← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14596

موسوعة القواعد الفقهية

محمد صدقي آل بورنو

Полный текст (5 326 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

القاعدة الرّابعة والسّتّون بعد الثّلاثمئة [المستهلك] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المستهلك في الشّيء يصير وجوده كعدمه (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المستهلك: أي القليل الضّائع ضمن الكثير، ويتعذّر فصله وتمييزه. فإذا اختلط قليل مع كثير من جنسه أو من غير جنسه ولم يظهر أثر هذا القليل، فإنّه يعتبر مستهلكاً في الكثير ويكون وجوده فيه كعدمه في الحكم. أي لا يعتدّ ولا يعتبر ذلك القليل المستهلك. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا وقعت نجاسة في ماء كثير، ولم يظهر أثرها لا بالرّائحة ولا باللون ولا بالطّعم، فإنّ الماء يعتبر طاهراً مطهّراً، ولا اعتبار لما وقع فيه من النّجاسة لأنّها مستهلكة فيه. ومنها: إذا اختلطت محرمة برضاع أو نسب بنسوة غير محصورات، فإنّ من أراد أن يتزوّج إحداهن فله ذلك, لأنّ تلك الواحدة تعتبر كمستهلكة وضائعة ضمن العدد الكبير، ويستبعد أن ينكحها من دونهن، حتى لو نكحها مع عدم العلم بها فلا إثم عليه؛ لأنّه لو منعناه من الزّواج من أولئك النّسوة غير المحصورات لوقع في الحرج الشّديد

стр. 4132

ولَسُدَّ عليه باب النّكاح. ومنها: اختلط زيت طاهر كثير بزيت نجس قليل، ولم يظهر أثر النّجاسة، فالزّيت طاهر كلّه؛ لأنّ النّجس القليل مستهلك ضمن الكثير فلا حكم له.

стр. 4133

القاعدة الخامسة والسّتّون بعد الثّلاثمئة [المُسْقَط] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: المُسْقَط يكون متلاشياً (١). وفي لفظ: المسقط متلاش، أو يتلاشى (٢). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المُسقَط: اسم مفعول من أُسقط، والمراد به: الحقّ أو الحكم. والمتلاشي: الزّائل والمعدوم. من تلاشى يتلاشى: إذا زال ولم يبق له أثر. فمفاد القاعدة: أنّ الحقّ أو الحكم إذا أسقطه صاحبه، وأبرأ عنه خصمه فإنّ هذا الحقّ أو الحكم يعتبر زائلاً ومعدوماً، ولا حق له في المطالبة به بعد ذلك، وينظر من قواعد حرف السّين القاعدة رقم ٣. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا كان له دين على شخص ثم أبرأه منه. فقد برئت ذمّة المدين، وليس للدّائن بعد ذلك أن يطالبه بالدّين قطعاً. ومنها: إذا كان له حقّ على شخص كحقّ القذف أو السّبّ أو

стр. 4134

غير ذلك فعفا عنه، وأسقط حقّه، فإنّ الحقّ يسقط، وليس له بعد ذلك أنَ يطالبه بنفس الحقّ المُسقط من جديد لأنّه قد زال وانعدم وتلاشى، والزّائل لا يتصوّر عوده. ومنها: إذا أعتق السّيّد عبده أو أمته، فيعتبر ذلك إسقاطاً للرّقّ والعبودية، ولا يمكنه الرّجوع بعد ذلك. ومنها: حقّ الشّفعة يسقط بالإسقاط أو الإعراض، وإذا سقط لا يعود إلا بسبب جديد. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: الزّوجة إذا أسقطت نفقتها عن زوجها، فلا تسقط ولها حقّ المطالبة بها بعد ذلك. ومنها: الفقير صاحب الحقّ في الوقف لا يسقط حقّه بإسقاطه بل له المطالبة به بعد ذلك (١).

стр. 4135

القاعدة السّادسة والسّتّون بعد الثّلاثمئة [المسقِط والموجِب] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المسقِط والموجِب إذا اقترنا ترجّح المسقط (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المُسقِط: اسم فاعل من أسقط فهو مُسقط. والمراد به هنا: الدّليل المسقط للحقّ أو الحكم. الموجب: اسم فاعل أيضاً من أوجب فهو موجب. والمراد به هنا: الدّليل الموجب للحقّ أو الحكم. إذا اقترن دليل موجب ودليل مسقط أو تعارضا فإنّ الذي يترجّح جانبه إنّما هو الدّليل المسقِط، والمرجِح لذلك: أنّ المسقط يردّ على الموجب فيزيل إيجابه، وأنّ الموجب لا يردّ على المسقط, لأنّه إذا سقط أمر فإنّه لا يعود كما سبق قريباً. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا ادَّعى رجل على آخر ديناً، وجاء ببيّنة تشهد له، وجاء المدّعَى عليه ببيّنة تشهد له أنّه قد أبرأه عن دينه، أو أنّه أدّى إليه دينه. ففي هذه الحال عند تساوي البيّنتين يترجّح جانب بيّنة المدّعَى عليه لأنّها مسقطة للدّين المدَّعَى. إلا إذا بيّن المدّعِي أنّ هذا دين آخر غير ما أبرأه منه أو أدّاه إليه.

стр. 4136

القاعدة السّابعة والسّتّون بعد الثّلاثمئة [المسلَّط] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المسلَّط على الشيء إذا أخبر فيما سُلّط عليه بما لا يكذبه الظّاهر فيه يجب قبول قوله (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المسلَّط: اسم مفعول: من سُلِّط فهو مسلَّط. أي مُلِّك سلطة الفعل. فمن سُلِّط على شيء وأخبر عمّا سُلِّط عليه بخبر لا يكذبه الظّاهر والواقع فيه يجب في هذه الحالة قبول خبره. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا وكَّل شخص آخر في ذبح شاة له وتوزيع لحمها على الفقراء، ثم أخبر الوكيلُ أنّه قد ذبح تلك الشّاة وقسّمها بين الفقراء، ولم يقم دليل على كذبه، كرؤية الشّاة حيّة مثلاً، فإنّ قول الوكيل يجب قبوله وتصديقه. ومنها: المودَع يدّعي ردّ الوديعة، فإن اتّهموه فعليه اليمين لدفع التّهمة. ومنها: الوصي إذا أنفق على ورثة صغار أوصي عليهم، فقال: قد أنفقت عليهم كذا مبلغاً من المال، فإن كان ذلك نفقة مثلهم في تلك المدّة، أو زيادة شيء قليل، فهو مصدّق فيه، وإن اتّهموه فعليه اليمين؛ لأنّه أمين، والقول قوله في المحتمل مع اليمين.

стр. 4137

القاعدة الثّامنة والسّتّون بعد الثّلاثمئة [المسلم] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المسلم مأمور بأن يدفع سبب الهلاك عن نفسه (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: لا يجوز للمسلم أن يقتل نفسه، أو يؤذيها، وكذلك يجب عليه أن يدفع سبب الهلاك عن نفسه بقدر المستطاع. ولا يجوز للمؤمن أن يعين على قتل نفسه ولو بكلمة، كذلك لا يجوز له أن يتسبّب في هلاك نفسه، في غير الجهاد لإعلاء كلمة الله. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا كان مسلم في سفينة فاحترقت، فإن كان على يقين من الهلاك في أحد الوجهين - النّار أو الغرق - وهو يرجو النّجاة في الوجه الآخر فعليه أن يصنع ما يرجو فيه النّجاة، ويدفع عن نفسه سبب الهلاك بقدر الوسع. ومنها: إذا كان مسلم مأسوراً مظلوماً في أيدي الكفّار، فكفل به مسلم أو ذمّي أو حربي على أن يحضر يوم كذا ليقتلوه. فلا بأس بأن يخفر كفيله ويخرج ويهرب، سواء أمره بالكفالة أو لم يأمره بذلك. بخلاف ما لو كانت الكفالة لأجل المال.

стр. 4138

ومنها: لو أنّ مسلمة أسيرة في دار الحرب أعطت كفيلاً مسلماً أو ذمّيّاً على أن يحضرها غداً ليفجر بها رجل منهم، أو يتزوّجها كافر، وهي ذات زوج أو لم تكن ذات زوج، فلا بأس بأن تخفر كفيلها وتهرب؛ لأنّ ما تخاف منه أمر لا يجوز أن تأذن فيه بحال، فكان هذا والقتل سواء. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: إذا علم أحد المجاهدين لإعلاء كلمة الله أنّه لو دخل بسيّارة مفخّخة على الكفّار وفجّرها فإنّه يقتل منهم مقتلة عظيمة ويوجع فيهم، مع أنّه في الغالب يموت مع انفجار سيّارته، فذلك جائز إن شاء الله تعالى، وهو إذا قتل نحسبه على الله شهيداً، ومن خير الشّهداء، إن شاء الله تعالى.

стр. 4139

القاعدة التّاسعة والسّتّون بعد الثّلاثمئة [المسلم] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المسلم ملتزم بأحكام الإِسلام حيثما يكون (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المسلم: هو من رضي الله ربّاً وبالإِسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبيّاً ورسولاً، والمسلم لهذا ملتزم بأحكام الإسلام حيثما يكون في دار الإِسلام أو في دار الحرب، في البرّ أو البحر، في السّفر وفي الإقامة. فلا يجوز للمسلم أن يقدم على فعل مخالف لأحكام الإِسلام إذا كان في دار الحرب أو دار الكفر، أو دار لا يحكمها شرع الله، بحجّة أنّ أحكام الإِسلام لا تطبّق فيها. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: المسلم الذي يسافر إلى أرض يحكمها الكفر أو ملّة أخرى غير الإسلام، لا يجوز له أن يتفلّت من أحكام الإِسلام في الحلال والحرام، في المأكل والمشرب والملبس، فلا يجوز له أن يأكل لحم الخنزير أو لحماً لم يذكر اسم الله عليه بحجّة عدم وجود الذبائح المذكّاة، ولا يجوز له أن يشرب الخمر، بحجّة أنّ كلّ النّاس هناك يشربونها، أو يزني لأنّ

стр. 4140

باب الزّنا مفتوح على مصراعيه، ولا أن يسرق، ولا أن يأكل الرّبا أو يعطيه، بحجّه أنّه ليس في دار الإِسلام، فهو وإن قيل: إنّه لا يقام عليه الحدّ، لكن الإثم غير مرفوع عنه، فهو آثم ويستحقّ العقوبة من الله على ارتكابه ما حرّم الله. ومنها: إذا ضارب مسلم حربياً في دار الحرب على أنّ له أو للحربي مبلغاً محدّداً من الرّبح - درهماً فما فوقه - فالمضاربة فاسدة؛ لأنّ من شروط صحّة المضاربة عدم تحديد ربح معيّن لأحد الطّرفين، بل التّحديد بالنّسبة، النّصف أو الثّلث أو غير ذلك. وهذا عند أبي يوسف وباقي الأئمة رحمهم الله تعالى. ومنها: إذا كان مسلمان في دار الحرب قد دخلاها بأمان، فعامل أحدهما صاحبه فهذا وما لو كانت المعاملة بينهما في دار الإِسلام على السواء. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: عند أبي حنيفة ومحمد بن الحسن رحمهما الله تعالى أنّه يجوز أن يعامل المسلم الحربي في دار الحرب بالرّبا. أو لو ضاربه واشترط له ربحاً محدّداً فذلك جائز. خلافاً لأبي يوسف وجمهور العلماء في هذه المسألة. وينظر المغني لابن قدامة ﵀ جـ ٤ ص ٤٥ فما بعدها. ومنها: إذا قتل أحد المسلمين صاحبه عمداً في دار الحرب لا يجب على القاتل القصاص لقيام الشّبهة بكونهما في دار الإباحة. والقاتل ليس في يد الإِمام، فلا يجب القصاص ولكن تجب الدّيّة في ماله.

стр. 4141

القاعدة السّبعون بعد الثّلاثمئة [المسلمون متساوون] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: المسلمون تتكافَؤُ دماؤهم، وهم يَدٌ على مَن سواهم، يسعى بذمّتهم أدناهم (١). وفي لفظ: المسلمون يد على مَن سواهم يسعى بذمّتهم أدناهم، يعقد عليهم أولاهم، ويردّ عليهم أقصاهم (٢). حديث ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة نصّ حديث كريم: أخرجه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ : "المسلمون تتكافؤ دماؤهم. يسعى بذمّتهم أدناهم ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم" الحديث جـ ٣ ص ٨٠ كتاب الجهاد رقم ٢٧٥١. وفي رواية له: "المؤمنون تتكافؤ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، يسعى بذمّتهم أدناهم" كتاب الدّيات الحديثان ٤٥٣٠، ٤٥٣١. وعند ابن ماجه بلفظ القاعدة عن ابن عباس ﵄ جـ ٢

стр. 4142

ص ٨٩٥. الأحاديث ٢٦٨٣ - ٢٦٨٥. وقد ورد عن علي ﵁ أيضاً، وقد سبق. فمعنى الحديث: أنّ المسلمين متساوون في القصاص والدّيّات لا يفضل شريف على وضيع، واللائق بحالهم أن يكونوا كيد واحدة في التّعاون والتّعاضد على الأعداء، فكما أنّ اليد الواحدة لا يمكن أن يميل بعضها إلى جانب وبعضها إلى جانب آخر، فكذلك اللائق بشأن المؤمنين، ويسعى بعهدهم وعقدهم أقلهم عدداً وهو الواحد، وأقلّهم رتبة وهو العبد. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قتل أعلى النّاس رتبة أقلَّهم مكانة في المجتمع المسلم عمداً، فإنّ القصاص حقّ لولي القتيل، مهما كانت مكانة القاتل، إلا أن يرضى بالدّيّة، أو يعفو. ومنها: إذا أجارت امرأة من المسلمين أو عبد مسلم من عبيدهم كافراً أو طالب جِوار فإنّ على المسلمين أن يحفظوا جوار هذه المرأة أو هذا العبد فلا يخفروه. كما فعل رسول الله ﷺ حينما أجارت أم هانئ بنت أبي طالب ﵂ بعض أحمائها - في غزوة الفتح - فأجار رسول الله ﷺ من أجارت (١).

стр. 4143

القاعدة الحادية والسّبعون بعد الثّلاثمئة [المسلمون عدول] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المسلمون عدول بعضهم على بعض (١). إلا محدوداً في قذف أو فرية. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: العدول: جمع عدل، وهو المَرْضيّ مقبول الشّهادة الذي يُقنع به. والمصدر منه العدالة وهي صفة توجب مراعاتها الاحتراز عمّا يخلّ بالمروءة عادة ظاهراً (٢). فالمسلمون عموماً مرضيّون مقبولوا الشّهادة بعضهم على بعض؛ لأنّ لكلّ مسلم ولاية على أخيه المسلم، لذلك يقبل قوله فيه. إلا ما استثني، هذه القاعدة نصّ حديث نبوي كريم أخرجه البيهقي وابن أبي شيبة، وفي نصب الراية جـ ٤ ص ٨١، والدارقطني جـ ٤/ ٢٠٧ وذكره العجلوني في كشف الخفاء جـ ٢ ص ٢٠٨، وقال: أورده الديلمي عن ابن عمرو مرفوعاً بلا سند، وابن أبي شيبة بسند إلى ابن عمرو ويروى عن عمر ﵁ في كتابه المشهور إلى أبي موسى ﵁.

стр. 4144

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا شهد اثنان عند القاضي على أمر فشهادتهما مقبولة، ما لم يظهر عليهما جرح. ومنها: إجازة شهادة مستور الحال من المسلمين قبل السؤال عنه، إذا لم يطعن الخصم، وهذا عند أبي حنيفة ﵀، وذلك لأنّ صفة العدالة ثابتة لكل مسلم باعتبار اعتقاده.

стр. 4145

القاعدة الثّانية والسّبعون بعد الثّلاثمئة [المسلمون] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المسلمون على - عند - شروطهم (١). حديث ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة نصّ حديث كريم أخرجه ابن عدي في الكامل جـ ٦ الحديث ٢٠٨٨. بهذا اللفظ. وقد ورد هذا الحديث بلفظ "المسلمون عند شروطهم" وأخرجه البخاري ﵀ جـ ٣ ص ١٢٠ كما أخرجه غيره. وقد ورد بلفظ "المسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرَّم حلالاً أو أحلَّ حراماً". وفي لفظ عند الدارقطني: "المسلمون على شروطهم ما وافق الحقّ" وبلفظ "المسلمون على شروطهم والصّلح جائز". وذكره ابن أبي شيبة مرسلاً عن عطاء (٢). ومعنى قوله: على شروطهم أو عند شروطهم: أي أنّ المسلمين وقّافون عند شروطهم التي التزموها على أنفسهم فلا يتعدّونها، ويعملون على المحافظة عليها ومراعاتها وتنفيذها.

стр. 4146

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا اشترى سلعة وشرط البائع الثّمن حالاًّ، فعلى المشتري الأداء عند استلام السّلعة، وإن اشترط المشتري التّأجيل إلى أمد محدّد، ورضي البائع فهو على ما اشترطا، وليس للبائع المطالبة بالأداء قبل الوقت المحدّد. ومنها: إذا باع بعيراً وشرط على المشتري رأسه، فإذا لم يذبحه المشتري فللبائع شروى رأسه. ومنها: إذا استعار أرضاً ليزرعها وشرط عليه المعير قلع الشّجر عند ردّها فيلزمه ذلك، فعليه قلع الشّجر والزّرع عند ردّها للمعير ويسلّمها خالية إلا أن يرضى المعير.

стр. 4147

القاعدة الثّالثة والسّبعون بعد الثّلاثمئة [العقد الفاسد] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المسمّى في العقد الفاسد لا يجب للفساد، والضّمان لا يجب إلا بالقبض (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: العقد الفاسد: هو العقد الذي فقد بعض شروط صحّته. فإذا تعاقدا عقداً فاسداً بثمن مسمّى فإنّ هذا الثّمن المسمّى لا يجب على المشتري؛ لفساد العقد. ولكن إذا قبض المبيع في العقد الفاسد واستهلكه يجب عليه الضّمان. وضمان العقد الفاسد ليس بالمسمّى ولكن بثمن المثل أو القيمة. وإذا كان العقد الفاسد عقد نكاح فيجب مهر المثل لا المسمّى. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: تزوّج امرأة بغير شهود وقد فرض لها مهراً ودخل بها، فإنّ الواجب في هذه الحالة مهر المثل لا المسمّى، ويفسخ العقد بينهما لفساده إذا لم يدخل بها. لكن إذا دخل بها إذا صحّحاه وأتيا بالشّهود - عند من يرون أنّ إزالة سبب الفساد تصحّح العقد - فيعود العقد صحيحاً ولا يحتاج لتجديد أو استئناف.

стр. 4148

وكذلك: إذا مهرها خمراً أو خنزيراً فيجب مهر المثل وإن لم يفسد العقد بذلك. ومنها: إذا اشترى سلعة من محجور أو صبي بثمن ثم هلكت السّلعة أو استهلكها المشتري، فإنّ على المشتري استرجاع الثّمن الذي دفعه وعليه قيمة السّلعة؛ لأنّه قبضها بعقد فاسد. ومنها: إذا اشترى عبداً على أن لا يبيعه ولا يهبه ولا يتصدّق به، فالبيع فاسد. فإذا قبض المشتري العبد ومات في يده، فعليه قيمته. وهذا عند الحنفيّة. وأمّا عند ابن أبي ليلى (١) ﵀ فالبيع جائز والشّرط باطل، وعند ابن شبرمة (٢): البيع جائز والشّرط صحيح وهذا من المسائل التي اختلفت فيها أنظار الفقهاء. من حيث حكم البيع والشّرط المنافي. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: إذا اشترى عبداً على أن يعتقه، فالبيع صحيح والشّرط جائز باتّفاق.

стр. 4149

القاعدة الرّابعة والسّبعون بعد الثّلاثمئة [المسنون والمفروض] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المسنون لا يقوم مقام المفروض (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المسنون من العبادات: هو ما وردت به السّنّة ورغّبت فيه، وهو المستحبّ والنّفل والتّطوّع. والمفروض: هو ما ثبت بدليل قطعي من الكتاب أو السّنّة، فما كان مفروضاً فهو واجب الفعل. وما كان مسنوناً فهو جائز. ولذلك لا يسدّ المسنون مسدّ المفروض ولا يقوم مقامه. ودليل ذلك الحديث القدسي "وما تقرّب إليَّ عبدي بشيء أحبّ إليّ ممّا افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتى أحبَّه" الحديث أخرجه البخاري ﵀ عن أبي هريرة ﵁ (٢). ولكن للسُّنن في الآخرة مكان عند الحساب حيث إنّه إذا نقصت الفرائض فإنّ من كرم الله ورحمته بعباده أن يكمل ما نقص من الفرائض بما أدّاه المؤمن في حياته الدّنيا من السّنن والنّوافل.

стр. 4150

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: الصّلاة مفروضة، وهي خمس صلوات في اليوم والليلة، فمن لم يصلّ الفرائض وتطوّع وصلّى في اليوم مئة ركعة تطوّعاً لا تقوم مقام ركعة واحدة من الفريضة؛ لأنّ الفريضة قد أشغلت بها الذّمّة قطعاً ولا تبرأ الذّمّة إلا بأدائها. ومنها: الزّكاة المفروضة ربع العشر في النّقدين والعروض، فمن ملك نصاباً فما فوقه وحال عليه الحول فيجب عليه أداء الزّكاة المفروضة، فمن تصدّق بكلّ ماله بعد الحول ولم ينو ببعضه أداء الزّكاة، فلا تبرأ ذمّته من الواجب. ومنها: من لم يصم رمضان وصام الأشهر كلّها عداه فإنّ صومه ذلك لا يقوم مقام صيام يوم من رمضان.

стр. 4151

القاعدة الخامسة والسّبعون بعد الثّلاثمئة [المشبّه والمشبّه به] أولاً: لفظ ورود القاعدة المشبّه لا يقوى قوة المشبه به (١). بلاغيّة فقهيّة ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المشبّه به: هو الأصل. والمشبّه: هو الفرع. والتّشبيه: إلحاق أو إقامة شيء مقام شيء بشيء لصفة جامعة بينهما. والصّفة قد تكون ذاتيّة وقد تكون معنويّة. والمشابهة: المشاركة في معنى من المعاني (٢). فإذا شبهنا شيئاً بشيء آخر فإنّ المشبّه لا يكون في قوّة المشبّه به، ولا يكون مشتملاً على كلّ صفاته، لأنّ المشبّه به تكون الصّفة التي هي وجه الشّبه، أقوى فيه وأوضح منها في المشبّه. وينظر القواعد ٩، ١٠، ٢٣، ٢٢٢ والقاعدة ٣٣٥ من قواعد حرف الهمزة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قلنا: هذا الرّجل يشبه النّخلة. أي في طوله، فوجه الشّبه في النّخلة أوضح منه في الرّجل وأقوى. ومنها: إذا قلنا: زيد كالأسد في الشّجاعة، فصفة الشّجاعة في

стр. 4152

الأسد أقوى منها في زيد. وهكذا. ومنها: التّراب قائم مقام الماء في استباحة ما يستباح به، ولكنّه ليس في قوة الماء ولا يأخذ كلّ أحكامه.

стр. 4153

القاعدة السّادسة والسّبعون بعد الثّلاثمئة [المشترك] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المشترك هل يحمل على كلّ معانيه مع تجرّده عن القرائن بطريق الحقيقة (١)؟ ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المشترك: هو لفظ واحد يدلّ على معان عدّة كلفظ العين يدلّ على العين الباصرة، والعين الجارية، والذّهب والفضّة، والعين الخيار من النّاس، والعين الجاسوس. ومفاد القاعدة: أنّ المشترك من حيث حمله على كلّ معانيه أو على معنى دون آخر مسألة خلافيّة بين الفقهاء والأصوليّين. فقد ذهب الشّافعي ﵀ وجماعة من فقهاء وأصوليي الشّافعيّة إلى جوازه، وذهب آخرون منهم وعلى رأسهم إمام الحرمين والغزالي رحمهما الله، والحنفيّة إلى منعه وغيرهم. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: لو وقّف أو أوصى على مواليه، وله موالٍ من أعلى وموالٍ من أسفل، فعند الحنفيّة ومن تابعه إنّ الوقف باطل لاختلاف أسباب الجهتين، والموالي جمع مولى، والمولى لفظ مشترك يطلق على العبد

стр. 4154

المعتَق وعلى السّيِّد المعتِق. وأمّا عند الشّافعي ﵀ ومن معه فيكون الوقف للجهتين. عملاً بعموم المشترك. ومنها: إذا قال لعبده: إن رأيت عيناً فأنت حرّ. فرأى العبد أحدّ أفراد العين. فهل يعتق، فيه تردّد، والوجه بناء على مذهب الشّافعي يعتق بما رآه، ولا يشترط رؤية الجميع. وعند إمام الحرمين لا يعتق لأنّ المشترك لا يحمل على جميع معانيه.

стр. 4155

القاعدة السّابعة والسّبعون بعد الثّلاثمئة [المشتري والبائع] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المشتري يقوم مقام البائع فيما كان أصله ميراثاً (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة تتعلّق ببعض مسائل الميراث. فإنّ المشتري من أحد الوارثين نصيبه فإنّه عند غياب هذا الوارث البائع، فإنّ المشتري يقوم مقامه في مطالبة وارث آخر بقسمة الميراث القابل للقسمة؛ ليأخذ النّصيب الذي اشتراه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: رجل مات وترك ضيعة وخمسة بنين - أحدهم صغير - والباقي كبار - اثنان منهم حاضران، واثنان غائبان. فاشترى رجل نصيب أحد الحاضرين. وطلب المشتري شريك بائعه - أي الوارث الآخر الحاضر - بالقسمة عند القاضي، وأخبرا القاضي بالقصة، فالقاضي يأمر الشّريك الحاضر بالقسمة، ويجعل رجلاً وكيلاً عن الغائبين وخصماً عن الصّغير؛ لأنّ المشتري قائم مقام بائعه في مطالبة الشّريك الحاضر بقسمة الضّيعة الموروثة.

стр. 4156

ومنها: رجل باع من رجل آخر شيئاً، وضمن رجل بالدّرك، ثم مات الضّامن، وطلب ورثة الضّامن قسمة ميراثه، فإنّ القاضي يقسم؛ لأنّ الدين غير ثابت للحال - والمراد بالدّين ضمان الدّرك - فإن قسم القاضي وباع كلّ واحد من الورثة نصيبه ثم أدرك المشتري دركاً، كان للمشتري أن يرجع على ورثة الضّامن وينقض قسمتهم؛ لأنّ هذا بمنزلة دين مقارن للموت؛ لأنّ سبب هذا الدّين كان في حياة الميّت.

стр. 4157

القاعدة الثّامنة والسّبعون بعد الثّلاثمئة [المشتقّ] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المشتقّ من الصّريح صريح (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المشتقّ: هو ما أخذ من المصدر، تشبيهاً بما أخذ من الثّوب وشُقّ منه، فإنّه مشتقّ. والمشتقّات عند النّحاة منها الأفعال، وأسماء الفاعلين والمفعولين والمبالغة وغيرها. الصّريح: هو ما دلّ على معناه الأصلي الذي وضع له مطابقة بحيث لا يحتمل غيره، أو هو اللفظ الموضوع لمعنى لا يفهم منه غيره عند الإطلاق. ويقابل الصّريح: الكناية. وهذه مسألة لغويّة لها أثرها في الفقه، فإذا اشتقّ من مصدر صريح مشتقّ فهو صريح كأصله، والمراد هنا ما كان صريحاً في الشّرع وإن كان له في اللغة احتمالات. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: لفظ "الطّلاق" في عرف الشّرع صريح في حلّ عقدة الزّوجيّة،

стр. 4158

ولا يحتاج إلى نيَّة؛ لأن لفظه يدلّ على معناه. ومثله ما اشتقّ منه كلفظ: طلّقتك، وأنت طالق، وأنت مطلّقة. ومنها: إذا قال: أبحتك كذا بألف، لا يكون كناية في البيع، بل هو صريح في الإباحة مجاناً. ومنها: إذا قال: رجَّعتك، وارتجعتك، وراجعتك كلّها صرائح. ومنها: في العتق: أنت حرّ، أو محرّر، أو حرّرتك، أو عتيق، أو معتَق. ومنها: في القضاء: وليّتك القضاء، قلّدتك، استنبتّك. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: إذا قال لزوجته: أنت عليّ حرام. ونوى الطّلاق وقع. مع أنّ التّحريم صريح في إيجاب الكفّارة. ومنها: إذا قال لعبده. أعتق نفسك. فكناية تنجيز عتق، مع أنّه صريح في التّعويض. ومنها: إذا قال مريد الشّركة: اشتركنا. فهذا لا يكفي مع أنّه صريح؛ لأنّه لا يكون صريحاً إلا بذكر نوع الشّركة. ومنها: الخلع لا يكون صريحاً إلا بذكر المال.

стр. 4159

القاعدة التّاسعة والسّبعون بعد الثّلاثمئة [المشرف على الزّوال] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: المشرف على الزّوال هل يعطى حكم الزّائل (١)؟ خلاف. وبمعناها ما سبق: المتوقّع هل يجعل كالواقع! وما قارب الشّيء هل يعطى حكمه؟ وفي لفظ: المشرف على الزوال إذا استدرك وصين عن الزّوال هل يكون استدراكه كإزالته وإعادته ابتداءً، أو هو محض استدامة (٢)؟ ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: سبق لهذه القواعد أمثال. والمراد بالمشرف على الزّوال: أي المقارب للانعدام والرّفع. فما أوشك أن يزول ويرتفع فهل يكون له حكم ما ارتفع وزال فعلاً أو لا؟ خلاف فيما يكون حكمه. وينظر من قواعد حرف العين

стр. 4160

القاعدة رقم ٢٤. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا بيع عبد مريض أو دابّة مريضة - والمشتري يعلم بالمرض - فالبيع جائز، مع أن المريض قد يموت. ومنها: إذا باع الابن العين الموهوبة بشرط الخيار، - وقلنا: لا يزول الملك إلا بانقضاء الخيار - فهل للأبّ الرّجوع في الهبة؟ خلاف. ومنها: المكاتب عند الإطلاق هل يجري عليه حكم المملوك أو لا؟ فإذا قال السّيّد عبيدي أحرار. هل يعتق المكاتب أم لا؟ فيها وجهان. ومنها: إذا حُجر على المفلس بديون حالَّة، وعليه ديون مؤجّلة. فهل تَحُلُّ بالحجر قولان: الأصحّ لا.

стр. 4161

القاعدة الثّمانون بعد الثّلاثمئة [المشرف على الزّوال] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المشرف على الزّوال إذا استدرك وصين عن الزّوال هل يكون استدراكه كإزالته وإعادته ابتداءً، أو هو محض استدامة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة لها صلة بسابقتها، ولكنّها تفيدنا معنى جديداً، وهو هذا الحكم أو الشّيء الّذي قارب أن يرتفع ويزول إذا حفظ وصين عن الزّوال واستدرك قبل زواله، فهل يعتبر استدراكه وبقاؤه كأنّه زال ثم أعيد ابتداءً، أو هو استدامة له، كأنّه ما أوشك على الزّوال؟ خلاف، يترتّب عليه آثار لكلّ قول. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا جنى المرهون، وقال المرتهن: أنا أفديه ليكون مرهوناً بالفداء وآخذ الدّين. فإنّ جوزّنا الزّيادة على الدّين فذاك - أي يكون هذا العمل جائزاً، ويكون العبد مرهوناً بالفداء والدّين. وإن منعنا - أي الزّيادة على الدّين فقولان مأخذهما ما ذكرنا في نصّ القاعدة، فإن قلنا: كالزّائل والمعاد جازت هذه المعاملة، وكأنّه ابتداء رهن بالدّينين جميعاً

стр. 4162

- والمذهب - أي الشّافعي - القطع بالجواز؛ لأنّه من مصالح الرّهن. وإن كان لا تجوز الزّيادة في الدّين المرهون به. ومنها: إذا كان على الشّجر ثمر غير مؤبّر فباعها، واستثنى الثّمار لنفسه - أي البائع - هل يحتاج إلى شرط القطع؟ لأنّه يصير كأنّه باعها ثم اشتراها، وقد نصّ الإِمام الشّافعي ﵀: أنّه لو باع شجرة مطلعة واستبقى الطّلع لنفسه لم يجز إلا بشرط القطع, لأنّه أشرف على الزّوال، فإن استبقى كما لو باعه ثم اشتراه. ومنها: إذا دبر عبداً فجنى في حياته جناية تستغرق قيمته، ومات السّيّد، ولم يخلف غيره، ففداه الورثة. فمعلوم أنّهم لو سلّموه لبيع لبطل العتق فيه، فإذا فَدَوه - فالولاء لمن؟ على قولين: فإن قلنا: المشرف على الزّوال كالزّائل. فالولاء للورثة. وإلا فللسيّد الميّت. وعندي - أي الزّركشي - ليس بين القولين كبير فرق؛ لأننا لو قلنا: إنّ الولاء للسّيّد فإنّ ورثته يرثونه أيضاً؛ لأنّ الولاء يرثه العصبة.

стр. 4163

القاعدة الحادية والثّمانون بعد الثّلاثمئة [المشروط] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المشروط شأنه الانتفاء عند انتفاء أحد شروطه (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بالمشروط: الشّيء المشروط، كالصّلاة والبيع مثلاً. فما كان شأنه أن لا يوجد إلا بشروط تصحّحه فإنّه ينتفي ويبطل إذا فقد أحد شروطه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: الصّلاة لها شروط صحّة، منها الطّهارة، والاستقبال، وستر العورة، عند القدرة، فإذا فقد المصلّي واحداً من هذه الشّروط مع قدرته على استيفائه انعدمت الصّلاة وبطلت. ومنها: البيع له شروط، منها: قدرة العاقدين على التّصرّف فيما تعاقدا عليه. ومنها القدرة على تسليم المبيع أو الثّمن، فإذا باع طيراً في الهواء لا يقدر على إمساكه فالبيع باطل. أو إذا كان أحد المتعاقدين محجوراً أو مجنوناً أو صغيراً غير مأذون فإنّ البيع باطل. ومنها: عقد الجزية، فإذا خرج الذّمّي عن بعض شروط عقد

стр. 4164

الذّمّة، كخروجه عن أحكام السّلطان، ونبذ العهد والقتل والقتال، فإنّ ذلك مناف للأمان والتّأمين الذي أعطيه، وهما مقصود العقد، فإن عقد الذّمّة يبطل. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: إذا أظهر النّصارى الذّمّيّون معتقدهم في المسيح ﵇، فإنّهم يؤدّبون ولا ينقض عهدهم بذلك. وكذلك إذا قطع الذّمّي الطّريق أو قتل أحداً - ولو مسلماً عمداً - فعليه القصاص ولا ينقض عهده، وحكمهم في ذلك حكم المسلمين.

стр. 4165

القاعدة الثّانية والثّمانون بعد الثّلاثمئة [المشغول] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المشغول لا يشغل (١). عند الشافعي رحمه الله تعالى. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة سليمة المبنى معقولة المعنى، من حيث إنّ ما كان مشغولاً بشيء لا يمكن شغله بشيء آخر. كالإناء المشغول بالماء لا يتصوّر شغله بشيء آخر إلا إذا خلا ممّا فيه. ولكن مع وضوح هذا المعنى فقد اختلف في أحكام بعض المسائل لاختلاف جهة النّظر. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا رهن رهناً بدين، فلا يجوز أن يرهن هذا الرّهن بدين آخر، فيكون رهناً بالدينين؛ لأنّ الرّهن مشغول بالدّين الأوّل. هكذا قالوا. وأقول وبالله التّوفيق: هذا لو كان الرّهن لا تزيد قيمته عن قيمة الرّهن الأوّل، لكن لو كان الرّهن قيمته ضِعف أو أضعاف الرّهن الأوّل، فما المانع من أن يكون رهناً بالدينين أو الثّلاثة؟ بحسب قيمته التي فيها وفاء بكلّ الدّيون؟

стр. 4166

ومنها: لا يجوز الإحرام بالعمرة للعاكف بمنى لاشتغاله بالرّمي والمبيت، ولكن أقول وبالله التّوفيق: ما المانع من إحرامه بالعمرة، ورميه ومبيته لا يستغرقان الوقت كلّه، فوقته غير مشغول بالكامل حتى ينافي رميه ومبيته إحرامه بالعمرة. ومنها: إذا أجّر داره أو باعها لشخص وبعد تمام العقد أجّرها أو باعها لشخص آخر، فالعقد الثاني باطل؛ لأنّ فيه إبطال الحقّ الأول. ومنها: إذا قطع رجل يميني رجلين. فالحكم عند الشّافعي ﵀: إن قطعهما على التّعاقب تقطع يمينه بأولاهما، وللثّاني الأرش؛ لأنّه لا يمكن قطع اليد مرّتين. وإن قطعهما معاً يقرع بينهما، ويكون القصاص لمن خرجت قرعته والأرش للآخر؛ لأنّه حين قطع يد أحدهما فقد صارت يده مشغولة بحقّه مستحقة له قصاصاً. والمشغول لا يشغل (١). وأمّا عند الحنفيّة: فتقطع يمينه بهما، ويغرم ديّة يد منهما تقسم بين الاثنين؛ لأنّ كلّ واحد منهما له حقّ في القصاص والأرش كصاحبه.

стр. 4167

القاعدة الثّالثة والثّمانون بعد الثّلاثمئة [المشقّة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المشقّة تجلب التيسير (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة إحدى القواعد الكليّة الكبرى. وهي القاعدة التي تختصّ ببيان رخص الشّرع وتخفيفاته بناء على الأعذار الموجبة لذلك. فإنّ الأحكام التي ينشأ على تطبيقها حرج على المكلّف ومشقّة في نفسه أو ماله فالشّريعة تخففها بما يقع تحت قدرة المكلّف واستطاعته دون عسر أو إحراج. ولهذه القاعدة أدلّة كثير من الكتاب والسّنّة والإجماع والمعقول. والمراد بالمشقّة الميسرة: هي تلك المشقّة التي تتجاوز الحدود العاديّة والطّاقة البشريّة السّويّة، لا مطلق مشقّة؛ لأنّ كلّ التّكاليف في

стр. 4168

هذه الحياة الدّنيا لا تخلو من مشقة محتملة. وينظر تفصيل هذه القاعدة وما يتعلّق بها في كتابنا الوجيز ص ٢١٨ فما بعدها. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: قصر الصّلاة في السّفر، وجواز الفطر للمسافر. ومنها: جواز التّيمّم لمن يجد الماء ولكنّه لا يستطيع استعماله لشدّة برد أو مرض أو عدو، أو غير ذلك من موانع استعمال الماء. ومنها: أكل الميتة للمضطر، وشرب الخمر للاضطرار أو الإكراه. ومنها: جواز الإجارة على الطّاعات كالإمامة والأذان وتعليم القرآن حفظاً للشّعائر من الضّياع. وغير ذلك من أنواع الرّخص.

стр. 4169

القاعدة الرّابعة والثّمانون بعد الثّلاثمئة [المشقّة والحرج] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المشقّة والحرج إنّما يعتبر في غير المنصوص، أمّا فيه فلا (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة لها علاقة بسابقتها، وتعتبر قيداً لها، أو استثناء منها؛ لأنّ المشقّة الميسّرة والمرخّصة لارتكاب ما كان محظوراً قبل وجودها إنّما تختصّ بما ليس منصوصاً عليه، أمّا إذا نُصّ في الكتاب أو السّنّة على عمل فيه مشقّة وحرج - والشّرع لا يأمر بما فيه حرج - فإنّ هذه المشقّة لا تقبل التّخفيف، ولا يجوز فيها التّرخّص. والمراد بالمنصوص: أي الفعل المنصوص على وجوب الإتيان به أو الانتهاء عنه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: حرمة رعي حشيش الحرم وقطعه - إلا الإذخر - عند كثير من العلماء للنّصّ الوارد في النّهي عن ذلك. ولكن أبا يوسف ﵀ أجاز رعي حشيش الحرم دفعاً للحرج عن الحجّاج والمعتمرين - حينما كانوا يأتون الحجّ والعمرة على دوابهم.

стр. 4170

ومنها: تغليظ نجاسة الأرواث عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لحديث "إنها ركس" أي نجس، وذلك للروثة التي أتي ليستجمر بها ﵊ فردّها وقال "إنها ركس" (١). ومنها: عدم الاعتبار بالعسر وعموم البلوى في موضع فيه نصّ كالبول لا يعفى عن قليله يصيب الثّوب أو البدن للتّحذير الوارد في ذلك.
следующие страницы →