القاعدة الخامسة والأربعون بعد المئة [التّصرّفات غير اللازمة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لا يكون لازماً من التّصرّفات يكون لدوامه حكم الابتداء (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التّصرّفات منها لازم بمعنى أنّه لا ينفكّ عن المتصرّف، ومنها ما لا يكون لازماً بمعنى أنّه يجوز انفكاكه على المتصرّف وخلّوه منه. فما كان من التّصرّفات منفكّاً غير لازم للمتصرّف فإن الدّوام عليه والاستمرار يأخذ حكم ابتدائه في وجوب الالتزام بشرائطه وبناء الحكم عليه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الوكالة: ومعناها: التّصرّف على الغير فيما يخصّه. هي عقد غير لازم. لكن إذا وكّل شخص آخر في عمل ما فإنّ شروط هذه الوكالة يجب اعتبارها ما دامت الوكالة قائمة. ولا تتقيّد الوكالة بالمجلس. وكذلك الإذن.
ومنها: الإذن. فمن أذن لولده الصّغير أو لعبده في التّجارة فالإذن مستمر ما لم يقع حجر بعد ذلك. وللمأذون التّجارة فيما أُذن له فيه، في النّوع أو البلدة فلا يجوز له المخالفة ما دام الإذن باقياً.
стр. 3782
القاعدة السّادسة والأربعون بعد المئة [التّقييد غير المفيد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لا يكون مفيداً من التّقييد لا يعتبر (١).
وبالمقابل: التّقييد متى كان مفيداً فهو معتبر (٢). وينظر قواعد حرف التّاء رقم ١٩٣.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
شرعت القيود في العقود دفعاً للضّرر عن المتعاقدين أو أحدهما، أو جلباً للنفع لهما أو لأحدهما، فإذا قيَّد أحد المتعاقدين العقد بشرط غير مفيد له ولا لصاحبه، فإنّ هذا القيد أو هذا الشّرط لا يعتبر شرعاً ولا يعتدّ به؛ لأنّ ما ليس بمفيد لا يعتبر شرعاً. فوجوده كعدمه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كفل بنفس شخص فقال: أدفعه لك عند القاضي. فدفعه عند الأمير، أو العكس، صحّ وقد برئ من الكفالة؛ لأنّ المقصود تمكّنه من إثبات الحقّ عليه بالحجّة، والاستيفاء منه بالقوّة.
ومنها: إذا أُخبر الشّفيع أنّ الثّمن ألف درهم فسلَّم الشّفعة - أي رفضها وأبطلها - فإذا هو مئة دينار ثمنها ألف درهم، سقطت الشّفعة، ولا عبرة باختلاف النّقدين لأنّهما في المعنى جنس واحد.
стр. 3783
القاعدة السّابعة والأربعون بعد المئة [القُرَب غير المقصودة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لا يكون مقصوداً بنفسه من القُرَب لا يصير ديناً في الذّمّة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
القُرَب: جمع قُرْبة. بضم القاف وهي العبادة التي يُتَقَرَّب بها إلى الله .
والقُرَب أنواع منها ما هو مقصود بنفسه كالصّلاة والصّوم، ومنها ما لا يكون مقصوداً بنفسه وإنّما يأتي تبعاً لغيره، ومتمّماً له. فما كان من العبادة مقصوداً بنفسه وتركه المكلّف فلم يفعله في وقته صار ديناً في ذمّته، لا تبرأ ذمّته منه إلا بأدائه أو قضائه.
لكن ما كان غير مقصود بنفسه وتركه المكلّف فلم يفعله سقط عنه ولا يلزمه قضاؤه، ولا أداؤه بعد ذلك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الإطالة في القيام للصّلاة أو في القراءة أو في الرّكوع أو السّجود عبادة غير مقصودة بنفسها, لأنّ المقصود القيام والقراءة المفروضة والرّكوع والسّجود في أدنى ما يجب، فمن صلّى ولم يُطِل القيام أو لم
стр. 3784
يطل القراءة أو الرّكوع أو السّجود، فلا تصير تلك الإطالة ديناً في ذمّته يجب عليه أداؤه.
ومنها: قراءة القرآن عبادة مقصودة في الصّلاة وخارجها، لكن تحسين الصّوت بالقراءة والتّرتيل الكامل عبادة غير مقصودة فمن قرأ القرآن ولم يحسن صوته بقراءته أو لم يرتّل ترتيلاً كاملاً فقراءته صحيحة، ولا يصير تحسين الصّوت أو التّرتيل الكامل ديناً في ذمّته يجب عليه أداؤه.
стр. 3785
القاعدة الثّامنة والأربعون بعد المئة [الإثبات بالشّرط]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لا يمكن إثباته إلا بشرط فإذا وقعت الحاجة إلى إثباته يقدّم شرطه عليه لا محالة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الشّرط مقدّم في ثبوته ووجوده على المشروط، فلا يجوز للشّرط أن يتأخّر وجوده على المشروط.
فمفاد القاعدة: أنّ ما لا يمكن إثباته إلا بوجود شرطه، فإنّه إذا وقعت الحاجة إلى إثباته، فلا بدّ من تقدّم وجود شرطه عليه قطعاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال لغيره: اعتق عبدك عنّي على ألف - فأعتقه. يقدّم التّمليك منه على نفوذ العتق منه ضرورة كونه - أي التّمليك - شرطاً في المحل.
ومنها: الطّهارة بالنّسبة للصّلاة، فإذا قال له: صلّ فيستدعي ذلك تقديم الطّهارة.
стр. 3786
القاعدة التّاسعة والأربعون بعد المئة [المتعذّر استعماله]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لا يمكن استعماله كالمعدوم (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
ما لا يمكن استعماله: أي يستحيل ويتعذّر استعماله، فحكمه حكم المعدوم المفقود من حيث عدم الاعتداد، وعدم بناء الأحكام عليه؛ لأنّ التّكليف بالمستحيل مستحيل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أراد مريد الحجّ أو العمرة لبس فعل فلم يستطع لبسها لضيقها، أو كانت لغيره، فله لبس الخفّ، ولا فدية عليه.
ومنها: إذا وجد ماءً في بئر، ولم يجد الدّلو أو الرّشاء - أي الحبل - لتناوله، فله التّيمّم؛ لأنّه لا يمكنه استعمال الماء.
стр. 3787
القاعدة الخمسون بعد المئة [الاعتبار بالغير]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لا يمكن اعتباره بنفسه اعتبر بغيره (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
من الأشياء ما يمكن أن تُقَوَّم بنفسها لشهرتها بين النّاس أو لكثرة وجودها. ومنها ما لا يمكن اعتباره بنفسه لندرته أو لقلّة وجوده، أو لانعدامه في محلّه، فهذا يكون تقويمه واعتباره بغيره من الأشياء التي تقاربه؛ لأنّ (ما قارب الشّيء أعطي حكمه).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الجناية على الحرّ إذا لم يكن لها أرش مقدّر وفيها حكومة تعتبر بالجناية على الرّقيق؛ لأنِّ الحرّ لا يقوَّم وإنّما يقوَّم الرّقيق.
ومنها: الماء إذا وقع فيه نجاسة مائعة توافقه في الصّفات، قدِّر بغيره فيما لو كان مخالفاً له إذا كان يغيّره فنجس وإلا فلا.
ومنها: إذا كان له رُطَب لا يتّخذ منه ثمر - كالبلح الحلوة - ففى اعتبار النّصاب به إمّا أن يقوَّم رطباً، أو تعتبر حالة جفافه كغيره. ففي الاعتبار بنفسه أو بغيره وجهان.
ومنها في قول: يقدّر الخمر خلاً، الخنزير شاة. عند التّقويم.
стр. 3788
القاعدة الحادية والخمسون بعد المئة [تعذّر الاحتراز]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لا يمكن التّحرّز عنه يجعل عفواً (١). أو معفو عنه (٢). أو الاحتراز.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق قريباً مثيل لهذه القاعدة بلفظ:
ما لا يستطاع الامتناع منه - أو عنه - فهو عفو.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
المستحاضة تصلّي وإن قطر الدّم منها؛ لأنّه لا يمكنَ التّحرّز منه.
وكذلك من استطلق بطنه، ومن به سلس البول.
ومنها: إذا شهدوا على رجل بشرب الخمر - وقد زالت الرّائحة ببعد المسافة عن القاضي - قبلت شهادتهم؛ لأنّ ذلك لا يمكن التّحرّز عنه.
стр. 3789
القاعدة الثّانية والخمسون بعد المئة [ما لا يؤثر فيه الرّق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لا يملك المولى على عبده فالعبد فيه ينزل منزلة الحرّ (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق قريباً مثيل لهذه القاعدة بلفظ: (ما لا يؤثر فيه الرّق).
السّيّد يملك عبده وتصرّفاته فلا يتصرّف العبد إلا بإذن السّيّد كالزّواج والبيع والشّراء وأشباهها. ولكن توجد أشياء لا يملكها السّيّد على عبده؛ لأنّ لا يؤثر فيها الرّقّ، فالعبد فيها كالحرّ سواء. ولا يمكن للسّيّد إبطال تصرّف العبد فيها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا طلّق العبد زوجته - حرّة أو رقيقة - لا يملك السّيّد إبطال هذا الطّلاق. فالعبد والحرّ في الطّلاق سواء.
ومنها: الإقرار، إذا أقرّ العبد بالسّرقة فلا يمكن للسّيّد إبطال إقراره، ويؤخذ العبد بما أقرّ وتقطع يده.
ومنها: إذا كان عبد مأذون وأقرّ بديون فإنّه يؤخذ بها إذا لم يكن في المال الموجود معه وفاء، أو يفديه السّيّد.
стр. 3790
القاعدة الثّالثة والخمسون بعد المئة [مانع الإذن]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لا يمنع ابتداء الإذن لا يمنع بقاءه بطريق الأولى (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الإذن بالتّجارة للعبد والصّغير المميّز جائز، ولكن قد تقوم موانع تمنع من الإذن ابتداءً، فهذه تمنع بقاءه بطريق الأَوْلى كالسّفه والإتلاف.
ولكن إذا وجدت أسباب لا تمنع الإذن ابتداءً، فهذه لا تمنع بقاءه واستمراره بطريق الأَولى كذلك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
العبد السّفيه المتلف أو المبذّر لا يؤذن له في التّجارة ابتداءً، فكذلك لو طرأ عليه السّفه والإتلاف، يحجر عليه بعد الإذن.
ومنها: العبد المجنون لا يؤذن له، فإذا طرأ عليه الجنون بعد الإذن حجر عليه.
ومنها: العبد إذا أُذن له ثم أَبق - أي هرب من سيّده - ففي بقاء إذنه خلاف، فعند زفر بن الهذيل ﵀ أنّه يبقى مأذوناً لأنّ إباقه
стр. 3791
غير مانع من إذنه عنده، وما لا يمنع ابتداء الإذن لا يمنع بقاءه بطريق الأولى.
وعند باقي أئمة الحنفيّة يعتبر إباقه الطّارئ حَجراً على تصرّفه وإلغاء الإذن السّابق؛ لأنّ إباقه يُجعل دلالة على حجره، ودلالة الحجر كالتّصريح به. كما أنّ دلالة الإذن كالتّصريح به.
ومنها: الرّقّ لا يمنع ابتداءً النّكاح فكذلك لا يمنع بقاءه بطريق الأولى، فإذا أقرَّتِ امرأة مجهولة النّسب أنّها أمة لفلان، وصدَّقها، كانت أمَة له، لكن إذا كانت متزوّجة فإنّ نكاحها يبقى. فإقرارها بالرّقّ لا يبطل نكاحها؛ لأنّ ذلك حقّ الزّوج.
стр. 3792
القاعدة الرّابعة والخمسون بعد المئة [ما لا يوقف عليه]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لا يوقف عليه في حكم المعدوم (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة قريبة المعنى من قاعدة سبقت قريباً.
فما لا يوقف عليه: هو ما لا يمكن العثور عليه وإيجاده، لكونه مفقوداً، والمفقود لا يمكن استعماله. فالمفقود له حكم المعدوم. فلا ينتظر، ولا يبنى عليه حكم؛ فإنّ ما لا يستطاع العثور عليه ولا إيجاده، فانتظار وجوده عبث، والشّرع منزّه عن ذلك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
مَن قتل لقيطاً عمداً فعند أبي يوسف ﵀ لا يقتصُّ منه، وتلزمه الدّيّة لبيت المال؛ لأنّ القصاص للولي، وولي اللقيط مجهول لا يوقف عليه.
وعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى: يجب القود، والإمام هو ولي مَن لا وليّ له، وإذا ثبت أن السّلطان هو الولي تمكّن من
стр. 3793
استيفاء القصاص. ولكن يجوز للسّلطان أن يعفو عن القصاص ويلزم القاتل الدّيّة لبيت مال المسلمين، وليس للإمام أن يعفو عن القصاص بغير مال.
ومنها: إذا خرج إلينا حربي أسلم ودخل دارنا فقتله إنسان عمداً فعلى قاتله القصاص عندهما كاللّقيط.
стр. 3794
القاعدة الخامسة والخمسون بعد المئة [مال المسلمين لا يغنم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مال المسلمين لا يصير غنيمة للمسلمين بحال (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
لا يجوز للمسلم أن يقاتل أخاه المسلم بغير تأويل. فإذا وقع القتال بين المسلمين بتأويل، أو لأنّ إحدى الطّائفتين بغت على الأخرى فقاتلها المسلمون كما أمر الله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٢). ففي مثل هذه الأحوال لا يجوز أن تأخذ الطّائفة المنتصرة أموال الطّائفة المهزومة وتجعلها غنيمة تقسمها بين الغانمين. بل يجب ردّ هذه الأموال إلى أربابها أو إلى ورثتهم؛ لأنّ مال المسلمين لا يصير غنيمة للمسلمين بحال.
والأصل في ذلك فعل أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب ﵁ عندما قاتل أهل الشّام والخوارج وفي وقعة الجمل لم يجعل مال أحد منهم غنيمة.
стр. 3795
القاعدة السّادسة والخمسون بعد المئة [نزول الجزاء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لم يتيقّن من وجود الشّرط بعد اليمين لا ينزل الجزاء (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تتعلّق بالتّعليق بالشّرط.
ومفادها: أنّ الجزاء لا يجوز أن ينزل بالمحلوف عليه إلا إذا وجد الشّرط الذي علِّق عليه الجزاء قطعاً ويقيناً. وإذا لم يتيقّن من وجود الشّرط ويقطع به فلا يجوز تحقّق الجزاء.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال لزوجته: إن دخلت الدّار أو كلّمت فلاناً، أو فعلت كذا فأنت طالق. فلا يقع الطّلاق عليها ما لم يتحقّق من وقوع الشّرط ووجوده من الدّخول أو التّكليم أو الفعل المحلوف عليه.
ومنها: إذا قال القائد: مَن قتل قتيلاً فله سلبه. فادّعى أحدهم أنّه قد قتل هذا القتيل، فلا يستحقّ السّلب بمجرّد قوله. بل لا بدّ من إقامة البيّنة على أنّه قتله.
стр. 3796
القاعدة السّابعة والخمسون بعد المئة [ما ليس بمحدَّد شرعاً]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لم يرد فيه الشّرع بتحديد يتعيّن تقريبه بقواعد الشّرع (١).
وفي لفظ آت: ما ليس بمقدّر شرعاً يجعل تبعاً لما هو مقدّر شرعاً (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
حدّد الشّرع مقادير كثير من الأشياء كالكفّارات، والحدود، والعدد، وغير ذلك من المقدّرات الشّرعيّة، ولكن هناك أمور لم يرد فيها من الشّرع تقدير أو تحديد، فهذه يجب أن تحدّد وتقدّر وتعيّن بناء على قواعد الشّرع العامّة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
المشاق التي توجب التّخفيف منها ما ورد في الشّرع حكمه كالتّأذّي بالقمل في الحجّ جعله الشّرع مبيحاً للحلق ووجوب الفدية، فأي مرض أو أذى مثله أو فوقه أباح الحلق كذلك وإلا فلا.
стр. 3797
ومنها: السّفر مبيح للفطر بالنّصّ فهل يعتبر به غيره المشاقّ؟ الصّحيح لا؟ لأنّ الحكمة وهي المشقّة هنا لا تصلح علَّة لبناء الحكم عليها. لتفاوتها بحسب الأشخاص والأحوال والظّروف.
ومنها: من باع عبداً واشترط أنّه كاتب، يكفي في هذا الشّرط مسمّى الكتابة ولا يحتاج إلى المهارة فيها.
ومنها: خوف الغرق في البحر أو عدم الاطمئنان إلى أمن الطّريق يسقط وجوب الحجّ عن القادر عليه إذا غلب على ظنّه ذلك، أو أخبره ثقة بعدم أمن الطّريق، ولا طريق غيره.
стр. 3798
القاعدة الثّامنة والخمسون بعد المئة [حكم البدل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لم يُقْدر على الأصل لا يسقط حكم البدل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأصل والبدل لا يجتمعان، فلا ينتقل إلى البدل إلا عند عدم وجود الأصل أو عند عدم القدرة على استعماله.
ويبقى حكم البدل ما دام الأصل غير مقدور عليه، فحكم البدل لا يسقط إلا عند القدرة على الأصل المُبدل منه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من عليه كفّارة يمين فلم يستطع العتق أو الإطعام أو الكسوة ينتقل إلى الصّوم. فما لم يقدر على العتق أو الإطعام أو الكسوة، فكفّارته الصّيام قطعاً مهما طال عليه الزّمن.
ومنها: المتيمّم إذا وجد الماء وبينه وبين الماء سبع أو عدو لا ينتقض تيمّمه، وله التّيمّم مهما طال الوقت؛ لأنّ الماء لا يستطاع الوصول إليه.
ومنها: مَن لم يستطع القيام في صلاته، فصلاته جائزة قاعداً أو مضطجعاً أو على جنب، فلا يجب عليه القيام قبل القدرة والاستطاعة.
стр. 3799
القاعدة التّاسعة والخمسون بعد المئة [مجال العرف والعادة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لم يكن له حدّ في اللغة ولا في الشّرع فالمرجع فيه إلى عرف النّاس (١).
وفي لفظ: ما ورد في الشّرع مطلقاً من غير تحديد ولا حدّ له في اللغة ولا في الشّريعة فيجب الرّجوع فيه إلى العرف والعادة (٢). وتأتي قريباً.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
توجد أمور حدّد الشّرع مقاديرها كالصّلوات والكفّارات والحدود وأشباه ذلك، وتوجد أمور يُعرف تحديدها باللغة كحدّ الوجه في الوضوء، وكأسماء الأشياء كالشّمس والقمر والبحر والسّماء والأرض، ومنه ما يعلم بالشّرع كالمؤمن والمنافق والكافر.
وهناك أمور لم يجعل الشّرع لها حدّاً، كما أنّه ليس لها في اللغة أيضاً، فهذه مردّ تحديدها إلى عرف النّاس وعاداتهم الجارية بينهم، وقد يختلف التّحديد باختلاف الشّيء المراد تحديده، وباختلاف الأشخاص والأحوال، فالعرف قاضٍ في ذلك.
стр. 3800
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
القبض الوارد في الحديث "من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه" (١). فالقبض المقصود في الحديث لم يحدّده الشّرع، وليس له تحديد في اللغة، فمرجع تحديده إلى العرف والعادة.
ومنها: الحرز في السّرقة يختلف باختلاف الشّيء المسروق وعادة النّاس في الحفظ واختلاف الحروز.
ومنها: البيع والإجارة والهبة ونحوها من العقود لم يحدّد الشّارع لها حدّاً لا في كتاب الله ولا في سنّة رسوله ﷺ ، ولا نقل عن أحد من الصّحابة والتّابعين أنّه عيَّن للعقود صفة مُعَيَّنة الألفاظ أو غيرها، أو قال ما يدلّ على ذلك من أنّها لا تنعقد الأ بالصّيغ الخاصّة، وليس لذلك حدّ في لغة العرب.
فإذا لم يكن له حدّ في الشّرع ولا في اللغة كان المرجع فيه إلى عرف النّاس وعاداتهم، فما سَمَّوه بيعاً فهو بيع، وما سمّوه هبة فهو هبة. فالنّاس يتبايعون ويستأجرون كيف شاؤوا ما لم تحرّم الشّريعة.
стр. 3801
القاعدة السّتون بعد المئة [إثبات حكم البيع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما لم يكن موجوداً في ملكه لا يمكن إثبات حكم البيع فيه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
دليل هذه القاعدة قوله ﵊ لحكيم بن حزام ﵁: "يا حكيم لا تبع ما ليس عندك" (٢). فما لم يكن موجوداً في ملك الإنسان وقادراً على تسليمه لا يمكن إثبات حكم البيع فيه؛ لأنّ حكم البيع إنّما يثبت في مبيع موجود ومقدور التّسليم. وكان ذلك كذلك لئلا يقع النّزاع والتّخاصم عند عدم القدرة على التّسليم، وغير ذلك من الأسباب.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: أبيعك عشرين طنّاً من الأرز - وهي ليست عنده ولا في ملكه - فالبيع باطل وإن قبل المشتري.
ومنها: إذا قال: أبيعك ما في هذه البحيرة من السّمك. فالبيع باطل كذلك.
стр. 3802
القاعدة الحادية والسّتّون بعد المئة [ما يجري فيه القصاص]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما له مفصل أو حَدٌّ مضبوط من الأعضاء جرى فيه القصاص. وما لا فلا (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
القصاص: معناه المماثلة والمتابعة، فقتل القاتل وجرح الجارح، وقطع القاطع قصاص.
فمفاد القاعدة: أنّ القصاص في الأعضاء إنّما يكون في عضو له مفصل أو حدّ مضبوط، وما لم يكن له مفصل أو حدّ مضبوط ففيه حكومة عدل وأرش.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قطع إنسان عمداً من الكوع ففيه القطع؛ لأنّ له مفصل.
ومنها: إذا قلع سنّاً، فيقلع من الجاني مثله.
ومنها: إذا قطع لسانه، قطع لسانه قصاصاً.
ومنها: إذا قطع يده من العضد أو السّاعد فلا قصاص؛ لأنّه لا مفصل ولا حدّ، ويجب فيها حكومة عدل، أو تقطع اليد من الكوع أو من المرفق وفي الزّائد حكومة عدل، كما لو قطع يده من الكفّ.
стр. 3803
القاعدة الثّانية والسّتّون بعد المئة [قسمة المال الواحد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المال الواحد إذا قوبل بشيئين مختلفين بعقد المعاوضة ينقسم على مقدار قيمتهما (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا باع شيئين مختلفين بثمن واحد فإنّ هذا الثّمن ينقسم على مقدار قيمتهما إذا اختلفت القيمتان، وذلك عند استحقاق أحد الشّيئين، أو وجود عيب فيه يوجب الرّدّ، إذا رضي البائع والمشتري بردّ أحدهما دون الآخر.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا تزوّج رجل بامرأتين على ألف درهم، فالألف بينهما على قدر مهر كلّ واحدة منهما. فإن طلّقهما قبل الدّخول كان لهما نصف الألف بينهما على قدر مهريهما.
ومنها: إذا اشترى فرسين بعشرة آلاف، ثمّ ظهر أنّ إحدى الفرسين بها عيب يوجب الرّدّ، فتقسم العشرة الآلاف على قيمة كلّ من الفرسين.
стр. 3804
القاعدة الثّالثة والسّتّون بعد المئة [المال والشّبهات]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المال يثبت مع الشّبهات (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
للمال أحكام تخصّه، يختلف بها عن أمور أخرى، من هذه الأحكام التي تخصّ المال أنّه يثبت مع وجود الشّبهة في إثباته بخلاف الحدود - مثلاً - فهي لا تثبت مع وجود أدنى شبهة؛ لأنّ الحدود تدرأ بالشّبهة، وأمّا المال فلا.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قتل رجل شخصاً آخر عمداً ثمّ ادّعى أنّه قتله دفاعاً عن النّفس أو العرض أو المال، ولكن لا توجد بيِّنة تؤكّد مدعاه، فدعوى أنّه قتله دفاعاً عن نفسه أو عرضه أو ماله شبهة في إسقاط القصاص عنه، ولكن ما لم يأت ببيِّنة تؤكّد ذلك فعليه الدّية في ماله - لأنّ الدّية - وهي مال - لا تسقط بالشّبهة.
ومنها: قتله ثمّ ادّعى أنّ قتله كان خطأ - وهو غير متعمّد لقتله - فمع وجود هذه الشّبهة يسقط القصاص، ولكن يجب المال - أي الدّيّة -.
стр. 3805
القاعدة الرّابعة والسّتّون بعد المئة [القربة وغيرها]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما ليس بقربة لا يقام مقام القربة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالقُربة كلّ عبادة بدنيّة أو ماليّة يتقرّب بها العبد إلى الله ابتغاء الأجر والثّواب. فما ليس بقربة يدخل في باب العادة، أو الأفعال العاديّة التي لا تكون عبادة، فهذه لا يجوز إقامة بعضها مقام عمل عبادي يتقرّب به إلى الله .
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الصّيام بنيَّة النّسك قربة يثاب عليها العبد، وأمّا الإمساك عن الطّعام بنيّة الحمية ودفع الأذى، أو بسبب أمر الطّبيب بذلك فلا يكون هذا الإمساك على الطّعام والامتناع عنه قربة يتقرّب بها إلى الله .
ومنها: مَن أراد الحجّ فوقف على كلّ جبل من جبال الدّنيا، ولم يقف على عرفات في اليوم التّاسع من ذي الحجّة لا يعتبر وقوفه ولا يعتبر مؤدّياً فريضة الحجّ.
ومنها: السّجود على الذّقن أو الخدّ ليس بقربة أصلاً، فلا يجوز التّنفّل به، ولا يصار إليه عند العجز عن السّجود على الجبهة والأنف.
стр. 3806
القاعدة الخامسة والسّتّون بعد المئة [ضمان ما ليس بمال]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ما ليس بمال لا يضمن بمال بالشّهادة الباطلة (١).
وفي لفظ: ما ليس بمال لا يضمن بمال أصلاً (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هاتان القاعدتان بمعنى واحد وإن كانت إحداهما أبين من الأخرى وأعمّ.
فمفادهما: أنّ ما ليس بمال - أي الشّيء الذي لا قيمة ماليّة له، أو لا يدخل تحت تقويم المقومين، فهذا إذا أتلف علي صاحبه فهو غير مضمون على المتلف؛ لأنّ ما يضمن هو ما كان مالاً أصلاً، ويدخل تحت تقويم المقومين، وهذا ليس بمال فلا قيمة له، وليس على متلفه ضمان.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
شهدا على أنّ هذا عبد لهذا، وهو يدّعي الحرّيّة - فقضى القاضي بعبوديّته بشهادتهما، ثمّ رجعا على شهادتهما، لم يضمنا شيئاً؛
стр. 3807
لأنّهما ما أتلفا على المشهود عليه شيئاً، وإنّما أبطلا حرّيّته، والحرِّيَّة لا تضمن بالمال.
ومنها: لو شهدوا بنسب أو أولاد ثمّ رجعوا لم يضمنوا كذلك.
ومنها: الحرُّ لا قيمة له؛ لأنّه ليس بمال، فمن سرق صبيّاً أو غصبه وحبسه فمات عنده بغير فعل منه، فهو غير ضامن له (١). ولكن لولي الأمر معاقبته على سرقته أو غصبه بما يراه رادعاً.
ومنها: إذا زنى رجل بِحُرَّة فحبلت منه وماتت في الولادة أو في النّفاس فإنّ الزّاني لا يضمن شيئاً (٢). لكن إذا قامت البيّنة على زناه يقام عليه حدّ الزّنا.
ومنها: رجل خدع صبية وذهب بها إلى موضع لا يعرف، فإنّ الرّجل يحبس حتى يأتي بها أو يعلم أنّها قد ماتت (٣).
стр. 3808
القاعدة السّادسة والسّتّون بعد المئة [أخذ بغير شرط]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما ليس بمشروط يجوز أخذه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الاستئجار على الطّاعات عند كثير من العلماء لا يجوز، كالاستئجار على الحجّ، أو الإمامة في الصّلاة، أو تعليم القرآن أو الأذان.
لكن مفاد القاعدة: أنّ من قام عن غيره بأداء طاعة وقربة ممّا تجوز فيه النّيابة، ولم يشترط على عمله أجراً، ثمّ إنّ المنوب عنه أعطاه شيئاً بعد أداء العمل - بدون شرط - فذلك جائز، وله أن يأخذه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الاستئجار على الحجّ لا يجوز عند الحنفيّة - خلافاً للشّافعي ﵀ الذي يرى جواز ذلك - لكن إذا حجّ عن غيره بأمره ولم يشترط عليه شيئاً، وبعد أن أتمّ الحجّ أعطاه المحجوج عنه مالاً جاز له أخذه؛ لأنّ هذا يعتبر نفقة لا أجرة.
ومنها: الإمام والمؤذّن لا يجوز أن يستأجرا على الإمامة والأذان، لكن إن أُعطِيا مالاً بدون شرط مسبق جاز لهما أخذه.
стр. 3809
القاعدة السّابعة والسّتّون بعد المئة [غير المفيد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما ليس بمفيد لا يعتبر شرعاً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق مثل هذه القاعدة قريباً بلفظ (ما لا يكون مفيداً من التّقييد لا يعتبر). وينظر القاعدة ١٤٥.
وهناك بيانها وأمثلتها.
وينظر من قواعد حرف العين القاعدة رقم ٤٧.
стр. 3810
القاعدة الثّامنة والسّتّون بعد المئة [ما ليس بمقدّر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما ليس بمقدّر شرعاً يجعل تبعاً لما هو مقدّر شرعاً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بما ليس بمقدّر: ما لم يرد فيه تحديد أو تقدير من الشّرع.
وقد سبق قريباً مثل هذه القاعدة بلفظ (ما لم يرد فيه الشّرع بتحديد يتعيّن تقريبه بقواعد الشّرع).
فما ليس له تقدير أو تحديد في الشّرع وكان متّصلاً بما قدّره الشّرع فإنّه يعتبر تابعاً له، وليس له تقدير أو تحديد في نفسه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قطع يد إنسان من الكفّ فإنّ الكفّ ليس لها تقدير في الشّرع، وإنّما ورد التّقدير للأصابع. فعلى القاطع أرش الأصابع فقط، والكفّ يعتبر تابعاً لها، ولا أرش فيها، وذلك لأنّ أرش الأصابع - أي ديّتها وتعويضها - ثابت بالنّصّ شرعاً، والكفّ لم يرد عن الشّرع فيها تقدير.
ومنها: لو قطع اليد من نصف السّاعد فيجب نصف الدّية بقطع الأصابع، والسّاعد ليس له أرش مقدّر فيكون تبعاً لما له أرش مقدّر
стр. 3811
كالكفّ - وهذا عند أبي يوسف رحمه الله تعالى، وهو الظّاهر عند الحنابلة ومالك وبعض أصحاب الشّافعي ﵀، وأمّا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ففي السّاعد حكومة عدل زيادة على نصف الدّية؛ لأنّ السّاعد ليس تبعاً للأصابع.
وعند القاضي أبي يعلى ﵀ في الزّائد عن الكوع حكومة عدل، كرأي أبي حنيفة ومحمد (١).
стр. 3812
القاعدة التّاسعة والسّتّون بعد المئة [الغرر، غير المقصود]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما ليس بمقصود إذا وقع فيه غرر لم يفض إلى مفسدة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
لكلّ عقد مقصود وهدف يقصده العاقدان ويهدفان إليه، ولكن قد يتبع المقصود الرئيس من العقد ما هو غير مقصود - أي يأتي تبعاً -، فإذا وقع في المقصود من العقد غرر ما فللمغرور الرّدّ وإبطال العقد؛ لما يؤدّي إليه وجود الغرر من المفسدة، ولكن إذا وقع الغرر فيما ليس بمقصود فلا يجوز إبطال العقد؛ لأنّ وجود هذا الغرر في غير المقصود لا يؤدي إلى مفسدة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
بيع الثّمار قبل بدو صلاحها منهي عنه للغرر، وما يمكن أن يصيب الثّمرة من الآفات، ولكن بعد بدو الصّلاح يجوز البيع، مع أنّه قد يصيب الثّمرة آفة بعد ذلك، ولكن لمّا كان هذا نادراً ويسيراً لم يعتبر في الحكم.
стр. 3813
ومنها: جواز إبقاء الثّمر بعد البيع على الشّجر إلى كمال الصّلاح.
ومنها: أنّ العوض عمّا ليس بمال ليس بواجب أن يعلم - كما يعلم الثّمن والأجرة - وممّا ليس بعوض عن مال الصّداق - أي مهر المرأة - لأنّه عوض عن منافع البُضع، وهي غير محدودة.
ومنها: مال الكتابة والفدية في الخلع، والصّلح عن القصاص، والجزية والصّلح مع أهل الحرب. فالأموال في هذه ليست هي المقصود الأعظم.
ومنها: إذا ابتاع أرضاً وفيها شجر أو زرع لم يدرك يجوز البيع إذا كان مقصوده الأرض.
стр. 3814
القاعدة السّبعون بعد المئة [غير الواجب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما ليس بواجب لا يصير بالإشهاد واجباً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الواجب - كما سبق بيانه - ما يلزم بفعله الثّواب، وبتركه العقاب. وهو ما طلب الشّارع فعله طلباً جازماً. فما لم يوجبه الشّرع ولم يطلب فعله طلباً جازماً أو لم يوجبه. المكلّف على نفسه بسبب مشروع فليس بواجب، ولا يمكن أن يصير بالإشهاد عليه واجباً؛ لأنّ الإشهاد لا يوجب شيئاً لم يوجبه الشّرع أو المكلّف على نفسه, لأنّ الإشهاد هو مثبت ومبيّن لما يحتاج إلى الإثبات والبيان فقط.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: لا حقَّ لي عليك، فأشهد لي عليك بألف درهم، وقال الآخر: أجل لا حقَّ لك عليَّ، ثمّ أشهد له بألف درهم، والشّهود يسمعون ذلك كلّه، فهذا باطل، فلا يلزمه شيء ولا يسع الشّهود أن يشهدوا عليه؛ لأنّه بما تقدم من تصادقهما على انتفاء حقّه تبيّن أنّ المراد به الزّور والباطل.
стр. 3815
ومنها: إذا قال لشهوده: أشهدوا عليّ أنّي قتلت فلاناً عمداً، ويجب عليَّ القصاص - وفلان حيّ موجود -، فهذه شهادة زور باطلة لا يبنى عليها حكم؛ لأنّه يكذبها الواقع، ولا توجب على المشهود عليه قصاصاً ولا دية.
стр. 3816
القاعدة الحادية والسّبّعون بعد المئة [مجال العادة والعرف]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ما ليس فيه معيار شرعي اعتبرت فيه العادة العامّة (١).
وفي لفظ آت: ما ورد في الشّرع مطلقاً من غير تحديد، ولا حدّ له في اللغة ولا في الشّريعة يجب الرّجوع فيه إلى العرف والعادة (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق قريباً أنّ ما لم يردّ فيه بيان أو تقدير من الشّرع، ولا يعرف له تقدير أو بيان في اللغة فإنّ مجال الاعتبار فيه هو العادة والعرف العام.
فهذه القاعدة تؤكّد ذلك وتفيد أنّ ما ليس فيه معيار أو تقدير شرعي إنّما يعتبر بالعادة والعرف، وتحكم فيه العادة.
وهذه القاعدة متفرّعة على القاعدة الكلّيّة الكبرى (العادة محكَّمة) وقد سبق بيانها وينظر من قواعد حرف العين القواعد: ٢، ٣، ٤.
стр. 3817
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الحرز في السّرقة لم يرد له تحديد في الشّرع ولا في اللغة؛ لاختلاف الحروز باختلاف الأشياء المحروزة وباختلاف البيئات وعادات النّاس، فما اعتبرته العادة العامّة حرزاً فتقطع اليد بسرقة ما فيه، وما لا فلا. إذا بلغ المسروق نصاباً.
стр. 3818
القاعدتان الثّانية والثّالثة والسّبعون بعد المئة [المانع للدّوام والابتداء]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ما منع الدّوام منع الابتداء (١).
وفي لفظ: المانع الطّارئ هل هو كالمقارن.
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
من الموانع ما يمنع ابتداء الحكم أو التّصرّف، ومنها ما يمنع دوام الحكم أو التّصرّف واستمراره. ومنها ما يمنع الابتداء والدّوام.
فمفاد القاعدة الأولى: بيان أنّ ما منع دوام الحكم أو التّصرّف واستمراره يمنع أيضاً ابتداءه بطريق الأولى.
وأمّا مفاد القاعدة الثّانية: فهو هل إذا حصل وطرأ مانع على التّصرّف هل يعتبر كالموجود عند ابتداء االتّصرّف فيبطل التّصرّف أو لا يبطله؟ الرّاجح أنّه كالمقارن. وينظر القاعدة رقم ٢٧ من قواعد حرف القاف.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا تزوّج صغيرة فأرضعتها زوجة له كبيرة انفسخ نكاح الصّغيرة؛ لأنّها صارت بنتاً للزّوج بالرّضاع، وكذلك لو أرضعتها قبل
стр. 3819
العقد لم يصحّ العقد. فالرّضاع المحرّم يمنع الزّواج ابتداءً ودواماً.
ومنها: وجود الماء في أثناء الصّلاة بالتّيمّم يمنع دوام صلاته في قول، وإذا وجد الماء قبل الصّلاة بالتّيمّم بطل تيمّمه إجماعاً.
ومنها: من ملك زوجته انفسخ نكاحها. وكذلك لو ملك جارية لما جاز له العقد عليها إنّما يطأها بملك اليمين.
ومنها: الحدث يمنع صحّة الصّلاة والطّواف ابتداءً، فإذا طرأ عمده عليهما قطعهما.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هاتين القاعدتين:
إذا أحرم الإنسان زال ملكه عن الصّيد - على الأصح -؛ لأنّ الإحرام يمنع دوام ملك الصّيد لكن لو اشترى صيداً صحّ ملكه - في وجه - ويجب عليه إطلاقه في الحال. ففي هذا المثال خالف حكم الابتداء حكم الاستمرار والدّوام.
ومنها: إذا طلع الفجر على مريد الصّوم وهو مجامع فنزع في الحال صحّ صومه، ولكن لو جامع في أثناء الصّوم بطل صومه.
ومنها: الإسلام يمنع الاسترقاق ابتداءً ولكن لا يمنعه دواماً، أي إذا استرق الكافر ثمّ أسلم وهو رقيق فلا يمنع إسلامه بقاء رقّه.
ومنها: إذا أحرم المتزوّج لم يمنع إحرامه استمرار نكاحه، لكن لو قارن الزّواج ابتداء الإحرام منع.
стр. 3820
القاعدتان الرّابعة والخامسة والسّبعون بعد المئة [تحريم المنفعة والبيع والإجارة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ما منفعته محرّمة لا يجوز الاستئجار على فعله (١).
وفي لفظ: ما يحرم بيعه لا تجوز إجارته (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
تتعلّق هاتان القاعدتان ببعض أحكام الإجارة والاستئجار.
فمفاد أولاهما: أنّ ما كانت منفعته محرّمة فإنّه لا يجوز الاستئجار على فعله؛ لأنّ الاستئجار على فعله فيه إبقاء للمنفعة المحرّمة واستمرار لها. والمسلم مأمور بإزالة المحرّم، لا بإبقائه واستمراره.
ومفاد ثانيتهما: أنّ ما حرَّم الشّارع بيعه لا يجوز إجارته؛ لأنّ الإجارة نوع من البيع وهو بيع المنافع، فإنّ ما حرَّم الشّارع بيعه حرَّم كلّ أوجه الانتفاع به، وبالتّالي حرَّم منفعته.
ولهاتين القاعدتين صلة بقواعد سابقة: متل قاعدة (ما حَرُم فعله حَرُم طلبه) و (ما حَرُم استعماله حَرُم اتّخاذه).
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
الزّنا والزّمر والنّوح والغناء محرّمات فلا يجوز الاستئجار على