القاعدة الحادية والسّبّعون بعد المئة [مجال العادة والعرف]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ما ليس فيه معيار شرعي اعتبرت فيه العادة العامّة (١).
وفي لفظ آت: ما ورد في الشّرع مطلقاً من غير تحديد، ولا حدّ له في اللغة ولا في الشّريعة يجب الرّجوع فيه إلى العرف والعادة (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق قريباً أنّ ما لم يردّ فيه بيان أو تقدير من الشّرع، ولا يعرف له تقدير أو بيان في اللغة فإنّ مجال الاعتبار فيه هو العادة والعرف العام.
فهذه القاعدة تؤكّد ذلك وتفيد أنّ ما ليس فيه معيار أو تقدير شرعي إنّما يعتبر بالعادة والعرف، وتحكم فيه العادة.
وهذه القاعدة متفرّعة على القاعدة الكلّيّة الكبرى (العادة محكَّمة) وقد سبق بيانها وينظر من قواعد حرف العين القواعد: ٢، ٣، ٤.
стр. 3817
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الحرز في السّرقة لم يرد له تحديد في الشّرع ولا في اللغة؛ لاختلاف الحروز باختلاف الأشياء المحروزة وباختلاف البيئات وعادات النّاس، فما اعتبرته العادة العامّة حرزاً فتقطع اليد بسرقة ما فيه، وما لا فلا. إذا بلغ المسروق نصاباً.
стр. 3818
القاعدتان الثّانية والثّالثة والسّبعون بعد المئة [المانع للدّوام والابتداء]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ما منع الدّوام منع الابتداء (١).
وفي لفظ: المانع الطّارئ هل هو كالمقارن.
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
من الموانع ما يمنع ابتداء الحكم أو التّصرّف، ومنها ما يمنع دوام الحكم أو التّصرّف واستمراره. ومنها ما يمنع الابتداء والدّوام.
فمفاد القاعدة الأولى: بيان أنّ ما منع دوام الحكم أو التّصرّف واستمراره يمنع أيضاً ابتداءه بطريق الأولى.
وأمّا مفاد القاعدة الثّانية: فهو هل إذا حصل وطرأ مانع على التّصرّف هل يعتبر كالموجود عند ابتداء االتّصرّف فيبطل التّصرّف أو لا يبطله؟ الرّاجح أنّه كالمقارن. وينظر القاعدة رقم ٢٧ من قواعد حرف القاف.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا تزوّج صغيرة فأرضعتها زوجة له كبيرة انفسخ نكاح الصّغيرة؛ لأنّها صارت بنتاً للزّوج بالرّضاع، وكذلك لو أرضعتها قبل
стр. 3819
العقد لم يصحّ العقد. فالرّضاع المحرّم يمنع الزّواج ابتداءً ودواماً.
ومنها: وجود الماء في أثناء الصّلاة بالتّيمّم يمنع دوام صلاته في قول، وإذا وجد الماء قبل الصّلاة بالتّيمّم بطل تيمّمه إجماعاً.
ومنها: من ملك زوجته انفسخ نكاحها. وكذلك لو ملك جارية لما جاز له العقد عليها إنّما يطأها بملك اليمين.
ومنها: الحدث يمنع صحّة الصّلاة والطّواف ابتداءً، فإذا طرأ عمده عليهما قطعهما.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هاتين القاعدتين:
إذا أحرم الإنسان زال ملكه عن الصّيد - على الأصح -؛ لأنّ الإحرام يمنع دوام ملك الصّيد لكن لو اشترى صيداً صحّ ملكه - في وجه - ويجب عليه إطلاقه في الحال. ففي هذا المثال خالف حكم الابتداء حكم الاستمرار والدّوام.
ومنها: إذا طلع الفجر على مريد الصّوم وهو مجامع فنزع في الحال صحّ صومه، ولكن لو جامع في أثناء الصّوم بطل صومه.
ومنها: الإسلام يمنع الاسترقاق ابتداءً ولكن لا يمنعه دواماً، أي إذا استرق الكافر ثمّ أسلم وهو رقيق فلا يمنع إسلامه بقاء رقّه.
ومنها: إذا أحرم المتزوّج لم يمنع إحرامه استمرار نكاحه، لكن لو قارن الزّواج ابتداء الإحرام منع.
стр. 3820
القاعدتان الرّابعة والخامسة والسّبعون بعد المئة [تحريم المنفعة والبيع والإجارة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ما منفعته محرّمة لا يجوز الاستئجار على فعله (١).
وفي لفظ: ما يحرم بيعه لا تجوز إجارته (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
تتعلّق هاتان القاعدتان ببعض أحكام الإجارة والاستئجار.
فمفاد أولاهما: أنّ ما كانت منفعته محرّمة فإنّه لا يجوز الاستئجار على فعله؛ لأنّ الاستئجار على فعله فيه إبقاء للمنفعة المحرّمة واستمرار لها. والمسلم مأمور بإزالة المحرّم، لا بإبقائه واستمراره.
ومفاد ثانيتهما: أنّ ما حرَّم الشّارع بيعه لا يجوز إجارته؛ لأنّ الإجارة نوع من البيع وهو بيع المنافع، فإنّ ما حرَّم الشّارع بيعه حرَّم كلّ أوجه الانتفاع به، وبالتّالي حرَّم منفعته.
ولهاتين القاعدتين صلة بقواعد سابقة: متل قاعدة (ما حَرُم فعله حَرُم طلبه) و (ما حَرُم استعماله حَرُم اتّخاذه).
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
الزّنا والزّمر والنّوح والغناء محرّمات فلا يجوز الاستئجار على
стр. 3821
فعل أي منها.
ومنها: لا يجوز الاستئجار على كتابة شعر محرّم ولا بِدعة ولا ما يدعو إلى الفسق، فالاستئجار على طباعة الكتب والمجلات المفسدة حرام؛ لأنّ فعلها حرام وكتابتها حرام.
ومنها: لا يجوز حمل الخمر والخنزير لمن يشربها أو يأكله.
ومنها: لا يجوز إجارة الكلب والخنزير بحال؛ لأنّه لا يجوز بيعها ولا الانتفاع بها، إلا الكلب الذي يباح اقتناؤه.
ومنها: لا تجوز إجارة ما لا يقدر على تسليمه؛ لأنّه لا يجوز بيعه كذلك.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هاتين القاعدتين:
الحرّ لا يجوز بيعه ويجوز أنّ يؤجر نفسه.
ومنها: لا يجوز استئجار الدّيك ليوقظه لوقت الصّلاة، وإن كان بيعه يجوز.
ومنها: الوقف لا يجوز بيعه ويجوز إجارته.
стр. 3822
القاعدة السّادسة والسّبعون بعد المئة [السّبب والنّيَّة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما نصبه الشّارع سبباً من قول أو فعل هل تقوم النّيَّة مقامه أم لا (١)؟
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
ما نصبه الشّارع سبباً: أي ما جعله صاحب الشّرع سبباً.
نصب الشّارع وأقام أسباباً بنى عليها أحكاماً، فإذا وجد السّبب وجد الحكم، فما جعله الشّارع سبباً لحكم من الأحكام سواء أكان هذا السّبب قولاً أم فعلاً، فإذا وجد وجد الحكم لا محالة، إلا إذا وجد مانع.
فالبلوغ أقامه الشّارع سبباً لتعلّق التكاليف بذمّة الإنسان، إلا إذا بلغ مجنوناً أو معتوهاً، فلا تكليف.
وغروب الشّمس وزوالها نصبه الشّارع سبباً لتعلّق الصّلاة بذمّة المكلّف. والإتلاف جعله الشّرع سبباً لوجوب الضّمان على المتلف.
ولفظ الطّلاق جعله الشّرع سبباً لحلّ عقد الزّوجيّة، وهكذا، ولكن موضوع القاعدة إذا كانت الأفعال أو الأقوال تصلح أسباباً بجعل الشّرع فهل يمكن أن تقوم النّيَّة والقصد القلبي مقام الأسباب الظّاهرة في ترتّب
стр. 3823
الأحكام عليها؟ خلاف، والأصحّ والأرجح أنّه لا تقوم النّيَّة مقام السّبب القولي أو الفعلي في بناء الأحكام عليها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا نوى إنسان أن يقتل شخصاً فهل تقوم النّيَّة مقام الفعل في وجوب القصاص أو الدّية؟ لا تقوم النّيَّة مقام الفعل هنا بالإجماع، لكن يترتّب على هذه النّيّة الإثم.
ومنها: إذا نوى طلاق امرأته بقلبه ولم يتلفّظ بلفظ الطّلاق فهل تطلق المرأة؟ عند جمهور الفقهاء أنّ الطّلاق لا يقع ما لم يتلفّظ. ولكن في رواية عند مالك رحمه الله تعالى أنّ الطّلاق يقع (١).
ومنها: إذا قصد الخيانة في اللقطة، فهل يقوم مقام الخيانة الفعليّة حتى يصير ضامناً؟ فيه وجهان عند الشّافعيّة، ومثلها الوديعة، والصّحيح أنّه لا يضمن إلا أنّ يتّصل بنيّته نقل من الحرز.
ومنها: إذا أحيا أرضاً بنيّة جعلها مسجداً فبمجرّد النّيّة صارت مسجداً، ولا تحتاج إلى لفظ، كما في الوقف. وهنا عملت النّيّة عمل الفعل واللفظ.
ومنها: إذا نوى قطع قراءة الفاتحة في الصّلاة مع سكتة يسيرة، فإنّه يبطل القراءة على الصّحيح، وأمّا مع عدم السّكوت فلا يؤثّر قطعاً.
стр. 3824
ومنها: إذا نوى قطع السّفر في أثناء القصر، فإذا عزم على الإقامة بموضعه، أو الرّجوع إلى وطنه انقطع سفره، وكان ابتداء سفره من هناك إذا سافر. ولكن يشترط في نيَّة الإقامة بموضعه أن يكون موضعه صالحاً للإقامة.
ومنها: إذا نوى بمال التّجارة القنية، انقطع حول التّجارة.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
النّذر والطّلاق لو نواهما بقلبه ولم يتلفّظ لم ينعقد النّذر ولا يقع الطّلاق ورأينا أنّ الطّلاق يقع في رواية عند مالك ﵀.
ومنها: من عزم على المعصية ولم يفعلها أو لم يتلفّظ بها لا يأثم.
ولكن هذا فيه اختلاف، والأرجح المؤاخذة بالعزم دون حديث النّفس وما دونه من المخاطر والهاجس ما لم يتكلّم أو يعمل.
стр. 3825
القاعدة السّابعة والسّبعون بعد المئة [المانع الطّارئ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المانع الطّارئ هل هو كالمقارن (١)؟
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق قريباً بيان هذه القاعدة وأمثلتها تحت قاعدة (ما منع الدّوام منع الابتداء).
فلتنظر هناك.
стр. 3826
القاعدة الثّامنة والسبّعون بعد المئة [اجتماع المانع والمجوز]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المانع من الجواز إذا استوى بالمجوز يترجّح المانع (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المانع في اللغة: الحاجز بين الشّيئين.
وعند الأصوليّين: هو الوصف الظّاهر المنضبط الذي يلزم من وجوده عدم الحكم، ولا يلزم من عدمه وجود الحكم ولا عدمه لذاته.
والمجوز: هو الدّليل الدّال على جواز وإباحة الفعل أو القول.
ولهذه القاعدة صلة بقواعد اجتماع الحلال والحرام.
فمفاد القاعدة: أنّه إذا اجتمع المانع والمبيح أو المجوز، وكان المانع أقوى رجّح جانب المانع، وأمّا إذا كان المبيح أقوى حجّة ودليلاً قُدِّم المبيح ورُجِّح جانبه.
لكن إذا تساويا في القوّة يترجّح جانب المانع، وذلك لأنّ وجود المانع دليل التّحريم، وقد سبق بيان أنّه إذا اجتمع المبيح والمحوم رجّح جانب المحرم قطعاً؛ لأنّ درء مفسدة المحرَّم مقدّم على جلب مصلحة المبيح.
стр. 3827
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كانت الأضحية مقطوعة الأذن فإن كان الذّاهب من الأذن الأقلَّ جازت التّضحية بها. وأمّا إن كان الذّاهب والباقي متساويين فلا تجزئ الأضحية بها لاستواء المانع والمجوز.
ومنها: إذا نسج ثوب بحرير وقطن متساويين لا يجوز لبسه للرّجال، لوجود المانع والمجوّز بالتّساوي.
стр. 3828
القاعدة التّاسعة والسّبعون بعد المئة [المشورة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما هلك قوم عن مشورة (١). حديث
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المشورة: على زنة معونة. من شار يشور إذا أبدى ما عنده فيه من المصلحة. والشّورى: اسم منه أيضاً، ووزنها "فُعْلى". قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (٢). والشّورى من صفات المؤمنين، أي لا يستأثر أحد بشيء دون غيره (٣).
وقال الرّاغب الأصفهاني (٤): التّشاور والمشاورة والمشورة: استخراج الرّأي بمراجعة البعض إلى البعض، ومنه قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (٥). والشّورى: الأمر الذي يتشاور فيه.
стр. 3829
هذه القاعدة قيل: هي نصّ حديث نبوي كريم، لكن هذا الحديث روي بروايات أخرى منها: "رأس العقل بعد الإيمان التّودّد إلى النّاس، وما يستغني رجل عن مشورة". رواه البيهقي في الشّعب، والعسكري (١)، والقضاعي (٢) عن أبي هريرة ﵁ رفعه.
ورواه البيهقي أيضاً على علي بن زيد (٣) مرسلاً. كما رواه العسكري أيضاً عن ابن جدعان (٣) بلفظ "ولن يهلك بدل وما يستغني".
وفي رواية "وما شقي عبد قط بمشورة" (٤). والحديث ورد بطرق مختلفة يقوّي بعضها بعضاً.
стр. 3830
ومفاد الحديث: إنّ من يشاور النّاس لا يهلك ولا يخطئ؛ لأنّه يشارك بعقله ورأيه عقول النّاس وآراءهم. ولذلك أمر الله رسوله ﷺ بالمشاورة - مع استغنائه ﵊ عنها بالوحي - ولكن تعليماً لأمّته، وبياناً لأهمّيّة المشورة ومكانتها. فقال سبحانه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (١) ومدح المؤمنين فقال عزّ من قائل: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (٢).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من أراد أن يتزوّج فعليه أن يستشير الأمناء فيمن يتزوّج، فيسأل عنها، وعن أهلها حتى يطمئنّ إلى دينها وخُلُقها وعنصرها وبيئتها ووسطها الاجتماعي الّذي تعيش فيه، فيقدم على الزّواج منها.
ومنها: مشاورة رسول الله ﷺ أصحابه الّذين خرجوا معه لرصد عير قريش قبيل معركة بدر، حيث قال ﵊: "أشيروا عليَّ أيّها النّاس". وكرّرها ليعرف ردّ الأنصار. والقضيّة معروفة.
стр. 3831
القاعدة الثّمانون بعد المئة [شرط الابتداء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما هو شرط ابتداء الشّيء لا يكون شرط بقائه لا محالة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الشّرط سابق في وجوده على المشروط، والمشروط تالٍ في وجوده للشّرط، وما كان مشروطاً بشرط فيجب أن يكون شرطه متحقّقاً عند ابتداء الفعل، كالصّلاة شرط صحّتها الطّهارة، فيجب وجودها وتحقّقها عند ابتداء الصّلاة وافتتاحها.
ولكن من الشّروط ما يجب بقاؤه واستمراره مع المشروط حتى نهاية الفعل. كالطّهارة مع الصّلاة، ولكن من الشّروط ما لا يشترط استمرارها وبقاؤها، لكن لا بدّ من وجودها عند ابتداء الفعل أو التّصرّف، وهذا هو موضوع قاعدتنا.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
التّراضي شرط لصحّة العقد، ولكن لا يلزم بقاء التّراضي بعد تمام العقد، فقد يتزوّج رجل امرأة بتراضٍ بينهما ولكن قد يطرأ على هذا التّراضي ما يبطله، لكن لا يبطل عقد النّكاح ببطلان التّراضي بعد
стр. 3832
تمام العقد، وكذلك عقد البيع والإجارة والوكالة وغيرها.
ومنها: عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى: لو أنّ غلاماً أدرك وهو مصلح قد أونس منه الرّشد فدفع إليه وصيُّه أو القاضي ماله وسلّطه عليه ثمّ فسد بعد ذلك وصار ممّن يستحقّ الحجر، فعند أبي حنيفة ﵀ لا يخرج المال من يده، ولا يحجر عليه - خلافاً لصاحبيه - لأنّ عند أبي حنيفة ﵀: إنّ ما هو شرط ابتداء الشّيء لا يكون شرط بقائه لا محالة، وهنا سُلَّم له ماله عند إيناس رشده، فلا يلزم بقاء هذا الشّرط بعد ذلك.
стр. 3833
القاعدة الحادية والثّمانون بعد المئة [الموهوم]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ما هو موهوم الوجود يجعل كالمتحقّق فيما بني أمره على الاحتياط (١).
وفي لفظ: الموهوم فيما يبنى على الاحتياط كالمتحقّق (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق بيان معنى الاحتياط: وهو أخذ الحيطة - أي الحفظ.
فقد بنى الشّارع الحكيم أموراً على الاحتياط مراعاة لجانب الحظر، سواء في ذلك بعض المعاملات وبعض العبادات.
فما بنى أمره على الاحتياط جعل الشّارع الأمر الموهوم وجوده كالمتحقّق، وذلك إبراءً للذّمّة وبعداً عن المحرّمات والمشتبهات.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
بيع صبرة طعام صبرة طعام مجازفة، حتى لو تبيّن بعد الكيل أنّهما متساويان، فلا يجوز العقد فيهما؛ لأنّ المماثلة بين الربويات شرط يجب تحقّقه عند العقد. أي أنّ المعتبر لجواز عقد الرّبويات العلم
стр. 3834
بالمساواة عند العقد.
وباب الرّبا مبني على الاحتياط - كما تقدّم بيانه - فتوّهم المساواة كتحقّق المفاضلة.
ومنها: خطب امرأة ثمّ توهّم أو أخبره من لا يثق به أنّها محرّمة عليه برضاع أو نسب فالأولى له تركها احتياطاً؛ لأنّ باب النّكاح أيضاً مبناه الاحتياط للفروج. لكن إن كان دخل بها فلا يجب عليه مفارقتها إلا بعد التّيقّن، لكن إن أراد مفارقتها من باب الورع فذلك جائز.
ومنها: إذا شهد اثنان على رجل أنّه قتل آخر عمداً ووقع الشّكّ في شهادة أحدهما لتهمة أو فسق، فلا يجوز القصاص من المتّهم بالقتل؛ لأنّه قد وجدت شبهة دارئة، والدّماء مبناها على الاحتياط كذلك.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذ خرص عليه الرّطب فأعطاه الفقراء رطباً - زكاة - ثمّ جفّ عندهم، وجفّ عند المالك أيضاً - أي أصبع الرّطب تمراً - أجزأه، ولا يلزمه استرداده ثمّ دفعه إليهم مرّة ثانية.
стр. 3835
القاعدة الثّانية والثّمانون بعد المئة [إزالة أثر العبادة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ما هو أثر العبادة يكره إزالته (١).
وفي لفظ: ما يكون صفة العبادة يكره إزالته (٢). وهذا عند الشّافعي ﵀.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
أثر العبادة أو صفتها: ما ينتج عن العبادة من آثار في جسم الإنسان العابد فما كان من آثار ونتائج العبادة يكره إزالته ومحوه، والكراهة هنا للتّنزيه لا للتّحريم؛ لأنّه لم يرد في ذلك نهي صريح يقتضي تحريماً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
يكره عند الشّافعي ﵀ السّواك آخر النّهار أو بعد الّزوال لقوله ﷺ : "لخلوف فم الصّائم أطيب عند الله من ريح المسك" (٣). والسّواك يزيل أثر الخلوف الّذي هو من أثر الصّوم.
ومنها: كذلك يكره إزالة دم الشّهيد، ولذلك فالشّهيد لا يغسل بل
стр. 3836
يدفن بدمه، كما هو. وغسل الشّهيد محرم, لأنّ بقاء الدّم ليكون شاهداً له على خصمه يوم القيامة.
ومنها: يكره إزالة الشّعث والاغبرار عن المحرم، لقوله ﷺ حينما سُئل ما الحاجّ فقال: "الشّعث التفل" (١). واستعمال الدّهن والطّيب يزيل هذا الوصف فلذلك حُرِّم الطّيب والدّهن للمحرم.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا دهن المحرم شقاق رجله بزيت أو دهن أو شحم لم يكن عليه شيء؛ لأنّ قصده التّداوي، والتّداوي غير ممنوع منه في حال الإحرام.
стр. 3837
القاعدة الثّالثة والثّمانون بعد المئة [الدّفع على صفة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما وجب دفعه على صفة فأَخلّ بها عند الدّفع لم يجز بل لا بدّ من استرداده ودفعه على وجهه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
ما أوجب الشّارع دفعه أي إخراجه على صفة أو حال مخصوصة فلا يجوز الإخلال بهذه الصّفة أو هذه الحال حين الدّفع والإخراج.
فمن دفع موصوفاً بصفة خاصّة أو حال خاصّة بغير الصّفة أو الحال المطلوبة وجب عليه أن يستردّ ما دفعه ممّن دفعه إليه، ثمّ يدفعه ويخرجه على الوجه الشّرعي الواجب، وإلا لم تبرأ ذمّته، ولم يؤدّ ما وجب عليه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الهدي - سواء التّطوعيّ أم الواجب - يجب على المهدي أن يختاره أولاً على الصّفة الشّرعيّة الواجبة، ثمّ يجب عليه أن يذبحه، ثمّ يدفعه إلى الفقراء أو المستحقين، لكن لو دفعه إلى مستحقّيه وهو حيّ فذبحوه فلا يجزئه، بل عليه أن يستردّه منهم، ثمّ يدفعه إليهم ثانية؛ لأنّه يجب عليه أن يسلّمه لهم مذبوحاً.
стр. 3838
ومنها: إذا دفع بنت مخاض معجلة عن خمس وعشرين ثمّ في آخر الحول صارت ستّاً وثلاثين، وصارت بنت المخاض بنت لبون، فيجب عليه استردادها ثمّ دفعها ثانية للمستحقّين.
ومنها: إذا كان له دين علي فقير فأعطاه دينه من الزّكاة لم يجز، بل طريقه أن يدفع إليه الزّكاة ثمّ يدفعها إليه الفقير عن دينه.
стр. 3839
القاعدة الرّابعة والثّمانون بعد المئة [القديم والصّفة القديمة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
أولاً: ما وجد على صفة لا يغيَّر عنها إلا بحجّة ملزمة (١).
وفي لفظ: ما وجد قديماً يترك كذلك ولا يغيّر إلا بحجّة (٢). أو لا يجوز تغييره إلا بدليل موجب لذلك (٣).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة بمعنى القاعدة القائلة: (القديم يترك أو يبقى على قدمه ولا يغيّر إلا بحجّة) والّتي سبقت ضمن قواعد حرف القاف تحت الرّقم ٢٩.
فما وُجد على صفة خاصّة أو حال مخصوصة فلا يجوز تغييره عن صفته أو حاله الّتي وُجد عليها إلا بحجّة ملزمة موجبة للتّغيير؛ إذ كون الشّيء وُجد على صفة خاصّة دليل على أنّ هذه الصّفة إنّما اتّفق على وصف هذا الشّيء بها، وإنّ مَن وضعها إنّما وضعها لغرض وفائدة تخصّه، وبسبب مشروع، فلذلك لا يجوز أن تغيّر هذه الصّفة أو
стр. 3840
الحال إلا بدليل قوي موجب للتّغيير، كأن يثبت أنّ تلك الصّفة أصبحت تجرّ ضرراً أو تسبّب خطراً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كان نهر يجري بين قوم معروفين فهو خاصّ بهم فلا يحلّ لغيرهم فيه شرب إلا ببيِّنة أو اتّفاق ملزم.
ومنها: إذا كان نهر يصبّ في أجمة - وهي أرض منخفضة تنبت فيها الأشجار - ويسقي أرض قوم غير أهل الأجمة، ولا يدرى كيف كان حاله، ولا لمن كان أصله، فتنازع أهل الأرض وأهل الأجمة، فهو يقضى به بين أصحاب الأرض بالحصص، وليس لهم أن يقطعوه على أهل الأجمة، وليس لأهل الأجمة أن يمنعوه من المسيل في أرضهم؛ لأنّ النّهر إنّما يحفر لسقي الأراضي في العادة، فالظّاهر فيه شاهد لأصحاب الأراضي، وهم المنتفعون به، ولكن لأهل الأجمة نوع منفعة أيضاً، فلا يكون لأصحاب الأراضي قطع ذلك عنهم.
ومنها: إذا كان حائط بين شخصين تنازعا فيه، ولأحدهما فيه اتّصال تربيع، وللآخر عليه جذوع، فالحائط لصاحب الاتّصال، وليس له أن يكلّف الآخر رفع جذوعه؛ لأنّ له منفعة في ذلك. ولكن إذا تبيّن أنّ وضع الجذوع يضرّ بالحائط ضرراً بيِّناً ويغلب على الظّنّ سقوطه إذا لم ترفع الجذوع، فإنّ صاحب الجذوع يجبر على رفعها.
стр. 3841
القاعدة الخامسة والثّمانون بعد المئة [مجال العادة والعرف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما ورد في الشّرع مطلقاً من غير تحديد، ولا حدّ له في اللغة ولا في الشّريعة يجب الرّجوع فيه إلى العرف والعادة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق قريباً بيان هذه القاعدة تحت لفظ: (ما ليس فيه معيار شرعي اعتبرت فيه العادة العامّة).
وينظر الوجيز ص ٢٨١ - ٢٨٢.
وقاعدة (ما لم يكن له حدّ في اللغة) القاعدة ١٥٨.
стр. 3842
القاعدة السّادسة والثّمانون بعد المئة [توسعة الشّرع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما وسَّعه الشّرع فضيَّقه المكلَّف على نفسه هل يتضيّق (١)؟
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الشّرع ورد بالتّيسير ونفي الحرج والتّضييق، فإذا ورد الشّرع بأمر وسع فيه ويسَّره فضيّقه المكلّف على نفسه وعسَّره فهل يتضيّق؟ أي هل يكون تضييق المكلّف على نفسه ملزماً له، أو لا يكون ملزماً؟
أو هل يجوز تضييق ما وسّعه الشّرع؟ خلاف في المسألة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا وقع من المكلّف أحداث - جمع حَدث وهو الموجب للطّهارة - فنوى بالطّهارة بعضها، فهل يرتفع الجميع أو لا يرتفع إلا ما نواه؟؛ لأنّه لو نوى الجمع ارتفع جميعها - وهذا من التّيسير -.
في هذه المسألة خلاف. والأصحّ عند الشّافعيّة أنّه لا يرتفع جميعها وإنّما يرتفع ما نواه فقط.
ومنها: إذا نذر صلاة النّفل قائماً - وصلاة النّفل تجوز جالساً مع القدرة على القيام - وهذا من توسيع الشّرع، فلمّا نذر الصّلاة قائماً
стр. 3843
فقد ضيَّق على نفسه. قال بعض الشّافعيّة: لا تنعقد صلاته؛ لأنّ القعود رخصة، وهو قد التزم ترك الرّخصة، وهذا لا يجوز.
وقال آخرون منهم: تنعقد صلاته؛ لأنّه أراد زيادة الطّاعة بالقيام.
ومنها: إذا قال: أصلّي بطهارة حدث مخصوص صلاة واحدة. كان له أن يصلّي بهذه الطّهارة ما شاء ما لم يحدث. وهنا اتّفاق على أنّ ما ضيّقه على نفسه لا يتضيّق.
стр. 3844
القاعدة السّابعة والثّمانون بعد المئة [الحرج]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما يؤدي إلى الحرج يكون موضوعاً عن المكلّفين (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تندرج تحت القاعدة الكليّة الكبرى (المشقّة تجلب التّيسير) الآتية قريباً إن شاء الله تعالى.
والأدلّة على نفي الحرج في الشّريعة من الكتاب والسّنّة كثيرة جدّاً، ومن أوضحها الإجماع على عدم التّكليف بالشّاقّ ومشروعيّة الرّخص. فكلّ ما يؤدّي إلى الحرج والتّضييق على المكلّفين موضوع ومرفوع عنهم، رحمة من الله بعباده. وينظر تفصيل ذلك في الوجيز ص ٢١٨ فما بعدها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الفطر في السّفر رخصة من الله لعباده؛ لما في السّفر من المشقّة والإرهاق والتّعب.
ومنها: قصر الصّلاة في السّفر.
ومنها: مشروعيّة التّيمّم عند عدم القدرة على استعمال الماء لشدّة البرد، سواء في ذلك للغسل من الجنابة أو عند إرادة الوضوء للصّلاة.
стр. 3845
القاعدة الثّامنة والثّمانون بعد المئة [المباح مشروط بالسّلامة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما يباح للمرء شرعاً لمنفعة نفسه يتقيّد بشرط السّلامة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
أباح الشّرع للإنسان أشياء، وأذن له في فعلها إذا وجد فيها نفعاً أو مصلحة له، ولم يرتّب الشّرع على المباح ثواباً ولا عقاباً، لا على فعله ولا على تركه، لكن هذه القاعدة تشير إلى شرط لفعل المباح - إذا كان الفعل لمنفعة نفسه ومصلحته - وهذا الشّرط أن لا يترتّب على هذا الفعل - وإن كان مباحاً - ضرر يصيب غيره، وإلا كان ضامناً - وهذا المراد بقولهم: يتقيّد بشرط السّلامة - أي سلامة الآخرين. وضمان الضّرر المترتّب على فعل المباح المأذون فيه مسألة خلافيّة بين الفقهاء، فمنهم من لم يوجب الضّمان؛ لأنّ الإذن الشّرعي ينافي الضّمان - كما سبق بيانه -.
ومنهم مَن أوجب الضّمان واشترط أنّ المباح إنّما يباح ويتقيّد بشرط سلامة الغير، وهذا من شروط أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
وأمّا إذا كان الفعل المباح لمصلحة غيره فلا يضمن إلا ثبت
стр. 3846
التّقصير والتّهاون. وينظر من قواعد حرف الجيم القاعدة رقم ٣٤. ومن قواعد حرف الكاف القاعدة رقم ٢٥٠، ٢٥٦.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حفر حفرة في أرضه أو داره وسقط فيها إنسان - إن كان هذا السّاقط من أهل الأرض أو الدّار، ولم يقم الحافر بالإنذار وبوضع الحواجز والإشارات فهو ضامن. وأمّا إن أنذر ووضع ما يحجز عن السّقوط وأعلم من بأرضه أو داره بوجود حفرة، فسقط فيها دابّة أو إنسان فهو غير ضامن. لكن بموجب هذه القاعدة فهو ضامن كذلك. وكذلك إذا تردّى فيها إنسان أو دابّة تعدّت إلى الأرض أو الدّار من خارجها، فالحافر عند الجمهور غير ضامن، وعند أبي حنيفة ﵀ يضمن.
ومنها: إذا ضرب الوالد ولده تأديباً له وزجراً فمات، فعند أبي حنيفة ﵀ يضمن الوالد ديّته ويحرم الميراث.
ومنها: إذا ضرب الرّجل زوجته تأديباً وتعزيراً فماتت فهو ضامن لديّتها ويحرم الميراث منها كذلك.
ومنها: إذا ضرب المعلّم الولد بإذن الأب فمات فلا ضمان على المؤدّب لأنّه ضربه لمصلحة الولد لا لمصلحة المعلم بخلاف ضرب الأب ولده، وبخلاف ضرب الزّوج زوجته. وكلّ هذه الأمثلة إذا كان الضّرب زائداً على المعتاد.
стр. 3847
القاعدة التّاسعة والثّمانون بعد المئة [ثبوت حكم الخطاب]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ما يبتنى على السّماع لا يثبت حكمه في حقّ المخاطب ما لم يسمع به (١).
وفي لفظ آت: ما يجب بخطاب الشّرع لا يثبت حكمه في حقّ المخاطب قبل علمه به (٢). أصوليّة فقهيّة
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
الأحكام الشّرعيّة وغيرها لا تثبت في حقّ المكلّف أو المخاطب بها ما لم تصل إليها ويسمعها، ولا يجب عليه العمل بها ما لم يعلم بها.
أمّا قبل وصولها إليه وتبليغه بها وعلمه وسماعها من المبلّغ فلا تلزمه أحكامها، ولا يجب عليه قضاء ما يجب بفواته القضاء؛ لأنّ التّكليف بحسب الوسع، وما لم يسمع النّداء - الخطاب - الطّالب للحكم فلا تكليف في حقّه.
ودليل هاتين القاعدتين: أنّ أهل قباء افتتحوا الصّلاة إلى بيت المقدس - بعد فرض التّوجّه إلى الكعبة وقبل علمهم به ووصول الخبر إليهم، وأجاز لهم رسول الله ﷺ ذلك ولم يأمرهم
стр. 3848
بالإعادة؛ أو القضاء؛ لأنّه لم يبلغهم الخطاب قبل دخولهم في الصّلاة.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
كافر أسلم وهو في دار الكفر - ولم يعلم بما يجب عليه من صلاة أو صيام أو زكاة - ولم يعلم بما نهى عنه الإسلام من الرّبا والزّنا وشرب الخمر وغير ذلك، فلم يُصَلَّ ولم يصم، وأكل الرّبا وزنى وشرب الخمر، ثمّ علم بحكم ذلك كلّه، فلا قضاء عليه لما تركه من صلاة أو صيام، ولا إثم عليه لما فعله من المنهيّات، حتى يعلم بها.
ومنها: إذا كان الجيش مسافراً ثمّ عزم القائد على الإقامة، وأعلن على عزمه على الإقامة، فإنّ مَن سمع إعلان القائد فيجب عليه إتمام الصّلاة؛ لأنّ الجند تبع لقائدهم في السّفر والإقامة، ولكن مَن لم يسمع النّداء إذا صلّى قصراً فصلاته صحيحه وليس عليه إعادتها ولا قضاؤها؛ لأنّ التّكليف بحسب الوسع.
ومنها: الذّمّي في دار الإسلام إذا أسلم ولم يُصلِّ؛ لأنّه لم يعلم بوجوب الصّلاة عليه، قالوا: يجب عليه قضاء الصّلوات التي فاتته ولم يُصَلِّها؛ لأنّ الخطاب بوجوب الصّلاة على المسلم شائع في بلاد الإسلام، فيقوم شيوع الخطاب مقام العلم. بخلاف من أسلم في دار الحرب.
стр. 3849
القاعدة التّسعون بعد المئة [مبطلات الشّهادة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما يبطل الشّهادة لمخالفتها الدّعوى في المقدار أو الاعتبار بالزّيادة، يبطلها لمخالفتها بذلك في الزّمن (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة ضابط من ضوابط الشّهادة، وهي تفيد أنّ من مبطلات الشّهادة وموجبات ردّها وعدم قبولها أن تخالف دعوى المدّعِي في المقدار المدّعَى به بزيادة، وكذلك مخالفتها دعوى المدّعِي في زيادة الزّمن، كأن يدّعِي المدّعِي زمناً ويذكر الشّاهد في شهادته زمناً آخر أقدم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
رجل ادّعى بدار أنّها له منذ سنة، وأتى بشاهدين فشهدا له أنّها له منذ عشرين سنة. لا تقبل هذه الشّهادة لمخالفتها الدّعوى بالزّيادة في الزّمن.
لكن لو قال الشّاهدان: أنّها له منذ ستة أشهر، قبلت شهادتهما؛ لأنّهما اتّفقا مع المدّعِي على ملكيّة الدّار في الزّمن القريب.
ومنها: رجل ادّعى على آخر عشرة آلاف. وأتى بشاهدين،
стр. 3850
فشهدا له بعشرين ألفاً. لا تقبل شهادتهما لمخالفتها الدّعوى بالزّيادة في المقدار، لكن لو شهدا بخمسة آلاف، قبلت شهادتهما فيما شهدا به؛ لأنّ الخمسة الآلاف ضمن العشرة بخلاف العشرين، إلا إذا قال المدّعِي: كان لي عليه عشرون ألفاً فأبرأته من عشرة آلاف ولم يعلم الشّاهدان. جازت شهادتهما لإمكان التّوفيق بين الدّعوى والشّهادة.
ومنها: إذا ادّعى المدّعِي أنّ الدّار يسكنها المدّعَى عليه هي إرث له عن أبيه. فأنكر المدَّعَى عليه. فجاء المدّعِي بشاهدين شهدا له أنّ هذه الدّار ملك المدّعِي. فلا تقبل هذه الشّهادة؛ لأنّها خالفت الدّعوى بزيادة اعتباريّة؛ لأنّ دعوى المدّعِي بالإرث، والشّهادة جاءت مطلقة، والمطلق أكثر من المقيّد في الاعتبار، فلذلك بطلت الشّهادة؛ لأنّ قولهما هي ملك للمدّعِي يحتمل أنّها إرث أو أنّه اشتراها أو وهبت له، أو غير ذلك من أسباب الملك.
стр. 3851
القاعدتان الحادية والتّسعون والثّانية والتّسعون بعد المئة [المتردّد بين السّنّة أو الفرض أو الواجب وبين البدعة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ما يتردّد بين السّنّة والبدعة فتركه أولى (١).
وما يتردّد بين الفرض والبدعة فإتيانه أولى (٢).
وما يتردّد بين الواجب والبدعة فإتيانه أولى (٣).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
هذه القواعد تبيّن مراتب بعض الأحكام الشّرعيّة، فالفرض مثلاً أعلى الأحكام، وهو الواجب عند غير الحنفيّة، وأما عند الحنفيّة فالواجب دون مرتبة الفرض، والسّنّة دون مرتبة الواجب والفرض.
وهذه الأحكام مطلوبة الفعل. وأمّا البدعة: فهي ما ليس له أصل في الدّين، أو هي الذّهاب إلى قول لم يدلّ عليه دليل. أو هي الأمر المحدث الذي لم يكن عليه الصّحابة والتّابعون، ولم يكن ممّا اقتضاه الدّليل الشّرعي.
стр. 3852
وعند الحنفيّة: هي اعتقاد خلاف المعروف عن الرّسول ﷺ لا بمعاندة بل بنوع شبهة (١).
والبدعة مقابلة للسّنّة. وإتيانها حرام أو مكروه.
وإذا تردّد الأمر بين الحرام أو المكروه والحلال غَلَب الحرامُ الحلال فكان ترك الفعل أولى، لكن إذا تردّد الأمر بين الحرام والفرض أو الواجب فإنّ الفعل هنا أولى من التّرك إلا إذا كانت مفسدة الحرام أعظم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا شكّ في الفجر في وقتها أنّه صلاها أو لم يصلّها، فالصّلاة لازمة؛ لأنّ الصّلاة فرض.
ومنها: قضاء الفوائت بعد العصر والفجر غير مكروه. مع أنّ النّفل بعدهما بدعة مكروهة.
ومنها: إن استطاع تقبيل الحجر الأسود من غير إيذاء أحد قبَّله، وإلا لا؛ لأنّ استلام الحجر وتقبيل سنّة، وإيذاء المسلمين حرام.
ومنها: سفر المرأة المسلمة من بلاد الكفّار واجب - ولو وحدها - إذا خشيت الفتنة في دينها، مع أنّ سفرها وحدها بدون محرم حرام وبدعة.
стр. 3853
القاعدة الثّالثة والتّسعون بعد المئة [تقابل الضّدّين، العدم والملكة والواسطة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما يتردّد فيه هل هو من تقابل الضّدّين أو العدم والملكة والواسطة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالشّيء المتردّد فيه: الشّيء الذي يحتمل وجهين.
والمراد بالضّدّين: الصّفتان اللتان لا تجتمعان وقد ترتفعان، كالسّواد والبياض. ولكن المراد بالضّدّين هنا ما يشمل النّقيضين، وهما الصّفتان اللتان لا تجتمعان ولا ترتفعان، كالعمى والبصر، والعلم والجهل.
فمفاد القاعدة: أنّ الأمر المتردّد في الحكم فيه لاحتماله وجهين متقابلين أو أكثر هل يعتبر ذلك من تقابل الضّدّين أو من تقابل النّقيضين - المعبَّر عنهما هنا بالعدم والملكة - فالمراد بالملكة: الصّفة القائمة. والعدم: الصّفة الطّارئة. والتّساؤل هنا حول ما إذا كان هذا الأمر المتردّد فيه هو أحد الأمرين بعينه وقد أشكل علينا، أو أنّه أمر خارج عنهما وفيه صفة تقابل الضّدّين، وقد يطلق على ذلك لفظ "الواسطة"؟ وينظر قواعد حرف التّاء رقم ٧٥.
стр. 3854
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الخنثى المشكّل - وهو إنسان له ما للذّكر وما للأنثى - بدون تغلّب صفة على آخرى، فهل هذه الخنثى المشكّل هو عين الرّجال والنّساء، أو هو أحدهم؟ فيه وجهان بناء على أنّ الإشكال هل هو في الواقع ونفس الأمر عند الله تعالى، أو هو مشكّل في النّظر فقط لا في نفس الأمر؟
كان هذا في السّابق، ولكن الآن بتطوّر الطّبّ وتقدّم أدوات الكشف والجراحة صار بالإمكان تغليب أحد الأمرين بإجراء جراحة للخنثى تبيّن حالة وتعيِّن جنسه قطعاً.
ومنها: هل من الطّلاق لا سنّيّ ولا بدعي. كطلاق غير الممسوسة، والحامل والصّغيرة والآيسة؟ فإذا قلنا: إنّ الطّلاق السّنّي ما ليس بمحرّم فهذا سنّي، والبدعي ما كان محرّماً. فطلاق هؤلاء طلاق سنّي. فليس إذاً إلا سنّي أو بدعي.
وإن قلنا: إنّ السّنّي هو طلاق المدخول بها - التي ليست بحامل ولا صغيرة ولا آيسة - ويكون في طهر لم يمسَّها فيه، وليس في حيض ولا نفاس، والبدعي طلاق المدخول بها في حيض أو نفاس أو طهر جامعها فيه. فلنا ثلاثة أقسام فيكون طلاق غير الممسوسة والحامل والصّغير والآيسة ليس بدعيّاً ولا سنّيّاً وهو الواسطة بينهما.
стр. 3855
القاعدة الرّابعة والتّسعون بعد المئة [الحرام طريقاً ومقصداً]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما يتطرّق إليه بارتكاب الحرام يكون حراماً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
ما يتطرّق إليه: أي ما يكون طريق الوصول إليه محرّماً، فيكون هو أيضاً محرّماً؛ لأنّ ما كان وسيلته الحرام فهو حرام. وهذا من باب سدّ الذّرائع.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من دفع رشوة ليتوصّل إلى مقصوده فمقصوده حرام، إلا إذا كان مقصوده حقّاً له - وليس في وصوله إلى حقّه ضرر لغيره أو تأخير لحقّ غيره - ومنعه منه مانع لا يستطيع دفعه إلا بإعطاء الرّشوة، فذلك جائز والإثم على الآخذ المرتشي.
كيتيم له مال أراد ظالم الاستيلاء عليه، ورأى الوصي أنّه إذا أعطاه بعض المال سَلِم باقيه، فيجب عليه إعطاءه، ليسلم باقي مال اليتيم، والإثم على الآخذ الظّالم.
ومنها: بيع الخمر للمسلم حرام؛ لأنّ تناول ثمنها حرام.