← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14596

موسوعة القواعد الفقهية

محمد صدقي آل بورنو

Полный текст (5 326 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

الأصل مأذون فيه، وهو واجب، والهلاك حصل من مستحقّ وغيره. وجهان أصحّهما الثّاني أي على الخاتن نصف الضّمان. ومنها: إذا ضربه حدّاً فجرحه وأنهر دمه، قالوا: لا ضمان عليه؛ لأنّه قد يكون ذلك من رِقَّة جلده. أمّا إذا عاد وضربه موضع الجرح ففى الضّمان وجهان. ومنها: إذا اشترك محرِم وحلال في قتل صيد، لزم المحرم نصف الجزاء ولا شيء على الحلال، إلا إذا كان الصّيد داخل الحرم فعليهما كليهما.

стр. 4027

القاعدة الثّامنة والتّسعون بعد المئتين [تصرّف المتولّي على غيره] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المتولّي على الغير هل يجب عليه أن يتصرّف بالمصلحة، أو الواجب عليه أن لا يتصرّف بالمفسدة (١)؟ ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة بمعنى القاعدة القائلة: (التّصرّف على الرّعيّة منوط بالمصلحة جزماً) وقد سبقت ضمن قواعد حرف التّاء تحت الرّقم ١٠١. ولكن وردت هذه القاعدة بصيغة تفيد الشّكّ في المقصود بتصرّف المتولّي على غيره، هل المقصود التّصرّف بالمصلحة، أو أنّ الواجب عليه أن لا يتصرّف بما فيه مفسدة؟ والحقّ أنّه لا تعارض؛ لأنّه حتى التّصرّف بما لا مفسدة فيه هو مصلحة أيضاً؛ لأنّه إذا انتفت المفسدة تحقّقت المصلحة، وكفى بانتفاء المفسدة مصلحة، ولكن ذلك فيما إذا استوت المصلحة والمفسدة، فيجوز التّصرّف فيما لا مفسدة فيه، وإن لم تتحقّق مصلحة واضحة (٢).

стр. 4028

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: امرأة ليس لها قرابة يتولّى أمرها، فهل للإمام أو القاضي أن يزوّجها من غير كفء برضاها؟ قالوا: فيه وجهان. والصّحيح المنع. لعدم تحقّق المصلحة. ومنها: إذا استوت المصلحة والمفسدة في أخذ الشّقص - أي الجزء - المشفوع وتركه لليتيم. ففي المسألة ثلاثة أوجه: الوجوب، والجواز والتّحريم، والأوّل غريب انفرد به الروياني (١). ومنها: هل يجوز قتل قاتل من لا وارث له؟ خلاف. والأصل أنّ من لا وارث له إذا قُتِل فديّته في بيت المال. فإذا اقتصّ من قاتله لم يستفد بيت المال شيئاً. وقال العلائي: وفي تخريج هذا المثال على هذه القاعدة نظر. لكن الإِمام نظر إلى المصلحة العامّة، ولكنَ ليس له العفو عن القصاص مجاناً.

стр. 4029

القاعدة التّاسعة والتّسعون بعد المئتين [المتيقّن] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المتيقّن به لا يتبدّل إلا بمثله (١). وفي لفظ: المتيقّن لا يزال بالمشكوك (٢). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة بمعنى القاعدة الكلّيّة الكبرى (اليقين لا يزول أو لا يرتفع بالشّكّ)، وستأتي. واليقين: هو الثّابت المقطوع والمجزوم به. فما ثبت ثبوتاً مقطوعاً به لا يتبدّل ولا يزول ولا يرتفع إلا بيقين مثله وفي درجته، ولا يرتفع بأدنى منه كالظّنّ أو الشّكّ. لكن الظّنّ إذا كان غالباً نزل منزلة اليقين احتياطاً. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: مَن تيقّن الحدث وشكّ في الطّهارة فهو محدث، ويجب عليه أن يتطهّر؛ لأنّ يقين الحدث لا يزول إلا بيقين الطّهارة. وكذلك العكس. ومنها: إذا عدا الذّئب على شاة فقطع أوداجها، ونثر ما في بطنها، ثم أدركها صاحبها فذبحها, لم يحلّ أكلها؛ لأنّ ما هذه حالها فهي ميتة لا محالة، لكن إن كانت تضطرب ويمكن أن تعيش يوماً أو يومين أو بضع ساعات فذبحها صاحبها جاز أكلها؛ لأنّه متيقّن من حياتها.

стр. 4030

القاعدة المتمّمة للثّلاثمئة [المثال الجزئي - القاعدة الكلّيّة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المثال الجزئي لا يصحّح القاعدة الكلّيّة (١). فقهيّة كلاميّة ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بالمثال الجزئي: المسألة المفردة. القاعدة الكلّيّة: الحكم الكلّي العام الذي يندرج تحته مسائل كثيرة. فمفاد القاعدة ومدلولها: أنّ الأمثلة الجزئيّة مهما كثرت لا تثبت القاعدة الكلّيّة، بل إنّ المثال الجزئي ينبه به على القاعدة ويوضّحها؛ لأنّ إلف النّفس بالجزئيّات أكثر من إلفها بالكلّيّات. وكانت علّة عدم إثبات القاعدة الكلّيّة بالمثال الجزئي؛ لأنّه إثبات الحكم الكلّيّ ببعض جزئياته، وهو استقراء ناقص لا يفيد إلا الظّنّ، وبخاصّة إذا كان موضوع القاعدة جنساً أو ما في حكمه ممّا كانت أفراده متجانسة. ولكن إذا كان موضوع القاعدة نوعاً حقيقيّاً أو فصلاً له أو خاصّة متماثلة الأفراد فمشاهدة الحكم في جزئيات كثيرة توجب فيضان الحكم الكلّيّ. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قلنا: إنّ الإنسان يحرّك فكّه الأسفل حين المضغ، وكذلك

стр. 4031

الجمل والفرس والحمار وغيرها من الحيوانات، فهل يكوِّن ذلك قاعدة كلّيّة لحكم فيقال: (كلّ حيوان يحرّك فكه الأسفل حين المضغ)؟ فنقول: إنّ هذه القاعدة منقوضة بالتّمساح؛ لأنّه يحرّك فكّه الأعلى حين المضغ. وقد يوجد غير التّمساح كذلك. ومنها: إذا قلنا: نار الحطب حارّة، ونار الحجر حارّة، فإنّ مشاهدة الحكم في جزئيّات كثيرة توجب إثبات الحكم الكلّي للنّار، فيقال: كلّ نار حارّة. وتكون قاعدة كلّيّة صحيحة؛ لأنّ الموضوع هنا خاصّة متماثلة. ولا يحتجّ بنار إبراهيم ﵇؛ لأنّ انقلابها باردة كان معجزة ربّانيّة. ومنها: إذا قلنا: زيد يضحك أو ضاحك، وعمرو يضحك، وليلى تضحك. فيمكن أن يقال: (كل إنسان ضاحك) بالقوّة أو بالفعل. وهي قاعدة كلّيّة صحيحة. ومنها: إذا قيل: فلان قتل فلاناً فقُتل، وفلان قتل فلاناً فقُتل، وفلان قتل فلاناً فقُتل، فهل يصحّ أن يُقال: كل من قَتَل يقتل، أو "كلّ قاتل يقتصّ منه" نقول: لا يجوز أن يقال ذلك؛ لأنّ القاتل قد يكون قتل متعدّياً لمكافئ غير والد. فهذا يجب عليه القصاص إذا كان عاقلاً بالغاً. ولكن مَن قتل خطأ، أو بحقّ لا يقتصّ منه. أو مَن قتل وهو صغير، أو إذا كان مجنوناً أو والداً أو حرّاً قتل عبداً أو مسلماً قتل ذمّيّاً أو حربياً لا يقتصّ من هؤلاء كذلك.

стр. 4032

القاعدتان الحادية والثّانية بعد الثّلاثمئة [زيادة البيِّنة] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: المثبت للزّيادة من البينتين يترجّح (١). وفي لفظ: المثبت من البيّنتين أولى (٢). ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما: البيَّنة هي الحجّة والبرهان، والمراد بها هنا شهود الإثبات. فعند تعارض البيّنتين وتساويهما في العدد والعدالة من كلّ الوجوه فإنّ أثبتت إحداهما زيادة عن الأخرى فالمثبتة للزّيادة ترجّح على مقابلتها. ولمّا كانت البيّنات للإثبات - كما سبق بيانه ضمن قواعد حرف الباء تحت الرّقم ٩٩، ١٠١. فإنّ البيّنة المثبتة أولى في القبول والعمل بها من البيّنة النّافية. ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما: إذا اشترى بقرتين بمبلغ واحد وقبضهما، ثمّ ماتت إحداهما عنده، وأراد ردّ الأخرى بالعيب. فاختلفا في قيمة الميتة، وجاء المشتري ببيّنة تشهد له أنّ البقرة الميتة تساوي ألفاً - مثلاً -، وجاء البائع ببيّنة أنّها

стр. 4033

تساوي ألفين، فإنّ البيّنة المقبولة هي بيّنة البائع؛ لأنها تثبت الزّيادة؛ ولأنّهما اتّفقا على أنّ جميع الثّمن متقرّر على المشتري بالقبض، ثمّ الاختلاف بينهما في مقدار ما سقط عنه بردّ البقرة المعيبة. ومنها: إذا اختلفا في قيمة السّلعة، والسّلعة قائمة - أي موجودة - وأقاما جميعاً البيّنة، فالبيّنة المقبولة هي بيّنة البائع التي تثبت الزّيادة، لا بيّنة المشتري التي تنفيها. ومنها: إذا شهد شاهدان أنّه دبَّر عبده فلاناً إن قُتل. وأنّه قد قُتل. وشهد شاهدان أنّه مات موتاً. فإنّ البيّنة الرّاجحة لجواز عتق العبد من الثّلث هي البيّنة التي تثبت القتل والعتق، بخلاف الأخرى النّافية لهما. والبيّنات للإثبات لا للنّفي.

стр. 4034

القاعدة الثّالثة بعد الثّلاثمئة [مثل الشّيء] أولاً: لفظ ورود القاعدة: مثل الشّيء غيره (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المثل: هو الشّبيه والنّظير. ولا يكون الشّيء شبيهاً بنفسه ولا مثلاً لها. ولا نظيراً لنفسه، فلذلك فإنّ المثل غير الشّيء، وهو مقابله، وإن كان يشبهه، وهذا أمر مشاهد ومحسوس، فإنّ الإنسان إذا نظر في المرآة ورأى صورته فيها، فليست الصّورة هي نفس الإنسان بل هي خياليّة، وخيال الشّيء غيره. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها المختلف فيها: في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٢)، فالله سبحان وتعالى ليس له مثل ولا شبيه ولا نظير، لأنّه لو كان له مثل لكان إلهاً غيره، والله المتفرّد بالألوهيّة الحقّة والرّبوبيّة والحاكميّة. فليس مثله شيء (٣).

стр. 4035

ومنها: إذا أودع رجل آخرَ وديعة ممّا يكال أو يوزن ووكّله بقبضها، فاستهلكها رجل وأعطى المستودَع مثلها، فهل للوكيل أن يقبض المثل -؛ لأنّ المثل في ذوات الأمثال كالقيمة فيما لا مثل له - وهو قد أذن له في قبض العين فلا يتعدّى إذنه إلى عين أخرى - وهذا لأنّ مثل الشّيء غيره. ولكن استحسنوا جواز قبضه؛ لأنّ رضاه بأمانته لا يختلف باختلاف العين، وإنّما يختلف باختلاف الجنس. ومنها: رجل مات وترك ابناً وابنة، وأوصى بمثل نصيب الابن، فأجاز الابن، ولم تجز الابنة، فالقسمة من خمسة وأربعين سهماً، للابنة عشرة، وللابن ثمانية عشر، وللموصَى له سبعة عشر؛ لأنّه نقص ممّا أوصي له به سهم؛ لأنّ الابنة لم تجز الوصيّة، أمّا لو أجازت الابنة الوصيّة فلها سهم من خمسة وللابن سهمان وللموصَى له سهمان مثله.

стр. 4036

القاعدة الرّابعة بعد الثّلاثمئة [المثلى والمتقوّم] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المثلي مضمون بمثله. والمتقوّم بالقيمة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المضمونات من حيث ما تضمن به تنقسم إلى قسمين رئيسين: مثلي وقيمي. فالمثلي: هو الشّيء الذي له مثل من جنسه لا يتفاوت، فهو مضمون بمثله إن وُجد. والقيمي: هو الشّيء الذي لا مثل له، أو له مثل متفاوت، فهذا إنّما يضمن بقيمته، أي بقدر ما يساويه من المال. ومن القيمي أيضاً: المثلي الذي انقطع مثله فلم يوجد أو وجد متفاوتاً، فهذا يجب ضمانه بقيمته أيضاً. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: المكيلات والموزونات مثلية. فإنّما يضمن كلّ منها بمثلها. كاللبن والتّمر والماء والبر والذّهب والفضّة، فهي تضمن بمثلها عند

стр. 4037

الإتلاف. والحيوان والسّلع والأثاث والدّور والعقار والآلات والمنافع كلّها قيمية فإنّما تضمن بقيمتها عند الإتلاف. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: اللحم مع أنّه مثلي ولكنّه يضمن بالقيمة للتّفاوت بين أنواع اللحمان. ومنها: لبن المصراة مع أنّه مثلي ولكن يضمن بصاع من تمر للحديث. ومنها: الماء في المفازة، إذا وجد في موضع لا قيمة للماء فيه، فإنّه يطالبه بقيمة الماء في المفازة، أي الصّحراء. ومنها: الفاكهة مع أنها مثليّة، لكن الأصحّ أنّها تضمن بالقيمة، للتّفاوت. ومنها: إذا اقترض متقوّماً، فالأصحّ أنّه يردّ مثله في الصّورة، كالخبز واللحم. ومنها: إذا كان المنقوّم مثليّاً في الأصل، كمن غصب رُطَباً - إذا قلنا: إنّه متقوّم - فصار تمراً - والتّمر مثلي - وتلف فعليه مثله تمراً. إلا إذا كان الرّطب أكثر قيمة لزمته قيمته.

стр. 4038

القاعدتان الخامسة والسّادسة بعد الثّلاثمئة [المجاز - النّصوص] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: المجاز لا يدخل في النّصوص بل في الظّواهر فقط (١). والمجاز في أسماء الأجناس جائر (١). ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما: سبق بيان معنى المجاز "وهو استعمال اللفظ في غير موضوعه الأصلي لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي". والنّصوص: جمع نص، والمراد به هنا اللفظ الدّال على معناه قطعاً ومطابقة، كألفاظ الأعداد. والنّصّ في اللغة: عبارة عن الظّهور، ومنه سمّي كرسي العروس منصّة لظهورها عليه. والفقهاء يطلقونه بإزاء المقطوع به والمظنون، وهو بالمقطوع به أحرى. والمقطوع به: هو اللفظ الدّال دلالة لا تحتمل التّأويل كقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (٢). فهذا النّصّ مقطوع بدلالته لا يحتمل التّأويل ولا المجاز.

стр. 4039

والظّواهر: جمع ظاهر أو ظاهرة، وهو اللفظ الذي يغلب على الظّنّ فهم معنى منه مع تجويز غيره، كسائر النّصوص في الفروع (١). فمفاد القاعدة الأولى: أنّ المجاز لا يدخل في المقطوع به، إنّما يدخل فيما فيه احتمال. ومفاد القاعدة الثّانية: أنّ المجاز إنّما يدخل في الظّواهر كأسماء الأجناس، وهي الأسماء الموضوعة للأفراد المبهمين. بخلاف علم الجنس الموضوع للماهية. فالأسد للحيوان المفترس اسم جنس، لأنّه يدلّ على فرد مبهم. وأسامة علم جنس لأنّه يفيد ذات كلّ واحد من أشخاص الأسد بعينها من حيث هي هي على سبيل الاشتراك اللفظي (٢). ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما: في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٣)، فهذا نصّ لا يحتمل التّأويل ومثله قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٤). فهذا نصّ في الحدّ لا يقبل المجاز ولا التّأويل، وممّا يمكن أن يقبل المجاز من الظّواهر:

стр. 4040

قولك: قتلت فلاناً شرَّ قتلة حتى عاد لا يستطيع المشي. فهذا مجاز يراد به الضّرب الشّديد. ومنها: ما دخله المجاز من أسماء الأجناس. قولهم: رعينا الغيث. والمراد به العشب الذي نبت بسبب نزول الغيث. ومنه قولهم: رأيت أسداً في براثنه يخطب على المنبر. وأنت تريد رجلاً شجاعاً. وممّا لا يدخله المجاز أيضاً: من أطلق العشرة وأراد السّبعة فهو مخطئ لأنّ ألفاظ الأعداد نصوص لا يدخلها مجاز البتة. وممّا يدخل المجاز من الظّواهر: من أطلق صيغ العموم وأراد الخصوص، فهو مصيب لغة؛ لأنّها ظواهر. ومثالها: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ (١) فالقائل واحد، ومن جمعوا للرّسول ﷺ بعض النّاس لا كلّهم.

стр. 4041

القاعدة السّابعة بعد الثلاثمئة [المجاز - الحقيقة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المجاز لا يعارض الحقيقة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق بيان معنى المجاز ومعنى الحقيقة. والمراد اللفظ المجاز، واللفظة الحقيقة. ولمّا كان المجاز فرعَ الحقيقة، والحقيقة هي أصل المجاز، فكلّ مجاز هو فرع للحقيقة، وليست كلّ حقيقة أصلاً للمجاز؛ لأنّ من الحقائق ما لا يدخله المجاز، كما سبق قريباً. ولمّا كان الأمر كذلك فلا يقع تعارض بين المجاز والحقيقة، كما لا يقع تعارض بين الفرع وأصله. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال: رأيت اليوم أسداً. فالمفهوم المتبادر من الإطلاق أنّه رأى أسداً حقيقيّاً، وهو الحيوان الزّائر المفترس. ولا يجوز أن يحمل على الرّجل الشّجاع؛ لأنّه لم تقم قرينة على إرادة المجاز. ولأنّ الأصل

стр. 4042

في الكلام الحقيقة، أي المتبادر عند السّامع. ومنها: إذا قيل: إنّ الإِمام قد وضع حجر الأساس لبناء هذا المسجد. فلا يفهم منه أنّه أمر غيره بوضعه، بل يفهم منه أنّه وضعه بيده.

стр. 4043

القاعدة الثّامنة بعد الثّلاثمئة [المجبر - الغار] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المجبَر على الشّيء لا يكون غارّاً، إذ الغارُّ من يكون مختاراً (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المجبَر: اسم مفعول من أُجبر على كذا أي أكره عليه، فالإجبار هو الإكراه. الغارُّ: من غَرَّ إذا لبَّس وخدع. والمغرور: المخدوع. فإذا أكره إنسان على قول شيء أو فعل شيء فيه خداع وغرر لغيره، فلا يكون هذا المكرَه غارّاً ولا مخادعاً؛ لأنّ الغارَّ الحقيقي هو من يكون مختاراً لقول الغرور أو فعله. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا هدّد شخص آخر بالقتل أو القطع أو الضّرب الشّديد على أن يقول لمن يريد الزّواج من أمَةٍ: إنّها حُرَّة. فيتزوّجها الرّجل على أنّها حرَّة ثم يظهر أنّها أمَة، فهنا ضمان الخسارة وقيمة الولد لو ولدت على

стр. 4044

المكرِه لا المكرَه؛ لأنّ المكرَه غير غارّ لأنّه غير مختار. ومنها: إذا أُجبر وأُكره على القول بأنّ هذا الطّريق آمن - لمن يريد أن يُسافر فيه - وهو يعلم أنّ به قطّاع طرق. فهو أيضاً غير ضامن لأنّه مكرَه على القول.

стр. 4045

القاعدة التّاسعة بعد الثّلاثمئة [الخبر] أولاً: لفظ ورود القاعدة: مجرّد الخبر لا يصلح حجّة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الخبر: هو قول يحتمل الصّدق والكذب لذاته. أي يجوز أن يقال لقائله، إنّه صادق فيه أو كاذب. ولمّا كان الخبر بهذه المثابة فإنّه لا يصلح بمفرده حجّة ولا برهاناً على صدق ما تضمنه من إخبار في الأمور الملزمة، إلا إذا صاحب ذلك قرائن تقوّيه كتعدّده مع عدالة القائلين أو كثرتهم كثرة تمنع اتّفاقهم على الكذب. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا حضر إنسان عند القاضي أو الإِمام فقال: إنّ فلاناً سرق أو قتل. فإنّ الإِمام أو القاضي لا يعتمد على قوله هذا فيقبض على فلان، ويأمر بقطعه أو قتله، وإنما يبحث الأمر حتى يتحقّق من صدق القائل أو كذبه. لكن إذا حضر شخص آخر أو أشخاص آخرون فقالوا مثل مقالة الأوّل، وأخبروا بمثل خبره، ففي هذه الحال يعتبر قولهم حجّة، وتبنى عليه الأحكام.

стр. 4046

ومنها: إذا أمَّن المسلمون أهل حصن على أنفسهم وأهلهم ومتاعهم، ولمّا فتح الحصن قال المستأمنون: هؤلاء أهلونا، وهذا متاعنا لخيار - من الأهل والمتاع -، فإن صدّقوهم بما ادّعوا فهم آمنون معهم، ولكن إذا كذّبوهم بما قالوا: كانوا فيئاً؛ ودعوى المستأمنين لا تكون مقبولة إلا بحجّة ودليل.

стр. 4047

القاعدة العاشرة بعد الثّلاثمئة [الدّعوى والبيِّنة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: مجرّد الدّعوى لا يعارض البيّنة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: مجرّد الدّعوى: هو ادّعاء أحقيّة الشّيء بدون بيِّنة. والبيِّنة: هي الشّاهدان، ولا تعتبر البيّنة ولا تقبل إلا بعد إقامة الدّعوى. فعلى ذلك فإنّ الدّعوى المجرّدة عن البيِّنة لا تعارض البيِّنة المبنيّة على الدّعوى, لأنّها أقوى منها. و (الضّعيف لا يعارض القوي). ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا كان صبي في يد رجل فأقامت امرأة شاهدين أنّه ابنها. قضي بالنّسب منها لإثبات الدّعوى بالحجّة، وإن كان ذو اليد يدّعيه لم يقض به بمجرّد دعواه. ومنها: إذا ادّعى داراً في يد شخص وأقام البيِّنة على دعواه، فإنّ القاضي يحكم له بالدّار، وإن كان ساكن الدّار أو ذو اليد يدّعيها؛ لعدم وجود بيّنة له.

стр. 4048

القاعدتان الحادية عشرة والثّانية عشرة بعد الثلاثمئة [السّبب - الضّمان] أولاً: لفظ ورود القاعدة: مجرّد السّبب موجب للضّمان (١). عند محمَّد بن الحسن ﵀. وفي لفظ مقابل: مجرّد السّبب يسقط اعتباره في مقابلة المباشرة (٢). ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما: هاتان القاعدتان متقابلتان ظاهراً. وقد سبق لهما مثيلات. فالأولى منهما تدلّ على أنّ المتسبّب - أي صاحب السّبب - مجرّد وجوده موجب للضّمان، ولو لم يطرأ مباشر. لكن المتّفق عليه أنّه عند اجتماع السّبب والمباشرة أنّ الضّمان على المباشر. ولذلك قلنا: أنّهما متقابلتان ظاهراً. والثّانية منهما تدلّ على أنّ المتسبّب في الإتلاف الموجب للضّمان يسقط اعتباره، ولا ضمان عليه إذا طرأ مباشر للإتلاف. وقد سبق في قواعد عدّة أنّ المتسبّب غير ضامن إلا بالتّعدّي، إلا عند محمَّد بن الحسن ﵀: أنّه ضامن تعدّى أو لم يتعدّ فهو

стр. 4049

كالمباشر. لكن بشرط أن لا يطرأ مباشر بين السّبب والإتلاف. ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما: حفر شخص حفرة في طريق المسلمين فجاء آخر وألقى فيها شخصاً أو دابّة فهلكت، فإن الضّمان هنا على المباشر الذي وقع الهلاك بفعله باتّفاق. ومنها: إذا فتح باب قفص أو اصطبل أو حفر حفرة - ولو بالإذن - ثم طار الطّائر من القفص، أو خرج الحيوان من الإسطبل فهلك، أو سقط في الحفرة إنسان أو حيوان. ففي كلّ ذلك الضّمان على المتسبّب، وهو فاتح القفص والإسطبل وحافر الحفرة، تعدّى أو لم يتعدّ عند محمَّد ﵀. وأمّا عند غير محمَّد ﵀ فإنّ المتسبب إذا كان متعدّياً ومتعمّداً لما فعله فهو ضامن دون ما لم يتعمّد أو يتعدّ.

стр. 4050

القاعدة الثّالثة عشرة بعد الثّلاثمئة [المجهول والمعلوم] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المجهول إذا ضمَّ إلى المعلوم فالانقسام باعتبار الذّات دون القيمة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الأصل أنّه إذا ضمّ المجهول إلى المعلوم أصبح الكلّ مجهولاً - كما سيأتي في القاعدة التّالية - فلا يصحّ العقد. لكن المراد بالقاعدة ليس المجهول مطلقاً بل المراد به هنا المجهول قيمته وهو المعلوم بذاته. فإذا ضمّ مجهول القيمة إلى معلومها، فإنّما تنقسم القيمة عليهما باعتبارهما اثنين دون نظر إلى قيمة كلٍّ. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا تزوّج امرأة على ألف درهم على أن ردّت عليه عبداً أو دابّة. فهو جائز؛ لأنّها بذلت شيئين بإزاء الألف. البضع والعبد. فيقسم الألف على قيمة العبد ومهر مثلها.

стр. 4051

القاعدة الرّابعة عشرة بعد الثّلاثمئة [المجهول والمعلوم] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المجهول إذا ضمّ إلى معلوم يصير الكلّ مجهولاً (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المجهول هنا: يراد به مجهول الذّات أو الوجود، فإذا ضمّ العقد أو التّصرّف شيئاً مجهولاً أو مشكوكاً في وجوده إلى شيء معلوم الوجود فإنّ الكلّ يصير مجهولاً، وإذا صار الكلّ مجهولاً بطل العقد أو التّصرّف؛ لأنّ العقد لا يصحّ على مجهول. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: اشترى شاة بشرط إنّها حامل، فالعقد فاسد لجهالة ما في بطنها. ومنها: باع بعيرين - أحدهما نادٌّ - أي شارد على صاحبه - فالعقد باطل لجهالة البعير الشّارد وعدم القدرة على تسليمه.

стр. 4052

القاعدة الخامسة عشرة بعد الثّلاثمئة [المجهول] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المجهول لا يجوز تمليكه بشيء من العقود قصداً (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة بيان للقاعدة السّابقة وتأكيد لمدلولها: فقد سبق أنّ المجهول إذا ضمّ إلى المعلوم يصير الكلّ مجهولاً، والمجهول لا يجوز تمليكه ولا العقد عليه بشيء من العقود قصداً، ولكن إذا وقع ضمناً لا يضرّ. فإذا وقع العقد على مجهول قصداً فهو باطل، ولو ضمّ إلى معلوم. كما سبق بيانه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا اشترى ناقة أو بقرة أو شاة حاملاً، ولم يشترط وجود الحمل فالبيع صحيح نافذ. والحمل يدخل في العقد على الأم تبعاً وإن كان مجهولاً، بخلاف ما إذا اشترط الحمل فالعقد باطل كما سبق ذكره. ومنها: إذا وهب نصيبه من أرض أو دار مجهولة لم تجز الهبة لجهالة الموهوب. ومنها: عند الحنفيّة لا يجوز هبة المشاع؛ لأنّه متعذّر القبض

стр. 4053

والتّسليم، وشرط تمام الهبة والتّبّرع القبض. فبالأولى أن لا تجوز الهبة في نصيب من أرض أو دار مجهولة. ومنها: إذا زوّج بنتاً من بناته بدون تسميتها - وله عدّة بنات - فالعقد باطل لجهالة المعقود عليها.

стр. 4054

القاعدة السّادسة عشرة بعد الثّلاثمئة [المحاباة في المرض] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المحاباة في المرض تبرّع بمنزلة الوصيّة (١). وإنّما تجوز من الثّلث بدون زيادة، إلا إذا أجاز الورثة. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المحاباة: يقال: حاباه محاباة إذا سامحه. مأخوذ من حبوته إذا أعطيته، فالمحاباة مفاعلة من حبوت الرّجل أحبوه إذا أعطيته الشّيء بغير عوض (٢). فالمسامحة في بعض ما يستحقّ إذا كانت في مرض الموت فهي بمنزلة الوصيّة، ولا تجوز إلا من الثلث بدون زيادة، إلا إذا أجاز الورثة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا باع سيّارته في مرض موته لشخص بألف، وقيمتها عشرة آلاف وهي ماله كلّه، فللمشتري قيمة الألف، وثلث قيمة ما بقي من السّيّارة وهو ثلاثة آلاف، ويدفع ما بقي للورثة. لكن لو أجاز الورثة

стр. 4055

فعل الأب فهو يأخذ السّيّارة بدون أداء شيء. ومنها: من باع في مرض موته سيفاً محلّى قيمته عشرون ديناراً بدينار واحد وتقابضا - وليس له مال غيره - فللمشتري قيمة الدّينار من السّيف والحلية, وثلث قيمة ما بقي من السّيف، ويؤدّي الباقي، وإن شاء ردّ كلّه وأخذ ديناره. هذا إذا لم تجز الورثة، وأمّا إن أجاز الورثة فله السّيف وحليته بديناره. ومنها: مريض له تسعمئة درهم - ولا مال له غيرها - فباعها بدينار واحد وقبضه، وقبض الآخر مئة درهم من تسعمئة، ثم افترقا، ومات المريض، والمال قائم، والدّينار قيمته تُسْع المال - أي مئة درهم - فإجازةُ الورثة وردّهم هنا سواء - وللمشتري المئة الدّرهم بتسع الدّينار ويردّ عليه ثمانية أتساع الدّينار؛ لأنّ عقد الصّرف قد بطل في ثمانية أتساع الدّينار لعدم التّقابض في المجلس، وإنّما بقي العقد في مقدار المئة. وذلك دون ثلث المال فلا يحتاج إلى إجازة الورثة. وقد بطلت المحاباة لبطلان عقد الصّرف.

стр. 4056

القاعدة السّابعة عشرة بعد الثّلاثمئة [المَحَالّ] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المَحَالُّ في حكم الشّروط (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المحالُّ: جمع محل. والمراد به هنا محل العقد. أي ما وقع عليه التّعاقد. وليس المراد المكان. فما يقع عليه التّعاقد يعتبر محلاً للعقد، ويكون في حكم الشّرط - أي شرط الصّحّة - فما لم يصحّ محل العقد - أي موضوعه - لا يصحّ العقد. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال رجل عند القاضي: تزوّجت هذه المرأة ولها زوج، أو هي معتدّة من غيري، أو هي مجوسيّة، أو أختها عندي، أو هي أمَة تزوّجتها بغير إذن مولاها. فالعقد في ذلك كلّه باطل - لأنّ محلّ العقد وهو المرأة لا يصحّ زواجها منه - ويفرّق القاضي بينهما؛ لإقرار الزّوج بالحرمة عليه. فجعل إقراره مقبولاً في إثبات الفرقة من جهته، فللزّوجة نصف المهر إن كان قبل الدّخول، وجميع المسمّى ونفقة العدّة إن كان بعد الدّخول. ومنها: إذا قال تزوّجتك بغير شهود. فهذه وسابقتها سواء. ومنها: اشترى قربة خلّ، فإذا هي خمر. فالعقد باطل.

стр. 4057

القاعدتان الثّامنة عشرة والتّاسعة عشرة بعد الثّلاثمئة [المحتمل - النّيَّة] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: المحتمل لا تتعيّن جهة فيه بدون النّيَّة. وفي لفظ: المحتمل لا يوجب شيئاً بدون النّيَّة (١). والمحتمل لا يثبت إلا بحجّة (٢). ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما: المحتمل: هو اللفظ الذي يجوز في دلالته وجهان أو أكثر. فإذا كان اللفظ كذلك فلا يجب حمله على أحد معانيه أو معنييه إلا بالنّيَّة المميّزة، فالنّيَّة هي التي تعيّن الجهة فيه. وهذا المحتمل لا يثبت مدلوله إلا بحجّة وبرهان يرجّح أحد مدلولاته. ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما: إذا حلف لا يأتي امرأته. والإتيان هنا لفظ محتمل. فإذا عنى الجماع فهو مولٍ. وإن قال: لم أعن الجماع، صدّق في القضاء مع يمينه؛ لأنّ الإتيان قد يراد به الجماع، ويراد به الزّيارة أو الضّرب. فكان اللفظ محتملاً. فلا يوجب شيئاً بدون النّيَّة. ومثله: لو حلف لا

стр. 4058

يغشاها، أو لا يقرب فراشها. ومنها: إذا حلف لا يباضعها، فهو مول، ولا يصدّق في القضاء؛ لأنّ ظاهر اللفظ الجماع، فإنّ المباضعة إدخال البضع في البضع. فلا يصدّق في صرف اللفظ عن ظاهره. ومنها: إذا قال لعبده: لا سبيل لي عليك. أو لا ملك لي عليك، أو قد خرجت من ملكي. فلا يعتق بهذه الألفاظ إلا إذا نوى العتق, لأنّها ألفاظ محتملة. ومنها: إذا قال لزوجته في حال المخاصمة: اغربي عن وجهي، لا أرينك في بيت لي. كان هذا طلاقاً. مع أنّ اللفظ وهو قوله: اغربي عن وجهي محتمل، لكن الحال الذي أطلق فيه هذا اللفظ، وقوله: لا أرينّك في بيت لي. يكون حجّة في إرادته الطّلاق، ولو أنكره بعد ذلك لا يقبل منه.

стр. 4059

القاعدتان العشرون والحادية والعشرون بعد الثّلاثمئة [المحتمل] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: المحتمل لا يصلح حجّة للقضاء (١). وفي لفظ: المحتمل لا يكون حجّة ملزمة (٢). ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما: هاتان القاعدتان لهما ارتباط بسابقتيهما، وإن اختلف المدلول. فإنّ هاتين القاعدتين تفيدان أنّ اللفظ المحتمل لا يكون حجّة ملزمة أمام القضاء؛ لأنّ القضاء إنّما يُلزِم بحجّة واضحة لا احتمال فيها. لكن إذا قام الدّليل على أحد وجهي المحتمل وجب العمل به. كما سبق بيانه آنفاً. ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما: عند الشّافعي رحمه الله تعالى: إنّ نكول المدَّعَى عليه عن اليمين لا يكون موجباً للقضاء عليه؛ لأنّ النّكول سكوت في نفسه. والسّكوت محتمل فلا يكون حجّة. ومنها: كتاب القاضي إلى القاضي القياس يأبى جوازه

стр. 4060

للاحتمال، وإنّما جوّز للدّليل والحاجة. ومنها: الشّهادة محتملة؛ لأنّها قول يحتمل الصّدق والكذب، وإنّما جوّزت بالنّصوص التي أمرت بالعمل بالشّهادة تيسيراً وحتى لا تضيع الحقوق. ومنها: حائط بين دارين ادّعاه صاحب كلّ واحد من الدّارين - ولأحدهما جذوع على الحائط - فعند الحنفيّة الحائط لصاحب الجذوع. وأمّا عند الشّافعي ﵀، فلا يقضى لصاحب الجذوع؛ لأنّ صاحب الجذوع لا يستحقّ بوضع الجذوع ترجيحاً - عنده - لأنّ وضع الجذوع محتمل، والله أعلم.

стр. 4061

القاعدتان الثّانية والعشرون والثّالثة والعشرون بعد الثّلاثمئة [المحتمل - المنصوص] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: المحتمل لا يعارض المنصوص (١). ولا يدفع حكمه. وفي لفظ: المحتمل لا يترك الأصل به (٢). ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولها: إذا كان المحتمل لا يثبت إلا بحجّة ولا يجوز العمل به إلا بالنّيَّة المميزة، فهو ضعيف. والمنصوص - أي المقطوع بدلالته - أقوى منه دلالة، و (الضّعيف لا يظهر في مقابلة القوي). ولذلك لا تقع المعارضة بين المحتمل والمنصوص؛ لضعف المحتمل وقوّة المنصوص. ولمّا كان المحتمل لا يعارض المنصوص القوي فهو بالأولى أن لا يرفع ولا يدفع حكماً ثبت بالمنصوص؛ ولأنّ المنصوص أصل والمحتمل فرع، والأصل لا يُتْرك بالفرع. ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما: إذا قال المجاهدون لحربي: آمنّاك على أن تدلّنا على شيء

стр. 4062

أرادوه. فإذا دلّهم كان على أمانه، وأمّا إذا لم يدلّهم فلا يكون ذلك دليلاً على أنّه لا أمان له؛ لأنّ ذلك محتمل. وهم قد نصّوا على أمانه إن دلّهم فقط. والمحتمل لا يعارض المنصوص ولا يرفع حكماء. بخلاف ما لو قال: على أنّي إن لم أدلّكم فلا أمان بيني وبينكم. فحينئذ هذا نصّ صريح يصلح معارضاً لذلك النّصّ. ومنها: إذا قال: ازرع في أرضي طُنّاً من قمحك، على أنّ ما تخرجه الأرض كلّه لي. قالوا: هذا العقد لا يجوز؛ لأنّه دفع الأرض مزارعة بجميع الخارج؛ لأنّ قوله: على أنّ الخارج كلّه لي. محتمل أن يكون المراد الخارج لي عوضاً عن منفعة الأرض، ويجوز أن يكون المراد الخارج لي بحكم استقراض البذر. ومع الاحتمال لا يثبت تمليك البذر منه. فيكون الخارج كلّه لصاحب البذر، وعليه أجر مثل الأرض سواء أخرجت الأرض شيئاً أم لم تخرج.

стр. 4063

القاعدة الرّابعة والعشرون بعد الثّلاثمئة [المحجور] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المحجور عليه بالسّفه كالصّغير في جميع أحكامه (١). إلا في أشياء. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المحجور: اسم مفعول. من حُجر عليه إذا منع من التّصرّف، فالحجر: المنع. والمحجور: ممنوع من التّصرّفات القوليّة في ماله. ويكون الحجر إمّا لصغر وإمّا لسفه. والمراد بالسَّفه: خفّة العقل وسوء التّصرفات في الأموال. أو هو عبارة عن التّصرّف في المال بخلاف مقتضى الشّرع والعقل بالتّبذير فيه والإسراف، مع قيام خفّة العقل (٢). والسّفيه: من ينفق ماله فيما لا ينبغي من وجوه التّبذير، ولا يمكن إصلاحه بالتّمييز والتصرّف فيه بالتّدبير (٣). فمن حجر عليه لسفهه فحكمه حكم الصّغير، فلا بدّ من ولى يلي

стр. 4064

عليه وينفق عليه من ماله. ولا بدّ من إعلام النّاس بالحجر عليه حتى لا يعاملوه. وأمّا تصرّفات المحجور الفعليّة فهو مأخوذ بها سواء كانت من أمور العبادات أو من حقوق العباد. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا تصرّف المحجور فباع أو اشترى فتصرّفه باطل، وعقوده باطلة. ومنها: إذا أقرّ السّفيه على نفسه بمال، فإقراره غير صحيح ولا يعتبر. ومنها: إذا حجر على سفيهة واختلعت من زوجها على مال وقع الخلع وصحّ، ولكن لا يلزمها المال. لأنّها محجورة عن التّصرّف في مالها. ومنها: إذا وقف المحجور عليه بالسّفه ماله أو أرضه فوقفه باطل. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: وكان تصرّف السّفيه كتصرّف العاقل الرّشيد: يجوز للسّفيه أن يتزوّج؛ لأنّ الزّواج من حوائجه الضّروريّة لكن لا يزيد على مهر المثل. ومنها: يجوز للسّفيه أن يطلّق ويعتق ويستولد ويدبر.

стр. 4065

ومنها: تجب عليه الزّكاة في ماله - ويخرجها الولي - ويجب عليه الحجّ والعبادات. ومنها: يصحّ إقراره بالعقوبات. البدنيّة والماليّة. ومنها: تصحّ وصاياه بالقُرَب من الثّلث. ومنها: إنّ الصّبي إذا قَتَل متعمّداً فالدّيّة على عاقلته, لأنّ عمد الصّبي خطأ. لكن المحجور عليه للسّفه إذا قَتَل متعمّداً يقتصّ منه؛ لأنّه بالغ عاقل.
следующие страницы →