ارتكاب المكروه في المذهب الحنفي والمراد "المكروه تحريماً" (١).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
نكاح الشّغار: حيث إنّ مالكاً ﵀ أعمل دليل خصمه القائل بعدم فسخ نكاح الشّغار في لازم مدلوله الذي هو ثبوت الإرث بين الزّوجين المتزوّجين بالشّغار، إذا مات أحدهما. وهذا المدلول هو عدم الفسخ، أعمل مالك ﵀ في نقيضه وهو الفسخ دليلاً آخر. فمذهب مالك ﵀: وجوب فسخ نكاح الشّغار، وثبوت الإرث بين المتزوّجين به إذا مات أحدهما قبل الفسخ (٢).
ومنها: يندب الوضوء من مسّ المرأة عند الحنفيّة خروجاً من الخلاف.
стр. 4097
القاعدة الرّابعة والأربعون بعد الثّلاثمئة [مراعاة المعاني]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مراعاة المعاني في باب العبادات أبين من مراعاة الصّور (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المعاني: جمع معنى، والمراد به هنا الحكمة من مشروعيّة العبادة، فمراعاة وملاحظة الحكمة في باب العبادات من صلاة وصوم وزكاة وحجّ أولى وأظهر من مراعاة وملاحظة الصّور الظّاهرة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الصّائم إذا تمضمض أو استنشق فبالغ في مضمته أو استنشاقه فدخل الماء حلقه، فعند الحنفيّة فسد صومه وعليه القضاء؛ للنّهي الوارد عن المبالغة في ذلك للصّائم، ولأنّ ركن الصّوم قد انعدم مع عذر الخطأ، وأداء العبادة بدون ركنها لا يتصوّر. وركن الصّوم الابتعاد عن المفسد من أكل أو شرب أو جماع.
والشّافعي ﵀ لا يرى قضاء على الصّائم بسبب الخطأ.
ومنها: عند الحنفيّة: إذا جامع رجل زوجته في نهار يوم من أيّام رمضان ثم حاضت المرأة ومرض الرّجل فلا كفّارة عليهما لوجود
стр. 4098
الصّورة المبيحة للفطر مع اقترانها بالسّبب وهو الحيض والمرض، ولأنّه ظهر أنّ صوم هذا اليوم غير مستحقّ عليهما.
وعند ابن أبي ليلى لا تسقط الكفّارة عنهما، وهو قول الشّافعي ﵀.
ومنها: صلاة الخوف شرعت بصور مختلفة عن صلاة الأمن، فدلّ ذلك على أنّ الشّارع الحكيم إنّما ينظر إلى قلوب العباد وطاعتهم وإخلاصهم وخضوعهم له ولا ينظر إلى صور العبادة في ذاتها. ولكن مع ذلك فصور العبادة مطلوبة نصّاً.
стр. 4099
القاعدة الخامسة والأربعون بعد الثّلاثمئة [معرفة العيوب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المرجع في معرفة العيوب إلى عرف التّجار، وفي كلّ شيء يرجع إلى أهل تلك الصّفة، فما يعدونه عيباً يردّ به (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالعيوب هنا: هي العيوب التي يستحقّ المبيع الردّ بسببها.
فالسّلع والبضائع قد يُطَّلع فيها على عيوب توجب ردّها إلى البائعين، وذلك بعد استلام المشتري لها. وقد يكون البائع قد دلّسها على المشتري وأخفاها وقد لا يكون على علم بها.
لكن كيف يُعرف العيب الذي يوجب الرّدّ من العيب الذي لا يوجبه؟
مفاد هذه القاعدة: أنّ معرفة هذه العيوب يرجع فيها إلى أهلها وخبرائها وأهل الذكر فيها، فما يعدّه أهلها عيباً يعتبر وتردّ به السّلعة، وما لا يعتبرونه عيباً لا تردّ به السّلعة، ولا يستحقّ المشتري أرش النّقصان عند عدم الرّدّ.
стр. 4100
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
اشترى حيواناً جملاً أو بقرة أو شاة أو حصاناً، ثم وجد به عيباً، فإنّما يسأل عن هذا العيب وهل يوجب الرّدّ أهل الخبرة في هذه الحيوانات كالأطباء البيطريين أو سوّاس الخيل ومربّيها أو أهل الإبل والبقر والشّياه.
ومنها: إذا اشترى آلة كهربائية، ثم وجد فيها عيباً، فإنّما يرجع في معرفة هذا العيب ودرجته إلى أهل الصنعة من المهندسين الكهربائيين وأمثالهم.
ومنها: إذا اشترى سيّارة ثم وجد فيها عيباً بعد استعمالها أو عند تجربتها بعد شرائها، فكذلك إنّما يرجع في تقدير العيب إلى أهل الصّنعة من الميكانيكيين وأشباههم.
стр. 4101
القاعدة السّادسة والأربعون بعد الثّلاثمئة [المرسل والمسند]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المرسل كالمسند في الاحتجاج (١). أصوليّة
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المرسل من الأحاديث: ما يرويه التّابعي ولم يذكر فيه الصّحابي إذ يقول: قال رسول الله ﷺ .
والمسند: ما اتّصل إسناده، ولم يسقط منه راويه من الصّحابة بأن يقول التّابعي: - مثلاً - قال أبو هريرة ﵁، قال رسول الله صلّى عليه وسلم. ومسألة الاستدلال بالمرسل مسألة خلافية بين الأئمة. وأمّا عند أبي حنيفة ﵀ فإنّ المرسل يحتجّ به كالاحتجاج بالحديث المسند، إذ هو - أي المرسل - مقبول من الثّقات فمرسله كمسنده، لكن لا يقبل ممّن يعلم إرساله على الثّقات وغيرهم.
وقالوا: أصحّ المراسيل: مراسيل سعيد بن المسيب. كما يقول يحيى بن معين ﵀ (٢).
стр. 4102
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ما أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب البيوع قال:
حدثني محمَّد بن رافع (١)، حدثنا حجين (٢)، حدثنا الليث (٣) عن عقيل (٤) عن ابن شهاب (٥) عن سعيد بن المسيب أنّ رسول الله ﷺ "نهى عن المزابنة" (٦).
стр. 4103
القاعدة السّابعة والأربعون بعد الثّلاثمئة [المزاح - الهبة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المزاح في الهبة جدّ إذا اتّصل القبض (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تفيد نوعاً من المعاملة بين النّاس، وأنّه يستوي الهزل والجدّ فيها إذا استوفت شروطها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
المزاح - الهزل في عقد الهبة كالجدّ في حكمه إذا اتّصل به قبض الموهوب له الهبة. فإذا قبض الموهوب له الهبة ولو كانت الهبة هزلاً فقد ملكها وله حقّ التّصرّف فيها، فإذا تصرّف فيها تصرّفاً يغيرها فلا حقّ للواهب الرّجوع فيها.
ومنها: الهدية تأخذ حكم الهبة في ذلك.
ومنها: عقد البيع ولو هازلين إذا اتّصل به قبض الثّمن وقبض المبيع انقلب جدّاً، بطريق الأولى.
стр. 4104
القاعدة الثّامنة والأربعون بعد الثّلاثمئة [مسائل الاجتهاد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مسائل الاجتهاد مظنونة، فلا يقطع ببطلان مذهب المخالف (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة فيها ردّ على المقلّدين المتعصّبين لمذاهب من قلّدوهم، إذ يعتقدون أنّ مذهب إمامهم هو الصّواب، ومذهب غيرهم هو الخطأ.
ولكنّ الحقّ أنّ المسائل الفقهيّة الاجتهادية التي اختلفت فيها أنظار الفقهاء ليست مقطوعاً بصحّة ما ذهب إليه المجتهدون، ولا بخطأ ما ذهبوا إليه فيها؛ لأنّها مسائل مظنونة بنيت على الظّنّ، والظّنّ قد يخطئ وقد يصيب.
وبناء على ذلك لا يجوز لأحد أن يقطع ويجزم ببطلان مذهب مخالفه في مسألة ما، ولا يقطع بصحّة مذهب مقلِّده، بل هو يقلّد بناء على غلبة ظنّه أنّ هذا صواب، ولكن قد يحتمل الخطأ، والمجتهد مأجور على كلّ حال. ولا يقطع ببطلان اجتهاد مجتهد إلا عند مخالفة اجتهاده للنّصوص المقطوعة أو القواعد الشّرعيّة العامّة أو الإجماع، أو
стр. 4105
اتّبع طريق اجتهاد غير صحيح.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
اختلفوا في نيّة التّيمّم - مع اتّفاقهم على وجوبها - هل يجب تعيين الفرض الذي سيصليه بالتّيمّم، أو لا يشترط ذلك بل تكفي نيّة التّيمّم المطلقة لاستباحة العبادة. أو ما يستباح بالطّهارة؟ خلاف بين الأئمة.
فلا يجوز القطع بصحّة مذهب ولا ببطلان المذهب الآخر. ولكن مَن قلّد إماماً فعليه اتّباعه، إلا إذا كان قادراً على النّظر والتّرجيح ونظر في دليل الخصم فرجّحه فعليه العمل به.
ومنها: صلاة الجنازة اختلفوا هل تقرأ فيها الفاتحة أو لا تقرأ.
ومنها: ثبوت الشّفعة للجار الملاصق، اختلف فيها كذلك.
стр. 4106
القاعدة التّاسعة والأربعون بعد الثّلاثمئة [المساجد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المساجد لله بمنزلة الكعبة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المساجد أماكن الصّلوات في الإسلام، فهي بيوت الله التي أذن أن ترفع ويذكر فيها اسمه، فهي في الحرمة ووجوب الاحترام والعناية والتّطهير والدّفاع عنها بمنزلة الكعبة المشرّفة.
ولذلك كانت المساجد محرزة عن حقوق العباد وخالصة لله تعالى.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
لا يجوز أن يدخل الجنب المسجد كما لا يجو ز له أن يدخل الكعبة.
ومنها: لا يجوز أن يطأ الرّجل في المسجد زوجته.
ومنها: كما لا يجوز أن يقضي فيها حاجته من بول أو غائط.
ومنها: الكنائس والبيع وبيوت النّيران لا حرمة لها، فإذا دخل المسلمون أرض الحرب بغير أمان فلا بأس بتخريب هذه الكنائس والبيع
стр. 4107
وبيوت النّيران وتحريقها وقضاء الحاجة فيها، وكذلك وطء الجواري فيها؛ لأنّها بمنزلة غيرها من مساكنهم، بل هي أهون على المسلمين من المساكن لكثرة ما يعصى الله تعالى فيها.
وهذا بخلاف المساجد فلا يجوز فيها شيء من ذلك.
стр. 4108
القاعدة الخمسون بعد الثّلاثمئة [المساواة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المساواة أصل في الشّرع (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المساواة بين النّاس فيما لهم وعليهم أصل من أصول الشّرع عظيم، فلا فضل في الإِسلام لغني على فقير، ولا لعظيم على حقير، ولا لأمير على مأمور، ولا لرجل على امرأة إلا بما فضّل الله ، ولكن فيما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات هم متساوون أمام شرع الله. والتّفاضل فيما بينهم إنّما يكون بتقوى الله وطاعته، والورع والبعد عن محارم الله، وفعل ما أمر الله به، ورسوله ﷺ . ودليل هذه القاعدة من الكتاب قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٢) والأخوة تقتضي المساواة.
ومن الحديث قوله ﷺ : "المسلمون تتكافؤ دماؤهم" (٣) الحديث.
стр. 4109
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
توفي رجل وترك ورثة ذكوراً وإناثاً، فقسمة الميراث بينهم على ما قسم الله : ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، ولا يجوز تفضيل ذكر أو أنثى على آخر مثله وفي رتبته بحجّة أنّه أكبر منه، أو كان بارّاً بمورثه أكثر منه، أو غير ذلك من الأسباب، فالبارّ والعاقّ في الميراث سواء، وثواب البرّ وعقوبة العقوق عند الله سبحانه. والصّغير والكبير في ذلك سواء، والعاقل والمجنون في ذلك سواء.
ومنها: الزّاني يقام عليه حدّ الشّرع إذا استوفى شروطه، وسواء في ذلك إذا كان الزّاني غنياً أو فقيراً عظيماً أو حقيراً.
ومنها: السّارق تقطع يده إذا استوفي الشّروط سواء كان شريفاً أو وضيعاً ذكراً أم أنثى.
ومنها: القاتل المتعمّد المتعدّي يقتصّ منه سواء أكان المقتول غنيّاً أم فقيراً عظيماً أم حقيراً، وسواء أكان القاتل ملكاً أم أميراً والمقتول صعلوكاً أم خفيراً.
стр. 4110
القاعدتان الحادية والخمسون والثّانية والخمسون بعد الثّلاثمئة [المساواة - الإضافة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
المساواة في الإضافة تقتضي التّوزع على سبيل التّساوي (١).
وفي لفظ: مطلق الإضافة يقتضي المناصفة (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
الإضافة: هي الإسناد، من أضافه إذا أسنده. والمراد بالإضافة هنا أعمّ ممّا يراد عند النّحاة، إذ تشمل هنا إلى جانب المعنى النّحوي للإضافة العطف؛ لأنّ المعطوف مع المعطوف عليه بمنزلة المضاف مع المضاف إليه، وتشتمل غير ذلك ممّا يفيد وقوع المشاركة بين الأشخاص أو بين الأشياء.
فإذا تساوى شيئان تسوية مطلقة فذلك يقتضى المناصفة عند القسمة، أو الاستحقاق.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
أقرّ شخص أنّ المال الذي في يده مضاربة لفلان وفلان،
стр. 4111
وصدَّقاه. فهو بينهما نصفان. فالإضافة هنا عبارة عن العطف بالواو.
ومنها: قال: له على مئتا مثقال ذهباً وفضة، فعليه من كلٍّ مئة مثقال. والإضافة هنا شاملة للإضافة النّحويّة والعطف بالواو.
ومنها: إذا قال: له عليَّ طن من حنطة وشعير وسمسم , فعليه من كلّ جنس الثّلث.
ومنها: إذا أوصى لقرابته من الأب والأم. فلكلٍّ نصفٌ.
стр. 4112
القاعدة الثّالثة والخمسون بعد الثّلاثمئة [المساواة - الاستحقاق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المساواة في سبب الاستحقاق توجب المساواة في الاستحقاق (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
للاستحقاق أسباب توجبه، فإذا تساوى شخصان أو أشخاص في سبب موجب للاستحقاق فيقتضي ذلك ويوجب المساواة بينهما أو بينهم في ذات المستحّقّ، حيث لا تفاضل بين المستحقّين بالسّبب الواحد؛ لأنّه يكون ترجيحاً بينهم بدون مرجّح وذلك لا يجوز.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الوارثون من مورث واحد - ذكوراً كانوا أو إناثاً - يستحقّون أنصبتهم من الميراث بالتّساوي للذّكر مثل حظّ الأنثيين، فلا يفضل كبير على صغير، ولا بارّ على عاقّ ولا تقي على فاسق؛ لأنّ سبب الاستحقاق واحد، وهو صلتهم بالمورث.
ومنها: إذا كان لرجل أربع نسوة، فعند موته كلّ واحدة منهنّ تستحقّ رُبُع الثّمن، إن كان له ولد، أو ربع الرّبع إن لم يكن له ولد. ولا تفاضل بين قديمة وجديدة، أو بين جميلة وقبيحة منهنّ.
стр. 4113
ومنها: إذا تنازع اثنان داراً أو أرضاً أو دابّة وكلّ واحد منهما يدّعي أنّها في يده وأقام كلّ منهما البيّنة أنّها في يده، فإنّ القاضي يجعل لكلّ يد نصفها؛ لتعارض البيّنتين وتساويهما، فيقضي لكلّ واحد منهما بالنّصف منها - أي بالمشاركة فيها.
ومنها: دار في يد رجل ادّعاها آخر أنّها له أجرها من ذي اليد، وادّعى آخر أنّها له أودعها إيّاه. وأقام كلّ واحد منهما البيّنة، قضى بينهما بالمناصفة؛ لأنّ كلّ واحد منهما أثبت ببيّنته أنّ وصولها إلى ذي اليد من جهته، فتتحقّق المساواة بينهما في سبب الاستحقاق.
стр. 4114
القاعدة الرّابعة والخمسون بعد الثّلاثمئة [المسبّب وتضمينه]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المسبِّب إذا لم يكن متعدّياً يكون ضامناً (١).
وفي لفظ: المسبِّب إذا لم يكن متعدّياً في التّسبّب لا يكون ضامناً (٢).
وفي لفظ سبق قريباً: المتسبّب -
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق لهذه القاعدة أمثال.
والمسبب: هو صاحب السّبب، وهو غير المباشر للفعل، وقد سبق بيان أنّ المسبّب لا يضمن ما يهلك أو يتلف أو يتضرّر بسببه إلا إذا كانت متعدّياً، لكن إذا كان غير متعدّ فهو لا يضمن عند جمهور الحنفيّة خلافاً لمحمد بن الحسن الذي يرى تضمينه على كلّ حال. إذا لم يعترض مباشر.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حفر بئراً في الصّحراء - في غير طريق السّائرين - فلا ضمان عليه فيما يقع فيها من إنسان أو دابّة؛ لأنّه غير متعدّ بالحفر، بل
стр. 4115
له البئر وحريمها.
لكن إذا حفر في الطّريق العام فهو ضامن لما يقع فيها؛ لأنّ الحقّ في ذلك الموضع للعامّة. لكن إذا كان الحفر بإذن من الجهة المسؤولة، وعمل الاحتياطات المطلوبة فهو غير ضامن لما يقع فيها. عند غير محمَّد بن الحسن ﵀.
стр. 4116
القاعدة الخامسة والخمسون بعد الثّلاثمئة [معاملة المستأمن]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المستأمن لا يطالب بموجب المعاملة الموجودة منه في دار الحرب، وهو مطالب بموجب المعاملة الموجودة منه في دار الإِسلام (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المستأمن: إنسان حربي، أي قدم من دار الحرب - أي دار وبلاد الكفرة المحاربين للإسلام وأهله، وطلب الأمان نفسه لكي يدخل دار الإسلام لغرض كالتّجارة أو الزّيارة، أو غير ذلك من الأسباب، فهذا الشّخص لا يعامل فيما وقع منه من مخالفات أو إساءات في دار الحرب؛ لأنّه في تلك الحال غير خاضع لحكم الإسلام، لكنه مطالب بموجب المعاملة الموجودة منه في دار الإسلام، فإذا فعل ما يوجب العقوبة، أو يوجب حكماً شرعيّاً يعاقب ويعامل بحسب جرمه وتصرّفه كما يعاقب الذّمّي ويعامل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا دخل زوجان حربيان دار الإسلام، بأمان، أو دخل أحدهما قبل صاحبه، ثم أساءت المرأة، فللزّوج أن يرجع إلى دار الحرب دونها. فإن تزوّجها في دار الإسلام فلها أن تمنعه من الرّجوع حتى
стр. 4117
يوفيها مهرها. وإن كان تزوّجها في دار الحرب فليس لها ذلك؛ لأنّ وجوب الصّداق بعقد النّكاح، فإذا كان أصل العقد في دار الحرب فليس لها أن تطالبه بموجبه في دار الإِسلام.
ومنها: إذا أسلم الزّوج وهي كتابيّة، ثم أنكرت أصل النّكاح بينهما، فأقام الزّوج البيّنة - من المسلمين أو من أهل الذّمّة - على أصل النّكاح، أو على إقرارها به في دار الحرب لم يلتفت القاضي إلى هذه البيّنة, لأنّها مستأمنة في الظّاهر، وهي منكرة للنّكاح والقول قول المنكر، وباعتبار النّكاح تكون ذمّيّة، فهذه بيّنة تقوم على مستأمنة لمعاملة كانت بها في دار الحرب، والقاضي لا يقبل البيّنة في ذلك عليها.
أما إذا أقام الزّوج عليها البيِّنة أنّها أقرَّت بالنّكاح في دار الإِسلام، قبل القاضي بيِّنته، ومنعها من الرّجوع إلى دار الحرب، بمنزلة ما لو أقرَّت به بين يدي القاضي.
ومنها: إذا قتل حربي آخر في دار الحرب ثمّ دخل دار الإسلام مستأمناً، ثم جاء ولي المقتول، ورفع الأمر إلى القضاء طالباً القصاص من القاتل، فإنّ القاضي لا ينظر في هذه القضية لأنّها معاملة صدرت في دار الحرب حيث لا يخضع القاتل لحكم الإسلام. لكن إذا دخل حربيان دار الإِسلام مستأمنين وقتل أحدهما صاحبهُ، ثم جاء ولي المقتول مستأمناً وطلب القصاص من القاتل، فإنّ القاضي يجيبه ويقضي بالقصاص على القاتل إذا قامت بيِّنة على القتل العمد.
стр. 4118
القاعدة السّادسة والخمسون بعد الثّلاثمئة [المستثنى بالشّرط]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المستثنى شرطاً كالمستثنى شرعاً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق معنى الاستثناء والمستثنى.
فما استثناه المتعاقدان بالشّرط بينهما فهو في الحكم كما لو استثناه الشّرع فيجب اعتباره، والعمل بمقتضى ذلك الاستثناء. لأنّ شرط أحدهما الاستثناء كان لمصلحة رآها، وموافقة العاقد الآخر على هذا الشّرط تقييد رضى به، ولذلك وجب العمل بما اتّفقا عليه ولا يجوز نقضه إلا من صاحب الشّرط إذا تنازل عنه.
ومن نوى عبادة من العبادات، واستثنى ما رآه مصلحة له ممّا أباحه الشّرع فهو جائز - كما لو كان الاستثناء من الشّرع.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى سيّارة واشترط أن يجرّبها مدّة محدّدة، ورضي البائع، فهو جائز وهو كشرط الخيار له.
ومنها: إذا أقرّ أنّ له عليه ألفاً إلا مئتين. كان المطلوب منه ثمانمئة، فكأنّه أقرّ بثمانمئة. قد يقال: لِمَ لَمْ يقرّ بالثمانمئة مرّة واحدة؟
стр. 4119
بدون استثناء. يجاب: بأنّه ربّما كان له عليه ألف وأدَّى مئتين، وعند الإقرار نسى ما أدّى فلمّا أقرّ بالألف تذكّر أنّه أدّى مئتين فاستثناها.
ومنها: في العبادات: إذا نذر اعتكافاً شهراً أو عشرة أيّام متتابعات، وشرط لنفسه الخروج لعارض أو طارئ من زيارة مريض أو تشييع جنازة أو قضاء حاجة جاز ذلك، وله ما شرط، ولا شيء عليه.
ومنها: الاشتراط في الحجّ أو العمرة إذ يقول مريد الإحرام عند إحرامه (ومحلّي حيث حبستني) صحّ ذلك وجاز وله ما شرط، فإن أصابه مرض أو حبسه حابس عن النّسك تحلّل ولا شيء عليه.
стр. 4120
القاعدة السّابعة والخمسون بعد الثّلاثمئة [المستحقّ شرعاً]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المستحقّ شرعاً يكون أقوى من تنصيص المتعاقدين عليه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
ما يستحقّه المكلّفون من تصرفاتهم وتعاقداتهم هو ما أراده الشّرع من تشريع تلك التّصرّفات أو التّعاقدات، وكلّ تصرّف أو عقد صحيح يترتّب عليه استحقاق مشروع، وهذا الاستحقاق المشروع تكمن قوّته في شرعيّته، بحيث لو نصّ المتعاقدان عليه لا يزداد قوّة، بل إنّ تنصيصهم عليه وعدم تنصيصهم سواء؛ لأنّ الاستحقاق الثّابت بالشّرع أقوى من تنصيصهم عليه، ولقوّة الاستحقاق الشّرعي لو نفاه المتعاقدان أو أحدهما بطل العقد أو التّصرّف؛ لأنّ الاستحقاق المترتّب على العقد أو التّصرّف لا قوام للعقد أو التّصرّف إلا به شرعاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى قلب فضّة - أي حلية من الفضّة على شكل القلب - بعشرة دراهم أنّ فيه - أي وزنه - عشرة، فإذا فيه عشرون درهماً، فيجب على المشتري أن يأخذه بعشرين درهماً - أو يتركه - إن لم يكن
стр. 4121
تفرّقا عن المجلس؛ لأنّه اشترى درهماً بدرهم - أي بمثل وزنها في البيع، وذلك حكم ثابت بالشّرع في الربويات، سواء صرّحا بذلك أم لم يصرّحا.
ومنها: عقد النّكاح المستحقّ به شرعاً حلَ الاستمتاع بين الزّوجين، وترتّب حقوق الزّوجيّة، فما يستحقّ بهذا العقد سواء نصّ المتعاقدان عليه أو لم ينصّا، فهو مستحقّ بالشّرع، وهو أقوى من تنصيصهما عليه، ولقوّته لو اشترط أحدهما نفيه بطل العقد من أصله.
стр. 4122
القاعدة الثّامنة والخمسون بعد الثّلاثمئة [المستحقّ على الزّوجة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المستحَقّ على الزّوجة لا يسقط بالمعصية، والواجب لها يسقط (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
علي الزّوجة لزوجها حقوق، ولها عليه واجبات. ففي الأحوال العاديّة والحياة السّويّة على الزّوج أن يؤدّي للزّوجة حقوقها بحسب قدرته واستطاعته، وعلى الزّوجة مقابل ذلك أنّ تقوم بواجباتها لزوجها بحسب قدرتها واستطاعتها.
لكن عند عصيان الزّوجة، ووقوعها في المعصية أو نشوزها فإنّ ما عليها من حقوق لزوجها لا تسقط عنها بل يجب عليها أداؤها، ولكن ما يجب لها على الزّوج يسقط؛ لأنّ العصيان كان من قِبَلها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا عصت المرأة بأن ارتدّت - والعياذ بالله تعالى - أو طاوعت ابن الزّوج على الجماع، وما أشبه ذلك، فلا نفقة لها على الزّوج. أمّا السّكنى فواجبه لها؛ لأنّ القرار في البيت مستحقّ عليها مدّة العدّة، فلا يسقط ذلك بمعصيتها. وأمّا النّفقة فواجبة لها فتسقط بمجيء الفرقة من قِبَلها بالمعصية.
стр. 4123
القاعدة السّابعة والخمسون بعد الثّلاثمئة [صفة السّلامة، الجودة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المستحَقّ في العقد صفة السّلامة في العوض، أمّا صفة الجودة فلا تستحق بمطلق العقد (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
صفة السّلامة، وصفة الجودة صفتان يتّصف بهما العوض والمعوض في العقود، ولكن إحداهما أعمّ من الأخرى، وإحداهما تثبت بمطلق العقد سواء اشترطاها أم لم يشترطاها. والأخرى لا تثبت إلا بالشّرط.
فعند إطلاق العقد أي إتمامه صحيحاً بغير شروط، فالمستحقّ للعاقدين صفة السّلامة في العوضين. فإذا وجد العِوضان سليمين صحّ العقد، وإلا ردّ المعيب بخيار العيب.
ولكن صفة الجودة لا تستحقّ في أحد العوضين أو كليهما بمطلق العقد بل لا تستحقّ إلا بالشّرط والتّنصيص عليها، وينظر من قواعد حرف الباء القاعدة ٤٨.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
اشترى سيّارة بعقد مطلق، فإذا بها سليمة من العيوب التي يمكن
стр. 4124
أن تردّ بها السّيّارة. ولكن إذا أراد المشتري أن يردّ السّيّارة بحجّة أنّها ليست جيدة - لرداءة نوعها - مثلاً - فليس له ذلك؛ لأنّه لم يشترط ذلك في العقد، وصفة الجودة لا تلزم إلا بالاشتراط.
ومنها: إذا دفع ربّ الأرض إلى رجل أرضه وبذراً على أن يزرعها فما خرج منها فهو بينهما نصفان، ولم يشترط عليه سقيا ولا حفظاً. فإن كان الزّرع لا يحتاج إلى سقي ولكنّه لو سقي لكان أجود له، فالعقد جائز على شرطهما.
стр. 4125
القاعدة السّتّون بعد الثّلاثمئة [المستقذر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المستقذر شرعاً كالمستقذر حسّاً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
دليل هذه القاعدة حديث رسول الله ﷺ الذي رواه ابن عباس ﵄: "ليس لنا مثل السّوء، الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه" رواه الجماعة.
وحديث: "إنّ الصّدقة لا تنبغي لآل محمَّد إنّما هي أوساخ النَّاس" الحديث رواه مسلم عن المطلب بن ربيعة بن الحارث.
ومفادها: أنّ ما استقذره الشّارع من الأفعال هو في حكم الابتعاد عنه واجتنابه كالمستقذر في الحسّ والمشاهدة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الماء المطّهر المستعمل في إزالة الحدث لا يُطهر؛ لأنّه طهر الذّنوب المستقذرة شرعاً.
ومنها: الصّدقة لا تحلّ ولا تنبغي لآل محمَّد ﷺ لأنّها أوساخ النّاس.
ومنها: قوله ﷺ "لا يبسط ذراعيه انبساط الكلب" عن أنس ﵁ متّفق عليه.
стр. 4126
القاعدة الحادية والسّتّون بعد الثّلاثمئة [المستقرض]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المستقرَض مضمون بالمثل إن كان من ذوات الأمثال، وبالقيمة إن لم يكن من ذوات الأمثال (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المستقرض: المال المستقرض. وهو مستفعل، والمراد به المال الذي أصبح قرضاً، أي ديناً على آخذه، والقرض: ما تعطيه غيرك من المال لتقضاه (٢).
وما يقرض نوعان: إمّا مال مثلي أي يضمن بمثله كالقمح والشّعير والأثمان.
وإمّا مال قيمي: أي يضمن بقيمته كالطّعام واللحم والفواكه وما أشبه ذلك. والمال المثلي إذا اقترض ثم عند حلول الأجل لم يوجد يقوّم ويؤدّى قيمته.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
اقترض أو استقرض شخص من آخر ألف دينار. فيجب عليه أداء ألف دينار مثلها.
стр. 4127
ومنها: إذا استقرض شخص من آخر عشرة آلاف ريال سعوديّة فعليه أداء عشرة آلاف ريال سعوديّة عند حلول الأجل.
ومنها: اقترض طن قمح من نوع مخصوص، فعليه أداء طن من نوع مثله.
ومنها: اقترض شخص من آخر طعاماً فأكله، فعليه قيمته.
ومنها: اقترض شخص نصف خروف، فعليه قيمة النّصف لا مثله.
стр. 4128
القاعدة الثّانية والسّتّون بعد الثّلاثمئة [مستند الشّاهد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مستند الشّاهد إن كان إخفاؤه يورث ريبة تعيَّن ذكره، فلا تقبل الشّهادة إلا بذكره. وإن كان ذكره يورّث ريبة تعيَّن إخفاؤه، فَتُردُّ الشّهادة عند ذكره. وإن لم يتعلّق ريبة لا بذكره ولا بإخفائه لم يضرّ واحد منهما. وإن تردّد النّظر في أنّه هل يورث ريبة؟ اختلف فيه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بمستند الشّاهد: هو ما اعتمد عليه في شهادته بما يثبت للمشهود له حقّاً أو حكماً. فإن كان مستند الشّاهد إذا أخفاه ولم يذكره يورث ويسبب ريبة أو شكّاً عند القاضي، أو عند المشهود له، ففي هذه الحالة يجب ويتعيّن ذكر المستند. وبالمقابل إذا كان ذكر المستند يورث ريبة أو شكّاً فيجب ويتعيّن إخفاؤه، وأمّا إن لم يتعلّق بذكره ولا بإخفائه ريبة لا يضرّ واحد منها - أي ذكره أو إخفاؤه - وإن تردّد النّظر بين إيراث الرّيبة أو عدمها في ذكره أو إخفائه، فهذا ما وقع الخِلاف في
стр. 4129
مسائله.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الجرح لا يقبل إلا مُفسَّراً؛ لاختلاف المجتهدين في أسبابه، فما يراه بعضهم جرحاً لا يراه آخرون كذلك.
ومنها: إذا أخبره ثقة بنجاسة الماء، أو شهد به شاهدان لم يقبل ما لم يتبيّن السّبب.
ومنه: لو شهدا أنّ بينهما رضاعاً محرّماً، فكذلك.
ومنها: الشّهادة بالاستفاضة فيما يجوز فيه ذلك كالنّسب، لو صرّح الشّاهد بمستنده، فالجاري على ألسنة المشايخ أنّها لا تقبل (١).
стр. 4130
القاعدة الثّالثة والسّتّون بعد الثّلاثمئة [المستند]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المستند إلى الشّيء الغالب فيه أنّه لا يضرّ التّصريح به، وقد يضرّ (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة قريبة المعنى من سابقتها، فإنّ الشّيء إذا استند إلى أمر آخر كدليل عليه، فإنّ الغالب - عند العلائي ﵀ أو عند جمهور الشّافعيّة أنّه لا يضرّ التّصريح به، ولكنّه في بعض المسائل قد يضرّ. فإذا كان يغلب ضرره بالتّصريح به وجب عدم التّصريح به كما مرّ آنفاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ممّا يضرّ التّصريح به ويضعف شهادة الشّاهد ويكون سبباً في عدم سماعها إذا شهد شاهد على أمر كالجرح والتّعديل، أو الملكيّة أو الفسق، ثمّ صرّح بأنّ مستنده في ذلك هو الاستفاضة - أي انتشار هذه الصّفة بين النّاس، فإنّ هذه الشّهادة تردّ ولا يقبل قول الشّاهد؛ لأنّ الاستفاضة دليل ضعيف.
ومنها: إذا شهد شاهد بأنّ لهذا الجار الحقّ في إجراء الماء على سطح جاره أو في أرضه، إذا رآه مدّة طويلة بدون مانع فهذه شهادة مقبولة.
стр. 4131
القاعدة الرّابعة والسّتّون بعد الثّلاثمئة [المستهلك]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المستهلك في الشّيء يصير وجوده كعدمه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المستهلك: أي القليل الضّائع ضمن الكثير، ويتعذّر فصله وتمييزه. فإذا اختلط قليل مع كثير من جنسه أو من غير جنسه ولم يظهر أثر هذا القليل، فإنّه يعتبر مستهلكاً في الكثير ويكون وجوده فيه كعدمه في الحكم. أي لا يعتدّ ولا يعتبر ذلك القليل المستهلك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا وقعت نجاسة في ماء كثير، ولم يظهر أثرها لا بالرّائحة ولا باللون ولا بالطّعم، فإنّ الماء يعتبر طاهراً مطهّراً، ولا اعتبار لما وقع فيه من النّجاسة لأنّها مستهلكة فيه.
ومنها: إذا اختلطت محرمة برضاع أو نسب بنسوة غير محصورات، فإنّ من أراد أن يتزوّج إحداهن فله ذلك, لأنّ تلك الواحدة تعتبر كمستهلكة وضائعة ضمن العدد الكبير، ويستبعد أن ينكحها من دونهن، حتى لو نكحها مع عدم العلم بها فلا إثم عليه؛ لأنّه لو منعناه من الزّواج من أولئك النّسوة غير المحصورات لوقع في الحرج الشّديد
стр. 4132
ولَسُدَّ عليه باب النّكاح.
ومنها: اختلط زيت طاهر كثير بزيت نجس قليل، ولم يظهر أثر النّجاسة، فالزّيت طاهر كلّه؛ لأنّ النّجس القليل مستهلك ضمن الكثير فلا حكم له.
стр. 4133
القاعدة الخامسة والسّتّون بعد الثّلاثمئة [المُسْقَط]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
المُسْقَط يكون متلاشياً (١).
وفي لفظ: المسقط متلاش، أو يتلاشى (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المُسقَط: اسم مفعول من أُسقط، والمراد به: الحقّ أو الحكم.
والمتلاشي: الزّائل والمعدوم. من تلاشى يتلاشى: إذا زال ولم يبق له أثر.
فمفاد القاعدة: أنّ الحقّ أو الحكم إذا أسقطه صاحبه، وأبرأ عنه خصمه فإنّ هذا الحقّ أو الحكم يعتبر زائلاً ومعدوماً، ولا حق له في المطالبة به بعد ذلك، وينظر من قواعد حرف السّين القاعدة رقم ٣.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كان له دين على شخص ثم أبرأه منه. فقد برئت ذمّة المدين، وليس للدّائن بعد ذلك أن يطالبه بالدّين قطعاً.
ومنها: إذا كان له حقّ على شخص كحقّ القذف أو السّبّ أو
стр. 4134
غير ذلك فعفا عنه، وأسقط حقّه، فإنّ الحقّ يسقط، وليس له بعد ذلك أنَ يطالبه بنفس الحقّ المُسقط من جديد لأنّه قد زال وانعدم وتلاشى، والزّائل لا يتصوّر عوده.
ومنها: إذا أعتق السّيّد عبده أو أمته، فيعتبر ذلك إسقاطاً للرّقّ والعبودية، ولا يمكنه الرّجوع بعد ذلك.
ومنها: حقّ الشّفعة يسقط بالإسقاط أو الإعراض، وإذا سقط لا يعود إلا بسبب جديد.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
الزّوجة إذا أسقطت نفقتها عن زوجها، فلا تسقط ولها حقّ المطالبة بها بعد ذلك.
ومنها: الفقير صاحب الحقّ في الوقف لا يسقط حقّه بإسقاطه بل له المطالبة به بعد ذلك (١).
стр. 4135
القاعدة السّادسة والسّتّون بعد الثّلاثمئة [المسقِط والموجِب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المسقِط والموجِب إذا اقترنا ترجّح المسقط (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المُسقِط: اسم فاعل من أسقط فهو مُسقط. والمراد به هنا: الدّليل المسقط للحقّ أو الحكم.
الموجب: اسم فاعل أيضاً من أوجب فهو موجب. والمراد به هنا: الدّليل الموجب للحقّ أو الحكم. إذا اقترن دليل موجب ودليل مسقط أو تعارضا فإنّ الذي يترجّح جانبه إنّما هو الدّليل المسقِط، والمرجِح لذلك: أنّ المسقط يردّ على الموجب فيزيل إيجابه، وأنّ الموجب لا يردّ على المسقط, لأنّه إذا سقط أمر فإنّه لا يعود كما سبق قريباً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ادَّعى رجل على آخر ديناً، وجاء ببيّنة تشهد له، وجاء المدّعَى عليه ببيّنة تشهد له أنّه قد أبرأه عن دينه، أو أنّه أدّى إليه دينه. ففي هذه الحال عند تساوي البيّنتين يترجّح جانب بيّنة المدّعَى عليه لأنّها مسقطة للدّين المدَّعَى. إلا إذا بيّن المدّعِي أنّ هذا دين آخر غير ما أبرأه منه أو أدّاه إليه.