← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14596

موسوعة القواعد الفقهية

محمد صدقي آل بورنو

Полный текст (5 326 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

أن يفعل جزءاً من الأصل المبدل منه وجزءاً من البدل مع القدرة على الأصل. ولكن استثني من ذلك إذا كان الحقّ المخيّر فيه لشخص أو جهة معيّنة ورضي الشّخص أو الجهة بأخذ بعضٍ من كلّ شيء ممّا جاز فيه التّخيير. ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما: التّيمّم شرع بدلاً عن الماء عند فقده أو عند عدم القدرة على استعماله، لكن مع وجوده والقدرة على استعماله لا يجوز للمكلّف أن يغسل بعض جسمه ويتيمّم للباقي، أو يغسل بعض أعضاء الوضوء ويتيمّم للباقي. إلا إذا كان ما عنده من الماء لا يكفي لغسل كلّ الأعضاء - فعند بعضهم - يغسل ما قدر عليه ويتيمّم للباقي. ومنها: إذا قدر المتمتّع أو القارن على الشّاة فليس له الانتقال إلى الصّوم، وبالأولى لا يجوز له أن يهدي نصف شاة ويصوم خمسة أيّام، وهو قادر على شاة كاملة، ولكن إذا لم يقدر على شاة كاملة فعليه الانتقال إلى الصّوم. ومنها: في كفّارة اليمين لا يجوز للمكفَّر أن يطعم خمسة مساكين ويكسو خمسة. ومنها: في كفّارة القتل الخطأ عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين عند عدم القدرة على العتق، فلا يجوز أن يعتق نصف رقبة ويصوم شهراً - سواء أكان قادراً على عتق رقبة كاملة أو قادراً على

стр. 3642

نصف رقبة فقط، فعند عدم القدرة على رقبة كاملة فينتقل إلى صيام شهرين متتابعين. ومنها: الشّفيع مخيّر بين الأخذ بالشّفعة أو التّرك. فلو أراد أخذ بعض المشفوع فيه فليس له ذلك. لكن إذا رضي المشتري فإنّه يجوز؛ لأنّ الحقّ له. ومنها: أنّ الشّرع خيَّر المتوضّئ بين غسل الرّجلين والمسح على الخفّين، فلو أراد أن يغسل إحدى رجليه ويمسح على الأخرى لم يجز. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هاتين القاعدتين: إذا قتل ثلاثة محرمون ظبية، فعليهم جزاء واحد يخيّر فيه بين الشّاة أو الصّيام أو الإطعام، فلو أخرج أحدهم تلث شاة، وأطعم الثّاني بقيمة ثلث الشّاة، وصام الآخر عدل ذلك فإنّه يجزئ اتفاقاً. ومنها: إذا وجب القصاص لواحد على جماعة فيجوز له قتل الجميع أو أخذ الدّيّة، فلو قتل بعضهم وأخذ الدّيّة من البعض جاز.

стр. 3643

القاعدة الرّابعة والسّتّون [الشّهادة والحلف] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ما جاز للإنسان أن يشهد به فله أن يحلف عليه (١)، ولا ينعكس. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الإدلاء بالشّهادة وحلف اليمين مستويان في شرط الإتيان بهما، وذلك بكونهما لا يعتدّ بهما إلا في دعوى صحيحة أمام القضاء، والشّاهد لا يكون شاهداً إلا إذا كانت عدلاً، وعلم ما يريد أن يشهد به علماً يقيناً. بناء على الحديث الشّريف "إذا علمت مثل الشّمس فاشهد وإلا فدع" الحديث (٢). وليس المراد بالقاعدة يمين النّفي بل يمين الإثبات. وحالف اليمين لا يجوز له أن يحلف على شيء إلا إذا كان علمه به يقينياً، فلذلك ما جاز للإنسان أن يشهد به وتكون شهادته به صادقة صحيحة فإنّ له أن

стр. 3644

يحلف عليه، ويكون حلفه صحيحاً صادقاً. لكن لما كان باب اليمين أوسع من باب الشّهادة، فليس كلّ ما جاز أن يحلف عليه يجوز أن يشهد به. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا جاز لشخص أن يشهد بقتل أو سرقة أو إتلاف أو اغتصاب فيجوز له أن يحلف عليه، أي يجوز له أن يحلف بالله أنّ هذا قتل هذا أو سرقه أو أتلف ماله أو اغتصبه. ومنها: إذا أخبره ثقة أنّ فلاناً قتل أباه أو غصب ماله فإنّه يجوز له أن يحلف بناء على خبر الثّقة، لكن لا يجوز له أن يشهد بذلك؛ لأنّه لم ير. ومنها: إذا رأى بخطّ مورّثه أنّ له ديناً على رجل، أو أنّه قضاه، فله الحلف عليه إذا قوي عنده صحّته، ولا يشهد بمثل ذلك. لأنّ باب اليمين أوسع من باب الشّهادة.

стр. 3645

القاعدة الخامسة والسّتّون [الوقف والعرف] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ما جرى العرف بين النّاس بالوقف فيه من المنقولات يجوز؛ باعتبار العرف (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الوقف: هو مصدر يقف وقفاً. والمراد به الموقوف أي العين المحبَّسة إمّا على ملك الواقف وإمّا على ملك الله تعالى (٢). أو هو: حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه - بقطع التّصرّف في رقبته - على مصرف مباح (٣). فالوقف في اللغة: الحبس، وفي الشّرع حبس العين على ملك الواقف والتّصدّق بالمنفعة، أو حبس العين على ملك الله تعالى والتَصدّق بالمنفعة (٤). أو هو: حبس المملوك وتسبيل منفعته مع بقاء عينه ودوام الانتفاع به من أهل التّبرّع على معيَّن يملك بتمليكه، أو جهة عامّة، في

стр. 3646

غير معصية تقرّباً إلى الله تعالى (١). فالأصل في الوقف هو حبس ثابت العين كالعقار والأرضين ولكن: مفاد القاعدة: أنّه يجوز وقف المنقولات إذا جرى العرف والعادة بين النّاس بوقفها، كالخيل والسّلاح للجهاد، وكتب العلم، وغير ذلك من المنقولات إذا جرت العادة بها بين النّاس. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إلى جانب ما سبق ذكره من جواز وقف الخيل وتحبيسها في سبيل الله تعالى - في وقت كانت الخيل أقوى عدّة للجهاد - وكذلك السّلاح بأنواعه وكتب العلم النّافعة: يجوز وقف فرش المساجد، ومكبّرات الأصوات، وبرادات المياه، وغيرها ممّا تحتاجه المساجد لإعمارها. ومنها: وقف تسبيل الماء الجاري للشّرب أو الوضوء.

стр. 3647

القاعدة السّادسة والسّتّون [الغاية] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ما جعل غاية فوجود أوَّلِه كاف (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: غاية الشّيء: منتهاه وطرفه، وقد تكون بمعنى العلّة - أي ما لأجله وجد الشّيء (٢). فمفاد القاعدة: أنّ ما جعله نهاية لشيء فإنّ وجود أوّله كاف في اعتباره، ولا يشترط بلوغ نهايته. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: المتمتّع بالعمرة إلى الحجّ يجب عليه الهدي، إذا أحرم بالحجّ - عند أبي حنيفة والشّافعي وأحمد رحمهم الله تعالى - لا بإتمام أعمال الحجّ؛ لأنّ الحجّ جعل غاية لوجوب دم التّمتّع عليه بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٣). فإحرامه بالحجّ قبل قيامه بأعمال الحجّ كاف في وجوب الهدي ما عليه وتعلّقه في ذمّته.

стр. 3648

ومنها: إذا تداينا بدين وجعلا الأجل إلى شهر تعلّق الأداء بأوّله، وكذلك إذا جعل الأجل اسماً يتناول شيئين كجمادى وربيع ويوم النّفر تعلّق الأجل بأوّلهما. ومنها: في الوضوء غسل اليدين إلى المرفقين وغسل الرّجلين إلى الكعبين، هل يشترط في غسل المرفقين والكعبين استيعابهما أو يكفي إذا غسل أوّلهما؟ إذا قلنا: يكفي غسل بدايتهما فيدخل ذلك تحت القاعدة، وإلا كان استثناءً منها. والإجماع على استيعابهما بالغسل.

стр. 3649

القاعدة السّابعة والسّتّون [الحاجة والعوض] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ما جُوِّز للحاجة لا يجوز أخذ العوض عليه (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الحاجة: هي حال فيها شدّة دون حالة الضّرورة، وقد تكون ضروريّة أحياناً. فما أجازه الشّارع لحاجة الفرد أو الجماعة فلا يجوز جعله مجالاً للبيع أو الأجرة أو التّعويض، فمن باب أولى ما جوز للضّرورة. ولكن هذه القاعدة ليست على إطلاقها بل هي خاصّة ببعض ما جوّزه الشّارع لحاجة مخصوصة في ظرف مخصوص. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أجاز الشّارع اتّخاذ كلب للحراسة أو الصّيد فلا يجوز تأجير هذا الكلب أو استئجاره لذلك في الأصحّ. ومنها: أجاز الشّارع إعارة الفحل للضّراب، فلا يجوز تأجيره وأخذ العوض عليه في الأصح. ومنها: أجاز الشّارع لصاحب الهدي ركوبه عند حاجته، ولكن لا يجوز أن يؤجّره لغيره ويأخذ عوضاً عنه.

стр. 3650

رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: الإجارة جوزت للحاجة، ويجوز أخذ العوض عنها من المستأجر. ومنها: يجوز إجارة المرضعة للحاجة، والمربيّة للطفل كذلك (١)، بل قد يدخل ذلك في باب الضّرورة ويجوز أخذ الأجرة عليه.

стр. 3651

القاعدتان الثّامنة والتّاسعة والسّتّون [حرمة الأخذ حرمة الإعطاء، وضمان الأجزاء] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: ما حَرُم أخذه حَرُم إعطاؤه (١). وفي لفظ: ما حَرُم على الآخذ أخذه حَرُم على المعطي إعطاؤه (٢). وفي لفظ: ما حَرُم أخذه حَرُم كلّ شيء منه، وما ضُمِنَت جملته ضمنت أبعاضه (٣). ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: أولاً: هذه القواعد تمثّل جانباً مهمّاً من جوانب السّياسة الشّرعيّة، فقد حرَّم الشّرع على المسلم أخذ أشياء كالرّشوة والرّبا، وحرمة هذه الأشياء وأمثالها - وإن كانت نصّاً في الأخذ - فهي أيضاً محرّمة إعطاءً، فكما لا يجوز للمسلم أن يأخذ رشوة أو ربا فهو محرّم عليه أيضاً أن يعطي الرّشوة أو الرّبا لغيره، فيكون ذلك سدّاً لأبواب

стр. 3652

الرّشوة والرّبا وأشباههما أخذاً وإعطاءً، لأنّ الإعطاء وإن كان من جانب المعطي فهو أخذ من جانب الآخذ، وكلاهما محرّم. ثانياً: وتعطي القاعدة الثّالثة حكماً آخر من أحكام المعاملات، وهو أنّ ما وجب ضمان جملته أو كلِّه عند إهلاكه أو إتلافه فإنّ أجزاءه أو أبعاضه مضمونة أيضاً عند الإهلاك أو الإتلاف اعتباراً للجزء بالكلّ. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: كما يحرم على المسلم أخذ الرّبا والرّشوة يحرم عليه إعطاؤهما للمرابي والمرتشي. لأنّ في إعطائهما تشجيعاً للرّبا والرّشوة ونشراً لهما في المجتمع المسلم. وفي الحديث الصّحيح عن ابن مسعود ﵁ أنّ رسول الله ﷺ : (لعن آكل الرّبا ومؤكله وشاهديه وكاتبه) (١). ومنها: حرمة مهر البغي - أي الفاجرة وحلوان الكاهن - أي المنجّم ومدّعي علم الغيب. وأجرة النّائحة وأجرة الزّامر - أي المطرب. فكلّ ذلك لا يجوز أخذاً ولا إعطاءً. ومن أمثلة القاعدة الثّالثة: على من يتلف شجر الحرم أو حشيشه ضمان ما أتلف قليلاً كان ما أتلفه أو كثيراً. ومنها: المحرم إذا حلق بعض شعر رأسه أو قصّ بعض أظفاره فيجب عليه الفدية بالطّعام لأنّه لا يجب الدّم إلا في حلق جملة

стр. 3653

الرّأس أو قصّ جملة الأظافر. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القواعد: استثني جواز إعطاء الرّشوة للحاكم أو لمن يمنع الحقّ إلا بها، وذلك لكي يصل المعطي إلى حقّه - وذلك بعد استنفاذ كلّ الوسائل الشّرعيّة المتاحة للوصول إلى الحقّ. وفي هذه الحال الإثم على الآخذ. ومنها: إعطاء الكفّار الفدية لفك الأسرى، وإعطاء شيء لمن يخاف هجوه. ومنها: إذا خاف الوصي أن يستولي غاصب على مال اليتيم أو الوقف فله أن يؤدّي شيئاً ليخلّصه. ومنها: يجوز الاستقراض بالرّبا في حال الاضطرار - وذلك دليل زوال الرّحمة والتّعاون من قلوب المسلمين - وهذا من باب اختيار أهون الضّررين. ومنها:- يجوز طلب الجزية من الذّمّي مع أنّه يحرم عليه إعطاؤها؛ لأنّ في إعطائها بقاءه على الكفر، وهو متمكّن من إزالة الكفر بالإسلام. فإعطاؤه إيّاها إنّما هو على استمراره على كفره وهو حرام.

стр. 3654

القاعدة السّبعون [حرمة الاستعمال والاتّخاذ] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ما حَرُم استعماله حَرُم اتّخاذه (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: أنّ ما حرَّم الشّارع على المسلم استعماله يحرم عليه أيضاً اتّخاذه واقتناؤه؛ لأن الاتّخاذ والاقتناء قد يكون وسيلة للاستعمال فيما بعد، فهذا من باب سدّ الذّرائع. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: حرَّم الشّارع الحكيم على الرجل المسلم لبس الذّهب، فبناء على ذلك يحرم عليه أن يتّخذه أو يقتني خاتماً من الذّهب. ومنها: كما حَرُم على الرّجال لبس الحرير يحرم عليهم اقتناء أثواب الحرير أو اتّخاذها دفعاً للوقوع في الاستعمال المحرم بعد ذلك. ومنها: تحريم استعمال أواني الذّهب والفضة للرّجال والنّساء، فكذلك يحرم عليهم اتّخاذها واقتناؤها - كتحفة - حتى لا يكون ذلك وسيلة إلى استعمالها من بعد. ومنها: تحريم اتّخاذ الكلب لمن لا يصيد أو لا يريد أن يحرس ماشيته أو زرعه.

стр. 3655

القاعدة الحادية والسّبعون [حرمة الانتفاع والثّمن والضّمان] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: ما حَرُم الانتفاع به لم يجب ضمانه (١). وفي لفظ: ما كان الانتفاع به حراماً، وإمساكه حراماً فثمنه حرام (٢). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: دليل هذه القاعدة قوله ﷺ : "إنّ الله إذا حرَّم شيئاً حرَّم ثمنه" (٣). فما حرم الانتفاع به لنجاسته أو ضرره لا يجب على متلفه ضمانه أو التّعويض عنه؛ لأنّ ما لا ينتفع به لا قيمة له ولا ثمن. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: الميتة لا يجوز الانتفاع بها، فمن أحرقها لا يجب عليه ضمانها.

стр. 3656

ومنها: الخنزير وآلات اللهو التي لا تستعمل إلا لذلك يحرم اقتناؤها واستعمالها والانتفاع بها، فمن أتلف على مسلم خنزيراً أو خمراً أو آلة لهو لا يجب عليه ضمانها. ولكن إذا كان هناك حاكم مسلم يقيم شرع الله فلا يجوز الافتيات عليه، وله أن يؤدّب المتلِف. ومنها: الكلب لغير الصّيد والحراسة إمساكه حرام والانتفاع به حرام وثمنه حرام (١).

стр. 3657

القاعدة الثّانية والسّبعون [حرمة الفعل والطّلب] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ما حَرُم فعله حَرُم طلبه (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: دليل هذه القاعدة وسابقاتها قوله ﷺ : "لعنت الخمر على عشرة أوجه: بعينها وعاصرها، ومعتصرها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها، وشاربها، وساقيها". وفي رواية: "لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة" (٢). وعند أبي داود: "لعن الله الخمر" (٣) إلخ الحديث. وحديث رسول الله ﷺ القائل: "لعن الله اليهود حرِّمت عليهم الشّحوم فجملوها فباعوها" (٤). هذه القاعدة لها ارتباط وثيق بسابقتين لها، فما حرَّم الشّارع من المسلم فعله حرَّم عليه أن يطلب فعله من غيره.

стр. 3658

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: حرَّم الشّارع الزّنا واللواط وشرب الخمر وغير ذلك من المحرّمات، فكذلك يحرم أن يطلب المسلم من غيره أن يزني أو يلوط أو يشرب الخمر. ومنها: حرَّم الشّارع قتل المعصوم، فلا يجوز لأحد أن يطلب من غيره أن يقتل معصوم الدّم. ومنها: حرَّم الشّارع السّرقة وقطع الطّريق والغصب والانتحار، فلا يجوز لأحد أن يطلب من غيره أن يسرق أو يقطع الطّريق أو يغتصب أو ينتحر.

стр. 3659

القاعدة الثّالثة والسّبعون [الحاصل بسبب خبيث] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ما حصل بسبب خبيث فالسّبيل ردّه (١). من قول محمَّد ابن الحسن ﵀. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: رسم الشّرع للتّملّك والانتفاع بما يملك الغير حدوداً، وأقام لها معالم، وشرط لها شروطاً، فمن تمسّك بما شرع الله ورسوله، وأقام حدود الشّرع، وانتهى إلى معالمه، ونفذ شروطه، فإنّ تملّكه والانتفاع بما أراد الانتفاع به يكون حلالاً، وذلك على طريق البيع الصّحيح، والإجارة والإعارة أو غير ذلك من العقود المشروعة الصّحيحة. ولكن مفاد القاعدة: أنّ ما حصل بسبب غير مشروع كعقد فقد شروط صحّته فإنّ الطّريق الوحيد للتّخلّص من تبعته هو ردّه إلى صاحبه؛ لأنّ ما حصل بسبب خبيث كالغصب أو السّرقة أو فساد في العقد لا يجوز استعماله ولا الانتفاع به. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا استأمن مسلم في دار الحرب ثم لحق بعسكر المسلمين ومعه

стр. 3660

مال فزعم أنّ أهل الحرب ملّكوه إيّاه ببعض الأسباب فالقول له؛ لأنّ الظاهر شاهد له. وإن قال: غصبته منهم. فهو فيء ويجب على الأمير أن يأخذه منه فيردّه إلى أهل الحرب؛ لأنّ المستأمن إنّما تملّكه بطريق القهر وذلك بقوّة الجيش حين التحق بهم وشاركوه في الإحراز، ولكن لمّا كان قد حصله بسبب خبيث حرام شرعاً وهو غدر الأمان فقد لزمه أن لا يغدر بهم وأن لا يأخذ شيئاً من أموالهم بغير طيبة أنفسهم. (وما حصل بسبب خبيث فالسّبيل ردّه). ومنها: من اشترى شيئاً بعقد فاسد فيجب عليه ردّه؛ لأنّ العقد الفاسد سبب خبيث للملك. ومنها: من غصب شيئاً أو سرقه ثمّ لم يجد صاحبه أو لم يعرفه فيجب عليه التّصدّق به والثّواب لصاحبه لا للغاصب ولا للسّارق؛ لأنّ سبيل الكسب الخبيث التّصدّق إذا تعذّر الردّ على صاحبه، ويتصدّق بلا نيَّة الثّواب له، وإنّما ينوى به براءة الذّمّة.

стр. 3661

القاعدة الرّابعة والسّبعون [الشّرط المخالف لمقتضى العقد] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: ما خالف مقتضى العقد فهو باطل (١). وفي لفظ سابق: كلّ شرط يخالف مقتضى العقد أو ينافي مقتضى العقد فهو باطل (٢). أو مفسد للعقد. وقد سبقت في قواعد حرف الكاف تحت الرّقم ٩٩. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: مقتضى كلّ عقد بحسبه، والمراد بالمقتضى الغاية والنّتيجة الّتي شرع العقد لأجلها؛ لأنّ العقود إنّما توجب مقتضياتها بالشّرع. فإذا شرط في العقد - أي عقد - شرط ينافي ويخالف الغاية التي شرع العقد لأجلها فإنّ وجود هذا الشّرط يعتبر سبباً كافياً لبطلان العقد وفساده، ولا يصحّ بعد ذلك إلا بإزالة الشّرط المخالف أو بالاستئناف - أي بعقد جديد. وقد سبق مثل هذه القاعدة ضمن قواعد حرف الكاف تحت الرّقم ٧٧.

стр. 3662

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا تزوّج امرأة واشترط طلاقها فالعقد باطل. ومنها: إذا اشترى سلعة واشترط البائع على المشتري عدم الانتفاع بها، فالعقد باطل لمخالفة الشّرط مقتضى عقد البيع. وهكذا.

стр. 3663

القاعدة الخامسة والسّبعون [الحسن عند المسلمين] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن (١) أثر. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: تخريج الأثر: يورد الأصوليّون والفقهاء هذا الأثر على أنّه حديث لرسول الله ﷺ . لكن قال العلائي الحافظ صلاح الدّين خليل بن الأمير سيف الدّين كيكلدى بن عبد الله أبو سعيد الدّمشقي الشّافعي المتوفى سنة ٧٦١ هـ، قال: لم أجد هذا الأثر مرفوعاً في شيء من كتب الحديث أصلاً، ولا بسند ضعيف بعد طول البحث وكثرة الكشف والسّؤال، وإنّما هو من قول عبد الله بن مسعود ﵁ موقوفاً عليه، أخرجه أحمد في مسنده. وقال السّخاوي في المقاصد الحسنة (٢): حديث "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن" أخرجه أحمد في كتاب السّنّة، ووهم من عزاه للمسند. وقال المعلّق في هامشه: بل هو في المسند أيضاً من حديث أبي وائل عن ابن مسعود، ثمّ روى الحديث بطوله وقال: هو موقوف

стр. 3664

حسن. وقد رجعت إلى المسند فوجدته من رواية زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود وليس من رواية أبي وائل. وكذا أخرجه البزّار والطّيالسي والطبراني وأبو نعيم في ترجمة ابن مسعود من الحلية بل هو عند البيهقي في الاعتقاد من وجه آخر عن ابن مسعود ﵁ (١). ومفاد القاعدة: أنّ ما أجمع المسلمون على حسنه من الأقوال والأفعال والعادات والتّصرّفات والعقود فيعتبر صحيحاً؛ لأنّ الأمّة الإسلاميّة لا يمكن أن تجتمع على ضلالة أو فساد. ويكون ذلك دليلاً على حسن ذلك عند الله تعالى. لكن المراد بالمسلمين في هذا الأثر - والله أعلم - أهل الحلّ والعقد من العلماء العاملين والصّلحاء والمجتهدين لا عوامّ هذه الأمّة وجهلتها والمبتدعين فيها. وإذا صحّ سند هذا الأثر عن ابن مسعود ﵁ فإنّ في الحديث دليلاً على أنّ ابن مسعود لم يقله من عند نفسه، وإنّما سمعه من رسول الله ﷺ ؛ لأنّ ما عند الله لا يعلمه ابن مسعود ولا غيره اجتهاداً من عند نفسه وإنّما يعلمه عن طريق رسول الله ﷺ المؤيّد بالوحي؛ لأنّ ما عند الله لا يعلم إلا عن طريق الوحي المنزّل من عند الله. وهذا الأثر اتّخذ دليلاً على صحّة قاعدة "العادة محكَّمة" وأثر

стр. 3665

العادة في الأحكام وتصرّفات المكلّفين. كما اتّخذه الأصوليّونَ دليلاً على حجيّة الإجماع. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إنّ على أهل المزارع والبساتين حفظها في النّهار، وعلى أهل المواشي حفظها باللّيل. كما ورد في حديث محيصة ﵁ الّذي رواه أبو داود وصحّحه جماعة (١). ومنها: اعتبار أقلّ سنّ تحيض فيه المرأة، وفي قدر أقلّه وأكثره وأغلبه. ومنها: اعتبار وقت إمكان البلوغ. ومنها: اعتبار قدر الطّهر الفاصل بين الحيضتين، وقدّر أقلّ النّفاس وأكثره وأغلبه.

стр. 3666

القاعدة السّادسة والسّبعون [المعاملة بنقيض المقصود] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ما ربط به الشّارع حكماً فعمد المكلّف إلى استعجاله لينال ذلك الحكم، فهل يُفَوَّتْ عليه معاملة له بنقيض مقصوده أو لا؟ لوجود الأمر الّذي علّق الشارّع الحكم عليه؟ ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: إنّ مَن يتوسّل بالوسائل غير المشروعة تعجّلاً منه للحصول على مقصوده المستحقّ له شرعاً فإنّ الشّرع عامله بضدّ مقصوده، فأوجب حرمانه جزاء فعله واستعجاله. لكن في لفظ هذه القاعدة ما يشير إلى تردّد المؤلّف بين المعاملة بنقيض المقصود أو عدم ذلك. ولكن الجمهور من الفقهاء على الاتّفاق على المعاملة بنقيض المقصود ودليلهم قوله ﷺ : "لا ميراث لقاتل". وقد سبق مثل هذه القاعدة ضمن قواعد حرف الهمزة تحت الرّقم ٤٦٤، وسيأتي أمثلة لها ضمن قواعد حرف الميم هذا. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قتل الوارث مورّثه الّذي يرث منه عمداً مستعجلاً الإرث فإنّه يحرم من الميراث.

стр. 3667

ومنها: إذا قتل الموصَى له الموصِي فهو يحرم من الوصيّة بالاجماع. ومنها: لو طلّق الرّجل امرأته ثلاثاً بغير رضاها في مرض موته قاصداً حرمانها من الإرث ومات وهي في العدّة فإنّها ترثه. وفي قول إنّها ترثه ولو مات بعد انقضاء عدّتها. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: إذا قتلت أم الولد سيّدها عتقت - ولا تحرم العتق للقتل - ولو تعمّدت قتله للعتق -؛ لأنّ إعتاقها ثابت بالشّرع، ولا ينفي ذلك القصاص منها. ومنها: لو قتل الدّائن المدين حلَّ دينه على قول راجح وطالب به الورثة.

стр. 3668

القاعدة السّابعة والسّبعون [الزّائل العائد] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ما زال من الأعيان ثمّ عاد بأصل الخلقة، أو بصنع آدمي، هل يحكم على العائد بحكم الأصل أم لا؟ فيه خلاف (١). وفي لفظ سبق: الزّائل العائد كالّذي لم يُزل أو كالّذي لم يعد؟ ينظر قواعد حرف الزّاي رقم ١. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: إنّ الشّيء إذا زال بسبب ثمّ عاد كما كان سواء أكان عوده بأَصل الخلقة أو بصنع من الإنسان فهل يكون حكم هذا العائد حكمه الأوّل - كالّذي لم يَزُل - أو يحتاج إلى حكم جديد؟ خلاف. وقد سبق مثل هذه القاعدة ضمن قواعد حرف الزّاي تحت الرّقم ١. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قطع أذن شخص أو قلع سنَّه ثم أعاده في الحال والتحم كما كان ولم يفسد فهل يحكم بطهارته أو لا؟ نصّ أحمد ﵀ على طهارته إذا ثبت والتحم. وأمّا إذا لم يثبت ولم يلتحم فهو نجس، وإذا ثبت فإن كان بجناية جان فلا قود فيه ولا دية سوى حكومة نقصه.

стр. 3669

ومنها: إذا جنى على إنسان فأذهب شمَّه أو سمعه أو بصره، ثمّ عاد، فلا ضمان بحال. في المذهب الحنبلي. ومنها: إذا اغتصب بقرة فهزلت عنده ثمّ سمنت، فهل يضمن نقصها؟ على وجهين. ومنها: إذا قطع نبات الحرم أو قلع غصناً من شجرة منه ثم عاد، ففي ضمانه وجهان. ومنها: إذا وصّى له بدار فانهدمت فأعادها، فالمشهور عند الحنابلة بطلان الوصيّة بزوال الاسم، ولا يعود بعود البناء, لأنّه غير الأوّل. ويتوجّه عودها إن أعادها كالقديمة سواء. وفي وجه آخر: لا تبطل الوصيّة بكلّ حال ولو لم يُعِد بناءها. ومنها: إذا تهدّمت الكنيسة التي تُقَرُّ في دار الإسلام، فهل يمكنون من إعادتها؟ على روايتين معروفتين بناء على أنّ الإعادة هل هي استدامة أو إنشاء؟

стр. 3670

القاعدة الثّامنة والسّبعون [الواحد المتكرَّر] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ما شُرِط فيه العدد إذا تكرّر الواحد منه هل يقوم مقام اثنين فيه (١)؟ ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: إذا شرط في أمر ما عدد محدّد، فهل إذا تكرّر واحد بالعدد المطلوب فهل يكون ذلك قائماً مقام العدد المطلوب؟ وهل يجوز أن يقوم فيه الواحد المكرّر مقام اثنين أو أكثر؟ على ثلاثة أقسام: القسم الأوّل: لا يجزئ قطعاً. والقسم الثّاني: يجزئ قطعاً. والقسم الثّالث ما فيه خلاف واختلف في التّصحيح. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: القسم الأوّل: وهو ما لا يجزئ قطعاً: إذا شهد واحد في قضية ثمّ أعاد الشّهادة لا يقوم مقام الشّاهد الآخر. القسم الثّاني: وهو ما يجزئ قطعاً: إذا دفع إلى فقير مدّاً في كفّارة ثمّ اشتراه منه ودفعه إلى آخر أجزأه؛ لأنّ المدّ الثّاني غير الأوّل لأنّ (تبدّل سبب الملك قائم مقام تبدّل الذّات).

стр. 3671

القسم الثّالث: وهو ما فيه الخلاف: إذا استعمل الحجر في الاستجمار فلم يتلوّث ثمّ استعمله ثانياً وثالثاً، أجزأ في الصّحيح. ومنها: إذا رمى بحصاة ثمّ أخذها ورمى بها هكذا سبعاً. اختلفوا في التّصحيح. ومنها: إذا أطعم مسكيناً واحداً عشرة أيّام فهل يقوم مقام إطعام عشرة مساكين؟.

стр. 3672

القاعدة التّاسعة والسّبعون [المشروع لمعنى] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ما شرع فعله لمعنى فلم يوجد في حقّ بعض المكلّفين، وأمكن فعله، هل يسقط عنه اعتباراً بنفسه أو لا اعتباراً بجنسه (١)؟ ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: من المشروعات ما شرع لمعان وحكم شرعيّة إذا وجدت في حقّ بعض المكلّفين وجب فعلها عليهم. ولكن قد لا توجد هذه المعاني في حقّ مكلّفين آخرين، فهل يجب عليهم الفعل مع الإمكان ولو لم يوجد المعنى اعتباراً بجنس الفعل؟ أو يسقط عنهم اعتباراً بعدم انطباق الحكم عليهم؟ خلاف. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: شرع الحلق أو التّقصير في الحج والعمرة للتّحلّل من أفعالهما بعد الانتهاء، فإذا وجد شخص أصلع - لا شعر في رأسه - فهل يستحب له إمرار الموسى عليه اعتباراً بجنس الفعل، أو لا يستحبّ له لأنّه لم يوجد الحلق في حقّه؟ خلاف. وبعضهم أوجب إمرار الموسى على رأسه.

стр. 3673

ومنها: السواك شرع للتّنظيف فلو فرض شخص نقي الأسنان قوي الطّبيعة لا يثبت بها القلح - أي صفرة الأسنان - فهل تسقط عنه سُنَّة السّواك. قالوا: لا تسقط عنه. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: من وُلِد مختوناً لا يجوز إمْرار الموسى على الحشفة لأنّ ذلك لا يمكن.

стр. 3674

القاعدة الثّمانون [المشروع لمعنى فوجد من غير قصد] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ما شرع لمعنى فوجد من غير فعل قاصد، فإنّ كان القصد ركناً فيه لم يعتد به وإلا فلا (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة لها صلة بسابقتها، فما شرع لمعنى وحكمه ثمّ وجد من غير فعل مقصود أو وجد مصادفة فهل يجزئ أو لا يجزئ؟ يختلف الحكم فيما إذا كان هذا الأمر مشروطاً بشرط أو تلزمه النّيَّة، أو لا تلزمه. فإن كان مشروطاً بشرط أو تلزمه النّيَّة والقصد ركن فيه، لم يعتّد به، ولكن إذا لم يكن مشروطاً بشرط أو لم تكن النيَّه ركناً فيه فيصحّ اعتباره. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا وقف الجنب في مهب الرّيح فسفتّ التّراب عليه فردّده ونوى التّيمم، قالوا: لم يجزه؛ لأنّ نقل التّراب شرط ولم يوجد. ومنها: إذا دُفِع الجنب أو وقع في بركة ماء أو بحر، أو نزل عليه سيل كفاه وصحّ تطهيره إذا نوى. وعند الحنفيّة ولو لم ينو. ومنها: الغريق هل يكفي غرقه وانغماره في الماء عن غسله، أو يجب غُسله؟ وجهان أصحهما لا يجب غسله.

стр. 3675

القاعدة الحادية والثّمانون [الشّكّ في الوجوب] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ما شُكَّ في وجوبه لا يجب (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الوجوب لا يثبت إلا بدليل قطعي، فما لم يرد في وجوبه دليل قطعي فلا يجب على المكلّف اعتقاد وجوبه، كما لا يجب عليه العمل به. وقد سبق قريباً أنّ ما انتفى دليل وجوبه لا يجب، فكذلك ما وقع الشّكّ في وجوبه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: الوتر - مثلاً - وقع الشّكّ في وجوبه، فلا يجب على المكلّف اعتقاد وجوبه كاعتقاده بوجوب إحدى الصّلوات الخمس، ولذلك فالوتر إذا لم يثبت وجوبه فهو سنَّة مؤكّدة، والمراد بالوجوب هنا ما يرادف الفرضية. ومنها: زكاة الحليّ المستعمل للزّينة أو الإعارة، اختلف في وجوبها، لكن على المكلّف إخراج زكاتها إبراءً للذّمّة وخروجاً من الخلاف.

стр. 3676

القاعدة الثّانية والثّمانون [خبر العدول] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ما صار معلوماً بخبر العدول فهو بمنزلة الثّابت بإقرار الخصم (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بالعدول: الشّهود والبيّنة. فما عُلِم عن طريق الشّهود العدول فإنّه بمنزلة الثّابت بإقرار المدّعَى عليه، بل هو أقوى من الإقرار، من حيث إن المُقِرّ يحقّ له الرّجوع عن إقراره - إذا كان الحقّ لله كما له الاستثناء المتّصل بإقراره في حقوق العباد، والإقرار لا يتعدّى أثره المقر، ولكن الثّابت بالشّهود من حقوق الله تعالى - كالزّنا - لا يمكن للمشهود عليه التّراجع عنه أو تكذيب الشّهود العدول، كما أنّه لا يمكنه الاستثناء من الحقّ بعد شهادتهم عليه، كما أنّ أثر الشّهادة يتعدّى المشهود عليه إلى غيره ممّن له صلة بالقضيّة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: مَن شُهِد عليه بدين وجب عليه أداؤه، ولا ينفعه إنكاره أو التّراجع بعد الشّهادة، فكأنّه أقرّ بما ادّعاه عليه خصمه.

стр. 3677

ومنها: مَن شُهِد عليه بشرب خمر أو زنا وجب إقامة الحدّ عليه - إلا إذا ادّعى شبهة فكأنّه أقرّ بالفعل. ولا يمكنه التّراجع عمّا شُهِد به عليه.

стр. 3678

القاعدة الثّالثة والثّمانون [وظيفة الأرض] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ما صار وظيفة للأرض يقرّر ولا يتغيّر بتغيّر المالك (١). عند محمد بن الحسن ﵀. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: تشير هذه القاعدة إلى تلك الضّريبة - الوظيفة - المفروضة على الأرض خراجيّة كانت تلك الأرض كأرض العراق والشّام ومصر - أو غير خراجيّة - أي عشريّة - ممّا أسلم عليها أهلها أو صُولحوا عليها. ووظيفة الأرض الخراجيّة وظّفها عليها أمير المؤمنين سيّدنا عمر بن الخطاب ﵁ بعد افتتاح تلك البلاد. وفي مقدار تلك الوظيفة خلاف بين العلماء هل يجب إبقاؤها على ما فرضها أمير المؤمنين عمر ﵁ بحيث لا يجوز الزّيادة عليها أو النّقص منها مهما اختلفت الظّروف والأحوال والملاّك، أو أنّه يجوز الزّيادة عليها أو النّقص عنها تبعاً للظّروف والأحوال، واختلف العلماء أيضاً في أنّ تلك الوظيفة على الأرض خاصّة وإن اختلف الملاّك بين مسلم وذمّي، أو أنّ تلك الوظيفة لا تكون إلا إذا كان مالك الأرض ممّن يدفع جزية رأسه؟.

стр. 3679

ومفاد هذه القاعدة: أنّ تلك الوظيفة على الأرض خاصّة، فما كانت الأرض خراجيّة فعلى مالكها الخراج وإن كان مسلماً، وإن كانت الأرض عشريّة فعلى مالكها العشر وإن كان ذمّيّاً. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: الأرض التي اسلم عليها أهلها ففيها العشر، لا يتغيّر بتغيّر المالك، ولكن قال بعضهم: إذا ملكها الذّمّي ففيها عُشران. أي يضاعف عليه العشر. ومنها: الأرض التي فتحت عنوة - أي بالقوّة - وقسّمها الإمام بين الغانمين الفاتحين فكذلك يجب فيها العشر وتبقي عشريّة لا تتغيّر. ومنها: الأرض التي فتحت عنوة وأبقى الإمام أهلها فيها - كأرض العراق والشّام ومصر - ففيها الخراج لا تتغيّر عن ذلك ولا تصير أرض عشر ولو ملكها بعد ذلك مسلم، خلافاً لمالك رحمه الله تعالى. ومنها: الأرض الخراجيّة التي وظّف عليها أمير المؤمنين عمر ﵁ خراجاً معلوماً، فتبقى خراجيّة ويبقى ما وُظِّف عليها سواء كان خراج وظيفة أو خراج مقاسمة ولا يتغيّر ولو تغيّر المالك (١).

стр. 3680

القاعدة الرّابعة والثّمانون [المعلّق بالشّرط] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ما صحّ تعليقه بالشّرط ينزل عند وجود الشّرط جملة، إذا لم يكن في لفطه ما يدلّ على التّرتيب (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: التّعليق بالشّرط: هو ربط حصول مضمون جملة بحصول مضمون جملة أخرى، وهو الشّرط اللغوي بـ "إن أو إحدى أدوات الشّرط". والّذي يصحّ تعليقه بالشّرط من العقود والمعاملات هو الإطلاقات كالطّلاق والعتّاق والحوالة والكفالة وأشباه ذلك، وأمّا التّمليكات كالبيع والشّراء والنّكاح، والتّقييدات كالعزل والحجر والرّجعة وأشباهها فكلّها لا تقبل التعليق بالشّرط. شروط صحّة التّعليق: كون الشّرط معدوماً على خطر الوجود؛ لأنّ التّعليق بكائن - أي موجود وحاصل - هو تنجيز. والتّعليق يالمستحيل باطل. ويشترط أيضاً وجود رابط بين الشّرط والجزاء، إذا كان الجزاء مؤخّراً. وأن لا يوجد فاصل أجنبي بين الشّرط والجزاء (٢).
следующие страницы →