القاعدتان الثّانية والعشرون والثّالثة والعشرون بعد الثّلاثمئة [المحتمل - المنصوص]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
المحتمل لا يعارض المنصوص (١). ولا يدفع حكمه.
وفي لفظ: المحتمل لا يترك الأصل به (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولها:
إذا كان المحتمل لا يثبت إلا بحجّة ولا يجوز العمل به إلا بالنّيَّة المميزة، فهو ضعيف. والمنصوص - أي المقطوع بدلالته - أقوى منه دلالة، و (الضّعيف لا يظهر في مقابلة القوي). ولذلك لا تقع المعارضة بين المحتمل والمنصوص؛ لضعف المحتمل وقوّة المنصوص.
ولمّا كان المحتمل لا يعارض المنصوص القوي فهو بالأولى أن لا يرفع ولا يدفع حكماً ثبت بالمنصوص؛ ولأنّ المنصوص أصل والمحتمل فرع، والأصل لا يُتْرك بالفرع.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا قال المجاهدون لحربي: آمنّاك على أن تدلّنا على شيء
стр. 4062
أرادوه. فإذا دلّهم كان على أمانه، وأمّا إذا لم يدلّهم فلا يكون ذلك دليلاً على أنّه لا أمان له؛ لأنّ ذلك محتمل. وهم قد نصّوا على أمانه إن دلّهم فقط. والمحتمل لا يعارض المنصوص ولا يرفع حكماء. بخلاف ما لو قال: على أنّي إن لم أدلّكم فلا أمان بيني وبينكم. فحينئذ هذا نصّ صريح يصلح معارضاً لذلك النّصّ.
ومنها: إذا قال: ازرع في أرضي طُنّاً من قمحك، على أنّ ما تخرجه الأرض كلّه لي. قالوا: هذا العقد لا يجوز؛ لأنّه دفع الأرض مزارعة بجميع الخارج؛ لأنّ قوله: على أنّ الخارج كلّه لي. محتمل أن يكون المراد الخارج لي عوضاً عن منفعة الأرض، ويجوز أن يكون المراد الخارج لي بحكم استقراض البذر. ومع الاحتمال لا يثبت تمليك البذر منه. فيكون الخارج كلّه لصاحب البذر، وعليه أجر مثل الأرض سواء أخرجت الأرض شيئاً أم لم تخرج.
стр. 4063
القاعدة الرّابعة والعشرون بعد الثّلاثمئة [المحجور]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المحجور عليه بالسّفه كالصّغير في جميع أحكامه (١). إلا في أشياء.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المحجور: اسم مفعول. من حُجر عليه إذا منع من التّصرّف، فالحجر: المنع.
والمحجور: ممنوع من التّصرّفات القوليّة في ماله. ويكون الحجر إمّا لصغر وإمّا لسفه. والمراد بالسَّفه: خفّة العقل وسوء التّصرفات في الأموال.
أو هو عبارة عن التّصرّف في المال بخلاف مقتضى الشّرع والعقل بالتّبذير فيه والإسراف، مع قيام خفّة العقل (٢). والسّفيه: من ينفق ماله فيما لا ينبغي من وجوه التّبذير، ولا يمكن إصلاحه بالتّمييز والتصرّف فيه بالتّدبير (٣).
فمن حجر عليه لسفهه فحكمه حكم الصّغير، فلا بدّ من ولى يلي
стр. 4064
عليه وينفق عليه من ماله. ولا بدّ من إعلام النّاس بالحجر عليه حتى لا يعاملوه.
وأمّا تصرّفات المحجور الفعليّة فهو مأخوذ بها سواء كانت من أمور العبادات أو من حقوق العباد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا تصرّف المحجور فباع أو اشترى فتصرّفه باطل، وعقوده باطلة.
ومنها: إذا أقرّ السّفيه على نفسه بمال، فإقراره غير صحيح ولا يعتبر.
ومنها: إذا حجر على سفيهة واختلعت من زوجها على مال وقع الخلع وصحّ، ولكن لا يلزمها المال. لأنّها محجورة عن التّصرّف في مالها.
ومنها: إذا وقف المحجور عليه بالسّفه ماله أو أرضه فوقفه باطل.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: وكان تصرّف السّفيه كتصرّف العاقل الرّشيد:
يجوز للسّفيه أن يتزوّج؛ لأنّ الزّواج من حوائجه الضّروريّة لكن لا يزيد على مهر المثل.
ومنها: يجوز للسّفيه أن يطلّق ويعتق ويستولد ويدبر.
стр. 4065
ومنها: تجب عليه الزّكاة في ماله - ويخرجها الولي - ويجب عليه الحجّ والعبادات.
ومنها: يصحّ إقراره بالعقوبات. البدنيّة والماليّة.
ومنها: تصحّ وصاياه بالقُرَب من الثّلث.
ومنها: إنّ الصّبي إذا قَتَل متعمّداً فالدّيّة على عاقلته, لأنّ عمد الصّبي خطأ. لكن المحجور عليه للسّفه إذا قَتَل متعمّداً يقتصّ منه؛ لأنّه بالغ عاقل.
стр. 4066
القاعدة الخامسة والعشرون بعد الثّلاثمئة [المحرمية]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المحرميّة كما تنافي ابتداء النّكاح تنافي البقاء (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المحرمية: المراد بها ثبوت الحرمة وعدم حلّ النّكاح.
فكما أنّ ثبوت الحرمة بين الرّجل والمرأة تمنع انعقاد النّكاح، فإذا وجدت أسباب التّحريم أثناء النّكاح أبطلته، ومنعت بقاءه واستمراره.
وأسباب التحريم إمّا رضاع وإمّا نسب وإمّا صهر.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا عقد على البنت حرّمت عليه أمّها. حرمة مؤبّدة. وإذا دخل بالأمّ حرمت عليه ابنتها كذلك.
فإذا تزوّج امرأة ثم ماتت ولها أمّ فيحرم عليه الزّواج منها؛ لأنّ حرمة أمّ الزّوجة حرمة مؤبّدة.
ومنها: إذا تزوّج امرأتين إحداهما كبيرة وقد دخل بها والأخرى صغيرة رضيعة، فأرضعت الكبيرة الصّغيرة حرمتا عليه كلتاهما؛ لأنّ الصّغيرة أصبحت بنتاً للكبيرة بالرّضاع، وهو قد دخل بالكبيرة فيبطل عقد الصّغيرة؛ لأنّها أصبحت ابنته بالرّضاع وابنة
стр. 4067
زوجته. ويبطل عقد الكبيرة لأنّها أصبحت أمّاً لزوجته الصّغيرة. والعقد على البنات يحرّم الأمهات.
ومنها: إذا تزوّج ذمّيّ مجوسيّة، صحّ النّكاح بينهما، وإذا أسلم أحدهما وأبى الآخر، فرّق القاضي بينهما؛ لأنّ المجوسيّة لا يجوز أن يتزوّجها مسلم ابتداءً فكذلك بقاءً.
وأمّا إذا أسلمت الزّوجة وأبى الزّوج فيفرّق بينهما؛ لأنّه لا يجوز للمسلمة أن يتزوّجها كافر ابتداءً وكذلك بقاءً.
ومنها: إذا طلّق الذّمّي امرأته ثلاثاً، ثمّ أقام عليها - أي لم يتركها - فرافعته إلى السّلطان فرّق بينهما؛ لأنّهم يعتقدون أنّ الطّلاق مزيل للملك - وإن كانوا لا يعتقدونه محصور العدد، فإمساكه إيّاها بعد التّطليقات الثّلاث ظلم منه.
وهذا ونكاح المحارم سواء؛ لأنّ الثّلاث توجب حرمة المحلّ بخطاب الشّرع.
стр. 4068
القاعدة السّادسة والعشرون بعد الثّلاثمئة [المحظور والكفّارة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المحظور المحض لا يصلح سبباً لإيجاب الكفّارة (١). عند الحنفيّة.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المحظور المحض: هو الحرام الخالص الذي لا تشوبه شائبة تأويل.
فما كان كذلك لا يصلح سبباً موجباً للكفّارة؛ لأنّ الكفارة إنّما شرعت لمحو الذّنب غير المتعمّد، وهذا المحظور أكبر من أن تمحوه الكفّارة.
وهذا مذهب الحنفيّة ورواية عند أحمد ﵀ وهو مذهب مالك أيضاً.
والذي يقول بالكفّارة هو الشّافعي ﵀ ورواية أخرى عند أحمد ﵀ (٢).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
القاتل عمداً عدواناً لا كفّارة عليه؛ لأنّ عمله محظور محض،
стр. 4069
والكفّارة شرعت نصّاً على من قتل خطأ. والقتل العمد من أكبر الكبائر، فلا تمحوه الكفّارة.
ومنها: اليمين الغموس. وهي اليمين التي يحلفها الإنسان وهو كاذب بها عالم بكذبه فيها، وسمّيت غموساً؛ لأنّه تغمس صاحبها في الإثم أو في نار جهنّم نعوذ بالله منها. والصّحيح عند الحنابلة أنّها لا تنعقد ولا كفّارة فيها؛ لأنّها من الكبائر وهي أعظم من أن تكفّر. وفي رواية عند أحمد ﵀ فيها الكفّارة مع الإثم وهو قول الشّافعي ﵀ (١).
стр. 4070
القاعدة السّابعة والعشرون بعد الثّلاثمئة [المالك المخاصم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المخاصم في العين المالك (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المخاصم: مفاعل من خاصم يخاصم، والمخاصمة: مفاعلة وهي المنازعة - ولا تكون إلا بين اثنين أو أكثر.
والأصل فيها: أن يتعلق كلّ واحد بخصم الآخر أي جانبه (٢).
فمن له حقّ المخاصمة والمنازعة في العين إنّما هو مالك العين لا غيره، إلا إذا وكَّل وكيلاً عنه في ذلك، أو كان وليّاً أو ناظراً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
دار ادعاها رجل، وهي بيد آخر. فمدَّعي الملكيّة هو المخاصم فيها، وعليه البيِّنة والمرافعة، ولكن يجوز أن يوكِّل في ذلك.
ومنها: أودع عند شخص وديعة فسرقت. قالوا: إنّ المودَع لا يخاصم، وإنّما يخاصم صاحب الوديعة.
ومنها: المرهون إذا تلف فإنّما يخاصم في دعوى الضّمان والتّعويض الرّاهن المالك للرّهن لا المرتهن.
ومنها: المستعير لا يخاصم كذلك.
стр. 4071
القاعدة الثّامنة والعشرون بعد الثّلاثمئة [المختلف فيه]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المختلف فيه بإمضاء الإِمام باجتهاده يصير كالمتّفق عليه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالإمام: الإِمام الأعظم الحاكم بشرع الله الفقيه في دين الله، أو مَن ولاّه الإِمام أمراً من الأمور، فإذا عُرِض عليه أمر اختلف العلماء فيه فرجّح الإِمام قولاً باجتهاده وحكم فيه فأمضاه، فيصير حكم ذلك كالمتّفق عليه، أي لا يجوز الخلاف فيه بعد ذلك، كما لا يجوز لمن يأتي بعده إلغاءه وإبطاله.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
التّسوية في العطاء - رآها أبو بكر ﵁ فأمضاها - ولمّا جاء عمر ﵁ لم يبطل شيئاً ممّا أعطاه أبو بكر، وإنّما رأى أن يفاضل بين النّاس استئنافاً.
ومنها: اختلف الصّحابة رضوان الله عليهم في الأراضي المغنومة المفتوحة بالقتال، هل تقسم بين الغانمين، أو تبقى وقفاً
стр. 4072
للمسلمين؟ فرأى عمر رضوان الله عليه أن تبقى وقفاً للمسلمين فلا يجوز تغييرها بعد ذلك عن ذلك. ولم يغيّرها أحد بعد عمر ﵁.
ومنها: اختلفوا في بيع الأراضي المغنومة ووضع الخراج عليها إذا ملكها مسلم، فأجاز عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى بيعها وأن يبقى عليها خراجها ولو ملكها مسلم؛ لأنّ الخراج جزية الأرض.
ومنها: لو أنّ الأمير بعد انهزام المشركين نظر إلى قتلى منهم عليهم أسلابهم، وهو لا يدري مَن قتلهم، فقال: مَن أخذ سلب قتيل فهو له، فأخذها قوم، فذلك لهم؛ لأنّ المسلمين لم يأخذوها مع الغنائم، فيكون هذا تنفيلاً بعد الإصابة. ولكن الإِمام أمضاه باجتهاده، فصار كالمتّفق عليه. حتى إذا مات أو عزل أو ولي غيره لم يستردّ من الآخذين شيئاً من ذلك.
стр. 4073
القواعد التّاسعة والعشرون والثّلاثون والحادية والثّلاثون بعد الثّلاثمئة
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة
المخصوص من القياس بالأثر لا يلحق به إلا ما يكون في معناه من كلّ وجه (١).
وفي لفظ: المخصوص من القياس بالنّص لا يلحق به ما ليس في معناه من كلّ وجه (٢).
وفي لفظ: المخصوص من القياس بالنّصّ يلحق به ما يكون في معناه من كلّ وجه (٣).
وفي لفظ أعمّ: المخصوص من القياس بالنّصّ يقاس عليه غيره (٤). عند ابن أبي ليلى.
وفي لفظ مقابل: المخصوص من القياس بالنّصّ لا يقاس عليه غيره (٥).
стр. 4074
وفي لفظ: المخصوص من القياس لا يقاس عليه غيره (١). عند الحنفيّة؛ لأنّ الأصل يعارضه.
أصوليّة فقهيّة [المخصُوص من القياس والقياس عليه]
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
المخصوص من القياس: هو المستثنى بالنّصّ من القواعد العامّة، فما كان كذلك، فهل يجوز أن يقاس عليه غيره أو يلحق به غيره في حكمه؟ خلاف.
عند جمهور الحنفيّة أنّه لا يقاس عليه ولا يلحق به إلا ما كان في معناه من كلّ وجه. وإلا لا يقاس عليه غيره.
ولكن عند ابن أبي ليلى ﵀ في آخرين أنّه يجوز أن يقاس عليه غيره. ولو لم يكن في معناه من كلّ وجه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
العرايا: جمع عرية وهي بيع التّمر بالرّطب على رؤوس النّخل، وهي مخصوصة ومستثناة من القاعدة العامّة في الرّبا وقد جوّزت العرايا للحاجة مع أنّ الرّسول ﷺ نهى عن بيع صاع من الرّطب بصاع من التّمر؛ لوجود التّفاضل بعد يبس الرّطب.
فهل يجوز أن يقاس على العرايا غيرها؟ أجاز بعضهم بيع
стр. 4075
الزّبيب بالعنب؛ لأنّه كالتمر والرّطب من كلّ وجه. ومنع ذلك آخرون وقصروا ذلك على ما ورد فيه النّصّ.
ومنها: نصّ الشّرع على أنّ الإخوة لأم إذا كانوا ذكوراً وإناثاً فهم شركاء في الثّلث. فإذا مات رجل وترك ابنة أخ لأمّ وابن أخت لأمّ فهل ينزلون منزلة أصولهم التي بها يدلون؟ أو يقتصر في النّصّ على مورده؟ في قول عند أبي يوسف ﵀ يقتصر في النّصّ على مورده؛ لأنّه مخصوص من القياس بالنّصّ. وأولاد الأخوة لأمّ ليسوا في معنى الآباء؛ لأنّهم لا يرثون بالفرضيّة شيئاً.
ومنها: أنّ المشتري للجارية المستحقّة يرجع على البائع بالثّمن، ولو استولدها يرجع على البائع بقيمة الولد، وهذا هو المخصوص من القياس باتّفاق الصّحابة.
لكن إذا وطئ المشتري الجارية فيجب عليه مهرها لمستحقّها، ويقضى بها لمستحقّها أيضاً، والمشتري يعود على البائع بالثّمن، لكن لا يعود عليه بالمهر؛ لأنّ المهر إنّما لزمه عوضاً عمّا استوفى بالوطء فلا يرجع ببدله على غيره. ولا يقاس على ولد الجارية المستولدة.
ولكن عند ابن أبي ليلى إنّ المشتري يرجع على البائع بالثّمن وبالمهر وقيمة الولد خلافاً للحنفيّة في المهر.
ومنها: رجل تسحّر في شهر رمضان وقد طلع الفجر - وهو لا يعلم به - فعند الحنفيّة فسد صومه، وعند ابن أبي ليلى صحّ صومه قياساً على النّاسي. وعند الحنفية: إنّ المخطئ ليس كالنّاسي؛ لأنّ
стр. 4076
المخطئ يمكنه الاحتراز على الغلط في الجملة بخلاف النّسيان. ولكن أرى - والله أعلم، أنّ الحق في هذه المسألة مع ابن أبي ليلى بناء على الأصل - وهو بقاء الليل، بخلاف المفطر في آخر النّهار بظنّ أنّ الشّمس قد غابت.
ومنها: إذا تزوّج امرأة على مهر فاسد كالخمر والخنزير - فلها مهر المثل - ثمّ طلّقها قبل الدّخول، فعند الحنفيّة لها المتعة؛ لأنّ مهر المثل لا يتنصّف، ولا يقاس على المهر المسمّى؛ لأنّه ليس مثله من كلّ وجه، وتنصيف المهر المسمّى قبل الدّخول ثابت بالنّصّ مخصوصاً من القياس؛ لأنّ القياس أنّه لا تستحقّ شيئاً؛ لأنّها لم تسلم شيئاً، وعند الشّافعي ﵀ لها نصف مهر المثل.
ومنها: أنّ الإِمام الأوزاعي ﵀ يرى جواز التوضّؤ بسائر الأنبذة بالقياس على نبيذ التّمر. أمّا عند الحنفيّة فلا يجوزون ذلك ويقصرون الجواز على نبيذ التّمر؛ لأنّه مخصوص من القياس بالأثر فلا يقاس عليه غيره.
стр. 4077
القاعدة الثّانية والثّلاثون بعد الثّلاثمئة [المخيَّر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المخيَّر بين الشّيئين إذا أدّى أحدهما تعيّن ذلك من الأصل واجباً (١).
وفي لفظ: المخيّر بين الشّيئين إذا اختار أحدهما تعيَّن ذلك عليه (٢) - أو باختياره (٣).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة لها صلة بالمسألة الأصوليّة، وهي المسمّاة عند الأصوليّين (الواجب المخيّر فيه).
فإذا وجب على إنسان فعل واحد من شيئين أو أكثر، ففعل أحد هذه الأشياء باختياره ورضاه كان ما فعله هو الواجب عليه عيناً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الذي يريد التّكفير عن يمين حنث فيها فعليه أن يفعل أحد ثلاثة أشياء، وهو بالخيار يفعل أيّها شاء. فإذا أعتق عن يمينه كان عتقه هو الكفّارة في حقّه، وكذلك إذا أطعم أو كسا عشرة مساكين. فما يفعله
стр. 4078
يكون هو الواجب في حقّه، وتبرأ ذمّته بفعله.
ومنها: رجل عنده مئتا قفيز حنطة للتّجارة، قيمتها مئتا درهم، فحال عليها الحول، ثمّ رجعت بعد ذلك قيمتها إلى مئة درهم. فإن أراد الزّكاة من العين تصدّق بربع عشرها خمسة أقفزة بالاتّفاق. أمّا إذا أراد الزّكاة عن القيمة فعند أبي حنيفة ﵀ يؤدّي خمسة دراهم، معتبراً وقت وجوب الزّكاة وتعلّقها في ذمّته وهو حولان الحول.
وعند صاحبيه رحمهما الله تعالى: يؤدّي درهمين ونصفاً معتبرين وقت الأداء لا وقت الوجوب. ورأي أبي حنيفة ﵀ هو الأرجح؛ لأنّ الواجب عند حولان الحول إمّا ربع عشر العين، وإمّا ربع عشر القيمة، يتعيّن ذلك باختياره. و (المخيَّر بين الشّيئين إذا أدّى أحدهما تعيّن ذلك عليه).
ومنها: إذا غصب المأذون - عبداً كان أو ابناً - من رجل ألف درهم فقبضها منه رجل آخر فهلكت عنده، ثمّ حضر صاحبها، فاختار ضمان الأجنبي برئ العبد المأذون أو الابن منها؛ لأنّ المغصوب منه كان مخيّراً بين تضمين الغاصب الأوّل أو الثّاني، وكان الواجب هو ما اختاره.
стр. 4079
القاعدة الثّالثة والثّلاثون بعد الثّلاثمئة [التَّلوّم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مدّة التّلوُّم مفوّضة إلى رأي القاضي (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التّلوم: معناه الانتظار. أو تأجيل النّظر في القضيّة. يقال: تلوّم تلوّماً أي تمكَّث. والتّمكّث: التّمهّل.
فالمدّة التي تحتاجها قضيّة ما للتأكّد من صدق المدّعِي أو حضور غائب أو لمصلحة يراها القاضي مفوّضة ومتروكة إلى رأي القاضي بحسب ما يراه مصلحة ومناسباً، وليس لها تقدير في الشّرع. وإنّ كان أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى قدّراها بالحول، ولكن رأي أبي حنيفة هو المعمول به.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
رجل في يديه مال لرجل غائب. فمات الغائب، وجاء رجل وادّعى أنّه ابنه، وصدّقه ذو اليد. فإنِّ القاضي يتلوّم ولا يدفع المال إلى المدّعِي، سواء قال: للميّت وارث آخر أو لم يقل. فإن ظهر وارث آخر، وإلا دفع المال إليه.
وهذا هو المعمول به في القضاء عند الشّكّ في عدد الورثة أو المستحقّين.
стр. 4080
القاعدة الرّابعة والثّلاثون بعد الثّلاثمئة [تكذيب الشّاهد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المدّعِي متى أكذب شاهده في بعض ما شهد له به بطلت شهادته في الكلّ (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأصل أنّ الشّاهد إنّما يشهد ليثبت للمدّعِي الحقّ الذي يدّعيه، ويشترط في الشّهادة أن تطابق الدّعوى من كلّ الوجوه، فإذا شهد الشّهود بالدّعوى ثمّ إنّ المدعي أكذب شاهده أو شهوده في بعض ما شهدوا به له بطلت شهادة الشّاهد أو الشّهود في الكلّ؛ لأنّ الشّهادة إذا بطلت في البعض بطلت في الكلّ (٢).
وإذا بطلت شهادة الشّهود فإمّا أن يأتي المدّعِي بشهود غيرهم، أو توجّه اليمين على المدّعَى عليه. وينظر من قواعد حرف الشّين القاعدة رقم ٦٠.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ادّعى شخص على آخر أنّ له عليه ألفاً، وجاء بشهوده ليشهدوا له بصدق دعواه، فشهد أحد شهوده بأنّ له ألفاً وخمسمئة بطلت
стр. 4081
شهادته في الكلّ. أمّا لو شهد الشّاهد بخمسمئة فإنّ شهادته مقبولة؛ لأنّ الخمسمئة ضمن الألف.
ومنها: رجل ادّعى على آخر نصف دار أو ألف درهم فأنكر المدَعَى عليه، فأتى المدّعِي بشاهدين شهدا له بكلّ الدّار، أو بألفي درهم، لا تقبل هذه الشّهادة, لأنّها زادت زيادة مقداريّة، وقد أكذب المدّعِي شاهده بدعواه الأقل (١).
стр. 4082
القاعدة الخامسة والثّلاثون بعد الثّلاثمئة [مدلول الإقرار]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المدلول عليه بالإقرار كالمنصوص عليه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المدلول عليه بالإقرار: أي ما كان تابعاً للمُقرِّ به، ومن ضروراته، ولا ينفصل عنه، فما كان تابعاً للمُقَرِّ به ومن ضروراته فيعتبر في الحكم كالمنصوص عليه بالإقرار.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
أقرّ له بقفل، فيكون إقراراً أيضاً بمفتاحه، لأنّ القفل لا قيمة له بغير مفتاحه.
ومنها: أقرّ لآخر بنخلة في بستانه. فللمُقَرِّ به النّخلة والأرضُ النّابتةُ فيها.
стр. 4083
القاعدة السّادسة والثّلاثون بعد الثّلاثمئة [المذكور بالمعنى]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المذكور بالمعنى كالمذكور صريحاً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة قريبة المعنى والدّلالة من سابقتها.
والمراد بالمعنى في القاعدة: الكناية، والدّلالة بالضّرورة واللزوم كما سبق. فما ذكر مدلولاً عليه أو مكنّى به فهو كالمذكور صريحاً في إفادة الحكم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا جاءك ضيف وحين استقبلته بالباب قلت له: البيت بيتك. فهذه العبارة تفيد التّصريح بالدّخول وإن لم تصرّح بالدّخول.
ومنها: إذا جاءك من يستشيرك في خاطب لابنته أو وليّته، وكنت تعرف عن الخاطب سوء المعاملة لمن تحت يده، فقلت للمستشير فلان طويل اليد، واللسان. أي أنّه يضرب نساءه ويؤذيهنّ ويشتمهنّ.
стр. 4084
القاعدة السّابعة والثّلاثون بعد الثّلاثمئة [فناء الدّار]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المرء أحقّ بالانتفاع بفناء داره (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
فناء الدّار: السّاحة التي أمامها.
فإذا كان لشخص دار أو دكان فله الانتفاع بالسّاحة التي أمامها، وهو أحقّ بها من غيره، وله أن يمنع غيره من الانتفاع بذلك الفناء وتلك السّاحة - ويقاس على ذلك أنّ ما كان أقرب إلى الأراضي العشرية فهو عشري، وما كان أقرب إلى الأراضي الخراجيّة فهو خراجي, لأنّ (للقرب عبرة). القاعدة رقم ١١ من قواعد حرف اللام.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
رجل له دار أمامها ساحة - غير مملوكة - فهو أحق بها لمربط فرسه ودوابّه، أو إيقاف سيّارته، أو إخراج قمامة بيته، أو تكون ملعباً لأولاده، إذا لم تكن مملوكة لشخص بعينه أو جهة بعينها.
ومنها: له دكان أو متجر أو شركة، وأمامها ساحة غير مملوكة فهو أحقّ بالانتفاع بها من غيره من أصحاب المحال الأخرى المجاورة، فله إيقاف سيّاراته بشرط أن لا يشغل بذلك طريق المسلمين، أو يسبب ضرراً للجيران أو السّائرين.
стр. 4085
القاعدة الثّامنة والثّلاثون بعد الثّلاثمئة [الإقرار حجّة قاصرة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المرء مؤاخذ بإقراره (١).
وفي لفظ: المرء يعامل في حقّ نفسه كما أقرّ به، ولا يصدّق على إبطال حقّ الغير ولا بإلزام الغير حقاً (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
معنى هذه القاعدة سبق في أكثر من موضع، وينظر من قواعد حرف الهمزة قواعد الإقرار. فإقرار الإنسان على نفسه مقبول، وهو مأخوذ بما أقرّ به، ولا يقبل من المقرّ الرّجوع عمّا أقرّ به من حقوق العباد، ولكن إذا كان المُقَرُّ به حقّاً من حقوق الله فيجوز للمقرّ الرّجوع عن إقراره وعدم المؤاخذة به، وإقراره لا يلزم غيره.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
أقرّ على نفسه لفلان بألف. فهو مأخوذ بها إذا طالبه الدّائن.
ومنها: أقرّ على نفسه بقتل فلان. وفلان وجد مقتولاً فعلاً، ولم يعرف له قاتل، فهو مأخوذ بإقراره. فإن كان قتله عمداً عدواناً، فلولي القتيل المطالبة بالقصاص، وإن كان قتله خطأ فالدّية على عاقلته.
стр. 4086
ومنها: إذا أقرّ بالزّنا أو شرب الخمر. ولكن لمّا أريد إقامة الحدّ عليه أنكر أو هرب، فلا يحدّ. إذ يعتبر ذلك رجوعاً عن إقراره. ولمّا كان ذلك من حقوق الله تعالى فهو غير مؤاخذ بما أقرّ به بعد رجوعه.
بخلاف ما لو قامت عليه البيِّنة بذلك.
стр. 4087
القاعدة التّاسعة والثّلاثون بعد الثّلاثمئة [المرأة والزّوج]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المرأة تابعة لزوجها (١). أو للزّوج في المقام (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المرأة باعتبارها أنثى ضعيفة، فهي تابعة غير متبوعة. فإن كانت بنتاً فهي تابعة لأبيها صغيرة أو كبيرة لم تتزوّج. والأخت إذا لم تتزوّج فهي تابعة لأخيها، والأم تابعة لأبنائها الكبار.
وعلى ذلك فالزّوجة تابعة لزوجها، وهذا مدلول هاتين القاعدتين.
والقاعدة في ذلك: أنّ من وجبت عليه نفقة المرأة ورعايتها فهو وليّها وهي تابعة له. فالمرأة المتزوّجة تابعة لزوجها لوجوب قوامتها عليه، فعليها أن تتبعه في أي مكان يقيم فيه؛ لأنّ نفقتها واجبة عليه، وهو مسؤول عنها أمام الله وأمام النّاس.
ومفهوم ذلك أنّ الزّوج لا يكون تابعاً لزوجته.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا جاء حربي وطلب أن يكون ذمّة لنا، وأعطيناه ذلك فإنّ زوجته تعتبر ذمّيّة كذلك، وكذلك أولاده الصّغار.
стр. 4088
ومنها: لو أنّ مسلماً في دار الحرب تزوّج منهم كتابيّة وأخرجها إلى دار الإِسلام فهي حرّة، ولا يمكنها الرّجوع بعد ذلك إلى دار الحرب لقيام النّكاح بينها وبين المسلم. وتعتبر ذمّيّة.
ومنها: إذا مستأمنة في دار الإِسلام تزوّجت مسلماً صارت ذمّيّة.
ومنها: لو أنّ ذمّيّاً دخل دار الحرب بأمان فتزوّج منهم امرأة أخرجها مع نفسه بعد ما استأمن المسلمين عليها، فهي حرّة ذمّيّة، ولا ترجع إلى دار الحرب.
стр. 4089
القاعدة الأربعون بعد الثّلاثمئة [المرارة والجرَّة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مرارة كلّ شيء كبوله، وجرَّة البعير كسرقينه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تبيّن حكم بعض ما يوجد في بعض الحيوانات من السّوائل، وذلك من حيث الطّهارة والنّجاسة.
البول يختلف حكمه تبعاً للحيوان البائل. فإن كان الحيوان البائل حيواناً مأكول اللحم فإنّ بوله عند كثير من العلماء طاهر لطهارة لحمه. وهناك من يرى نجاسة كلّ بول سواء كان من حيوان مأكول اللحم أو غير مأكول، وهو مذهب أبي حنيفة ﵀.
والسّرقين: هو السرجين - وأصلها كلمة أعجمية سركين. أو هو الزّبل، أو ما يخرج من الحيوان وهو الرّوث والبعر. كالغائط للإنسان.
وهذا مختلف أيضاً في طهارته ونجاسته.
والمرارة: حويصلة لاصقة بالكبد تفرز مادة صفراوية شديدة المرارة.
стр. 4090
الجِرَّة: بالكسر لذي الخف والظّلف كالمعدة للإنسان. وقال الأزهري (١): الجرَّة ما تخرجه الإبل من كروشها فتجترّه، فالجرَّة في الأصل المعدة، ثمّ توسّعوا فيها حتى أطلقوها على ما في المعدة. المصباح مادة جررت.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
المرارة من الحيوان حكمها حكم بول هذا الحيوان، فإن حُكِم بطهارة بوله، كانت مرارته طاهرة. وإن حُكِم بنجاسة بوله كانت مرارته نجسة.
ومنها: جرَّة البعير، وهي إعادة الطّعام إلى فم الحيوان المجتر ومضغه ثانية فهذه أيضاً من حكم بطهارة روث البعير حكم بطهارتها. وحكم بنجاستها من حكم بنجاسة بعر البعير وسرقينه.
ومنها: إذا أدخل في إُصبعه المجروح مرارة مأكول اللحم، يكره عند أبي حنيفة ﵀ لأنّه لا يبيح التّداوي ببوله. وأباحه أبو يوسف ﵀، وعند محمَّد ﵀ إنّ مرارة مأكول اللحم طاهرة لطهارة بوله عنده، وهو كذلك عند الحنابلة.
стр. 4091
القاعدة الحادية والأربعون بعد الثّلاثمئة [الحقّ والحقيقة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مراعاة الحقيقة أولى من مراعاة الحقّ.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحقّ: من معانيه: ضدّ الباطل. يقال: هذا حقّ، وهذا باطل. ويقال. حقّ الأمر إذا صحّ وثبت.
والحقيقة: من معانيها: منتهى الشّيء وأصله المشتمل عليه.
فمفاد القاعدة: أنّه عند التّعارض بين الحقيقة والحقّ فإنّ المحافظة على الحقيقة ومراعاتها أولى من الحفاظ على الحقّ ومراعاته؛ لأنّه لا نُثبت الحقّ يقيناً إلا إذا عرفنا أصل الشّيء وما يشتمل عليه وعرفنا نهايته ومنتهاه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
اختلفا في عقد من العقود - كعقد بيع مثلاً - هل هو صحيح أو فاسد، فلا بدّ لكي نعرف الحكم فيه قطعاً أو ظنّاً غالباً أن نعرف أصل العقد وما اشتمل عليه من أركان وشروط، ثمّ بعد ذلك نحكم عليه بالصّحّة أو البطلان.
ومنها: إذا ادّعى شخص على آخر أنّه قتل وليَّه، فقبل أن يبحث الحاكم أو القاضي فيما يجب على القاتل، عليه أن يبحث عن حقيقة
стр. 4092
الدّعوى من حيث صدق المُخبر أو كذبه، ثم من حيث أسباب القتل ودوافعه من حيث كونه عمداً عدواناً أو خطأً، ومن حيث كون المقتول مستحقّاً للقتل أو غير مستحقّ له، وغير ذلك من التفصيلات ثمّ بعد أن يستيقن من حقيقة الأمر وتتّضح الصّورة كاملة عليه أن يبحث بعد ذلك عن الحقّ الواجب لهذه الحادثة. والله أعلم.
стр. 4093
القاعدة الثّانية والأربعون بعد الثّلاثمئة [الحكمة والوصف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مراعاة الحكمة مع وجود الوصف، الأكثر اعتبارها (١). أصوليّة فقهيّة
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
مراعاة الحكمة: أي اعتبارها.
الحكمة: المراد بها علّة العلّة. أي سرّ التّشريع والوصف الذي لأجله شُرِع الحكم كالمشقّة مع السّفر أو المرض. فإذا وجد الوصف المناسب لتشريع الحكم - وهو العلّة - فإن مراعاة الحكمة وملاحظتها فعند الأكثرين اعتبارها، وإن كان يجوز الاكتفاء بكون الوصف مظنّة وجود الحكمة. وإن لم توجد أو تُراعَ.
وليس المراد باعتبار الحكمة جواز القياس عليها دون العلّة، فعند جمهور الأصوليّين أن الحكمة لا تصلح جامعاً بين الأصل والفرع لعدم انضباطها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
السّفر مع عدم وجود المشقّة كسفر المترفين في الطّائرات وغيرها يبيح القصر ويبيح الفطر في رمضان، ومسحّ الخفّ ثلاثة أيّام. وإن لم
стр. 4094
تتحقّق الحكمة، ولكن لمّا كان السّفر مظنّة المشقّة اعتبر في التّرخّص.
ومنها: إثبات الشفعَة للشّريك لمظنّة الضّرر في المستقبل.
ومنها: حرمان القاتل من الإرث إذا كان القتل عمداً عدواناً لمظنّة التّهمة، وقد يكون قتله ليس لاستعجاله الميراث.
ومنها: العقل جعل مناط التّكاليف. فضبطه الشّارع بأن جعله منوطاً بالبلوغ.
стр. 4095
القاعدة الثّالثة والأربعون بعد الثّلاثمئة [الخلاف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مراعاة الخلاف (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
مراعاة الخلاف: أي ملاحظته وأخذه بعين الاعتبار للخروج عنه، من راعيت الأمر: نظرت في عاقبته (٢).
والخلاف: المراد به المسائل الخلافيّة بين الأئمة - وهي المسائل الاجتهاديّة. فالفقيه عليه أن يراعي ويلاحظ الخلاف بين الأئمة في المسألة المعروضة عليه ويأخذ بالأحوط لدينه. وذلك إذا كان دليل الخصم معتبراً.
أمّا لو كان دليل الخصم غير معتبر لضعفه، فخلافه غير معتبر.
ومراعاة الخلاف مسألة خلافيّة: اعتبرها قوم ولم يعتبرها آخرون.
وقال المالكيّة في تعريفه: هو إعمال المجتهد لدليل خصمه - أي المجتهد المخالف له - في لازم مدلوله الذي أعمل في عكسه دليلاً آخر.
وعند الحنفيّة: يندب الخروج من الخلاف. بشرط عدم لزوم
стр. 4096
ارتكاب المكروه في المذهب الحنفي والمراد "المكروه تحريماً" (١).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
نكاح الشّغار: حيث إنّ مالكاً ﵀ أعمل دليل خصمه القائل بعدم فسخ نكاح الشّغار في لازم مدلوله الذي هو ثبوت الإرث بين الزّوجين المتزوّجين بالشّغار، إذا مات أحدهما. وهذا المدلول هو عدم الفسخ، أعمل مالك ﵀ في نقيضه وهو الفسخ دليلاً آخر. فمذهب مالك ﵀: وجوب فسخ نكاح الشّغار، وثبوت الإرث بين المتزوّجين به إذا مات أحدهما قبل الفسخ (٢).
ومنها: يندب الوضوء من مسّ المرأة عند الحنفيّة خروجاً من الخلاف.
стр. 4097
القاعدة الرّابعة والأربعون بعد الثّلاثمئة [مراعاة المعاني]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مراعاة المعاني في باب العبادات أبين من مراعاة الصّور (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المعاني: جمع معنى، والمراد به هنا الحكمة من مشروعيّة العبادة، فمراعاة وملاحظة الحكمة في باب العبادات من صلاة وصوم وزكاة وحجّ أولى وأظهر من مراعاة وملاحظة الصّور الظّاهرة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الصّائم إذا تمضمض أو استنشق فبالغ في مضمته أو استنشاقه فدخل الماء حلقه، فعند الحنفيّة فسد صومه وعليه القضاء؛ للنّهي الوارد عن المبالغة في ذلك للصّائم، ولأنّ ركن الصّوم قد انعدم مع عذر الخطأ، وأداء العبادة بدون ركنها لا يتصوّر. وركن الصّوم الابتعاد عن المفسد من أكل أو شرب أو جماع.
والشّافعي ﵀ لا يرى قضاء على الصّائم بسبب الخطأ.
ومنها: عند الحنفيّة: إذا جامع رجل زوجته في نهار يوم من أيّام رمضان ثم حاضت المرأة ومرض الرّجل فلا كفّارة عليهما لوجود
стр. 4098
الصّورة المبيحة للفطر مع اقترانها بالسّبب وهو الحيض والمرض، ولأنّه ظهر أنّ صوم هذا اليوم غير مستحقّ عليهما.
وعند ابن أبي ليلى لا تسقط الكفّارة عنهما، وهو قول الشّافعي ﵀.
ومنها: صلاة الخوف شرعت بصور مختلفة عن صلاة الأمن، فدلّ ذلك على أنّ الشّارع الحكيم إنّما ينظر إلى قلوب العباد وطاعتهم وإخلاصهم وخضوعهم له ولا ينظر إلى صور العبادة في ذاتها. ولكن مع ذلك فصور العبادة مطلوبة نصّاً.
стр. 4099
القاعدة الخامسة والأربعون بعد الثّلاثمئة [معرفة العيوب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المرجع في معرفة العيوب إلى عرف التّجار، وفي كلّ شيء يرجع إلى أهل تلك الصّفة، فما يعدونه عيباً يردّ به (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالعيوب هنا: هي العيوب التي يستحقّ المبيع الردّ بسببها.
فالسّلع والبضائع قد يُطَّلع فيها على عيوب توجب ردّها إلى البائعين، وذلك بعد استلام المشتري لها. وقد يكون البائع قد دلّسها على المشتري وأخفاها وقد لا يكون على علم بها.
لكن كيف يُعرف العيب الذي يوجب الرّدّ من العيب الذي لا يوجبه؟
مفاد هذه القاعدة: أنّ معرفة هذه العيوب يرجع فيها إلى أهلها وخبرائها وأهل الذكر فيها، فما يعدّه أهلها عيباً يعتبر وتردّ به السّلعة، وما لا يعتبرونه عيباً لا تردّ به السّلعة، ولا يستحقّ المشتري أرش النّقصان عند عدم الرّدّ.
стр. 4100
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
اشترى حيواناً جملاً أو بقرة أو شاة أو حصاناً، ثم وجد به عيباً، فإنّما يسأل عن هذا العيب وهل يوجب الرّدّ أهل الخبرة في هذه الحيوانات كالأطباء البيطريين أو سوّاس الخيل ومربّيها أو أهل الإبل والبقر والشّياه.
ومنها: إذا اشترى آلة كهربائية، ثم وجد فيها عيباً، فإنّما يرجع في معرفة هذا العيب ودرجته إلى أهل الصنعة من المهندسين الكهربائيين وأمثالهم.
ومنها: إذا اشترى سيّارة ثم وجد فيها عيباً بعد استعمالها أو عند تجربتها بعد شرائها، فكذلك إنّما يرجع في تقدير العيب إلى أهل الصّنعة من الميكانيكيين وأشباههم.