القاعدة الرّابعة عشرة بعد المئتين [التّكليف بحسب الوسع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما يستحقّ على المرء شرعاً يعتبر فيه الوسع (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
من أدلة هذه القاعدة الكثيرة: من الكتاب الكريم قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢).
ومن السّنّة قوله ﷺ : "إذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم" (٣).
ما يجب على المرء المكلّف أن يفعله شرعاً فإنّ الشّرع قيّد ذلك بالاستطاعة والقدرة الميسّرة على الفعل، بحيث لا يطلب من المكلّف فعل ما يشقّ أو يستحيل عليه فعله. ولذلك فإنّ الشّرع قد خفّف عن المكلّف فعل ما يشقّ عليه بفعل ما يمكنه فعله بدون مشقّة زائدة عن الحالة السّويّة أو الحالة العرضيّة الاضطراريّة.
стр. 3887
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من لم يستطع الصّلاة قائماً لمرض ألمَّ به جاز له أن يصلي قاعداً أو على جنب أو يومئ إيماءً.
ومنها: الحجّ وجوبه مقيّد بالاستطاعة المادّيّة والبدنيّة، فمن لم يستطع فلا يجب عليه الحجّ.
ومنها: السّير في طريق المسلمين مباح مقيّد بشرط السّلامة؛ لأنّ الحقّ في الطّريق لجماعة المسلمين. واشتراط السّلامة فيما يمكن التّحرّز عنه، دون ما لا يمكن التّحرّز عنه. فمن سار على دابّته في طريق المسلمين فوطئت الدّابّة أو السّيّارة إنساناً بيد أو رجل أو مقدّمة أو جانب وهي تسير فقتله فديّته على عاقلة الرّاكب، وعلى الرّاكب الكفّارة. لكن إن رفست الدّابّة برجلها أو ذنبها وهي سائرة فلا ضمان على الرّاكب؛ لأنّ هذا لا يمكن التّحرّز عنه، ووجه الرّاكب أمام الدّابة لا خلفها.
ومنها: إذا ضربت الدّابّة وهي تسير بحافرها حصاة أو نواة أو حجراً فأصاب إنساناً فلا ضمان على الرّاكب أيضاً؛ لأنّ هذا لا يمكن التّحرّز عنه، فهو بمنزلة التّراب والغبار المنبعث عن سنابكها.
وكذلك لو أطارت السّيّارة بعجلاتها حصاة أو حجراً فأصاب سيّارة خلفها أو إنساناً فلا ضمان على سائق السّيّارة.
стр. 3888
القاعدة الخامسة عشرة بعد المئتين [الواحد يوجب ويقبل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما يستقلّ به الواحد في التّملّك (١). أو اتّحاد الموجب والقابل.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تبيّن ما يجوز للواحد أن يفعله إذ هو قائم مقام الاثنين. وذلك في كلّ عقد يحتاج إلى إيجاب وقبول، إذ الأصل في العقود أن تكون بين طرفين أحدهما موجب والثّاني قابل، أو أحدهما قابض والثّاني مقبض.
أمّا أن ينفرد شخص واحد بذلك فيعتبر خروجاً واستثناءً من القواعد العامّة المستقرّة والمستمرّة للحاجة والضّرورة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الأب يبيع مال ابنه الطّفل من نفسه، والجد كالأب في ذلك.
ومنها: أن يزوّج الأب ابن ابنه الصّغير من بنت ابن آخر له، ولكن الصّحيح أنّه لا بدّ من الإتيان بالإيجاب والقبول وهما جانبا العقد.
стр. 3889
ومنها: إذا ظفر الإنسان بجنس حقّه ممن ظلمه، فإنّه يأخذه مستقلاً به ويملكه ولا يحتاج إلى إيجاب أو قبول.
ومنها: المضطر إذا وجد طعام غائب أو حاضر مَنَعه فإنّه يأكله بقيمته.
ومنها: الشّفيع يأخذ الشّقص المشفوع بالثّمن جبراً على المشتري والبائع.
стр. 3890
القاعدة السّادسة عشرة بعد المئتين [التّوبة والإكراه]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما يسقط بالتّوبة يسقط حكمه بالإكراه، وما لا فلا (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الإكراه معناها الإجبار علىَ فعل أو قول أو ترك ممّن يتصوّر منه الإكراه. والمراد بالإكراه في هذه القاعدة هو الإكراه الملجئ التّام - أي التّهديد بالقتل أو بقطع عضو أو انتهاك عرض - إذا لم يفعل ما يؤمر بفعله.
ويشترط لحصول الإكراه: قدرة المكرِه على إيقاع وفعل ما هدّد به. وعجز المكرَه عن الدّفع بنفسه أو بغيره. وغلبه ظنّ المكرَه أنّ المكرِه سيفعل ما هدّده به.
فمفاد القاعدة: أنّ الإكراه المذكور يسقط حكم التّصرّف سواء أكان هذا التّصرّف فعلاً أم قولاً. ولكن يستثنى من ذلك مسائل لا أثر للإكراه فيها.
وضابط ذلك: أنّ ما يسقط حكمه وإثمه بالتّوبة يسقط حكمه
стр. 3891
بالإكراه، غير ما استثني من المسائل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا باع مكرهاً لا يصحّ البيع.
ومنها: إذا شرب الخمر مكرهاً لا يحدّ ولا يأثم. لكن لو صبر فلم يشرب حتى قُتِل فهو آثم.
ومنها: إذا نطق بكلمة الكفر مكرهاً لا يعتبر كافراً. لكن لو صبر حتىَ قتل كان أفضل وكان مأجوراً.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة فلم يسقط حكمه بالتّوبة وإن سقط بالإكراه والعكس .
شرب الخمر متعمّداً لا يسقط حكمه وَحدُّه التّوبة. وإن كان يسقط بالإكراه.
ومنها: إذا قذف مكرهاً يسقط حكمه بالإكراه، لكن توبة القاذف لا تُسقِط الحدّ عنه.
ومنها: الزّنا من الرّجل لا يسقط حكمه بالإكراه - وهو الإثم لكن يسقط الحد للشبّهة. ويسقط الإثم بالتّوبة، وأمّا الحدّ فلا يسقط بالتّوبة.
стр. 3892
القاعدة السّابعة عشرة بعد المئتين [المرجّح والموجب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما يصلح مرجّحاً لا يصلح موجباً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المرجّح: هو الأمر أو الدّليل الذي يجعل أحد الأمر المتردّد بينهما أرجح في نظر المجتهد من الأمر الآخر.
فالدّليل الذي يصلح مرجّحاً لجانب أحد الأمرين لا يصلح أن يكون موجباً للفعل الذي دلّ عليه؛ لمعارضة الأمر الآخر له. لكنه في الحقيقة يفيد غلبة الظّنّ بأنّ هذا الأمر - أي الرّاجح- أولى بالقبول والفعل من الأمر الآخر المرجوح.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا تزوّج حرٌّ أَمَة على أنّها حرّة، ثم جاءت منه بولد، فولده حرّ بسبب الغرور - فالغرور دليل مرجّح لحرّية الولد - لأنّ الأصل أنّ ولد الأمة يتبع أمّه في الرّقّ ولو كان الأب حرّاً - لكن للغرور يجب عليه قيمة الولد لمولى الأمة عند المخاصمة.
لكن إذا كان الزّوج المغرور عبداً فولدها رقيق تبعاً لأمّه.
فالغرور في المسألة الأولى صلح مرجّحاً لحريّة الولد وليس
стр. 3893
موجباً لها. ولذلك عليه قيمة الولد.
ومنها: الأصل في النّاس الحرّيّة، فإذا ادّعى رجل عبوديّة شخص آخر بدون بيّنة، وادّعى الآخر أنّه حرّ ولم يقع عليه رقّ، فكون الأصل في النّاس الحرّيّة مرجّح لإثبات حرّيّة المدَّعَى عليه. ولكن هذا الأصل لا يصلح موجباً لحرّيّة شخص قام الدّليل على رقّه وعبوديّته.
ومنها: الأصل في الأموال على ملك أربابها: فإذا ادّعى شخص ملكيَّة شيء ما في يد شخص آخر ولا بيّنة له، وأنكر المدّعَى عليه دعواه، وادّعى أنّ هذا الشّيء ملكه بيده، فالقول قوله بناء على الأصل المذكور، لكن هذا الأصل لا يصلح موجباً لملكيّة شيء قامت البيِّنة على أنّه ملك لشخص آخر غير ذي اليد.
стр. 3894
القاعدة الثّامنة عشرة بعد المئتين [الاستصحاب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما يصلح لإبقاء ما كان على ما كان لا يصلح لإيجاب ما لم يكن (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة مثار خلاف بين العلماء. وهو أنّ ما صلح لإبقاء ما كان على ما كان عليه هل يصلح لإيجاب ما لم يكن، وذلك المسمّى: باستصحاب الحال.
فعند الحنفيّة في آخرين لا يصلح لإيجاب ما لم يكن، بل لا بدّ من دليل آخر غير ذلك. وأمّا عند الشّافعيّة وآخرين فإنّه يصلح دليلاً لإيجاب ما لم يكن مع إبقاء ما كان على ما كان. وهذه القاعدة متفرّعة على قاعدة (اليقين لا يزول بالشّكّ).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
المفقود الذي فقد ولم يعرف موته ولا حياته - لا يقسم ميراثه ولا تبين منه زوجته، ولا تسلّم وديعته لورثته -؛ لأنّ الأصل بقاء حياته، ولأنّه خرج حيّاً فتصحب حياته. لكن لو مات من يرثه المفقود فهل يرث المفقود منه أو لا يرث؟.
стр. 3895
فعند من يقولون: إنّ ما يصلح لإبقاء ما كان على ما كان يصلح لإيجاب ما لم يكن يورثون المفقود من مورّثه الميّت بناء على استصحاب حياته.
وعند من يقولون: إنّ ما يصلح لإبقاء ما كان على ما كان لا يصلح لإيجاب ما لم يكن، فالمفقود عندهم لا يرث للشّكّ في حياته عند موت مورّثه؛ ولأنّ الشرط في استحقاق الميراث المتّيقّن من حياة الوارث عند موت المورّث، والمفقود هنا حياته غير متيقّنة بل هي مشكوك فيها. (والشّكّ في الشّرط مانع من ترتّب المشروط).
стр. 3896
القاعدة التّاسعة عشرة بعد المئتين [ميزان الكفر والإسلام]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ما يصير به المسلم كافراً إذا جحده يصير الكافر به مسلماً إذا اعتقده (١).
وفي لفظ: ما كان تركه كفراً ففعله إيمان. وما لا فلا (٢). وقد سبقت تحت الرّقم ٩٩.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
للإسلام والكفر أسباب تؤدّي إليهما، ولكن لمّا كان الإسلام والكفر نقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان فإنّ الإنسان لا بدّ إمّا أن يكون مسلماً وإمّا كافراً، ولا ثالث لهما - لما كان الأمر كذلك - فإنّ ما يكون سبباً ودليلاً للإسلام إذا نطق به الكافر أو نواه صار مسلماً، وإذا جحده مسلم وأنكره صار بجحوده إيّاه كافراً والعياذ بالله تعالى.
فالإيمان تصديق محمَّد ﷺ في جميع ما جاء به من الدّين ضرورة. والكفر تكذيب محمَّد ﷺ في شيء ممّا جاء به من الدّين ضرورة.
стр. 3897
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا نطق الكافر بالشّهادتين فإنّه يصير بهما مسلماً، وإذا جحدها مسلم صار كافراً مرتدّاً.
ومنها: لو صلّى مع جماعة المسلمين يحكم بإسلامه، ولو مسلم جحد الصّلاة يحكم بكفره قطعاً.
ومنها: اليهودي أو النّصراني إذا قال: "أشهد أنّ لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمداً رسول الله" قالوا: لا يكون مسلماً بهذا؛ لأنّ بعض اليهود والنّصارى يقولون: إنّ محمداً رسول الله إلى العرب خاصّة. فلذلك لو قالها يهودي أو نصراني لا يكون دليل إسلامه حتى يضمّ إليها التّبرّي من اليهوديّة أو النّصرانيّة.
ومنها: اليهودي إذا أقرّ برسالة عيسى ﵇ يجبر على الإسلام؛ لأنّ المسلم لو جحد رسالته كفر.
стр. 3898
القاعدة العشرون بعد المئتين [السبّب والمسبّب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما يظهر عقيب سببه يكون محالاً به عليه حتى يتبيّن خلافه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
لكلّ مسبّب سبب لوجوده، ولا يمكن أن يحصل أو يظهر مسبّب بدون سبب سابق له. فما ظهر بعد سبب يكون مسبّباً عن ذلك السّبب، فيحكم بسببيّة ذلك السّبب لما ظهر عقيبه، إلا إذا تبيّن خلاف ذلك يقيناً، ووجد سبب آخر غيره.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
أطلق شخص النّار على صيد فأصابه، فيحكم له به حتى يتبيّن أنّ شخصاً آخر رماه قبله فأصماه.
ومنها: إذا طعن شخص آخر فمات. فيحكم بأنّ سبب القتل أو الموت هو طعنة ذلك الشّخص فيؤخذ به، إلا إذا تبيّن أنّ سبب الوفاة غير الطّعنة.
ومنها: إذا تزوّج شخص امرأة وجاءت بولد: فالولد ينسب للزّوج لأنّه ولد على فراشه من زوجته. ولكن إذا أنكر الزّوج بنوّة الولد ولاعن زوجته فلا ينسب الولد إليه.
стр. 3899
القاعدة الحادية والعشرون بعد المئتين [المكروه عادة وعبادة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما يعاف في العادات يكره في العبادات (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
ما يعاف: أي ما يكره، من عاف يعاف عيافة. يقال: عاف الطّعام: أي كرهه (٢).
فما كان في العادة المقبولة والمعروفة مكروهاً فهو مكروه أيضاً في العبادات؛ لأنّ العبادات إنّما شرعت لمصلحة البشر، والعادات إنّما شرعت وانتشرت بين النّاس وعملوا بها واعتمدوها لما فيها من مصلحة لهم، فإذا وجد شيء كرهه النّاس في عاداتهم فهو أيضاً مكروه في عباداتهم لما بين العادات والعبادات من جامع، وهو المصلحة المشتركة.
لكن ما هي العادة التي يعاف فيها ويكره في العبادات؟ هي العادة الصّحيحة المقبولة التي لا تعارض بينها وبين النّصوص والقواعد الشّرعيّة، وأمّا العادات الفاسدة الباطلة فليس ما يعاف فيها يكون مكروهاً في العبادات، بل ربّما انتشر بين النّاس عادات مذمومة محرّمة في
стр. 3900
الشّرع يعاف فيها ما هو من مستحسنات الشّرع بل من موجباته. كعادة السّفور في كثير من المجتمعات الإسلاميّة - مع الأسف - التي يعاقب المتعاملون بها الحجاب الشّرعي، فهل يكون الحجاب الشّرعيَ للمرأة مكروهاً لأنّ تلك العادة المذمومة تعافه؟ لا وألف لا. بل تلك العادة هي المذمومة والمحرّمة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
يعاف في العادة الصّحيحة أكل المستقذرات والحشرات، وهي كذلك مكروهة في الشّرع.
ومنها: الأواني المعدّة للنجاسات لا يتطهّر بها.
ومنها: الصّلاة في المراحيض.
стр. 3901
القاعدة الثّانية والعشرون بعد المئتين [أحكام القصر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما يعتبر فيه مسافة القصر من الأحكام (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تبيّن الأحكام الشّرعيّة التي تنبني على السّفر ومسافة القصر.
ومسافة القصر: هي تلك المسافة من الأرض التي يجوز فيها للمسافر القاطع لها أن يقصر الصّلاة الرّباعيّة، أي أنّها يجوز له أن يصلّي الصّلاة ذات الأربع ركعات وهي صلاة الظّهر والعصر والعشاء يجوز له أن يصليها ركعتين. وهذا معنى القصر. وهذه المسافة تقدّر بنيف وثمانين كيلاً بالمقياس العصري.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
يجوز الفطر للمسافر في شهر رمضان، ثم يقضي ما أفطره بعد خروج شهر رمضان.
ومنها: المسح على الخفّين ثلاثة أيّام بلياليهنّ.
ومنها: الجمع بين الصّلاتين - في الأصحّ - عند غير الحنفيّة.
стр. 3902
أي صلاتي الظّهر والعصر تقديماً وتأخيراً. والمغرب مع العشاء كذلك.
ومنها: عدم جواز نقل الزّكاة عن بلد المال - عند بعضهم - إذا وجد المستحقّون في بلد المال.
ومنها: اعتبار حاضري المسجد الحرام في عدم جواز التّمتّع في الحجّ.
ومنها: المكان الذي يغرَّب إليه الزّاني.
ومنها: تزويج الحاكم المرأة التي غاب وليّها فوق مسافة القصر - أو ما دونها على رأي.
ومنها: أنّ ما دون مسافة القصر يجب على الشّاهد الذّهاب للمحكمة لأداء الشّهادة، وأمّا إذا كانت المسافة مسافة القصر فما فوقها فلا يجب عليه.
ومنها: جواز صرف الزّكاة إلى من ماله بعيد عنه قدر مسافة القصر.
ومنها: عدم جواز سفر المرأة وحدها بدون محرم، وبعضهم حرَّم سفر المرأة وحدها بدون محرم في كلّ سفر طويلاً أو قصيراً. ويستثنى من ذلك هجرة المرأة وحدها من بلاد الكفر إلى دار الإسلام إذا خشيت الفتنة.
стр. 3903
القاعدة الثّالثة والعشرون بعد المئتين [الاستحقاق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما يفيد الاستحقاق إذا وقع لا على وجه التّعدّي، فهل يفيده إذا وقع على وجه التّعدّي (١)؟
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
ما يفيد الاستحقاق: أي ما يفيد الحقّ - أو طلب الحقّ.
فالأصل أنّ ما يفيد الاستحقاق إنّما يقع على وجه شرعي غير معتَدٍ به على حقّ غيره، لكن إذا وقع ما يفيد الاستحقاق على وجه التّعدّي، والاعتداء على حقّ غيره، فهل يفيد الاستحقاق كما يفيده لو وقع على غير وجه التّعدّي. خلاف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا تحجّر مواتاً، أي جاء إلى أرض ميتة غير محياة فأحياها بسور أو بعلامات وأحجار، ثم جاء آخر فأحياها بأن أنبط فيها ماءً، أو غرس فيها شجراً، فهل يملكها هذا الآخر المتعدّي على حقّ الأوّل؟
قالوا: الأصحّ أنّه يملكها؛ لأنّ الإحياء مقدّم على التّحجير.
ومنها: إذا عشّش طائر في أرض إنسان أو داره وفرَّخ فيها. قالوا: لا يملكه صاحب الأرض أو الدّار، لكنه أولى بتملّكه. لكن لو
стр. 3904
تعدّى غيره وأخذه هل يملكه.
قالوا: الأصحّ أنه يملكه؛ لأنّه ما كان ملكاً لصاحب الأرض أو الدّار.
ومنها: إذا كان في البلد موضع تقام فيه الجمعة فأُحدث مكان آخر تقام فيه الجمعة على وجه لا يجوز إحداثه، وسبقت جمعته، أنّ الجمعة للجامع الأوّل وإن كان مسبوقاً. هذا بناء على قول: الجمعة لمن سبق، وإنّما كانت الجمعة للجامع الأوّل وإن كان مسبوقاً لأنّ الجامع الثّاني أحدثت فيه الجمعة على وجه غير شرعي.
стр. 3905
القاعدة الرّابعة والعشرون بعد المئتين [ما يقام مقام غيره]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ما يقام مقام غيره لا يأخذ جميع أحكامه (١).
وفي لفظ سبق: ما أقامه الشّارع مقّام الشّيء لا يلزم إعطاءه حكمه من كلّ وجه (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق قريباً تحت الرّقم ٩، ١٠ مثل هذه القاعدة فلتنظر هناك. وتنظر القاعدة رقم ٣٣٥ من قواعد حرف الهمزة.
стр. 3906
القاعدتان الخامسة والسّادسة والعشرون بعد المئتين [المعلَّق ومكمّله]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ما يقبل التّعليق من التّصرّفات يصحّ إضافته إلى بعض محلّ التّصرّف، وما لا يقبله لا يصحّ إضافته إلى بعض المحل (١).
وفي لفظ: ما يقبل التّعليق يكمَّل مُبَعَّضه.
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
المراد بالتّعليق - كما سبق بيانه - ربط مضمون جملة بحصول مضمون جملة أخرى، وهو الشّرط اللغوي. وذلك في الطّلاق والعتق وغيرهما من التّصرّفات والإطلاقات التي تقبل التّعليق. فما يقبل التّعليق من التّصرّفات يصحّ إضافته إلى بعض محلّه وجزئه حيث يكمل مبعّضه - أي ما ذكر بعضه - وهذا داخل ضمن قاعدة (ما لا يقبل التّبعيض فذكر بعضه كذكر كلّه) وقد سبق بيانه. ولكن ما لا يقبل التّعليق لا يصحّ إضافته إلى بعض محلّه أو إلى جزئه.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا قال لزوجته: إذا أو إن خرجت بغير إذني فرأسك طالق. فخرجت. طلقت كلّها.
стр. 3907
ومنها: إذا قال: أحرمت بنصف نسك. انعقد نسك كامل.
وممّا لا يقبل التّعليق: النّكاح والرّجعة. فإذا قال: إذا قدم أبوك تزوّجتك. أو تزوّجتك إذا قدم أبوك. لا يصح النّكاح.
ومنها: إذا قال: إذا حضر فلان فقد راجعتك. لا تصحّ الرّجعة ولو حضر فلان, لأنّ الرّجعة لا تقبل التّعليق.
ومنها: القذف لا يعلّق. فلو قال: إذا دخلت الدّار فأنت زان. لم يكن قاذفاً. مع أنّ القذف يقبل الإضافة إلى بعض المحل، فلو قال: زنا قبلك أو دبرك. كان قاذفاً.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
الإيلاء يقبل التّعليق مع كونه لا يصح إضافته إلى بعض المحلّ. إلا الفرج خاصّة.
ومنها: الوصيّة يصحّ تعليقها ولا يصحّ أن تضاف إلى بعض المحلّ. وكذلك التّدبير.
стр. 3908
القاعدة السّابعة والعشرون بعد المئتين [حكم المقدّر وما دونه]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما يقدّر شرعاً بقدْر لا يكون لما دون ذلك القدر حكم ذلك القدر (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
ما قدَّره الشّارع أو حدّد مقداره كمّاً أو عدداً أو وزناً فلا يجوز تنقيصه عن تقدير الشّارع؛ لأنّه لا يكون للقدر النّاقص حكم القدر التّام الكامل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
قدَّر الشّارع حدّ زنا البكر بمئة جلدة، فلو جلد تسعاً وتسعين جلدة لا يكون ذلك حدّاً كاملاً ولا تبرأ به الذّمّة.
ومنها: حدّد الشّارع وقدّر نصاب الزّكاة من الأموال. كما قدّر مقدار المُخرج، فلو كان المال ناقصاً عن النّصاب جزءاً واحداً فليس له حكم النّصاب الكامل فلا تجب فيه الزّكاة، وكذلك لو أخرج زكاة ماله ٢ % بدلاً من ربع العشر لم تبرأ ذمّته.
ومنها: أنّ الشّارع الحكيم قدّر الطّواف المجزئ بسبعة أشواط، فلو نقص منها شوط لم يكن لهذا الطّواف حكم. كركعات الصّلاة فأكثرها لا يقوم مقام كمالها. فكذلك أشواط الطّواف النّاقصة لا تقوم مقام الكاملة. إذا نقصت على سبعة.
стр. 3909
القاعدة الثّامنة والعشرون بعد المئتين [الإجبار]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما يقع فيه الإجبار (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الإجبار: معناه الإكراه.
فالقاعدة لبيان ما يجوز أن يقع فيه الإكراه على الفعل أو قبول التّصرّف. وبيان ممّن يكون الإجبار.
وليس المراد بالإجبار هنا الإكراه بمعناه العام بل المراد إكراه مخصوص في أحوال مخصوصة. والإجبار قد يكون من جانب واحد، وقد يكون من الجانبين.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
للأبّ والجدّ إجبار البكر على الّزواج. وهي أيضاً لها أن تجبرهما أن يزوّجاها إذا طلبت ذلك. وهذا إجبار من الجانبين.
ومنها: إجبار الأب والجدّ على تزويج المجنونة.
ومنها: إذا ظهرت الغبطة - أي المصلحة - الرّاجحة في تزويج البنت الصّغيرة ففي وجوب ذلك على الأب والجدّ وجه.
стр. 3910
ومنها: السّفيه المحجور عليه المحتاج إلى النّكاح يجبر الولي على تزويجه، كما للولي أن يجبره على ذلك.
ومنها: المضطر يجبر صاحب الطّعام - غير المحتاج إليه - على أخذه منه، ولصاحب الطّعام إجباره على الأكل إذا امتنع وشارف التّلف.
стр. 3911
القاعدة التّاسعة والعشرون بعد المئتين [القيد بالقصد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما يقيّد من الكلام بمقصود المتكلّم بمنزلة ما يتقيّد بتنصيص المتكلّم عليه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
مقصود المتكلّم: هو مراده من الكلام الذي ينطق به وهدفه وغايته من ورائه.
والتنصيص: النّصّ على المراد والتّعبير عنه باللفظ الدّال عليه.
فمفاد القاعدة: أنّ ما يدلّ على قصد المتكلّم ونيّته يعتبر قيداً وتخصيصاً للكلام المطلق وحكم اعتباره حكم ما يتقيّد بلفظ المتكلّم ونصّه عليه وتعبيره عنه، وإنّما يعرف مقصود المتكلّم ومراده بالقرائن الدّالة عليه؛ لأنّ قصد المتكلّم هو نيّته وهذا أمر قلبي لا يمكن الاطّلاع عليه ومعرفته إلا بالقرائن والعلامات الدّالة عليه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: أوصيت لفلان بسيّارة - وليس عنده حينذاك سيّارة - ثم مات. أعطي الموصّى له قيمة سيّارة من ثلثه؛ لأنّ هذا مقصوده، وأمّا إن مات ولا مال له فليس للموصّى له شيء.
стр. 3912
ومنها: إذا قال القائد: مَن دخل هذا الحصن أوّلاً فله كذا. فلمن دخل أوَّلاً النّفل، ولكن ذلك يتقيّد بالمال الموجود في الحصن دون غيره؛ لأنّ المقصود إيصال المنفعة للمسلمين، وإنّما يتحقّق ذلك إذا تقيّد النّفل بالمال الموجود فيه، فإذا لم يوجد في الحصن مال فلا شيء للدّاخل أوّلاً لانعدام المحلّ الذي أوجب القائد حقّه فيه، إلا أن يقول القائد: له كذا من هذا المال الذي عنده.
стр. 3913
القاعدة الثّلاثون بعد المئتين [الأكثر نفعاً]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما يكون أكثر نفعاً فهو أفضل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة واضحة المبنى معقولة المعنى؛ فإنّ ما كثر نفعه هو أفضل وأعلى وأولى ممّا قلّ نفعه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إعطاء الفقير المستحقّ للزّكاة نصاباً - إذا كان لا يسدّ حاجته إلا النّصاب فما فوقه - أفضل من إعطائه بضعة دراهم.
ومنها: توزيع المال على جماعة من المستحقّين أفضل من إعطائه واحداً منهم فقط - عند استواء حاجتهم.
ومنها: النّكاح والتّزوّج أفضل من العزوبيّة مع العبادة؛ لأنّ منفعة العبادة مقصورة على العابد، ومنفعة الزّواج لا تقتصر على النّاكح بل تتعدّى إلى غيره من زوجة وولد وأقارب وأصهار.
стр. 3914
القاعدة الحادية والثلاثون بعد المئتين [سنّة الوقت وبدعته]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما يكون سنَّة في وقته يكون بدعة في غير وقته (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
العبادات منها ما يتعلّق بوقت يجب أداؤها فيه، فإذا أدَّيت في وقتها الذي حدّد الشّارع كان ذلك سنّة، وإذا فعلت في غير وقتها الذي حدّد الشّرع لها كان فعلها ذلك بدعة؛ لأنّ الشّرع إنّما قصد تحديد الوقت لمصلحة شرعيّة، وما حُدِّد له وقت فلا يجوز أداؤه في غيره، وما لا يجوز أداؤه في غير وقته المحدّد له إذا فعل خارج وقته كان فعله بدعة منهي عنها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
التّكبيرات في صلاة العيدين سنّة في وقتها، فلو صلّى في غير وقت صلاة العيد وكبَّر تلك التّكبيرات كان فعله هذا بدعة غير جائزة.
ومنها: صلاة الضّحى سنّة في وقت الضّحى، فلو صلاها بعد الزّوال على أنّها سنّة الضّحى كانت بدعة غير جائزة.
ومنها: الوقوف بعرفة يوم التّاسع من ذي الحجة وليلة العاشر هو المشروع، فلو وقف إنسان في غير ذلك الوقت متعمّداً كان وقوفه
стр. 3915
بدعة غير جائزة، ولم يصحّ له حجّ.
ومنها: إذا نسي صلاة من صلوات أيّام التّشريق - التي يكبّر عقيبها - فذكرها بعد أيّام التّشريق فقضاها، لم يكبّر عقيبها؛ لأن التّكبير عقيب الصّلوات مؤقّت بوقت مخصوص فلا يقضي بعد ذلك الوقت.
ومنها: رمي الجمار مؤقّت بوقت - وهو أيّام منى - فإذا رمى بعد تلك الأيّام كان رميه بدعة غير جائزة.
ومنها: الأذان للصّلوات مؤقّت بأوقاتها، ولأسباب مشروعة (١)، فلو أذّن في غير الأوقات ولسبب غير مشروع كان أذانه بدعة منهي عنها.
стр. 3916
القاعدة الثّانية والثّلاثون بعد المئتين [شرط شرط العبادة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما يكون شرط العبادة شرطه اقترانه بأوّله (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الشّرط يجب تحقيقه قبل مشروطه، فعلى ذلك ما يكون شرطاً للعبادة يجب أن يحصل ويتحقّق قبل الدّخول فيها، وشرط هذا الشّرط أن يقترن بأوّل العبادة، وإلا لم تصحّ تلك العبادة، ولو وجد ذلك الشّرط بعد الدّخول فيها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الطّهارة شرط صحّة الصّلاة يجب تحقّقها قبل الصّلاة، ووجودها مقترناً بأوّل الصّلاة.
ومنها: استقبال القبلة - عند القدرة والاختيار - مشروط باقترانه بأوّل الصّلاة - أي عند افتتاحها بتكبيرة الإحرام.
ومنها: الإمساك عن المفطرات شرط صحّة الصّوم، فيجب اقترانّه بأوّل أوقات الإمكان قبيل طلوع الفجر.
ومنها: ستر العورة كذلك يجب اقترانه بأوّل دخوله في الصّلاة، وإلا إذا دخل الصّلاة وعورته مكشوفة فلا تنعقد صلاته ولو سترها بعد
стр. 3917
ذلك، إذ عليه استئناف النّيَّة. لكن إذا كانت عورته أو جزء منها مكشوفاً دون أن يشعر فلمّا شعر بذلك سترها فصلاته صحيحة والله أعلم.
ومنها: النّيَّة يشترط فيها مقارنها لأوّل الصّلاة عند تكبير الإحرام، وكذلك نيّة الإحرام عند الميقات المكاني. ونيّة الطّواف عند الدّخول فيه.
стр. 3918
القاعدة الثّالثة والثّلاثون بعد المئتين [العلّة المنفردة والتّرجيح]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما يكون علَّة للاستحقاق بانفراده لا يقع به التّرجيح (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
العلّة: المراد بها هنا السّبب.
فما يكون سبباً للاستحقاق منفرداً دون سبب آخر معه فإنّه لا يقع به ترجيح الاستحقاق إذا كان موجب الاستحقاق سبباً آخر؛ لأنّ التّرجيح إنّما يقع بما لا يكون علّة أو سبباً للاستحقاق، أي إنّ التّرجيح إنّما يكون بأمر خارج عن الموجب.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
قرابة الأب سبب للاستحقاق بالعصوبة - وبعد وجود هذا السّبب لا تكون قرابة الأم علّة للاستحقاق - بل تكون علّة للتّرجيح. ولهذا يرجّح الأخ لأب وأم على الأخ لأب في الميراث والولاية.
ومنها: مات شخص وترك ابني عم أحدهما أخ لأم. فللأخ لأم السّدس فرضاً، والباقي بينهما نصفان بالعصوبة؛ لأنّ ابن العم الّذي هو أخ لأم له سببان للميراث: الفرض بالأخوة لأم، والعصوبة بالعمومة،
стр. 3919
فيرث بكلّ واحد من السّببين، ويجعل اجتماع السّببين في شخص واحد كوجودهما في شخصين، فيستحقّ السّدس بالفريضة، ثمّ يزاحم الآخر فيما بقي بالعصوبة.
وهناك قول آخر في المسألة: وهو أنّ المال كلّه لابن العمّ الّذي هو أخ لأم؛ لأنّه أظهرهما قرباً.
стр. 3920
القاعدة الرّابعة والثّلاثون بعد المئتين [التّعويض عن المتقوّم شرعاً]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما يكون متقوّماً شرعاً فالاعتياض عنه جائز (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المتقوّم شرعاً: هو ما أثبت الشّرع له قيمة، فما أثبت الشّرع له قيمة فيجوز بيعه وشراؤه وإجارته.
والمراد بالاعتياض: أخذ العوض عنه. وأخذ العوض إمّا بمبادلته بغيره بعقد شرعي، وإمّا بأخذ بدله مثله أو قيمته إذا أتلفه متلف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الأنعام من الإبل والبقر والغنم متقوّمة شرعاً فيجوز الاعتياض عنها بيعاً وإجارة وبدل إتلاف أو استهلاك، وغيرها من الحيوانات التي لم يرد عن الشّرع نهي على ثمنها أو اقتنائها.
ومنها: الملابس بأنواعها والمأكولات بأنواعها والمشروبات بأنواعها كلّها يجوز أخذ العوض عنها، عدا ما حرّمه الشّرع، كالخمر والخنزير بالنّسبة للمسلم فهما ليسا بمالين وليسا بمتقوّمين شرعاً بين المسلمين.
стр. 3921
ومنها: الكلب المعلّم، أو الّذي يقتنى للحراسة يجوز بيعه وشراؤه، وأخذ العوض عنه في الرّاجح. بخلاف غيرها من أنواع الكلاب حيث لا يجوز أخذ العوض عنها لأنّها ليست متقوّمة شرعاً.
стр. 3922
القاعدة الخامسة والثّلاثون بعد المئتين [المذهب والتّقليد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما يكون مذهباً ويُقَلَّدُ فيه الإِمام بشرطين:
الأوّل: أن يكون من
١ - الأحكام: كوجوب الوتر.
٢ - الأسباب: كالمعاطاة.
٣ - الشّروط: كالنّيّة في الوضوء.
٤ - الموانع: كالدَّين في الزّكاة.
٥ - الحِجاج: كشهادة الصّبيان والشّاهد واليمين.
الثّاني: أن يختص الإمام بالقول بأحد هذه الخمسة ويخالفه غيره فيه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المذهب: لغة: الطّريق. ويراد به هنا الطّريق الشّرعي الّذي اتّخذه إمام من الأئمة المعتبرين - كأبي حنيفة ومالك والشّافعي وأحمد رحمهم الله تعالى - سبيلاً في فهم الشّرع والأخذ بالأدلةّ وطرق استنباط الأحكام، وعُرِف به.
стр. 3923
فما يكون مذهباً لإمام من الأئمة قال القرافي: إنّه يشترط فيه ليكون مذهباً متّبعاً يقلّده فيه مقلّدوه من العوام وغير المجتهدين يشترط فيه شرطان.
الشّرط الأوّل: هو عبارة عن بيان الأمور والموضوعات التي يقع فيها الاجتهاد والتّقليد، وهذه الأمور كما عدّها القرافي: خمسة أشياء:
أوّلها: الأحكام: جمع حكم والمراد بها الوجوب والتّحريم والنّدب والكراهة والإباحة.
وثانيها: الأسباب: أي أسباب وعلل الأحكام التي استنبطها المجتهد باجتهاده.
وثالثها: الشّروط: جمع شرط وقد سبق بيانه.
ورابعها: الموانع: جمع مانع من الحكم.
وخامسها: الحِجاج: جمع حجّة والمراد بها البراهين والأدلّة التي يستدلّ بها على الأحكام.
الشّرط الثّاني: أن يقع الخلاف في بعض فروع هذه الخمسة مع اختصاص الإمام المجتهد بالقول في بعضها، ومخالفة غيره من الأئمة فيها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الوتر: وقد اختلف في حكمه، فقال أبو حنيفة ﵀: (الوتر واجب) والمراد بالواجب ما دون الفرض عند الحنفيّة، وخالفه
стр. 3924
غيره.
ومنها: بيع المعاطاة، وهو البيع بدون لفظ الإيجاب والقبول منعه الشّافعي رحمه الله تعالى وأجازه الآخرون.
ومنها: النّيّة في الوضوء، لم يوجبها أبو حنيفة ﵀، وأوجبها غيره.
ومنها: الدَّين المانع من وجوب الزّكاة اعتبره بعضهم ولم يعتبره آخرون مانعاً.
ومنها: شهادة الصّبيان، والنّساء، والشّاهد واليمين.
وغير ذلك من مسائل الخلاف بين الأئمة المعتبرين.
стр. 3925
القاعدة السّادسة والثّلاثون بعد المئتين [أداء المستَحَق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ما يكون مستحقّاً على المرء في عين بجهة فعلى أي وجه أتى به يقع على الوجه المستحق وتصريحه بخلافه باطل (١).
وفي لفظ: ما استحقّ في عين بجهة فعلى أي وجه أتي به يقع عن المستحَق عليه (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا استُحِقّ شيء على شخص ما بسبب من الأسباب فيجب على هذا الشّخص أداء ما استُحِقّ عليه، والمراد بالمستحقّ هنا: الأمور الماليّة أو العينيّة دون العباديّة ولكن هل لأداء المستحَقّ وجه أو طريق مخصوص بحيث لا يجوز خلافه؟
مفاد القاعدتين: أنّه ليس لأداء الواجب طريق محدّد، بل إنّ الواجب إذا أتى به على أي وجه كان ووصل إلى صاحبه فإنّ ذمّة المستحَقّ عليه تبرأ بذلك.