← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14596

موسوعة القواعد الفقهية

محمد صدقي آل بورنو

Полный текст (5 326 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

وجه شرعي - فهو ضامن لما أتلفه من نفس أو مال وإن لم يكن متعدّياً، أو كان مخطئاً؛ لأنّ الضّمان والغرم إنّما هو مقابل للإتلاف غير المأذون فيه، وأمّا المتسبّب فهو لا يضمن إلا إذا كان متعدّياً. ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما: مَن مال على شخص بجواره وهو نائم فقتله، فإنّه ضامن لدية القتيل على عاقلته وإن لم يكن متعمّداً، وعليه كفّارة القتل الخطأ أيضاً. ومنها: إذا تناول إناءً من غير إذن صاحبه فسقط من يده فتكسّر، فهو ضامن، وإن لم يكن متعدّياً. ومنها: المحرم أو الحلال في الحرم إذا رمى سهماً ليقتل ذئباً، فأصاب صيداً لا يريد إصابته فعليه الجزاء، وإن لم يكن متعمّداً. ومنها: لو زلقت قدم إنسان فسقط على آخر فقتله، أو على شيء فأتلفه فهو ضامن، وإن لم يكن متعدّياً.

стр. 3957

القاعدة الخامسة والخمسون بعد المئتين [المباشر والمتسبّب] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المباشر ضامن وإن لم يتعدّ، والمتسبّب لا إلا بالتّعدّي (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة ذات شقّين، بل هي في الحقيقة قاعدتان أولاهما تتعلّق بالمباشر وقد سبق بيانه وأمثلتها. والثّانية تتعلّق بالمتسبّب: وهو ما وقع الفعل بأثر عمله لا بفعله المباشر. والمتسبّب نوعان: إمّا متسبّب متعدٍّ بالإتلاف. فهذا ضامن لما تلف بسببه، وإن لم يكن مباشراً للإتلاف. وإمّا متسبّب غير متعدّ بالإتلاف، فهذا غير ضامن لما تلف بتسبّبه. وهذا هو الفارق بين المباشر والمتسبّب في لزوم الضّمان، فالمباشر ضامن وغارم على كلّ حال، وأمّا المتسبّب فهو لا يضمن إلا في حالة التّعدّي.

стр. 3958

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: من حفر حفرة في الطّريق العامّ - بغير إذن الجهة المختصّة - أو لم يأخذ الاحتياطات اللازمة المأمور بها فسقط فيها إنسان أو حيوان فهو ضامن؛ لأنّه متعدٍّ. ومنها: إذا حفر بالإذن وأخذ الاحتياطات اللازمة، ثمّ سقط فيها إنسان أو حيوان فهو غير ضامن. ومنها: إذا حفر في ملكه فدخل ملكه حيوان لجارة فسقط في الحفرة، فهو غير ضامن له لأنّه لم يتعدّ. ومنها: إذا أصابت شرارة من طرق الحدّاد ثوب إنسان أو متاعه فأحرقته، فالحدّاد ضامن لأنّه مباشر. لكن إذا تطاير الشّرر من كيره بغير فعل منه، فهو غير ضامن؛ لأنه متسبّب وليس مباشراً. ومنها: إذا أخبر ظالماً بمال إنسان ليأخذه بغير حقّ فأخذه الظّالم، فالنّمّام ضامن، وإن كان متسّبباً لأنّه متعدٍّ.

стр. 3959

القاعدة السّادسة والخمسون بعد المئتين [الأيمان - العرف] أولاً: لفظ ورود القاعدة: مبنى الأيمان على العرف (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بمبنى الأيمان - دلالة ألفاظها. فاليمين حينما يحلف بها حالف على شيء ما بلفظ ما فإنّ مدلول ذلك اللفظ إنّما يعتمد في بيانه وتفسيره على ما دلّ عليه عرف الحالف وعادته، إلا إذا كانت للحالف نيَّة يحتملها اللفظ فتحمل اليمين عليها. وقد سبق لهذه القاعدة أمثال. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: حلف لا يأكل الخبز، حنث بما يعتاد أهل بلده أكله، فإذا أكل خبزاً لم يعتده هو ولا أهل بلده لم يحنث. كمن أكل خبز أرز في بلد خبز أهله من البرّ، ولا يعرفون خبز الأرز. ومنها: حلف لا يأكل شواءً، لا يحنث إلا بأكل اللحم المشوي دون الباذنجان والجزر المشوي - مثلاً - إلا إذا نواه.

стр. 3960

رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: حلف لا يركب حيواناً. يحنث بالرّكوب على الإنسان لتناول اللفظ والعرف. بخلاف لو حلف لا يركب دابّة، فلا يحنث بالرّكوب على كافر.

стр. 3961

القاعدة السّابعة والخمسون بعد المئتين [البيع] أولاً: لفظ ورود القاعدة: مبنى البيع على الاستقصاء (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الاستقصاء: استفعال من القصوى، والقصوى: هي البُعدى. والمراد أخذ كلّ الحقّ. فالبيع مبني على أساس مطالبة كلّ من البائع والمشتري الحقّ كاملاً دون نقص، وكذلك كلّ عقد أشبه البيع. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا اتّفق اثنان على أن يبيع أحدهما الآخر داراً أو أرضاً بمبلغ مئة ألف - مثلاً - فالمشتري حريص على أن يأخذ كلّ ما يدخل ضمن الدّار أو الأرض بحدودها ومشتملاتها، بحيث لا يترك من مساحتها شيئاً مهما كان قليلاً. والبائع حريص على أن يأخذ المئة الألف بكاملها نقداً صحيحاً سليماً لا ينقص درهماً واحداً أو أقلّ من ذلك. ومنها: إذا كان لرجلين على آخر ثمن سيّارة، فباع أحدهما حصّته منها بخمسة آلاف، فهو يضمن لشريكه ألفين وخمسمئة؛ لأنّ

стр. 3962

أحد الشّريكين صار مستوفياً جميع نصيبه ببيعه حصّته. ولكن لشريكه نصف ما قبض؛ لأنّ البيع عقد ضمان، فيكون موجباً عليه لشريكه ضمان نصف ما قبض.

стр. 3963

القاعدة الثّامنة والخمسون بعد المئتين [التّصرّفات الشّرعيّة - الفائدة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: مبنى التّصرّفات الشّرعيّة على الفائدة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: التّصرّفات الشّرعيّة إنّما شرعت لما فيها من الفائدة والمصلحة للعباد فضلاً من الله تعالى، فإذا خلا التّصرّف عن الفائدة أو المصلحة فلا يكون مشروعاً، ومتى كان مفيداً كان صحيحاً ومشروعاً (٢). ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: عقد البيع والإجارة وجميع العقود إنّما شرعت لما فيها من الفائدة والمصلحة للمتعاقدين، فإذا خلا العقد عن الفائدة لأحدهما أو كليهما فهو عقد غير مشروع. ومنها: إذا تزوّج امرأة وشرط في العقد أن لا يطأها، فهذا عقد باطل؛ لأنّ هذا الشّرط ينافي مقتضى عقد الزّواج وموجبه، فهو عقد خال عن الفائدة والمصلحة فلذلك هو عقد باطل غير مشروع. ومنها: إذا اشترى ربّ المال من المضارب سلعة من مال المضاربة بزيادة على رأس المال فذلك جائز؛ لأنّ هذا التّصرّف مفيد؛

стр. 3964

لأنّ فيه مصلحة المضاربة. ومنها: إذا تبايعا واشترط أحدهما أو كلاهما الخيار، فالعقد جائز والشّرط جائز لما فيه من الفائدة والمصلحة للمشترط.

стр. 3965

القاعدة التّاسعة والخمسون بعد المئتين [تداخل الحدود] أولاً: لفظ ورود القاعدة: مبنى الحدود على التّداخل (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق مثيل لهذه القاعدة بلفظ أعمّ وهو: (إذا اجتمع أمران من جنس واحد ولم يختلف مقصودهما دخل أحدهما في الآخر غالباً) (٢) وينظر من قواعد حرف الهمزة القاعدة ٦٥، ٧٤. ومعنى تداخل الحدود: وجوب حدّ واحد بأفعال متعدّدة من جنس واحد قبل إقامة الحدّ على كلّ واحد منها قبل فعل الموجب الآخر. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: سارق قام بعدّة سرقات كلّها موجبة للحدّ، ولكن لم يقم عليه الحدّ لأي منها، إمّا لعدم معرفته قبلاً، وإمّا لعدم العثور عليه، فهذا يستحقّ حدّاً واحداً مهما تعدّدت سرقاته، فتقطع يد واحدة فقط من مفصل الكفّ. ومنها: إذا زنى إنسان زِنى متعدّداً سواء أكان مع امرأة واحدة أو نساء متعدّدات - ولم يقم عليه حدّ أي فعل منها - فإنّما يجب عليه حدّ

стр. 3966

واحد فقط سواء أكان بكراً أم ثيباً. ومنها: إذا قذف شخصاً واحداً عدّة مرّات، هل يكفي حدّ واحد؟ الأَصحّ نعم. لكن إذا قذف أشخاصاً متعدّدين فيجب عليه لكل شخص حدّ. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: إذا سرق وزنى وشرب الخمر. يقام عليه لكلّ فعل حدٌّ؛ لأنّه لا تتداخل هذه الحدود لاختلاف الجنس، وإنّما يقام عليه حدّ الخمر أوَّلاً، ثمّ حدّ الزّنى إن كان بكراً، ثمّ حدّ السّرقة. لكن إن كان محصناً وقد زنى، فإنّما يقام عليه حدّ السّرقة ثمّ حدّ الزّنى وهو الرّجم. ومنها: لو وطئ في نهار رمضان مرّتين لم تلزمه بالثّاني كفّارة؛ لأنّه لم يصادف صوماً؛ حيث إنّه قد فسد صومه بالوطء الأوّل. ومنها: إذا جامع زوجته بعد الوقوف بعرفة - قبل التّحلّل الأوّل - فعليه في المرّة الأولى بدنة، وفي المرّة الثّانية شاة، ولا تداخل.

стр. 3967

القاعدة السّتّون بعد المئتين [الصّلح - الإغماض - التّجوّز] أولاً: لفظ ورود القاعدة: مبنى الصّلح على الإغماض والتّجوّز بدون الحقّ (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الصّلح: معروف، والإغماض: هو مأخوذ من غمض العين - أي إغلاقها - عن رؤية الشّيء، فكأن المُصالح عن بعض حقّه أغمض عينيه عن البعض الآخر، وهو التّجاوز. والتّجوّز: هو من الجواز وهو العبور، فكأنّ المصالح عبر عن المطالبة بكامل حقّه إلى المطالبة والرّضا ببعضه. فمبنى الصّلح وقيامه على المسامحة ببعض الحقّ وأخذ بعضه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إنسان له على آخر ألف، فصالحه على خمسمئة. فذلك جائز؛ لأنّ بالصّلح رضي بإسقاط بعض حقه وهو خمسمئة. ومنها: شخص له على آخر مبلغ من المال، فأنكره، أو ادّعى الأداء، ثمّ اصطلحا على أن يعطيه بعضاً ويسامحه بالبعض الآخر، فذلك جائز، ويحلّل كلّ منهما صاحبه.

стр. 3968

القاعدة الحادية والسّتّون بعد المئتين [العبادة - الاحتياط] أولاً: لفظ ورود القاعدة: مبنى العبادة على الاحتياط (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: العبادة بأنواعها من صلاة أو صيام أو حجّ أو زكاة، أو غير ذلك. فرضاً أو نفلاً إنّما تقام وتبنى على الأخذ بالأحوط للدّين؛ لأنّ ذمّة المكلّف إنّما أُعمرت بعبادة كاملة فيجب أداؤها كاملة للحصول على براءة الذّمّة. وعدم الأخذ بالأحوط قد يؤدّي إلى الأداء النّاقص الذي لا تبرأ به الذّمّةُ، وقد يؤدّي إلى التّساهل في العبادات وشروطها وأركانها فيكون ذلك سبباً في فسادها وبطلانها وعدم قبولها. وشرط الأخذ بالأحوط أن لا يكون موصلاً إلى الوساوس. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا صلّى وسها في صلاته، فلم يدر كم صلّى، أثلاثاً أم أربعاً، فالأخذ بالأحوط أن يجعلها ثلاثاً ويأتي برابعة ويسجد للسّهو؛ لأنّه لو اعتبرها أربعاً فلعله لا يكون إلا صلّى ثلاث ركعات، فلا تبرأ بها الذّمّة. كما أنّه يجب البناء على المتيقّن.

стр. 3969

ومنها: إذا وقف خنثى في صفّ النّساء فالاحتياط أن يعيد الصّلاة لوقوفه بجوار النّساء - وعند الحنفيّة أنّ الرّجل إذا صلّى خلف النّساء أو بجوارهنّ في صلاة مشتركة بطلت صلاته. وهذا خنثى مشكّل، وسقوط الأداء بذلك في حقّه موهوم. فلذلك يستحبّ له أن يعيد الصّلاة. ومنها: الصّيام يجب إمساك جزء من الليل قبل الفجر احتياطاً لصحّة الصّوم.

стр. 3970

القاعدة الثّانية والسّتّون بعد المئتين [النّفل والفرض] أولاً: لفظ ورود القاعدة: مبنى النّفل على المسامحة والفرض على الضّيق (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الفرض من العبادات ما ثبت بدليل قطعي لا شبهة فيه - وهو الواجب أيضاً عند غير الحنفيّة - فالفرائض التي فرضها الشّرع الحكيم مبناها على الضّيق أي على وجوب أدائها على أكمل وجه مستطاع أراده الشّارع، ويجب استيفاء أركانها وشروطها بحسب الوسع. وأمّا النّفل فهو الزّيادة على الفرائض، وهو السّنّة والمستحبّ والتّطوّع، فهذه مبناها على المسامحة أي على التّخفيف من بعض شرائط الفريضة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: صلاة الفريضة يجب أداؤها من قيام مع القدرة، وأمّا النّفل فيجوز أداؤه قاعداً مع القدرة على القيام. ومنها: في صلاة الفرض يجب التّوجّه إلى القبلة واستقبالها عند القدرة، ولكن النّفل يجوز أداؤه على الدّابّة حيثما توجّهت. ومنها: الصّيام المفروض يجب تبييت النّيّة له - عند غير الحنفيّة - وأمّا صيام النّفل فلا يجب تثبيت النّيّة له، حيث يجوز بنيّة بعد الفجر

стр. 3971

إلى ما قبل الزّوال. والصّيام المفروض لو جامع خلاله فعليه الكفّارة والقضاء. وأمّا الصّيام المتنفّل به فلو جامع خلاله فلا كفّارة وفي قضائه خلاف. ومنها: الزّكاة المفروضة تجب في أموال مخصوصة بنسب مخصوصة، ولأصناف مخصوصين وشروط مخصوصة. بخلاف صدقة التّطوّع حيث تجوز من كلّ مال ولكل صنف من النّاس، وبكلّ مقدار. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة فتساوى الفرض والنّفل حجّ الفريضة والعمرة - على القول بوجوبها مرّة في العمر - يستوي شروط وأداء نوافلها وفرائضها وما يترتّب على كلّ منهما.

стр. 3972

القاعدة الثّالثة والسّتّون بعد المئتين [تداخل الواجب] أولاً: لفظ ورود القاعدة: مبنى الواجب على التّداخل (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة قريبة المعنى من قاعدة سبقت قريباً وهي قاعدة (مبنى الحدود على التدّاخل) ولكن هذه القاعدة أعمّ معنى من تلك؛ لأنّ الواجب أعمّ من الحدود. حيث إنّ الحدود بعض الواجبات. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا دخل المسجد والصّلاة قائمة، دخلت تحيّة المسجد في الفريضة. ومنها: - كما سبق بيانه - إنّ الحدود المتماثلة من جنس واحد إذا تعدّدت ولم يقم الحدّ على أيّ منها قبلاً أنّها تتداخل، فتلزم عقوبة واحدة على عدّة أفعال متجانسة. ومنها: إذا قصّ المحرم أظافر يد من يديه في مجلس - ولم يكفّر - ثمّ قصّ أظافر اليد الأخرى في مجلس آخر، فعند محمد بن الحسن ﵀ عليه كفّارة واحدة من الدّم؛ لأنّ الفعل سببه واحد، كما في حلق جميع الرّأس في مجلس واحد أو مجالس متفرّقة. وأمّا في قول أبي

стр. 3973

حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى، فعليه أربع كفّارات إذا قصّ أظافر يديه ورجليه في أربعة مجالس؛ لأنّ كلّ واحد منها جناية متكاملة فتوجب الدّم، ومذهب محمَّد مذهب الجمهور في ذلك. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: صدقة الفطر إذا لم يخرجها الرّجل من سنته فعليه إخراجها، وإن طالت المدّة، وإذا تعدّدت صدقات الفطر على الشخص فيجب عليه إخراجها جميعاً ولا تتداخل.

стр. 3974

القاعدة الرّابعة والسّتّون بعد المئتين [الفاسد وما بني عليه] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المبني على الفاسد فاسد (١). وفي لفظ سبق: إذا بطل الشّيء بطل ما في ضمنه. وينظر قواعد الهمزة ٢٦٤ - ٢٦٥. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: ما بني على فاسد أو باطل فهو فاسد وباطل، وذلك في التّصرّفات القوليّة والعقود، وما كان أساسه صحيحاً كان صحيحاً؛ لأنّه لا يعقل أن ينشأ صحيح عن فاسد أو فاسد عن صحيح غالباً. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: اشترى جامعاً أو مسجداً مع أوقافه، ووقفه وضمّه إلى وقف آخر، وشرط له شروطاً. فشروطه باطلة لبطلان اشتراء الجامع أو المسجد. ومنها: إذا أجر شخص العقار الموقوف - والمؤجّر غير النّاظر - لم تصحّ الإجارة، وإن أذن المؤجّر للمستأجر في عمارة الموقوف المستأجر فأنفق، لم يرجع على أحد وكان متطوّعاً؛ لأنّه لمّا لم تصحّ الإجارة لم يصحّ ما في ضمنها أو ما بني عليها.

стр. 3975

القاعدة الخامسة والسّتّون بعد المئتين [أداء العمل] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المتأكّد بأداء العمل أقوى من غير المتأكّد (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الفعل الذي صاحبه الأداء يكون أقوى وآكد من فعل لم يصاحبه الأداء، وهذه القاعدة مجالها: فيمن جمع في إحرامه بين نيّة الحجّ ونيَّة العمرة، بأن أدخل أحدهما في الآخر. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أهلّ مكّي بالحجّ، وطاف للحجّ شوطاً، ثمّ أهلّ بالعمرة، فإن عليه أن يرفض عمرته؛ لأنّ إحرامه بالحجّ قد تأكّد بالطّواف، وإن لم يرفضها وطاف لها وسعى أجزأه ولكن عليه دم جبران؛ لإهلاله بالعمرة قبل أن يفرغ من حجّته، وقد صار جامعاً بين الحجّ والعمرة، والمكّي منهي وممنوع من الجمع بينهما. ومنها: إذا أهل الآفاقي بالحجّ وطاف شوطاً ثمّ أهلّ بالعمرة، كان عليه رفضها لتأكّد إحرام الحجّ بالعمل قبل الإهلال بالعمرة. ومنها: إذا كان عليه كفّارة يمين وكفّارة ظهار بالصّوم، فصام يوماً بنيّة كفّارة اليمين ثمّ أراد أن ينوي بصومه كفّارة الظّهار، فلا

стр. 3976

يصحّ؛ لأنّ صيامه عن كفّارة اليمين تأكّد بالعمل، لكن عليه أن يصوم عن كفّارة ظهاره بعد تمام صيام أيّام كفّارة اليمين. ومنها: إذا تصدّق على فقير تطوعاً، ثمّ أراد أن يجعل ما تصدّق به عليه جزءاً من الزّكاة، أو نوى بعد إعطائه أنّه زكاة ماله. لا يقع على الزّكاة الواجبة؛ لأنّ الإعطاء بنيّة التّطوّع تأكّد بالعمل، والشّرط في نيّة العبادة مصاحبتها ومقارنتها لابتداء العمل لا بعده.

стр. 3977

القاعدة السّادسة والسّتّون بعد المئتين [حكم اجتماع حدّين] أولاً: لفظ ورود القاعدة: متى اجتمع حدان وفي البداية بأحدهما إسقاط الآخر يبدأ بذلك (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق بيان أنّ الحدود تتداخل، ولكن هذا مقيّد بما إذا كانت من جنس واحد، لكن إذا اختلفت أجناسها فلا تتداخل ووجب إقامتها جميعاً. فمفاد هذه القاعدة: أنّه إذا اجتمع حدّان مختلفان وكان في إقامة أحدهما إسقاط للآخر ففي هذه الحال إذا كان الحدّان بسبب واحد وجب إقامة المسقِط، ولكن إذا اختلفت الأسباب وجب البدء بما يمكن سقوطه لو بدئ بالآخر (٢). أي يجب البدء بالحدّ القابل للسّقوط. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا وجب على إنسان حدٌّ يوجب القتل - كزنى المحصن أو القصاص - وحدّ يوجب القطع، كحدّ السّرقة، وحدّ يوجب الجلد كحدّ القذف. وجب أوّلاً إقامة حدّ القذف، ثمّ إقامة حدّ السّرقة وهو القطع،

стр. 3978

ثمّ إقامة حدّ القتل بعد ذلك؛ لأنّه لو قتل أوّلاً لسقط حدّ السّرقة وحدّ القذف. ومنها: إذا سرق وقتل في المحاربة هل يقطع ثمّ يقتل أو يقتصر على القتل والصّلب؟ ويندرج حدّ السّرقة في حدّ المحاربة؟ وجهان عند الشّافعيّة دون ترجيح (٢). رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة ووجب البدء بالمسقِط: إذا قذف رجل امرأة رجل آخر بالزّنى، وشهد الشّاهدان على أنّه قد قذفها بشخص واحد، وجاء المقذوف به يطلب حدّه، ولم يستطع القاذف أن يأتي ببيّنة على زناها بذلك الشّخص. فإنّ إلإمام يجلد القاذف حدَّه، ويدرأ على المرأة اللعان؛ لأنّه اجتمع عند الإمام حدّان القذف واللعان. ومتى اجتمع حدّان وفي البداية بأحدهما إسقاط للآخر يبدأ بذلك أي بالحدّ المسقِط لا المسقَط - كما في الأمثلة السّابقة -.

стр. 3979

القاعدة السّابعة والسّتّون بعد المئتين [التّردّد في الصّيد] أولاً: لفظ ورود القاعدة: متى اجتمع في الصّيد لعلّ وعسى لا يحل تناوله (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة تتعلّق بالصّيد الوحشي. ومعنى لعلّ وعسى: الشّكّ في سبب موته، هل هو من رمية الصّائد أو مات حتف أنفه، أو لسبب آخر غير الرّمي؟ فما كان هذا حاله فلا يحلّ الأكل منه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: رمى صيداً فغاب عنه ثمّ وجده وبه أثر سهمه، وأثر آخر كنهش سبع أو حيّة أو غير ذلك، ففي هذه الحالة لا يحلّ أكله؛ لاحتمال موته بسبب آخر غير إصابة سهمه. ومنها: إذا أرسل كلبه المعلّم على صيد فأكل منه، فكذلك لا يحلّ أكله لاحتمال أنّ الكلب صاده لنفسه ونسي تعلّمه. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: إذا أرسل البازي أو الصّقر المعلّم على صيد فصاده وأكل منه، يحلّ أكله؛ لأنّ علامة تعليم البازي أو الصّقر أن تدعوه فيجيبك. بخلاف الكلب.

стр. 3980

القاعدة الثّامنة والسّتّون بعد المئتين [اجتماع موجب الحل وموجب الحرمة] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: متى اجتمع موجب الحلّ وموجب الحرمة يُغَلَّب الموجب للحرمة (١). وفي لفظ: عند اجتماع المعنى الموجب للحلّ والمعنى الموجب للحرمة يُغَلَّب الموجب للحرمة (٢). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: موجب الحل: الدّليل الموجب للحلّ والإباحة. وموجب الحرمة: الدّليل الموجب للتّحريم والمنع. سبق لهاتين القاعدتين أمثلة كثيرة ضمن قواعد حرف الهمزة تحت الأرقام ٥٧ - ٢٦. وقواعد حرف التّاء رقم ١٢٦، ١٣١. ومفاد هذه القواعد: أنّه إذا اجتمع في محلّ واحد موجب للحلّ وموجب للتّحريم ولا مرجّح، فإنّه يغلب جانب التّحريم؛ لأنّ في تغليب جانب التّحريم درء للمفسدة، وذلك مقدّم على جلب المصلحة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أرسل كلبه المعلَّم على صيد، ثمّ شاركه كلب غير معلّم أو

стр. 3981

كلب مجوسي أو علماني أو شيوعي، فالصّيد لا يؤكل لاحتمال أن يكون صاده غير كلبه المعلّم. ومنها: البغل - المتولّد بين الفرس والحمار - لا يجوز أكله تغليباً لجانب الحمار، وذلك على القول بحلّ أكل لحم الفرس.

стр. 3982

القاعدة التّاسعة والسّتّون بعد المئتين [مانع موجب العقد] أولاً: لفظ ورود القاعدة: متى اقترن بالعقد ما يمنع موجبه لم يصحّ العقد (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: شرعت العقود لمصالح العباد، وكلّ عقد يدلّ على فائدة ومصلحة مقصودة، كعقد البيع - مثلاً - المقصود منه تبادل العوضين ليحلّ لكلّ واحد من المتعاقدين الانتفاع بما عند الآخر، وكعقد النّكاح المقصود منه حلّ الاستمتاع بين الزّوجين. فإذا اقترن بالعقد وصاحبَه شرط يمنع مقتضاه وما شرع له فالعقد في هذه الحالة باطل غير صحيح. وينظر من قواعد حرف الكاف القاعدة رقم ٧٧. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا اشترط في عقد النّكاح عدم جواز استمتاع الرّجل بزوجته، فالعقد باطل؛ لأنّ هذا الشّرط يمنع موجب العقد ومقتضاه وما شرع له.

стр. 3983

القاعدة السّبعون بعد المئتين [المعاني الباطنة - الأسباب الظّاهرة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: متى تعذّر الوقوف على المعاني الباطنة تقام الأسباب الظّاهرة مقامها (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المعاني الباطنة: مثل الرّضا وعدمه والإرادة والحبّ والبغض. الأسباب الظّاهرة: هي العلامات الدّالة على ما في الباطن. فمفاد القاعدة: أنّه متى لم نستطع الوقوف على المعاني الباطنة، وتعذّرت معرفتها لأسباب خاصّة فإنّما تبنى الأحكام على الأسباب والعلامات الظّاهرة التي تدلّ على ما في الباطن. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦)﴾ (٢). فالله دلّ على عدم إرادة المنافقين للخروج مع رسول الله ﷺ بعدم الإعداد لذلك الخروج. فعدم الإعداد سبب

стр. 3984

ظاهري لعدم إرادة الخروج؛ لأنّ الإرادة أمر باطني لا يطّلع عليه من العباد والذي يريد الخروج للجهاد - ولو لم يتكلّم - يقوم بتجهيز نفسه ومركوبه وسلاحه وأداته، فلمّا لم يفعلوا ذلك دلّ على عدم إرادتهم الخروج للجهاد. ومنها: سكوت البكر عند عرض الزّواج عليها دليل على رضاها بالزّوج الخاطب، فالسّكوت سبب ظاهر لمعنى باطن وهو الرّضا. ومنها: إذا دفع المشتري للبائع ثمن السّلعة المكتوب عليها وتسلّمه البائع ووضعه في صندوقه، كان ذلك دليلاً على رضاه بالبيع. ومنها: إقامة البلوغ عن عقل مقام اعتدال الحال الباطن في تحمّل التّكاليف والتّبعات. ومنها: إقامة السّفر والسّير المديد مقام المشقّة في جواز التّرخص.

стр. 3985

القاعدة الحادية والسّبعون بعد المئتين [المساواة في الأحكام] أولاً: لفظ ورود القاعدة: متى ثبتت المساواة بين الشّيئين بالنّص ثم خُصَّ جنس أحدهما بحكم كان ذلك تنصيصاً على ذلك الحكم في الآخر (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: إذا ثبتت مساواة بين شيئين بنصّ الشّرع على ذلك، ثمّ خُصَّ جنس أحد الشّيئين بحكم كان ذلك دليلاً نصّيّاً على أنّ الحكم في الآخر المسكوت عنه مثله. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: لمّا كانت الذّكوريّة والأنوثيّة في الرّقّ سواء دون تمييز بينهما في الأحكام كان التّنصيص على تنصيف الحدّ على الإناث الزواني من الإماء تنصيصاً على تنصيف الحدّ على الذّكور الزّناة من العبيد، خلافاً للظّاهريّة (٢). ومنها: إذا جعل زيداً وعمراً في العطيّة سواءً ثمّ يقول: أعط زيداً درهماً فيكون ذلك تنصيصاً على أن يعطي عمراً أيضاً.

стр. 3986

القاعدة الثّانية والسّبعون بعد المئتين [الحكم في المختلف فيه] أولاً: لفظ ورود القاعدة: متى حكم الحاكم في المختلف فيه بشيء نفذ حكمه (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق مثل معنى هذه القاعدة ضمن قواعد حرف الحاء تحت الرّقم ٥. ومفادها: أنّ حكم الحاكم باجتهاده في أمر اجتهادي اختلف في حكمه العلماء من الصّحابة رضوان الله عليهم، والتّابعين من بعدهم، فإنّ حكم هذا الحاكم نافذ بإجماع؛ لكن بشرط أن لا يخالف حكمه النّصوص الثّابتة أو الإجماع أو القواعد العامّة في الشّرع أو أقاويل الصّحابة أو التّابعين أو العلماء المجتهدين عموماً، بأن يأتي بحكم لم يقل به أحد ممّن سبق, لأنّ ليس اجتهاد أولى من اجتهاد ما دام كلّ منهما على طريق صحيح سليم. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: بيع الأراضي الخراجيّة إذا حكم به حاكم أو فعله الإمام أو نائبه جاز وثبتت فيه الشّفعة؛ لأنّه فصل مختلف فيه. ومنها: إذا حكم حاكم بالطّلاق البائن لامرأة قال لها زوجها: عليَّ الحرام. نفذ حكمه، وبانت المرأة من زوجها.

стр. 3987

القاعدة الثّالثة والسّبعون بعد المئتين [السّبب وموجبه] أولاً: لفظ ورود القاعدة: متى خلا السّبب عن موجَبه كان لغواً (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: موجَب السّبب: بفتح الجيم أي مقتضاه، فإذا وجد سبب ولم يتحقّق مقتضاه كان السّبب لغواً - أي باطلاً لا حكم له -؛ لأنّ السّبب الصّحيح هو السّبب الذي يترتّب عليه مسبّبه ومقتضاه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا لاعن الرّجل امرأته وقعت الفرقة بينهما وثبتت الحرمة المؤبّدة. وإذا ثبتت الحرمة المؤبّدة فلا ترتفع بوجه من الوجوه؛ ولأنّه إذا جاز للملاعن أن يعيد امرأته إلى ذمّته كان لعانه خالياً عن موجَبه فكان لغواً، لكن اللعان قد وقع فيجب أن يترتّب عليه حكمه. ومنها: إذا ملك الرّجل زوجته فسخ نكاحها منه؛ لأنّ ملك اليمين مناف لملك النّكاح. فإذا طلّقها لا يقع طلاقه عليها بعد ذلك؛ لأنّ ملك رقبتها ينافي ملك اليد بسبب النّكاح. ومنها: موجَب الرّضاع الحرمة، وإذا ثبتت الحرمة المؤبّدة فلا ترتفع بوجه من الوجوه.

стр. 3988

ومنها: إذا جامع المرأة أبو زوجها أو ابنه، أو جامع الزّوج أمها أو ابنتها فقد وقعت الفرقة بينهما بغير طلاق؛ لأنّ المحرميّة بالمصاهرة تنافي النّكاح ابتداءً وبقاءً، كالمحرميّة بالرّضاع والنّسب، وعليها العدّة إن كان قد دخل بها، ولا يقع طلاقه عليها؛ لأنّ موجب الطّلاق حرمة ترتفع بإصابة الزّوج الثّاني. وقد ثبتت بينهما - بالجماع المحرّم - حرمة مؤبّدة لا ترتفع بوجه من الوجوه، فلا يتصوّر مع هذا ثبوت الحرمة التي ترتفع بالزّوج الثّاني.

стр. 3989

القاعدة الرّابعة والسّبعون بعد المئتين [الكناية والحقيقة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: متى صار اللفظ كناية عن غيره سقط اعتبار حقيقته (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الكناية: المراد بها هنا المجاز؛ لمقابلته بالحقيقة. واللفظ: المراد به لفظ العقد. فاللفظ إذا استعل في الدّلالة على عقد غير مدلول عليه بصيغته اللغويّة، فيكون استعماله هنا مجازاً. وإذا استعمل اللفظ في مجازه في موقع سقط اعتبار حقيقته في ذلك الموقع؛ ولأنّه لا يستعمل اللفظ في حقيقته ومجازه معاً إلا استثناءً، ولكن يشترط ليكون اللفظ مجازاً في دلالته أن توجد قرينة تدلّ على إرادة المجاز، وإلا كان مستعملاً في حقيقته. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال: وهبتك هذا الثّوب. فهذا عقد هبة حقيقيّة؛ لأنّ الهبة عقد تبرّع بدون مقابل. لكن إذا قال: وهبتك هذا الثّوب بمئة درهم، كان هذا بيعاً لا هبة؛ لذكر البدل والعوض. ولا يجوز أن يكون عقد

стр. 3990

هبة. وعند الحنابلة فيه خلاف (١). ومنها: إذا وهب رجل ابنته لرجل آخر بشهادة شاهدين جاز ذلك عند الحنفيّة وعند مالك ﵀، ولكن بشرط ذكر المهر (٢). ورجّح جواز ذلك ابن تيميّة ﵀؛ لأنّ هذا تملك يستباح به الوطء، فينعقد بلفظ الهبة، خلافاً للشّافعيّة والرّاجح عند الحنابلة الذين يرون أنّ الزّواج لا يصحّ إلا بلفظ التّزويج والإنكاح.

стр. 3991

القاعدة الخامسة والسّبعون بعد المئتين [السّبب الظّاهر والباطن] أولاً: لفظ ورود القاعدة: متى قام السّبب الظّاهر مقام الباطن يدار الحكم معه وجوداً وعدماً (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة بمعنى قاعدة سبقت قريباً. بلفظ: (متى تعذّر الوقوف على المعاني الباطنة تقام الأسباب الظّاهرة مقامها). ومفادها: أنّه عندما يقام السّبب الظّاهر في بناء الحكم عليه مقام المعنى الباطن الذي لا يمكن الاطّلاع عليه فإنّ الحكم المقصود يدار مع السّبب الظّاهر وجوداً وعدماً, لأنّ الحكم يدور مع سببه وعلَّته. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إنسان يريد الحجّ - والإرادة أمر باطني - فإذا لم يُعدّ عدّة السّفر من الأمتعة والرّكوبة والزّاد، فنفهم من ذلك أنّه لا يريد الحجّ في عامه هذا. لكن إن رأيناه أعدّ أمتعته وسيّارته وزاده وما يحتاجه أو رأيناه اشترك في حملة للحجّ نعلم من ذلك أنّه يريد الحجّ وإن لم ينطق أو يتكلّم.

стр. 3992

القاعدة السّادسة والسّبعون بعد المئتين [حقّ الحاضر والغائب] أولاً: لفظ ورود القاعدة: متى كان حقّ الحاضر متّصلاً بحقّ الغائب انتصب الحاضر خصماً عن الغائب (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: لا تجوز الدّعوى إلا من حاضر أو وكيله - على حاضر أو وكيله، ولا تجوز من غائب ولا على غائب. لكن مفاد هذه القاعدة: أنّ الدّعوى تصحّ من الغائب لكن بشرط أن تكون الدّعوى من حاضر له حقّ متّصل بحقّ الغائب، فيكون الحكم للحاضر أو عليه حكماً للغائب أو عليه؛ لأنّ الحقّ المدَّعى به متّصل بين الحاضر والغائب. فيكون الحاضر خصماً عن نفسه ووكيلاً عن الغائب ضمناً، وينظر القاعدة رقم ٥٢ من قواعد حرف القاف. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا استحقّ المبيع من المشتري بالبيَّنة والقضاء كان الحكم قضاءً عليه وعلى من تلقّى منه الملك - وهو البائع - فلو برهن البائع بعد القضاء على الملك لم تقبل بَيَّنَتُه. ومنها: إذا أحضر المدّعِي رجلاً وادّعى عليه حقّاً لموكّله، وأقام

стр. 3993

بيِّنة على أنّه وكَّله في استيفاء حقوقه والخصومة في ذلك قبلت، ويقضى بصحّة الوكالة، ويكون ذلك حكماً على الموكَّل الغائب أيضاً. ومنها: أحد الورثة ينتصب خصماً عن الباقين الغائبين. ومنها: أحد الموقوف عليهم ينتصب خصماً كذلك عن الباقين الغائبين (١). فيكون الحكم له ولهم أو عليه وعليهم. ومنها: إذا ادّعى رجل كفالة على رجل آخر بمال، فأقرّ المدَّعَى عليه بالكفاله وأنكر الدّين، فبرهن المدّعِي على الكفيل بالدّين، وقضي عليه بها. كان قضاءً عليه قصداً، وعلى الأصيل الغائب ضمناً. ومنها: دار أو أرض في يدي رجل، أقام آخر البيّنة أنّها له منذ سنة، وأقام آخر البيّنة أنّها له اشتراها من آخر منذ سنتين، وهو يملكها يومئذ، فإنّ القاضي يقضي بها لصاحب الشّراء؛ لأنّه أسبق تاريخاً، وقد أثبت الملك لنفسه في وقت لا ينازعه فيه الآخر، وهو خصم عن بائعه أيضاً في إثبات الملك له في الوقت الذي أرَّخ شهوده، فكان هو أولى بها.

стр. 3994

القاعدة السّابعة والسّبعون بعد المئتين [تعدّي الحكم] أولاً: لفظ ورود القاعدة: متى كان المعنى في المنصوص عليه معلوماً تعدّى الحكم بذلك المعنى إلى الفرع (١). أصوليّة فقهيّة ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه قاعدة تتعلّق بالفقه وأصوله، وهو أنّ المنصوص عليه - أي ما ورد به النّصّ من الكتاب أو السّنّة - إذا كانت علَّته معلومة، فإنّ الحكم يتعدّى بسبب تلك العلّة إلى الفرع الذي لم يرد النّصّ بحكمه. وهذا هو القياس الذي عرَّفه الأصوليّون بقولهم: "القياس هو حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما". فالأصل هو المقيس عليه، والفرع هو المقيس. والجامع هو العلّة، والحكم إمّا بالإيجاب أو التّحريم أو النّدب أو الكراهة أو الإباحة، وهو حكم الأصل. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: الخمر حرِّمت لإسكارها، فكلّ شيء وجد فيه الإسكار فهو حرام قياساً على الخمر سواء في ذلك ما كان سائلاً أو جامداً أو بخاراً، معدناً أو نباتاً.

стр. 3995

ومنها: نصّ الرّسول ﷺ على تحريم التّفاضل في الأصناف السّتّة: الذّهب والفضّة، والبِرّ والشّعير والتّمر والملح. فالذّهب والفضّة باعتبارهما موزوني جنس، فما كان موزوناً من غيرهما من المعادن فهو يلحق بهما في تحريم التّفاضل، والأربعة الأخرى لما فيها من الكيل والجنس، فما كان مكيلاً فهو يلحق بها كذلك. ومنها: من استنبط عيناً أو بئراً كانت لكلّ منهما حريم باتّفاق. لكن إذا حفر نهراً بإذن الإمام في موضع لا حقَّ فيه لأحد فهل يستحقّ حريماً؟ عند أبي حنيفة ﵀ لا يستحقّ حريماً. وأمّا عند صاحبيه رحمهما الله تعالى فهو يستحقّ له حريماً من الجانبين بعرض النهر لملقى طينه والمشي عليه لإجراء الماء في النّهر وذلك قياساً على حريم العين والبئر.
следующие страницы →