فإنّ الحكم يبنى فيه على أكثر الرّأي وغالبه وغالب الظّنّ وعلى الظّاهر؛ لأنّ البناء على الظّاهر أو على غالب الظّنّ والرّأي طريق أكثر الأحكام.
فهذه القواعد تتعلّق ببيان حكم الأمر الواقع الذي لا يقين فيه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
حقيقة الموت لا تعرف، لكن إذا شهد رجلان على رجل أنّه ضرب آخر بالسّيف أو أطلق عليه النّار فلم يزل صاحب فراش حتى مات، فعلى المشهود عليه القصاص، إذا كان الضّرب بالسّيف أو إطلاق النّار عمداً عدواناً؛ لأنّه ظهر أنّ موته بهذا السّبب، ولم يعارضه سبب آخر فيجب إضافة الحكم إليه؛ لأنّ الرّوح لا يمكن أخذه مشاهدة وإنّما طريق الوصول إلى إزهاق الرّوح الأسباب الظّاهرة المعروفة مثل هذه.
ومنها: إذا شهد الشّهود أنّ هذا الشّخص وارث هذا الميّت لا وارث له غيره، تقبل شهادتهم إذا كانوا عدولاً؛ لأنّ حقيقة البنوّة أمر خفي لا يشاهد، وإنّما يعرف بالأسباب الظّاهرة من كون هذا الوارث ابناً لهذا الشّخص من زوجته فلانة.
ومنها: إذا أراد شخص مسلم الجهاد وله أبوان كافران فكرها خروجه كراهة أن يقاتل أهل دينهما - لا شفقة عليه، ولا لكونهما في حاجة إليه - فلا يطعهما، وله الخروج والجهاد، وليس عليه طاعة في داعية الشّرك، وإنّما يعرف ذلك منهما بغالب الظّنّ والرّأي. إلا إذا صرّحا بذلك.
стр. 3747
القاعدة الحادية والعشرون بعد المئة [المؤثر حالاً واستقبالاً]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لا يؤثر في الحال هل يؤثر في الاستقبال (١)؟
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بلفظ "ما" التّصرّف. أي أنّ التّصرّف الذي لا يؤثر حالاً هل يكون له تأثير مستقبلاً؟.
قال الزّركشي: تحت هذه القاعدة قسمان:
القسم الأوّل: ما لا يؤثّر في الحال ولا في الاستقبال.
والقسم الثّاني: يؤثّر في الاستقبال.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أعتق الشّريك حصّته - وهو معسر ثم أيسر - لا يسري عليه العتق؛ لأنّه لما لم يؤثر عتقه في الحال لم يؤثّر في الاستقبال.
وهذا على رأي الشّافعيّة في أنّ العتق والرّقّ يتجزآن.
ومنها: إذا أسلم شخص وله ولد كافر، ولولده ولد صغير، فلا يحقّ للجد أن يستتبع ولد ولده لوجود الولد. لكن إذا مات ولده هل يحقّ للجدّ أن يستتبع ولد ولده؟ قالوا: لا يحقّ له ذلك؛ لأنّه لمّا لم يستحقّ استتباع ولد ولده في حياة ولده الكافر لم يؤثّر ذلك فيما بعد وفاته، بل
стр. 3748
يبقى ولد ولده كافراً تبعاً لأبيه الميّت.
ومنها: يشترط في الإحصان الإصابة - أي الجماع - في نكاح صحيح، بعد التّكليف والحرّيّة - وهذا في الوجه الأصحّ - فلو تزوّج عبد أو صغير وأصاب زوجته في نكاح صحيح ثمّ زنى، ثمّ كمل حاله - بأن أعتق العبد وبلغ الصّغير - فزنى، لا يرجم؛ لأنّه حين زنى لم يكن محصناً. فلا إحصان في حال الصّغر والعبوديّة.
ومن أمثلة القسم الثّاني:
إذا استولد الرّاهن المرهونة - وقلنا: لا يثبت الاستيلاد حال الرّهن - ثمّ زال الرّهن، فإنّ حكم الاستيلاد يثبت في الأصحّ (١).
стр. 3749
القاعدة الثّانية والعشرون بعد المئة [ما يستوي فيه الحرّ والعبد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لا يؤثر فيه الرّقّ فالعبد والحرّ فيه سواء (١). عند مالك ﵀.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الرّقّ له أحكام كثيرة ذكر السيوطي ﵀ في أشباهه ص ٢٢٦ خمسين مسألة نقلاً عن أبي حامد في الرّونق (٢)، وزاد عليها.
كما أنّ ابن نجيم ﵀ ذكرها في أشباهه ص ٣١١ تحت عنوان أحكام العبيد. فما يؤثر فيه الرّق يختلف حكمه بين الحرّ والعبد.
ولكن مفاد هذه القاعدة: أنّ من الأحكام ما لا يؤثر فيه الرّق، ولذلك يستوي فيه الحرّ والعبد عند مالك ﵀ بل وعند غير مالك أيضاً، والمراد بالعبد العبد المسلم.
стр. 3750
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
العبد يملك الطّلاق كما يملكه الحرّ.
ومنها: استواؤهما - أي الحرّ والعبد - في وجوب القصاص عند وجود سببه.
ومنها: عند مالك ﵀، أنّ للعبد أن يتزوّج أربعاً كالحرّ - خلافاً لباقي الأئمة الذين يرون أنّ العبد على النّصف من الحرّ، فلا يجوز له أن يجمع بين أكثر من زوجتين.
وحجّة مالك رحمه الله تعالى: أنّ الرّقّ لا يؤثر في مالكيّة النّكاح (١). حيث قال في المدونة، قال مالك: أحسن ما سمعت أنّ العبد يتزوّج أربعاً.
ومثله عن القاسم بن محمَّد (٢)، وسالم بن عبد الله (٣)،
стр. 3751
وابن شهاب (١)، وربيعة (٢)، يحيى بن سعيد (٣) ومجاهد (٤)، وابن جبير (٥)، وكثير من العلماء أنّهم قالوا: ينكح العبد أربعاً.
وممّا يستوي فيه الحرّ والعبد الكفّارة في الظّهار واليمين، وكذا إيلاؤه متل إيلاء الحرّ. وكفّارته في الإيلاء على النّصف من كفّارة الحرّ.
стр. 3752
القواعد من الثّالثة والعشرين بعد المئة إلى السّابعة والعشرين بعد المئة
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ما لا يتأتّى - أو لا يتوصّل - إقامة الفرض إلا به يكون فرضاً في نفسه (١).
وفي لفظ: ما لا يتأتّى - أو لا يتوصّل - إلى إقامة المستحقّ إلا به يكون مستحقّاً (٢).
وفي لفظ: ما يتوصّل به إلى أداء الواجب - أو إقامة الفرائض يكون واجباً أو فرضاً (٣).
وفي لفظ: ما لا يتوصّل إلى المطلوب - أو المقصود - إلا به يكون مقصوداً (٤).
وفي لفظ: ما لا يتوصّل إلى الفرض إلا به يكون فرضاً (٥).
وفي لفظ: ما لا يتمّ الواجب المطلق إلا به - وكان
стр. 3753
مقدوراً للمكلّف فإنّه واجب (١).
وفي لفظ: ما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب (٢). ويلحق بهذه القواعد:
ما لا يتمّ الجائز إلا به فهو جائز (٣).
وقاعدة: ما لا يتمّ المباح إلا به فهو مباح (٤).
وقاعدة: ما لا يتمّ اجتناب المحرّم إلا باجتنابه فهو حرام (٤).
[الوسائل والمقاصد]
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
سبق بيان أنّ للوسائل أحكام المقاصد (٥)، فهذه القواعد ذات صلة وثيقة بذلك ولكنّها تفصل بيان تلك الوسائل لمختلف المقاصد. وهذه قواعد فقهيّة أصوليّة.
ومفادها: أنّ الواجبات والمباحات والمحرّمات كلّها لا بدّ لها من وسائل توصل إليها، فوسيلة كلّ مقصد بحسبه وتأخذ حكمه. فوسيلة
стр. 3754
الفرض ومقدّمته التي لا يمكن أداء الفرض إلا عن طريقها تكون فرضاً وواجباً مثله، فلا تبرأ ذمّة المكلّف إلا إذا توصّل إلى الفرض والواجب عن طريق مقدّمته ووسيلته، ما دامت تلك المقدّمة مقدورة المكلّف.
وهكذا يقال في مقدّمات المباح والمندوب والجائز والمحرّم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا خفي عليه موضع النّجاسة من الثّوب أو البدن وجب غسله كلَّه. لكن إذا خفي عليه موضع النّجاسة من مكان متّسع كدار فوجهان أصحّهما كذلك يغسلها كلّها، والثّاني يتحرّى ويصلّي فيما يغلب على ظنّه طهارته. وهذا الوجه أيسر.
ومنها: إذا اختلطت زوجته بأجنبيّات محصورات، وجب الكف عن الجميع حتى يتبيّن ولا يجوز التّحرّي في الفروج.
ومنها: البعد عن الزّنا فرض، ولا يتوصّل إلى ذلك إلا بالنّكاح المشروع، فيكون النّكاح فرضاً - عند الظاهريّة - بل وعند غيرهم أيضاً إذا كان قادراً عليه جسديّاً وماديّاً. وخشي على نفسه الزّنا.
ومنها: الصّلاة لا يمكن إقامتها بدون طهارة - للقادر عليها - فالطّهارة واجبة؛ لأنّها وسيلة إلى إقامة الواجب.
ومنها: إنّ سترة العورة واجب، ولا يمكنه ستر العورة إلا بثوب، ولا يحصل له الثوب إلا بالاكتساب عادة، فالاكتساب واجب ومطلوب.
стр. 3755
ومنها: الإنفاق في سبيل الله وعلى الزّوجات والأولاد مطلوب وواجب، ولا يتصوّر الإنفاق، من المكسوب إلا بعد الكسب، فالكسب مطلوب ومفروض.
ومنها: وجوب اتّخاذ الأواني والأوعية لحمل الماء والطّعام وحفظه؛ لأنّ الاستقاء للنّفس والأهل واجب، ولا يكون ذلك إلا بوعاء يحمل فيه الماء، وكذلك الطّعام.
ومنها: البيِّنة في الدّعوى سبب مطلوب، لإثبات المدَّعَى، فلا يثبت المدَّعَى إلا بها، فيكون مقصوداً.
ومنها: إذا تصارفا مئة دينار بألف درهم، فنقد المئة الدّينار وقال الآخر: اجعل الألف درهم بالألف التي لي عليك، فإذا رضي كانت مقاصة جائزة استحساناً.
стр. 3756
القاعدتان الثّامنة والعشرون والتّاسعة والعشرون بعد المئة [ما لا يتبعّض أو يتجزّأ]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ما لا يتبعّض لا يثبت حتى يثبت السّبب في جميعه، ولا يسقط بوجود السّبب في بعضه (١).
وفي لفظ: ما لا يتجزّأ فالتزام بعضه التزام لكلِّه (٢). أو فذكر بعضه كذكر كلّه.
وفي لفظ: ما لا يقبل التّبعيض - فذكر بعضه كذكر كلّه، أو يكون اختيار بعضه كاختيار كلِّه، وإسقاط بعضه كإسقاط كلِّه (٣).
وفي لفظ بعبارة أعمّ: الحكم على بعض ما لا يتجزّأ بنفي أو إثبات حكم على كلَّه (٤).
стр. 3757
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
ما لا يمكن تجزئته ولا تبعيضه إذا التزم المكلّف بعضه يعتبر ذلك التزاماً بجملته وكلِّه، وأيضاً ما لا يتبعّض لا يثبت ولا يتحقّق حتى يثبت السّبب المثبت في جميعه.
ولكن من جانب آخر يسقط الحكم إذا وجد السّبب في بعضه أو جزئه، فثبوت الحكم فيما لا يتبعّض لا يكون إلا بثبوت سبب الحكم في جميعه، ولكن سقوط الحكم يثبت إذا وجد السّبب المسقط في بعضه، وينظر من قواعد حرف الهمزة القاعدتان ٥٢، ٤٤٩، ومن قواعد حرف الذّال القاعدة رقم ٢.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
مَن نذر أن يصلّي ثلاث ركعات، يجب عليه أن يأتي بأربع ركعات؛ لأنّ مبنى التّطوّع على الشّفع دون الوتر. والشّفع الواحد لا يتجزّأ. والتزام بعضه التزام كلّه.
ومنها: إذا قال الشّفيع: آخذ نصف الشّقص المشفوع. سقطت شفعته عند الأكثرين؛ لأنّه لمّا طلب النّصف كان تاركاً للنّص الآخر، فيسقط ويسقط باقي الشّفعة؛ لأنّ الشّفعة لا تتبعضّ، وطلب بعضها ليس طلباً لجميعها، بخلاف السّقوط، فإن الجميع يسقط بوجود سبب السّقوط في بعضه.
ومنها: من قال لزوجته: رأسك طالق طلقت كلّها؛ لأنّ الطّلاق لا يتبعّض. وكذلك لو قال: أنت طالق نصف تطليقة تقع طلقة كاملة.
стр. 3758
ومنها: إذا عفا مستحقّ القصاص عن بعضه سقط كلّه.
وإذا عفا بعض من يستحقّ القصاص سقط القصاص في حقهم جميعاً.
стр. 3759
القاعدتان الثّلاثون والحادية والثّلاثون بعد المئة [غير المتقوّم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لا يتقوّم شرعاً فالجنس وغير الجنس فيه سواء (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
ما لا يتقوّم شرعاً: هو ما لم يعتبر الشّرع له قيمة أو ثمناً كالخمر والخنزير للمسلم، والميتة عند الكلّ. وهو ما لا تقطع اليد بسرقته.
وما يكون متقوّماً شرعاً: هو ما يعتبره الشّرع مالاً له قيمة، وتقطع اليد بسرقة ما يبلغ النّصاب منه.
ويقابل قاعدتنا قاعدة تقول:
ما يكون متقوّماً شرعاً فالاعتياض عنه جائز (٢).
والمراد بالاعتياض: أخذ العوض أو البدل عنه.
فمفاد القاعدتين: أنّ ما لا قيمة له عند الشّرع يستوي فيه الجنس وغيره. وماله قيمة عند الشرع يجوز أخذ التّعويض عنه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الخمر والخنزير وما صنع من آلات اللهو والمعازف لا قيمة لها عند المسلم؛ لأنّ الشّرع لم يجعلها أموالاً في حقّنا، فمن أتلف على مسلم
стр. 3760
خمراً أو خنزيراً أو آلة لهو فلا ضمان عليه فيها؛ لأنّها غير متقوّمة شرعاً. لكن إذا وجد إمام يقيم شرع الله فله تعزير المتلف لافتياته عليه.
ومنها: إذا أتلف مسلم لذمّي خمراً أو خنزيراً فإنّه يغرم قيمته عندهم؛ لأنّه مال متقوّم في حقّهم.
ومنها: إذا باع إنسان بقرة أو شاة أو نخلاً - أو غير ذلك ممّا يجوز بيعه - فللبائع حقّ أخذ ثمن ما باع والانتفاع به لأنّه عوض عمّا هو متقوّم شرعاً.
стр. 3761
القاعدة الثّانية والثّلاثون بعد المئة [الثّابت بالتّبعيّة دون الابتداء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لا يثبت ابتداءً ويثبت تبعاً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تندرج تحت قاعدة (التّابع تابع) المتقدّمة ومتفرّعة عليها. فالّذي يثبت ابتداءً هو أصل، وما لا يثبت ابتداء ولكلى يثبت تبعاً فهو فرع وتابع. لأنّ إثبات الأصول المتبوعة يلزمه شروط قد لا تكون موجودة في التوابع، لكن التّابع يغتفر فيه ما لا يغتفر في المتبوعات.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوماً، ولم يروا الهلال، ففي الوجه الأصحّ أنّه يجوز لهم الإفطار لحصوله ضمناً وتبعاً.
ومنها: إذا شهدت نسوة على الفراش - أي على زوجيّة هذه المرأة لهذا الرّجل، فتثبت شهادتهن ويثبت نسب الولد المولود على فراش الزّوج تبعاً لشهادتهنّ على الفراش. ولكن لا نقبل شهادتهن على النّسب ابتداء.
ومنها: إذا أوقف وقفاً على نفسه لم يصحّ. لكن لو وقف على الفقراء ثمّ صار منهم فيدخل في الوقف لأنّه جاء تبعاً. وهو الأصحّ.
стр. 3762
ومنها: لا يجوز تعليق التّمليك ابتداءً، لكن إذا قال: أعتق عبدك هذا إذا جاء الغد على كذا. فقال: إذا جاء الغد فهو حرّ على كذا. صحّ، وإن تضمّن التّمليك.
стр. 3763
القاعدة الثّالثة والثّلاثون بعد المئة [ما لا يقبل بالانفراد لا يستوفى]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ما لا يجوز للرّجل فعله منفرداً به لا يجوز أن يطلب استيفاءه (١).
وفي لفظ: ما لا يُقبل بالانفراد لا يجوز له طلب استيفائه (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
من التّصرّفات ما يجب أن يقوم به أكثر من واحد، فما وجب أن يقوم به اثنان، لا يجوز لأحدهما فعله منفرداً، كما لا يجوز له أن يطلب استيفاءه منفرداً. بل لا بدّ أن يقوم به الاثنان معاً، ويطلبا استيفاءه معاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا وصَّى اثنين على أولاده أو أمواله، فليس لأحدهما الانفراد بالتّصرّف أخذاً أو إعطاءً؛ لأنّه ما رضي بتدبير أحدهما دون الآخر.
ومنها: إذا كان القصاص مشتركاً بين اثنين فلا يجوز أن يقام بدون حضورهما معاً.
ومنها: إذا كان وديعة لشخصين فلا يجوز لأحدهما استرداد نصفها دون حضور الآخر.
стр. 3764
القاعدة الرّابعة والثّلاثون بعد المئة [ما لا يعلّق بالشّرط]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لا يحتمل التّعليق بالشّرط لا يصحّ إيجابه في المجهول (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق بيان ما لا يمكن تعليقه بالشّرط كالنّكاح والبيع، والنّسب ممّا لا يحتمل تعليقه بالشرّط. فما لا يمكن تعليقه بالشّرط لا يصحّ ولا يجوز إيجابه في المجهول؛ لأنّ الإيجاب في المجهول بمنزلة التّعليق.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كان لرجل عبدان ولداً في ملكه من أمته، فأقرَّ في صحّته أنّ أحدهما ابنه، ثمّ مات ولم يبيّن، لم يثبت نسب واحد منهما - عند الحنفيّة - ويسعى كلّ واحد منهما في نصف قيمته؛ لأنّه بادعاء البنوّة كان أحدهما حرّاً. ولكن لمّا لم يبيّن اعتبر كلّ واحد منهما أنّه نصف حرّ، فما لم يعتبر في حقّ النّسب اعتبر في حقّ العتق.
ولكن عند ابن أبي ليلى أنّه يثبت نسب أحدهما ويورثا ميراث ابن واحد ويوجب على كلّ واحد منهما السّعاية في نصف قيمته. ولكن كيف يثبت نسب أحدهما دون الآخر وهو مجهول؟
стр. 3765
ومنها: إذا قال: زوّجتك إحدى ابنتي هاتين، لا يجوّز ما لم يبيّن؛ لأنّه إيجاب في مجهول. والنّكاح لا يحتمل التّعليق بالشّرط. ولكن يحتجّ على هذا بقصّة موسى ﵇ حيث قال له أب البنتين: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ (١).
стр. 3766
القاعدة الخامسة والثّلاثون بعد المئة [ما ينفذ من المكرَه]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لا يحتمل النّقض ينفذ من المكرَه إذا باشره على وجه لا يُرد (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
ما لا يحتمل النّقض: أي ما لا يقبل الإبطال من التّصرّفات والأقوال.
فما لا يقبل النقض والإبطال من التّصرّفات والأقوال ينفذ من المكرَه إذا باشره على وجه وطريقة وتصرّف لا يُرَدّ، كما ينفذ على غير المكره.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أجبر القاضي المدين على بيع ماله، فتصرّف به المشتري، ثمّ ظهر أنّ المدين قد أدّى دَيْنه - مثلاً - أو أنّ الشّهود كانوا غير عدول أو عبيداً. فإنّ القاضي يبطل من تصرّف المشتري ما يحتمل النّقض كردّ المبيع إذا كان باقياً. لكن إذا كان المبيع أمةً واستولدها المشتري فتبقى أمّ ولد له؛ لأنّ كونها أمّ ولد له لا يحتمل النّقض ولا الإبطال.
ولكن المشتري يغرم عقرها وقيمة ولدها، ويكون الولد حرّاً.
стр. 3767
القاعدة السّادسة والثّلاثون بعد المئة [الرّكن والجبران]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لا يدخل الشّيء ركناً لا يدخله جبراناً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
ركن الشّيء: جزء ماهيته وحقيقته.
والجبران: هو ما شرع لجبر نقص أو تقصير أو مخالفة، في الحجّ وغيره.
فمفاد القاعدة: أنّ الجبران - أو إكمال النّقص - لا بدّ أن يكون من جنس الأركان، فما لم يكن أصله ركناً في العبادة لا يكون جبراناً فيها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
سجود االسّهو شرع لجبر إخلال في الصّلاة. ولكن لما لم يشرع السّجود في صلاة الجنازة لم يشرع سجود السّهو فيها.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة واعترض به عليها:
الدّماء الواجبة في الحجّ شرعت جبراناً، وهي لا تدخل الحجّ ركناً فيه.
стр. 3768
القاعدة السّابعة والثّلاثون بعد المئة [المتعذّر الامتناع عنه، العفو]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لا يستطاع الامتناع عنه يجعل عفواً (١). أو يكون عفواً (٢). أو فهو عفو (٣).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
ما لا يستطاع الامتناع منه أو عنه: هو ما لا يمكن الاحتراز عنه، ولا بدّ منه، بحيث لا يقع تحت قدرة المكلّف الامتناع عنه، فما كان كذلك فهو عفوٌ، - أي هو مُسْقَط لا يعتبر في الأحكام ولا يبنى عليه حكم.
وهذه بمعنى القاعدة القائلة: لا واجب مع ضرورة أو عجز.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
جنب اغتسل فانتضح من غُسله في إنائه، لم يفسد عليه الماء؛ لأنّ ذلك لا يمكن الاحتراز عنه.
ومنها: إذا انتضح عليه من البول متل رؤوس الإبر لم يلزمه غسله؛ لأنّ فيه بلوى.
стр. 3769
ومنها: عند نزح بئر سقطت فيها نجاسة، فما قطر من الدلو فيها لا يضرّها للتّعذّر؛ لأنّ النّزح على أنّ لا يقطر منه شيء فيها متعذّر. لكن اليوم يمكن أن يسحب الماء من البئر بواسطة الآلة "الدينمو - الموتور -" فلا يقطر منه شيء فيها.
ومنها: إذا حلف لا يدخل دار فلان وهو فيها لم يحنث إذا خرج من ساعته.
ومنها: إذا قال لزوجته: متى لم أطلّقك فأنت طالق ثلاثاً. ثمّ قال موصولاً بكلامه. أنت طالق واحدة. فقد برّ في يمينه استحساناً، ولا يقع عليه إلا واحدة.
وفي القياس يقع عليها ثلاث؛ لأنّ ما بين يمينه وقوله: أنت طالق واحدة. يوجد وقت موصوف بأنّه لم يطلقّها فيه - وإن لطف - وذلك يكفي شرطاً للحنث.
ولكن وجه الاستحسان أنّ البرّ مراد الحالف، ولا يمكنه البرّ إلا بعد أن يجعل هذا القدر من الوقت مستثنى، وهو ما لا يمكن الامتناع عنه.
ومنها: إذا أحرقنا حصون المشركين أو أغرقناها بالماء فذلك جائز، ولو كان فيها أسرى من المسلمين أو مستأمنين صغاراً أو كباراً، نساءً أو رجالاً؛ لأنّه لا طريق للتّحرّز عن إصابتهم مع امتثال الأمر بقهر المشركين.
стр. 3770
وإن هلك بعضهم فلا شيء على المسلمين في ذلك؛ لأنّ هلاكهم غير مقصود.
ومنها: أنّ الذّمّي ممنوع من إدخال الخمر والخنزير إلى أمصار المسلمين، لكن إذا مرّ بذلك في سفينة في نهر مثل النّيل أو دجلة والفرات فمرّ بها في وسط مدائن المسلمين لم يمنع من ذلك؛ لأنّ هذا الطّريق الأعظم لا بدّ له من المرور فيه.
стр. 3771
القاعدة الثّامنة والثّلاثون بعد المئة [التّابع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لا يستقلّ بنفسه تبع لما يستقلّ بنفسه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تندرج تحت قاعدة (التّابع تابع) ومتفرّعة عليها.
فمن الأشياء ما يستقلّ بنفسه بأن يكون له حكم بانفراده. ومنها ما لا يستقلّ بنفسه، بل يكون تابعاً لغيره. فما لا يستقلّ بنفسه ويكون تابعاً لغيره في وجوده فهو تابع له في أحكامه، ولا يجوز إفراده بالحكم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الجنين في بطن الدّابّة لا يستقلّ بنفسه، فهو تابع للدّابّة يدخل في البيع معها، ولا يجوز بيعه بانفراده.
ومنها: المفتاح مع القفل غير مستقل بنفسه، فهو تابع للقفل.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
الجنين في بطن الأَمَة غير مستقلّ بنفسه في الحال، ولكن مع ذلك يجوز عتقه دونها، ويجوز الهبة والوصيّة له؛ لأنّه على وشك الانفصال عنها، والاستقلال بنفسه.
стр. 3772
القاعدة التّاسعة والثّلاثون بعد المئة [التّابع لا يستثنى]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لا يصحّ إفراده بالعقد لا يصحّ استثناؤه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تندرج أيضاً تحت قاعدة (التّابع تابع) ولها صلة وثيقة بسابقتها، فالّذي لا يصحّ إفراده بالعقد هو ما لا يستقل بنفسه. وما لا يستقلّ بنفسه يكون تبعاً للمستقلّ، وما كان تبعاً فكما لا يصحّ إفراده بالعقد لا يصحّ استثناؤه وإخراجه من العقد على متبوعه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ما سبق ذكره من أنّ الحمل في بطن الدّابّة لا يصحّ إفراده بالعقد فكذلك لا يصحّ استثناؤه عند بيع متبوعه.
ومنها: الصّوف على ظهر الغنم، واللّبن في الضّرع، لا يصحّ استثناؤهما من العقد عند بيع الغنم؛ لأنّه لا يجوز إفراد الصّوف بالعقد وهو ما زال على ظهر الغنم، كما لا يجوز إفراد اللبن بالبيع وهو ما زال في الضّرع.
ومنها: لا يصحّ بيع الجارية دون حملها، وإذا كانت حاملاً بِحرًّ لا يجوز بيعها قبل الوضع.
стр. 3773
القاعدة الأربعون بعد المئة [مفسد الصّلاة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لا يصلح للصّلاة فمباشرته مفسدة للصّلاة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تتعلّق بمفسدات الصّلاة ومبطلاتها:
وهي تجمل ذلك بأنّ كلّ ما لا يصلح للصّلاة، أي كلّ ما ليس من جنس الصّلاة وأفعالها إذا فعله المصلّي وباشره فإنّه مفسد ومبطل لصلاته.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الأكل والشّرب لا يصلح للصّلاة فمن أكل أو شرب وهو في الصّلاة بطلت صلاته.
ومنها: الكلام - بغير القرآن والذّكر اللازم للصّلاة - لا يصلح للصّلاة فمن تكلّم في صلاته عامداً بطلت صلاته. فمن نادى ابنه واسمه يحيى وهو في صلاته فقال: يا يحيى مريداً النّداء، بطلت صلاته.
ومنها: الحركة الكثيرة والمشي مفسد للصّلاة لأنّه لا يصلح لها.
ومنها: من كان في صلاته ففتح كتاباً - غير القرآن - وأخذ يقرأ فيه ولو بغير صوت - بطلت صلاته.
стр. 3774
القاعدة الحادية والأربعون بعد المئة [غير المضمون]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لا يضمن بمثله ولا بقيمته لا يضمن (١). كالحشرات.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الضّمان: هو التّعهّد بأداء القيمة أو الثّمن أو المثل.
والأشياء منها ما هو مضمون بأحد هذه الثّلاثة - فهذا له قيمة - وهو متقوّم - كما سبق بيانه قريباً -. ومنها ما ليس بمضمون وهو غير المتقوّم أو الشّيء الّذي لا قيمة له. فما ليس بمتقوّم فهو غير مضمون على متلفه لا بقيمته ولا بمثله.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الحشرات كالذّباب والبعوض والصّراصير غير مضمونة لأنّه لا قيمة لها ولا مثل.
ومنها: إذا قتل المحرم ما كان مؤذياً بطبعه كسباع البهائم والحيّة والعقرب والغراب والحدأة والفأر، فهذه ليس في قتلها جزاء على المحرم؛ لأنّها غير مضمونة بالمثل ولا بالقيمة.
стр. 3775
ومنها: ما لا يؤذي بطبعه، ولكن لا يؤكل لنجاسته وقذارته أو استقذاره كالرّخم والدّيدان، فلا أثر للحرم ولا للإحرام فيه، ولا جزاء فيه إن قتله؛ لأنّ هذه ليست بصيد ولا مثل لها ولا قيمة.
стр. 3776
القاعدة الثّانية والأربعون بعد المئة [القول لمن يعلم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لا يعلم إلا من جهة الشّخص فالقول قوله فيه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة واضحة المعنى والدّلالة؛ لأنّ ما لا يعلم إلا من قبل شخص واحد، ومن جهته، فإنّ قوله مقبول فيه مع يمينه. ولا يقبل قول غيره فيه لأنّه رجم بالغيب. ولأنّ غيره لا يمكنه معرفته ولا الاطلاع عليه، كما أنّه لا يمكن إقامة البيّنة عليه. ولذلك وجب قبول قوله فيه، واليمين قائمة مقام البيّنة في حقّه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال لزوجته: إن حضت فأنت طالق. فقالت: حضت. فقولها مقبول مع يمينها؛ لأنّ هذا لا يعرف إلا من جهتها.
ومنها: إذا تزوّج امرأة من وليِّها، ثمّ مات الزّوج عنها. فقال وارث الزّوج: إنّ وليَّك زوّجك بغير إذنك فنكاحك باطل، ولا إرث لك. فقالت: بل زوّجني بإذني ولي الميراث. فالقول قولها مع يمينها؛ لأنّ إذنها لا يعلم إلا من جهتها.
стр. 3777
ومنها: إذا قالت: قد انقضت عدَّتي. فيقبل قولها، إذا كان ذلك في مدّة الإمكان.
ومنها: إذا قال الأب: أنا محتاج للنّكاح، صُدِّق بلا يمين، ووجب على الولد إعفافُه.
стр. 3778
القاعدة الثّالثة والأربعون بعد المئة [دليل التّحريم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لم يقم عليه دليل التّحريم فلا حرج فيه، في الزّمان الشّاغر عن حملة العلوم بتفاصيل الشّريعة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التّحريم: حكم شرعي مفاده المنع من إتيان ما منع الشّرع إتيانه أو ارتكابه، ولا يثبت التّحريم إلا بدليل قطعي؛ لأنّ المحرم يترتّب الإثم على ارتكابه. والوقوع فيه، كما يترتّب الأجر والثّواب على تركه واجتنابه، فهو مقابل للواجب والمفروض.
ومفاد القاعدة: أنّه إذا خلا زمن عن العلماء وحملة الشّريعة العالمون بتفاصيل أحكام الشّرع، والتبس على النّاس الحرام والحلال، فإنّه لا حرج على النّاس في الإقدام على التّصرّفات أو الأفعال التي لم يقم عليها دليل يفيد التّحريم قطعاً أو ظنّاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أسلم شخص أو جماعة يعيشون في بلاد الكفر، ولم يجدوا مسلماً عالماً يعلّمهم شرائع الإسلام وأحكامه، ولا من يبيّن لهم الحلال والحرام فلا يجوز لهم أن يحرّموا على أنفسهم شيئاً لم يقم عليه دليل
стр. 3779
يحرّمه. ولا حرج عليهم في أفعالهم وتصرّفاتهم - حتى لو شربوا الخمر أو أكلوا الخنزير أو زنوا أو فعلوا شيئاً من المنكرات أو أكلوا الرّبا. لأنّه لا تحريم إلا بدليل كما أنّه لا واجب إلا بدليل.
стр. 3780
القاعدة الرّابعة والأربعون بعد المئة [العبادة والنّيَّة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لا يكون إلا عبادة لا يحتاج إلى نيَّة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة متفرّعة على قاعدة (الأعمال بالنّيّات) أو (الأمور بمقاصدها) فإنّ ما يكون عبادة فلا بدّ له من النّيَّة إذا كان لهذه العبادة مثيل في العادة كالصّلاة والصّوم؛ لأنّ النّيَّة إنّما شرعت لتمييز العبادات على العادات.
لكن إذا كان الفعل لا يكون إلا عبادة وليس له مثيل في العادة فإنّه لا يحتاج إلى النّيَّة المخصّصة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الإيمان بالله تعالى والخوف منه والرّجاء فيه وما أشبه ذلك فهذه عبادات لا تحتاج إلى النّيِّة؛ لأنّه لا مثيل لها في العادات.
ومنها: نيَّة العبادة عبادة ولا تحتاج إلى نيَّة، وإلا لزم التّسلسل.
ومنها: الأذكار وقراءة القرآن عبادات لا تحتاج إلى نيّة، إلا إذا كانت منذورة فتحتاج إلى النّيَّة لتخصيصها.
стр. 3781
القاعدة الخامسة والأربعون بعد المئة [التّصرّفات غير اللازمة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لا يكون لازماً من التّصرّفات يكون لدوامه حكم الابتداء (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التّصرّفات منها لازم بمعنى أنّه لا ينفكّ عن المتصرّف، ومنها ما لا يكون لازماً بمعنى أنّه يجوز انفكاكه على المتصرّف وخلّوه منه. فما كان من التّصرّفات منفكّاً غير لازم للمتصرّف فإن الدّوام عليه والاستمرار يأخذ حكم ابتدائه في وجوب الالتزام بشرائطه وبناء الحكم عليه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الوكالة: ومعناها: التّصرّف على الغير فيما يخصّه. هي عقد غير لازم. لكن إذا وكّل شخص آخر في عمل ما فإنّ شروط هذه الوكالة يجب اعتبارها ما دامت الوكالة قائمة. ولا تتقيّد الوكالة بالمجلس. وكذلك الإذن.
ومنها: الإذن. فمن أذن لولده الصّغير أو لعبده في التّجارة فالإذن مستمر ما لم يقع حجر بعد ذلك. وللمأذون التّجارة فيما أُذن له فيه، في النّوع أو البلدة فلا يجوز له المخالفة ما دام الإذن باقياً.
стр. 3782
القاعدة السّادسة والأربعون بعد المئة [التّقييد غير المفيد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لا يكون مفيداً من التّقييد لا يعتبر (١).
وبالمقابل: التّقييد متى كان مفيداً فهو معتبر (٢). وينظر قواعد حرف التّاء رقم ١٩٣.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
شرعت القيود في العقود دفعاً للضّرر عن المتعاقدين أو أحدهما، أو جلباً للنفع لهما أو لأحدهما، فإذا قيَّد أحد المتعاقدين العقد بشرط غير مفيد له ولا لصاحبه، فإنّ هذا القيد أو هذا الشّرط لا يعتبر شرعاً ولا يعتدّ به؛ لأنّ ما ليس بمفيد لا يعتبر شرعاً. فوجوده كعدمه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كفل بنفس شخص فقال: أدفعه لك عند القاضي. فدفعه عند الأمير، أو العكس، صحّ وقد برئ من الكفالة؛ لأنّ المقصود تمكّنه من إثبات الحقّ عليه بالحجّة، والاستيفاء منه بالقوّة.
ومنها: إذا أُخبر الشّفيع أنّ الثّمن ألف درهم فسلَّم الشّفعة - أي رفضها وأبطلها - فإذا هو مئة دينار ثمنها ألف درهم، سقطت الشّفعة، ولا عبرة باختلاف النّقدين لأنّهما في المعنى جنس واحد.
стр. 3783
القاعدة السّابعة والأربعون بعد المئة [القُرَب غير المقصودة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لا يكون مقصوداً بنفسه من القُرَب لا يصير ديناً في الذّمّة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
القُرَب: جمع قُرْبة. بضم القاف وهي العبادة التي يُتَقَرَّب بها إلى الله .
والقُرَب أنواع منها ما هو مقصود بنفسه كالصّلاة والصّوم، ومنها ما لا يكون مقصوداً بنفسه وإنّما يأتي تبعاً لغيره، ومتمّماً له. فما كان من العبادة مقصوداً بنفسه وتركه المكلّف فلم يفعله في وقته صار ديناً في ذمّته، لا تبرأ ذمّته منه إلا بأدائه أو قضائه.
لكن ما كان غير مقصود بنفسه وتركه المكلّف فلم يفعله سقط عنه ولا يلزمه قضاؤه، ولا أداؤه بعد ذلك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الإطالة في القيام للصّلاة أو في القراءة أو في الرّكوع أو السّجود عبادة غير مقصودة بنفسها, لأنّ المقصود القيام والقراءة المفروضة والرّكوع والسّجود في أدنى ما يجب، فمن صلّى ولم يُطِل القيام أو لم
стр. 3784
يطل القراءة أو الرّكوع أو السّجود، فلا تصير تلك الإطالة ديناً في ذمّته يجب عليه أداؤه.
ومنها: قراءة القرآن عبادة مقصودة في الصّلاة وخارجها، لكن تحسين الصّوت بالقراءة والتّرتيل الكامل عبادة غير مقصودة فمن قرأ القرآن ولم يحسن صوته بقراءته أو لم يرتّل ترتيلاً كاملاً فقراءته صحيحة، ولا يصير تحسين الصّوت أو التّرتيل الكامل ديناً في ذمّته يجب عليه أداؤه.
стр. 3785
القاعدة الثّامنة والأربعون بعد المئة [الإثبات بالشّرط]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لا يمكن إثباته إلا بشرط فإذا وقعت الحاجة إلى إثباته يقدّم شرطه عليه لا محالة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الشّرط مقدّم في ثبوته ووجوده على المشروط، فلا يجوز للشّرط أن يتأخّر وجوده على المشروط.
فمفاد القاعدة: أنّ ما لا يمكن إثباته إلا بوجود شرطه، فإنّه إذا وقعت الحاجة إلى إثباته، فلا بدّ من تقدّم وجود شرطه عليه قطعاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال لغيره: اعتق عبدك عنّي على ألف - فأعتقه. يقدّم التّمليك منه على نفوذ العتق منه ضرورة كونه - أي التّمليك - شرطاً في المحل.
ومنها: الطّهارة بالنّسبة للصّلاة، فإذا قال له: صلّ فيستدعي ذلك تقديم الطّهارة.