانفرادها، ولذلك يجوز استثناؤها أيضاً. فمن اشترى قطيعاً من الغنم واستثنى عدداً معيَّناً منه مبيَّناً جاز العقد والاستثناء.
ومنها: من باع داراً إلا غرفة منها صحّ البيع والاستثناء.
ومنها: الجنين في بطن الدّابّة لا يجوز استثناؤه؛ لأنّه لا يجوز إيراد العقد عليه منفرداً.
стр. 3635
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
أوصى بعبد من ثلثه لفلان. لا يجوز استثناء الخدمة، مع أنّ الوصيّة بخدمة العبد تجوز ويصحّ ايراد العقد عليها بانفرادها.
ومنها: عتق الجنين دون أمّه والوصيّة له جائز مع أنّه لا يصحّ إيراد العقد عليه منفرداً دون أمّه.
стр. 3636
القاعدتان السّتّون والحادية والسّتّون [البيع والرّهن والهبة والضّمان]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ما جاز بيعه جاز رهنه، وما لا فلا (١). أو ما قبل البيع قبل الرّهن.
وفي لفظ: ما جاز بيعه جاز هبته وما لا فلا (٢).
وفي لفظ: ما جاز الرّهن به صحّ ضمانه، وما لا فلا (٣).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
العقود وإن اختلفت موضوعاتها وصورها فبين كثير منها ارتباط، ففي هذه القواعد بيان الارتباط بين بعض العقود وبعضها.
فما جاز أن يقع عليه عقد البيع من الأشياء والسّلع والعروض جاز
стр. 3637
أن يقع مرهوناً وموهوباً، وما امتنع بيعه لعلَّة كالنّجاسة والتّحريم مثلاً لا يجوز رهنه ولا هبته وكذلك ما جاز أن يكون مرهوناً من الحيوان والعروض وغيرها جاز أن يكون مضموناً, لأنّ كونه جاز مرهوناً يدلّ على أنّه جاز مبيعاً وموهوباً، وما كان مبيعاً كان جائزاً ضمانه والكفالة به.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
كلّ طاهر منتفع به يجوز بيعه، فكذلك يجوز رهنه وهبته.
ومنها: إذا جاز رهن الحيوان أو العقار فإنّه يجوز أن يقع مضموناً ومكفولاً به.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القواعد:
المنافع يجوز بيعها - فالإجارة عند الشّافعيّة هي بيع المنفعة - ولكن لا يجوز رهنها لعدم تصوّر القبض فيها، وكذلك لا يجوز هبتها - لأنّ الهبة يشترط لتمامها قبض الموهوب والمنافع لا يتصوّر فيها ذلك. وبناء على ذلك لا يجوز ضمان المنافع ولا الكفالة بها.
ومنها: رهن النّصيب المشاع من بيت معيّن من دار محتملة للقسمة فيه وجهان: أصحّهما لا يصحّ الرّهن وإن جاز بيعه.
ومنها: إذا جعل شاته أضحية، لم يجز بيع نمائها من الصّوف واللّبن ويجوز وتصحّ هبته.
ومنها: الكلب تصحّ هبته ولا يجوز بيعه.
стр. 3638
القاعدة الثّانية والسّتّون [السَّلم والقرض]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما جاز السّلم فيه جاز قرضه، وما لا فلا (١).
وفي لفظ: ما لا يجوز السّلم فيه لا يجوز قرضه (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
السَّلَم: هو السَّلَف. وهو عقد على موصوف في الذّمّة، مؤجّل، بثمن مقبوض في مجلس العقد (٣).
القرض: هو السَّلَف، وهو ما تعطيه من المال لتقضاه.
فالسّلَم والقرض متشابهان من حيث إنّ كلاً منهما مؤجّل، لكن السّلم المؤجّل فيه المسلّم فيه وهو الموصوف في الذّمّة. والقرض المؤجّل فيه أداؤه وإعادته إلى المقرض. وينبني على تشابه السّلم والقرض جواز كلّ واحد منهما بما يجوز في الآخر. فما يجوز فيه السّلم يجوز فيه القرض، وما لا يجوز فيه السّلم لا يجوز فيه القرض.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
يجوز السّلم في التّمر والحيوان، ولذلك يجوز قرضهما.
стр. 3639
ومنها: يجوز السّلم في كلّ مكيل وموزون وكذلك القرض.
ومنها: لا يجوز السلّم في العددي المتفاوت، ولذلك لا يجوز قرضه (١).
رابعاً: ممّا يستثنى من مسائل هذه القاعدة:
الجارية التي تحلّ للمقترض يجوز السّلم فيها، ولا يجوز قرضها. لأنّه لا يجوز قرض الجواري وإن جاز السّلم فيهن بشروط.
ومنها: الدّراهم المغشوشة، يجوز السّلم فيها ولا يجوز قرضها.
стр. 3640
القاعدة الثّالثة والسّتّون [ما جاز على التّخيير أو البدل]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ما جاز على البدل لا يدخله تبعيض فيهما (١).
وفي لفظ: ما جاز فيه التّخيير لا يجوز فيه التّبعيض إلا أن يكون الحقّ لمعيّن ورضي (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
الإبدال والتّخيير وإن اختلفا لفظاً فهما متّفقان مفهوماً.
فمن الواجبات على المكلّف والكفّارات والحقوق ما يسَّره الشّرع عليه بأن أباح له وأجاز التّخيير فيه بين عدّة أشياء، أو الانتقال إلى بدل المفروض عند فقده، وعدم وجوده، أو عدم القدرة على استعماله. فإذا أتى المكلّف بواحد من المخيّر فيه برئت ذمّته ولم يكلّف الإتيان بغيره، ومنها ما يكون على التّرتيب بحيث إنّ المكلّف إذا لم يستطع الأوّل فله أن ينتقل إلى الثّاني.
فمفاد هاتين القاعدتين: أنّ ما أجاز الشّرع فيه التّخيير والإبدال لا يجوز للمكلّف أن يأتي بجزء من كلّ شيء ممّا جاز فيه التّخيير؛ لأنّ التّخيير بين الأشياء لا بين أجزائها. وكذلك لا يجوز له
стр. 3641
أن يفعل جزءاً من الأصل المبدل منه وجزءاً من البدل مع القدرة على الأصل. ولكن استثني من ذلك إذا كان الحقّ المخيّر فيه لشخص أو جهة معيّنة ورضي الشّخص أو الجهة بأخذ بعضٍ من كلّ شيء ممّا جاز فيه التّخيير.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
التّيمّم شرع بدلاً عن الماء عند فقده أو عند عدم القدرة على استعماله، لكن مع وجوده والقدرة على استعماله لا يجوز للمكلّف أن يغسل بعض جسمه ويتيمّم للباقي، أو يغسل بعض أعضاء الوضوء ويتيمّم للباقي. إلا إذا كان ما عنده من الماء لا يكفي لغسل كلّ الأعضاء - فعند بعضهم - يغسل ما قدر عليه ويتيمّم للباقي.
ومنها: إذا قدر المتمتّع أو القارن على الشّاة فليس له الانتقال إلى الصّوم، وبالأولى لا يجوز له أن يهدي نصف شاة ويصوم خمسة أيّام، وهو قادر على شاة كاملة، ولكن إذا لم يقدر على شاة كاملة فعليه الانتقال إلى الصّوم.
ومنها: في كفّارة اليمين لا يجوز للمكفَّر أن يطعم خمسة مساكين ويكسو خمسة.
ومنها: في كفّارة القتل الخطأ عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين عند عدم القدرة على العتق، فلا يجوز أن يعتق نصف رقبة ويصوم شهراً - سواء أكان قادراً على عتق رقبة كاملة أو قادراً على
стр. 3642
نصف رقبة فقط، فعند عدم القدرة على رقبة كاملة فينتقل إلى صيام شهرين متتابعين.
ومنها: الشّفيع مخيّر بين الأخذ بالشّفعة أو التّرك. فلو أراد أخذ بعض المشفوع فيه فليس له ذلك. لكن إذا رضي المشتري فإنّه يجوز؛ لأنّ الحقّ له.
ومنها: أنّ الشّرع خيَّر المتوضّئ بين غسل الرّجلين والمسح على الخفّين، فلو أراد أن يغسل إحدى رجليه ويمسح على الأخرى لم يجز.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هاتين القاعدتين:
إذا قتل ثلاثة محرمون ظبية، فعليهم جزاء واحد يخيّر فيه بين الشّاة أو الصّيام أو الإطعام، فلو أخرج أحدهم تلث شاة، وأطعم الثّاني بقيمة ثلث الشّاة، وصام الآخر عدل ذلك فإنّه يجزئ اتفاقاً.
ومنها: إذا وجب القصاص لواحد على جماعة فيجوز له قتل الجميع أو أخذ الدّيّة، فلو قتل بعضهم وأخذ الدّيّة من البعض جاز.
стр. 3643
القاعدة الرّابعة والسّتّون [الشّهادة والحلف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما جاز للإنسان أن يشهد به فله أن يحلف عليه (١)، ولا ينعكس.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الإدلاء بالشّهادة وحلف اليمين مستويان في شرط الإتيان بهما، وذلك بكونهما لا يعتدّ بهما إلا في دعوى صحيحة أمام القضاء، والشّاهد لا يكون شاهداً إلا إذا كانت عدلاً، وعلم ما يريد أن يشهد به علماً يقيناً. بناء على الحديث الشّريف "إذا علمت مثل الشّمس فاشهد وإلا فدع" الحديث (٢). وليس المراد بالقاعدة يمين النّفي بل يمين الإثبات. وحالف اليمين لا يجوز له أن يحلف على شيء إلا إذا كان علمه به يقينياً، فلذلك ما جاز للإنسان أن يشهد به وتكون شهادته به صادقة صحيحة فإنّ له أن
стр. 3644
يحلف عليه، ويكون حلفه صحيحاً صادقاً. لكن لما كان باب اليمين أوسع من باب الشّهادة، فليس كلّ ما جاز أن يحلف عليه يجوز أن يشهد به.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا جاز لشخص أن يشهد بقتل أو سرقة أو إتلاف أو اغتصاب فيجوز له أن يحلف عليه، أي يجوز له أن يحلف بالله أنّ هذا قتل هذا أو سرقه أو أتلف ماله أو اغتصبه.
ومنها: إذا أخبره ثقة أنّ فلاناً قتل أباه أو غصب ماله فإنّه يجوز له أن يحلف بناء على خبر الثّقة، لكن لا يجوز له أن يشهد بذلك؛ لأنّه لم ير.
ومنها: إذا رأى بخطّ مورّثه أنّ له ديناً على رجل، أو أنّه قضاه، فله الحلف عليه إذا قوي عنده صحّته، ولا يشهد بمثل ذلك. لأنّ باب اليمين أوسع من باب الشّهادة.
стр. 3645
القاعدة الخامسة والسّتّون [الوقف والعرف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما جرى العرف بين النّاس بالوقف فيه من المنقولات يجوز؛ باعتبار العرف (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الوقف: هو مصدر يقف وقفاً. والمراد به الموقوف أي العين المحبَّسة إمّا على ملك الواقف وإمّا على ملك الله تعالى (٢).
أو هو: حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه - بقطع التّصرّف في رقبته - على مصرف مباح (٣).
فالوقف في اللغة: الحبس، وفي الشّرع حبس العين على ملك الواقف والتّصدّق بالمنفعة، أو حبس العين على ملك الله تعالى والتَصدّق بالمنفعة (٤).
أو هو: حبس المملوك وتسبيل منفعته مع بقاء عينه ودوام الانتفاع به من أهل التّبرّع على معيَّن يملك بتمليكه، أو جهة عامّة، في