ومنها: لا يجوز الإحرام بالعمرة للعاكف بمنى لاشتغاله بالرّمي والمبيت، ولكن أقول وبالله التّوفيق: ما المانع من إحرامه بالعمرة، ورميه ومبيته لا يستغرقان الوقت كلّه، فوقته غير مشغول بالكامل حتى ينافي رميه ومبيته إحرامه بالعمرة.
ومنها: إذا أجّر داره أو باعها لشخص وبعد تمام العقد أجّرها أو باعها لشخص آخر، فالعقد الثاني باطل؛ لأنّ فيه إبطال الحقّ الأول.
ومنها: إذا قطع رجل يميني رجلين. فالحكم عند الشّافعي ﵀: إن قطعهما على التّعاقب تقطع يمينه بأولاهما، وللثّاني الأرش؛ لأنّه لا يمكن قطع اليد مرّتين. وإن قطعهما معاً يقرع بينهما، ويكون القصاص لمن خرجت قرعته والأرش للآخر؛ لأنّه حين قطع يد أحدهما فقد صارت يده مشغولة بحقّه مستحقة له قصاصاً. والمشغول لا يشغل (١).
وأمّا عند الحنفيّة: فتقطع يمينه بهما، ويغرم ديّة يد منهما تقسم بين الاثنين؛ لأنّ كلّ واحد منهما له حقّ في القصاص والأرش كصاحبه.
стр. 4167
القاعدة الثّالثة والثّمانون بعد الثّلاثمئة [المشقّة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المشقّة تجلب التيسير (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة إحدى القواعد الكليّة الكبرى.
وهي القاعدة التي تختصّ ببيان رخص الشّرع وتخفيفاته بناء على الأعذار الموجبة لذلك. فإنّ الأحكام التي ينشأ على تطبيقها حرج على المكلّف ومشقّة في نفسه أو ماله فالشّريعة تخففها بما يقع تحت قدرة المكلّف واستطاعته دون عسر أو إحراج. ولهذه القاعدة أدلّة كثير من الكتاب والسّنّة والإجماع والمعقول.
والمراد بالمشقّة الميسرة: هي تلك المشقّة التي تتجاوز الحدود العاديّة والطّاقة البشريّة السّويّة، لا مطلق مشقّة؛ لأنّ كلّ التّكاليف في
стр. 4168
هذه الحياة الدّنيا لا تخلو من مشقة محتملة. وينظر تفصيل هذه القاعدة وما يتعلّق بها في كتابنا الوجيز ص ٢١٨ فما بعدها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
قصر الصّلاة في السّفر، وجواز الفطر للمسافر.
ومنها: جواز التّيمّم لمن يجد الماء ولكنّه لا يستطيع استعماله لشدّة برد أو مرض أو عدو، أو غير ذلك من موانع استعمال الماء.
ومنها: أكل الميتة للمضطر، وشرب الخمر للاضطرار أو الإكراه.
ومنها: جواز الإجارة على الطّاعات كالإمامة والأذان وتعليم القرآن حفظاً للشّعائر من الضّياع. وغير ذلك من أنواع الرّخص.
стр. 4169
القاعدة الرّابعة والثّمانون بعد الثّلاثمئة [المشقّة والحرج]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المشقّة والحرج إنّما يعتبر في غير المنصوص، أمّا فيه فلا (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة لها علاقة بسابقتها، وتعتبر قيداً لها، أو استثناء منها؛ لأنّ المشقّة الميسّرة والمرخّصة لارتكاب ما كان محظوراً قبل وجودها إنّما تختصّ بما ليس منصوصاً عليه، أمّا إذا نُصّ في الكتاب أو السّنّة على عمل فيه مشقّة وحرج - والشّرع لا يأمر بما فيه حرج - فإنّ هذه المشقّة لا تقبل التّخفيف، ولا يجوز فيها التّرخّص.
والمراد بالمنصوص: أي الفعل المنصوص على وجوب الإتيان به أو الانتهاء عنه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
حرمة رعي حشيش الحرم وقطعه - إلا الإذخر - عند كثير من العلماء للنّصّ الوارد في النّهي عن ذلك. ولكن أبا يوسف ﵀ أجاز رعي حشيش الحرم دفعاً للحرج عن الحجّاج والمعتمرين - حينما كانوا يأتون الحجّ والعمرة على دوابهم.
стр. 4170
ومنها: تغليظ نجاسة الأرواث عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لحديث "إنها ركس" أي نجس، وذلك للروثة التي أتي ليستجمر بها ﵊ فردّها وقال "إنها ركس" (١).
ومنها: عدم الاعتبار بالعسر وعموم البلوى في موضع فيه نصّ كالبول لا يعفى عن قليله يصيب الثّوب أو البدن للتّحذير الوارد في ذلك.
стр. 4171
القاعدة الخامسة والثّمانون بعد الثّلاثمئة [حكم المشكوك في وجوبه]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المشكوك في وجوبه لا يجب فعله، ولا يستحبّ تركه. بل يستحبّ فعله احتياطاً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأحكام الشّرعيّة الطّالبة للفعل حكمان: هما الوجوب، وهو الطّلب الجازم لإيقاع الفعل، والنّدب، وهو طلب غير جازم لإيقاع الفعل.
فإذا شكّ المكلّف أو المجتهد في وجوب أمر -أي شكّ في الطّلب هل هو جازم أو غير جازم - ففي هذه الحالة يندب فعل هذا الأمر احتياطاً؛ ولا يستحبّ ترك الفعل للشّكّ في الوجوب؛ لأنّ الأمر إذا لم يكن واجباً كان مندوباً - أي مستحباً فعله - أو مباحاً، والمباح لا يطلب فعله ولا تركه بل المكلّف مخيّر بين الفعل والتّرك، لكن لمّا شكّ في الوجوب ترجّح جانب الطّلب فاستحبّ فعله على سبيل النّدب.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
اختلف الأئمة في وجوب قراءة الفاتحة على المأموم، حتى إنّ الشّافعي ﵀ أبطل صلاة من لم يقرأ بها، والحنفيّة لم يجيزوا
стр. 4172
قراءتها خلف الإِمام، ولوجود الخلاف قد يقع الشّكّ في الوجوب. ولذلك وبناء على هذه القاعدة يستحبّ ويندب قراءتها عند الإمكان.
ومنها: الوضوء من مسّ الذّكر للاختلاف في وجوبه بين الحنفيّة وغيرهم، فللاحتياط يندب ويستحب الوضوء لمن مسَّ ذكره. هذا إذا لم يكن مجتهداً يمكنه التّرجيح بين الأدلّة، لكن إذا كان مجتهداً يمكنه التّرجيح بين الأدلّة فيجب عليه العمل بالدّليل الرّاجح عنده.
ومنها: إذا شكّ في وجوب زكاة أو كفّارة أو صلاة، فلا يجب عليه الفعل ولا يستحبّ له التّرك، بل يستحبّ الفعل احتياطاً للدّين، كزكاة الحلي المختلف في وجوبها.
ومنها: إذا كان يوم الثّلاثين من شعبان يوم غيم - أي إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر ليلة الثّلاثين من شعبان، ففي صومه خلاف، والأرجح عدم صومه لأنّه يوم الشّكّ، لكن ورد عن أحمد بن حنبل ﵀ في قول ثالث له أنّه كان يجيز صومه من رمضان، ويجيز فطره، والأفضل صومه إذ كان يستحبّ صومه ويفعله ولا يوجبه.
стр. 4173
القاعدة السّادسة والثّمانون بعد الثّلاثمئة [مشيئة الله]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مشيئة الله تعالى واجبة النّفوذ (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه قاعدة عقدية تتعلّق بالعقيدة وأصولها.
فمشيئة الله واجبة النّفوذ على ما يشاء الله ، والله لا مكره له. فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن (٢).
ولذلك نهى الرّسول ﷺ القائل "ربّ اغفر لي إذا شئت" بل أمره بالجزم بالدّعاء، فيقول: "اللهم اغفر لي".
فكلّ عدم ممكن يعلم وقوعه نعلم أنّ الله أراده، وكلّ وجود ممكن يعلم عدم وقوعه نعلم أنّ الله تعالى أراده، فتكون مشيئة الله معلومة قطعاً، وأمّا مشيئة غيره فلا تعلم، غايته أن يخبرنا، وخبره إنّما يفيد الظّن.
стр. 4174
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال لزوجته: أنت طالق إن شاء الله تعالى. فعند الإمامين مالك وأحمد رحمهما الله تعالى يلزمه الطّلاق لأنّه لا يعلم هل أراد الطّلاق على التّعيين أم لا, وليس لنا طريق إلى التّوصّل إلى ذلك فيؤاخذ بلفظه، ولأنّه استثناء يرفع جملة الطّلاق حالاً ومآلاً فلم يصحّ كاستثناء الكل (١).
وهذه المسألة خلافيّة، من حيث إنّ أبا حنيفة والشّافعي رحمهما الله تعالى لا يوقعان الطّلاق في هذه الصّورة للجهل وعدم العلم بمشيئة الله تعالى (١).
стр. 4175
القاعدة السّابعة والثّمانون بعد الثّلاثمئة [الألفاظ المصرّحات]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المصرَّحات من الألفاظ تحمل على ظواهرها (١)، ولا تعتبر نيّة اللافظ في صرف اللفظ إلى غير ظاهره.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المصرّحات من الألفاظ: هي الألفاظ التي تدلّ على معناها صراحة، سواء أكان المعنى الذي تدلّ عليه شرعيّاً أم لغويّاً أم عرفيّاً.
فإذا كان اللفظ صريحاً في الدلالة على معناه الّذي وضع له فإنّما يعمل به على حسب تلك الدّلالة الظّاهرة، ولا تعتبر نيَّة المتكلّم في صرف اللفظ عن معناه الصّريح إلى معنى آخر غير ظاهر؛ لأنّ النّيَّة إنّما جعلت لتعيين المراد عندما يكون المراد غير محدّد، لكن هذه الألفاظ معلومة المراد بظواهرها، وهي عاملة في حقائقها التي وضعت للدّلالة عليها فلا تحتاج إلى النّيَّة لتعيينها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال الرّجل لزوجته: أنت طالق أو مطلّقة، فهذا لفظ صريح ظاهر في إرادة الطّلاق المحرّم شرعاً، فإذا قال الزّوج: نويت أنّها طالق من وثاق فلا يقبل قوله.
стр. 4176
ومنها: إذا قال رجل لأمَتِه: تعالي يا حرّة. كان ذلك إعتاقاً لها، ولا يقبل قوله إنّه أراد أنّها كريمة أو أصيلة.
стр. 4177
القاعدة الثّامنة والثّمانون بعد الثّلاثمئة [المصلحة، العدوان]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المصلحة مطلوبة شرعاً، والعدوان ممنوع منه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة يمكن إدراجها تحت قاعدة (لا ضرر ولا ضرار).
فالمصلحة مطلوبة شرعاً حيثما وجدت، وقد سبق بيان أنّ فعل المسلم محمول على الصّحّة ما أمكن، والفعل الصّحيح مصلحة وهي مطلوبة، والاعتداء ظلم والمسلم ممنوع منه شرعاً، بل وغير المسلم ممنوع منه كذلك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
البيع والشّراء فيه مصلحة للبائع والمشتري فهو مطلوب شرعاً؛ لأنّ به يحلّ البدلان: السّلعة تحلّ للمشتري، والثّمن يحلّ للبائع، وفي كليهما مصلحة مطلوبة. ولكن الغصب ممنوع شرعاً ولا يحلّ لأنّه عدوان على أملاك غيره.
ومنها: الزّواج مطلوب شرعاً, لأنّ فيه مصلحة للزّوجين من حيث إنّ كلاً منهما يعفّ صاحبه عن الوقوع في الحرام، وبالنّكاح الشّرعي يحصل النّسل الطّيب ويعمر الكون - ولكنّ الزّنا محرّم وممنوع؛ لأنّه عدوان ومفسدة.
стр. 4178
القاعدة التّاسعة والثّمانون بعد الثّلاثمئة [البدل والأصل]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
المصير إلى البدل لا يجوز إلا عند عدم الأصل (١).
وفي لفظ: المصير إلى البدل عند فوات الأصل لا مَعَ قيامه (٢).
وفي لفظ: المصير إلى البدل لا يجوز مع القدرة على الأصل (٣).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق لهذه القاعدة أمثال، ينظر القاعدة ١١، ١٤ من قواعد حرف الباء.
الأصل والبدل لا يجتمعان، كما لا يجتمع العوض والمعوض عنه، وذلك لأنّ البدل لا يحتاج إليه إلا عند عدم وجود الأصل المبدل منه أو عدم القدرة عليه، وإلا كان جمعاً بين البدل والأصل وذلك لا يجوز.
стр. 4179
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
لا يجوز الانتقال إلى التّيمّم إلا عند عدم الماء أو عدم القدرة على استعماله مع وجوده. لكن إذا وجد الماء، أو وجدت القدرة على استعماله فلا يجوز الانتقال إلى التّيمّم.
ومنها: لا يجوز الصّيام بدلاً عن دم التّمتّع والقِرَان إلا عند عدم القدره على الهدي، فمن صام وهو قادر على الهدي واجد له، فصومه غير صحيح ولا تبرأ به الذّمّة.
ومنها: لا يجوز الانتقال إلى صوم شهرين كفّارة القتل الخطأ إلا عند عدم القدرة على عتق الرّقبة أو عدم وجودها.
стр. 4180
القاعدتان التّسعون والحادية والتّسعون بعد الثّلاثمئة [المضاف للوقت، المعلّق بالشّرط]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
المضاف إلى وقت أو المعلّق بالشّرط لا يكون موجوداً قبله (١).
والمضاف إلى وقت أو المعلّق بالشّرط عند وجوده كالمنجز (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هاتان القاعدتان مترابطتان، ومعناهما متّحد، فالمعلّق بالشّرط أو المضاف إلى وقت إمّا أن يكون شرطه المعلّق به موجوداً عند التّعليق أو معدوماً ممكن الوجود في المستقبل، فإذا كان الشّرط المعلّق به موجوداً عند التّعليق، أو وجد بعد التّعليق أو حلّ الوقت المضاف إليه فإنّ هذا المشروط يعتبر منجزاً حالاً.
وأمّا إذا كان الشّرط غير موجود - وهو ممكن الوجود في المستقبل - فإنّ المشروط بالشّرط والمضاف إلى الوقت يعتبر معدوماً قبل وجود شرطه أو حلول وقته، ولا يبنى الحكم إلا بعد تحقّق الشّرط، ويكون الحكم عند وجود الشّرط كالمنجز عند التّعليق.
стр. 4181
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا قال لزوجته: أنت طالق إن كنت صحيحة. فهي طالق حالاً، إذا لم تكن مريضة فعلاً؛ لأنّ الصّحّة أصل في الإنسان وهي صفة مستمرّة.
ومنها: إذا قال: إن حضت فأنت طالق - وكانت حائضاً - فلا تطلق إلا عند حيضة مستقبلة.
ومنها: إذا قال: إن ملكت عبداً فهو حرّ، أو كلّ مملوك أملكه أبداً فهو حرّ. فإنّ كلّ مملوك يملكه يعتق عليه، سواء كان ملكه بالشّراء أو الهبة أو غير ذلك.
ومنها: إذا قال: وصيي فلان، حتى يقدم فلان الغائب، ثم الوصيّة لفلان الغائب، فهو كما قال. ثم إذا قدم الغائب فهو الوصي؛ لأنّ الوصيّة الخاصّة بالأوّل قد انتهت بقدوم الثّاني.
ومنها: إذا قال لزوجته: إن دخلت دار فلان أو كلّمت فلاناً فأنت طالق. فلا تطلق إلا إذا دخلت الدّار التي لفلان، أو كلّمت فلاناً.
стр. 4182
القاعدة الثّانية والتّسعون بعد الثّلاثمئة [المضاف للجزء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المضاف للجزء كالمضاف للكلّ (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة بمعنى القاعدة القائلة: (ما لا يقبل التّبعيض فذكر بعضه كذكر كلّه) وقد سبقت تحت الرّقم ١٠٩، وينظر القاعدة رقم ٤٤٩ من قواعد حرف الهمزة.
فما أضيف إلى جزء أو بعض ما لا يقبل التّجزئة ولا التّبعيض فهو كالمضاف للكلّ في الحكم، والمراد بالإضافة: الإسناد والنّسبة كما سبق بيانه قريباً. في قاعدة: ما قبل التّعليق من التّصرفات. وقد سبقت قريباً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال لزوجته: رأسك طالق، طلقت كلّها.
ومنها: إذا قال لها: أنت طالق نصف تطليقة، وقعت عليها طلقة كاملة.
ومنها: لو قال: أحرمت بنصف نسك، انعقد نسك كامل.
стр. 4183
ومنها: إذا عفا مستحقّ القصاص عن بعضه سقط كلّه؛ لأنّ القصاص لا يقبل التّبعيض.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
الإيلاء، فإنّه لا يصحّ إضافته إلى بعض المحل إلا الفرج خاصّة.
ومنها: الوصيّة لا يصحّ أن تضاف إلى بعض المحلّ. لا يصحّ أن يقال: أوصيت لرأسك.
стр. 4184
القاعدة الثّالثة والتّسعون بعد الثّلاثمئة [المضمونات]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
المضمونات (١).
وفي لفظ: ما يوجب الضّمان (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المضمونات: جمع مضمون، أو مضمونة. والمراد بها موجبات الغرامة والتّعويض. وهذه القاعدة تتعلّق ببيان الأسباب التي توجب الغرم والتّعويض عمّا يتلف أو يستهلك من مال الغير بسبب منها. وكذلك ما يفوت من منفعة الأموال. والأسباب الموجبة للضّمان عند الشّافعيّة أربعة هي:
الأوّل: اليد، والمراد بها اليد العاديّة الظالمة غير المؤتمنة كيد الغاصب والمستام.
الثّاني: المباشرة: أي الإتلاف والاستهلاك والتّفويت بغير إذن عمداً كان أو خطأ.
стр. 4185
الثّالث: التّسبّب، وقد مرّ ذكره، ولا يكون التّسبّب موجباً للضّمان إلا بالتّعدّي.
الرّابع: الشّرط، وهو ما لا يؤثّر في الفعل ولا يحصله؛ بل يحصل التّلف عنده بغيره، ويتوقّف تأثير ذلك الغير عليه. وعدَّ آخرون منها: الحيلولة: وهي أن يحول بين المال أو المنفعة وصاحبها.
وفي تقسيم عام تنقسم المضمونات إلى قسمين رئيسين: وهما: ضمان العقد. وضمان اليد.
فضمان العقد: ما عُيِّن في صلب عقد بيع أو سلم أو إجارة أو صلح أو نحو ذلك، ومردّه إلى ما اتّفق عليه المتعاقدان أو بدله.
وضمان اليد نوعان: لأنّ اليد إمّا مؤتمنة كالوديعة والشّركة والمضاربة والوكالة، ونحوها، إذا وقع فيها التّعدّي صارت اليد يد ضمان، فيضمن عند ذلك إذا تلفت بنفسها كما لو لم يكن مؤتمناً.
وإمّا يد غير مؤتمنة، كيد الغاصب، والمستام، والمستعير، والمشتري شراء فاسداً. وضمان اليد مردّه إلى المثل أو القيمة.
والفرق بين ضمان اليد وضمان الإتلاف أنّ ضمان اليد متعلّق بالمباشرة والسّبب لوجوده في كلّ منهما، وضمان الإتلاف يتعلّق الحكم فيه بالمباشرة دون السّبب سواء كان نفساً أو مالاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا غصب حيواناً فذبحه، أو مات عنده، فعليه ضمان وغرم
стр. 4186
قيمته لصاحبه.
ومنها: أحرق ثوب صاحبه فعليه ضمان قيمته، وسواء أكان الإحراق عمداً أو خطأ.
ومنها: حفر بئراً في الطّريق بغير إذن فسقط فيها إنسان أو دابّة فهو ضامن.
ومنها: استأجر دابّة وشرط عليه المؤجر أن لا يحمّلها أكثر من مقدار عيَّنه، فحمّلها أكثر فعطبت، فهو ضامن.
ومنها: أودع وديعة فقصّر في حفظها فسرقت فهو ضامن؛ لأنّ الأمانات الشّرعيّة تضمن بالتّفويت.
ومنها: إذا نقل الغاصب المغصُوب إلى بلد آخر فهلك أو ضاع فللمالك المطالبة بالقيمة في الحال للحيلولة، فإذا ردّ الغاصب المغصوب وجب على المالك ردّ القيمة.
стр. 4187
القاعدة الرّابعة والتّسعون بعد الثّلاثمئة [تملّك المضمُونات]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المضمونات تملك بالضّمان (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة وإن كان لها ارتباط بسابقتها من حيث وجوب الضّمان بأسبابه، لكنّها تمثل رأياً للحنفيّة: وهو أنّ المال المضمون إذا أدّى الضّامن ضمانه للمضمون له - مِثلاً أو قيمة - فإنّه - أي الضّامن - يملك المضمون، وهذا واضح ومتّفق عليه فيما إذا كان الضّمان ضمان عقد. وأمّا إذا كان الضّمان ضمان يد ففيه الخلاف. فعند الحنفيّة بناء على مضمون هذه القاعدة: أنّ الضّامن يملك المضمون مطلقاً إذا أدّى ضمانه سواء أكان ضمان عقد أم ضمان يد، وخالفهم الجمهور في ضمان اليد فلا يملكه الضّامن وإن أدّى ضمانه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى سيّارة بثمن ودفعه لبائعها، فإنّ المشتري يملك السّيّارة قطعاً، وليس للبائع بعد ذلك حقّ الرّجوع بدون وجود شرط.
ومنها: إذا غصب شخص سيّارة آخر، ثمّ ادّعى سرقتها أو ضياعها أو هلاكها، وأدّى لصاحبها ضمانها وغرامتها، ثم وجدها،
стр. 4188
فإنّ عند الحنفيّة أنّ الغاصب عندما أدّى الضّمان فقد ملك السّيّارة المغصوبة، ولا حقّ لصاحبها في استرجاعها وقد أخذ قيمتها. ولكن عند غير الحنفيّة لصاحبها حقّ ردّ الضّمان المأخوذ واسترجاع سيّارته.
ومنها: إذا غصب حنطة فطحنها أو ثوباً فخاطه، أو شاة فذبحها، فعند الحنفيّة إنّ الغاصب يملك المغصوب وينتقل حقّ المالك إلى المثل أو القيمة، وعند غيرهم يجب ردّ المغصوب، وإذا نقص فعليه أرش النّقصان.
стр. 4189
القاعدتان الخامسة والسّادسة والتّسعون بعد الثّلاثمئة [الإقرار بالعقد - مطلق العقد]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
مطلق الإقرار بالعقد يتناول الصّحيح من العقد (١).
وفي لفظ: مطلق العقود الشّرعية محمول على الصّحّة (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
سبق لهاتين القاعدتين مثل. ينظر من قواعد حرف الصّاد القاعدة رقم ٩.
العقود الشّرعيّة كالنّكاح والبيع والإجارة وغيرها الأصل فيها عند الإطلاق الصّحّة؛ لأنّها مقصود المتعاقدين، والشّرع إنّما شرع العقود لتبادل المنافع، فمبناها على الصّحّة لا الفساد، وعلى ذلك إذا أقرّ بعقد مطلق فإن ذلك لا يتناول إلا الصّحيح من العقود، ولا ينصرف إلى الفاسد منها.
وبناء على ذلك فإنّ مدَّعِي صحّة العقد متمسّك بالأصل، ومدّعي الفساد متمسّك بخلاف الأصل فعليه البيِّنة، وعلى المتمسّك بالأصل اليمين ويكون القول قوله.
стр. 4190
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومدلولهما:
إذا عقدا عقد نكاح بشروطه فهو صحيح يفيد موجبه ومقتضاه، فإذا ادّعى أحدهما فساد العقد فعليه البيِّنة لأنّه متمسّك بخلاف الأصل، والقول لمدّعي الصّحّة مع يمينه؛ لأنّه منكر لسبب الفساد فعليه اليمين إذا عجز مدّعِي الفساد عن البيِّنة.
ومنها: إذا عقدا عقد بيع أرض أو عقار بشروطه، فهو صحيح يفيد موجبه ومقتضاه، ولا يسمع قول مدّعي الفساد إلا ببيِّنة على دعواه؛ لأنّ الأصل في العقود الصّحّة.
ومنها: إذا أمر رجلاً أن يضمن لرجل ألف درهم ويكفله بها، فضمنها، فهي لازمة على الكفيل، يأخذه بها الطّالب؛ لأنّه التزمها، ولا يكلَّف الطّالب - أي الدّائن - تفسير وجه هذا المال من أين كان وكيف كان، ولكن يؤخذ الكفيل بالضّمان بإقراره أو بالبيِّنة التي قامت للطّالب عليه بالضّمان؛ لأنّ عقد الكفالة مطلق وهو مبني على الصّحّة.
ومنها: إذا تفاوض اثنان وافترقا، ثم ادّعى أحدهما أنّ صاحبه كان شريكه بالثّلث، وادّعى صاحبه النّصف، وكلاهما مقرّ بالمفاوضة، فجميع المال من العقار وغيره بينهما نصفان؛ لأنّ موجب المفاوضة المساواة في ملك المال، فاتّفاقهما على المفاوضة يكون اتّفاقاً على حكمها، وهو أنّ المال بينهما نصفان. ثمّ مدّعي التّفاوت يكون راجعاً بعد الإقرار ومناقضاً في كلامه، و (مطلق الإقرار بالعقد يتناول الصّحيح من العقد).
стр. 4191
القواعد السّابعة والثّامنة والتّاسعة والتّسعون بعد الثّلاثمئة والقاعدة المتمّمة للأربعمئة
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
مطلق الإذن ينصرف إلى المتعارف (١).
ومطلق اللفظ في الإقرار ينصرف إلى المعتاد (٢).
وفي لفظ: مطلق العقد ينصرف إلى المتعارف (٣) - أو يتقدّر بدلالة العرف (٤).
وفي لفظ: مطلق التّسمية محمول على المتعارف بين الناس (٥). أو مطلق اللفظ - في مخاطباتهم (٦).
وفي لفظ: مطلق التّسمية في العقد تنصرف إلى المتعارف (٧).
وفي لفظ: مطلق التّسمية ينصرف إلى ما هو المعروف بالعرف (٨).
стр. 4192
وفي لفظ: المعتبر في التّسمية العرف (١). [الإذن، الإقرار، التّسمية، العرف]
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
هذه القواعد تندرج وتتفرّع على قاعدة (العادة محكَّمة)، فهذه القواعد تبيّن أثر العرف وعادة الناس في معاملاتهم وتصرّفاتهم القوليّة، فالإذن بعمل شيء ما إذا كان مطلقاً عن الشّروط فهو ينصرف ويتقيّد بالمتعارف في مثل ذلك التّصرّف، وكذلك إذا أقرّ إقراراً مطلقاً بأمر ما فهو ينصرف إلى المتعارف المعتاد في مثله، وإذا أطلق لفظ عقد كبيع أو نكاح أو إجارة أو هبة أو غير ذلك فإنّه ينصرف دائماً إلى المتعارف المعمول به بين الناس في العادة، وكذلك بالنّسبة للمذكور في اليمين إلا إذا وجد صارف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
من استعار دابّة ليركبها إلى مكان معلوم فأخذ بها من طريق آخر لا يسلكه الناس عادة فهلكت فهو ضامن؛ لمخالفة المتعارف، وهذا على القول بأنّ العارية غير مضمونة في الأحوال العاديّة.
ومنها: إذا أقرّ لآخر بمزرعة أو بستان كان للمقرّ له الشّجر والأرض والنّخل؛ لأنّ اسم البستان أو المزرعة عند الإطلاق يجمع الكلّ.
стр. 4193
ومنها: إذا أقرّ أنّ هذا النّخل لفلان، فأراد المقرّ له أن يأخذ الأرض كلّها, لم يكن له ذلك، وإنّما له النّخل بأصوله من الأرض، ولا يستحقّ الطّريق ولا ما بين النّخيل من الأرض؛ لأنّ النّخيل اسم للشّجر، ولا يسمّى نخلاً إلا وهو ثابت، فأمّا بعد القطع فيسمى جذوعاً.
ومنها: إذا اشترى من بائع سيّارة بخمسين ألفاً. فينصرف هنا - في السّعودية - إلى النّقد المتعارف والمتعامل به بين الناس عند الإطلاق، وهو الرّيال السّعودي، وأمّا في بلد آخر فإنّما ينصرف إلى عملة تلك البلد إن كان ريالات أو دنانير أو جنيهات أو غيرها من أنواع النّقد المختلفة باختلاف البلدان.
لكن إذا نُصَّ على نقد مخصوص فهو الواجب أداؤه.
стр. 4194
القاعدتان الواحدة والثّانية بعد الأربعمئة [ما يقتضي المساواة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
مطلق الاشتراك - أو الشّركة - يقتضي المساواة (١).
وفي لفظ: مطلق كلمة "بين" يقتضي المساواة (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
لفظ الاشتراك والشّركة يقتضي بحسب دلالته الاصطلاحيّة المساواة بين الشّريكين، وكذلك إذا ورد لفظ (بين) في معاملة أو تصرّف فإنّه يقتضي كذلك المساواة؛ لأنّ لفظ الاشتراك افتعال من الشّركة، ولا يكون إلا بين اثنين أو أكثر، وكذلك لفظ (بين) في اللغة لا يأتي إلا لبيان المشاركة فيما أضيف إلى الأشخاص.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومدلولهما:
إذا قال: هذه الأرض مشتركة بيني وبين فلان، فيقتضي ذلك المساواة بينهما في الاستحقاق وسببه، إلا إذا نُصَّ على التّفاوت.
ومنها: إذا دفع مالاً لشخص مضاربة علىَ أنّهما شريكان في الرّبح، ولم يسمّ نصفاً ولا غيره، فهو جائز، وللمضارب نصف
стр. 4195
الرّبح.
ومنها: إذا قال: ثلث مالي بين فلان وفلان، أو هذا المال بين فلان وفلان، كان مناصفة بينهما.
стр. 4196
القاعدة الثّالثة بعد الأربعمئة [الإقرار بالمال]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مطلق الإقرار بالمال ينصرف إلى الالتزام بسبب عقد مشروع (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا أقرّ شخص لآخر بمبلغ من المال - فلا يُسأل المُقِرُّ عن سبب هذا المال، ولماذا كان عنده - لأنّه من باب حسن الظّنّ بالمسلمين - فإنّ هذا الإقرار ينصرف إلى التزام المال بسبب عقد مشروع.
ولا يحقّ لأحد أن يسأل المُقرَّ على سبب التزامه لهذا المال.
لكن إذا كانت هناك شبهة قوية تشير إلى سبب محرّم فلا مانع أن يسأل القاضي المقرّ على سبب التزامه؛ لاحتمال أن يكون التزمه بسبب محرّم كالقمار أو الرّبا، أو الرّشوة، أو غير ذلك من الأسباب المحرّمة. وهذا إذ فشا الفساد بين الناس كما في زمننا هذا.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أقرّ الرّجل أو المرأة أنّ لفلان علي عبداً، ثم أنكره فإنّه يقضى عليه بقيمة عبد وسط، كما يقضى في المهر - أي إذا جعل مهر زوجته عبداً مطلقاً بدون وصف - فلها عبد وسط.
ومنها: إذا أقرّ بألف لفلان أو بمئة ألف، فلا يسأل عن سبب هذا الدّين، بل يطالب بالأداء إذا طالبه المُقرُّ له.
стр. 4197
القاعدتان الرّابعة والخامسة بعد الأربعمئة [التّوكيل والوكالة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
مطلق التّوكيل ينصرف إلى ما يجوز للموكِّل أن يفعله بنفسه شرعاً، دون ما يكون ممنوعاً عنه (١).
وفي لفظ: مطلق الوكالة يتقيّد بالمعتاد. أي بالعرف (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
الوكالة: نيابة، إذ ينوب الوكيل عن الموكّل فيما وكّله فيه، والتّوكيل بمعنى الوكالة، وسواء كانت الوكالة أو النّيابة قوليّة أو فعليّة.
فالقاعدة الأولى: مفادها أنّ التّوكيل المطلق - أي إذا وكّل شخص آخر وكالة مطلقة عن القيود - أي وكالة عامّة - فإنّما تنصرف إلى ما يجوز للموكّل أن يفعله بنفسه شرعاً - أي إلى التّصرّفات الشّرعيّة المباحة -.
لكن ما منع منه الشّرع، ولا يجوز للموكّل أن يفعله بنفسه، فلا يجوز للوكيل أن يفعله لموكّله كذلك.
стр. 4198
والقاعدة الثّانية: مفادها أنّه إذا وكّل شخص آخر وكالة مطلقة عن القيود والشّروط فإنّما تتقيّد بالمعتاد المتعارف بين الناس؛ لأنّ العادة والعرف يقيّدان تصرّفات المكلّفين المطلقة ما لم ينصّ على خلاف ذلك في عقد الوكالة.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
وكلّ شخص آخر في قبض ديونه، فإنّ الوكيل عليه أن يطالب الدّائنين ويستوفي منهم بالطّرق المشروعة، فلا يجوز له مثلاً: أن يؤخّر ديناً على مدين مقابل زيادة في الدّين؛ لأنّ هذا رباً ممنوع ولا يجوز للموكّل أن يفعله بنفسه، فكذلك الوكيل.
ومنها: لا يجوز للوكيل أنَ يبيع ديناً بدين؛ لأنّ هذا ممنوع شرعاً، ولا يجوز للموكّل أن يفعله بنفسه. لكن إذا باع الدّين ممّن عليه الدّين فهو جائز.
ومنها: لا يجوز للوكيل أن يستوفي ديناً من ثمن ميتة أو خمر أو خنزير، مع علمه بذلك؛ لأنّ الميتة ليست بمال أصلاً، فلا ثمن لها يكون ديناً، والخمر والخنزير ليسا مالين عند المسلمين، فلا يكون ثمنهما ديناً لمسلم.
ومنها: إذا وكّله في تزويجه من امرأة كان الموكّل قد تزوّج أمّها، أو كانت ذات رحم محرم منه أو أربع سواها خرج الوكيل من الوكالة؛ لأنّه - أي الموكّل - صار بحال لا يملك مباشرة العقد عليها بنفسه بما أحدث من التّصرّف، وذلك عزل منه للوكيل.
стр. 4199
ومنها: إذا وكّلته امرأة في تزويجها فزوّجها من غير كفء لم يجز - وهو الأصحّ؛ لأنّها ممنوعة من أن تزوّج نفسها من غير كفء.
ومنها: إذا وكّله ببيع شيء فللوكيل أن يبيع بالنّقد - لا بالنّسيئة - بما يتغابن به الناس في مثله، ولا يجوز البيع بغبن فاحش ليس بمعتاد، وكذلك لو وكّله بشراء شيء.
ومنها: إذا قال: بيع هذا لفلان. فلا يجوز أن يبيع لغيره.
ومنها: إذا وكّله بالبيع لأجل. فلا يجوز للوكيل أن يبيع بأجل غير متعارف بين أهل السّوق.
стр. 4200
القاعدة السّادسة بعد الأربعمئة [مطلق العقد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مطلق العقد يقتضي تسليم المعقود عليه في الحال (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
العقد المطلق عن الشّرط والبيان يوجب تسليم المعقود عليه - الثّمن والمبيع - في الحال - أي في مجلس العقد - إلا إذا نُصَّ على خلاف ذلك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا تبايع اثنان سلعة بعقد مطلق فموجب العقد يقتضي أن يسلّم البائع السّلعة إلى المشتري، ويسلّم المشتري الثّمن إلى البائع في الحال. أي في مجلس العقد.
ومنها: إذا عقدا عقد نكاح فمقتضى العقد تسليم الزّوجة لزوجها بعد تسليم المهر في مجلس العقد، ولكن مطلق عقد النّكاح يتقيّد بالمتعارف والمعتاد، وهو أنّ الزوجة لا تسلّم نفسها للزّوج - وإن دفع مهرها - إلا بعد حفل الزّفاف المتعارف والمعتاد بين النّاس في هذه الأزمنة.
ومنها: من اشترى ثماراً على الشّجر بدون اشتراط القطع أو
стр. 4201
التّرك فهو جائز؛ لأنّه وشرط القطع سواء، ويؤمر بأن يقطعها في الحال بمقتضى مطلق العقد، وأمّا عند الشّافعي ﵀ يتركها إلى وقت الإدراك؛ لأنّه هو المتعارف بين الناس.
стр. 4202
القاعدة السّابعة بعد الأربعمئة [صفة السّلامة، والجودة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مطلق العقد يقتضي سلامة المعقود عليه عن العيب (١).
وفي لفظ سبق: المستحقّ بمطلق العقد صفة السّلامة - لا نهاية الجودة (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق مثال لهذه القاعدة قريباً.
إنّ مطلق العقد - أي العقد الخالي عن الشّروط والتّفصيلات - يقتضي ويوجب اتّصاف المعقود عليه بالسّلامة عن العيوب - التي توجب الرّدّ - سواء في ذلك المبيع أو الثّمن، ولا يستحقّ بإطلاق العقد نهاية الجودة في المعقود عليه؛ لأنّ نهاية الجودة إنّما تستحقّ بالشّرط لا بمطلق العقد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى عبداً فوجده مخنّثاً أو سارقاً أو كافراً، فله أن يردّه؛ لأنّ هذه عيوب يردّ بها، ومطلق العقد يقتضي السّلامة عن العيب.
стр. 4203
ومنها: إذا اشترى سيّارة، وبعد ذلك وجد أن محرّكها مستهلك فله ردّها؛ لأنّ هذا عيب تردّ به.
ومنها: إذا اشترى بقرة سليمة من العيوب - وهي حلوب - ولكن ليس لبنها غزيراً، فلا يردّها بذلك؛ لأنّ نهاية الجودة لا تستحقّ إلا بالشّرط لا بمطلق العقد.
ومنها: إذا استأجر سيّارة لتوصله إلى مكّة، فإنّ على السّائق أن يخرج به فيها في وقت يدرك فيه الحجّ بلا مشقّة على المستأجر، وذلك بحسب المتعارف بين الناس في الوقت الذي يمكن أن يقطع فيه المسافة من موطنه إلى مكّة بدون مشقّة ولا إرهاق زائد عن الحدّ المحتمل والمعروف، وإذا أراد المستأجر حمل السّائق على أن يخرج به قبل وقت الحجّ بزمن طويل فليس له ذلك إلا بالشّرط.
стр. 4204
القاعدتان الثّامنة والتّاسعة بعد الأربعمئة [المطلق وتنزيله]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
المطلق عند عدم القرينة ينزل على أقل المراتب (١).
وعند الحنفيّة: المطلق من الألفاظ ينصرف إلى الكامل من المعاني (١).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هاتان القاعدتان متقابلتان، وتمثلان رأيين مختلفين لمذهبين.
أولاهما: تمثّل رأي الشّافعيّة في حكم اللفظ المطلق وعلام ينزل؟ فعندهم ينزل على أقلّ المراتب. أي على أقلّ ما ينطلق عليه الاسم.
وثانيتهما: تمثّل رأي الحنفيّة حيث ينزلون اللفظ المطلق ويصرفونه إلى الكامل من المعاني.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا وكّل شخصاً في شراء عبد كاتب أو بقرة حلوب، فاشترى له عبداً يكتب أدنى كتابه، فعند الشّافعيّة يلزمه، وكذلك لو اشترى له بقرة حلوباً نزرة الحلب غير غزيرته فكذلك تلزمه.
ومنها: إذا حلف أن لا يأكل لحماً، فلا يحنث بأكل السّمك، وحجّة الحنفيّة أنّه ليس لحماً كاملاً، لعدم وجود الدّم في السّمك.
стр. 4205
والشّافعيّة لا يحنث عندهم أيضاً لكن للعرف حيث لا يطلق في العرف على السّمك لحم.
ومنها: عند الشّافعيّة أنّه لو مسح ثلاث شعرات من رأسه في الوضوء لجاز لأنّه أدنى ما يطلق عليه اسم المسح.
ومنها: إذا باع بثمن مطلق ينزل على نقد البلد فإن لم يكن وكان له محملان أخفّ وأثقل حُمِل على أخفّهما عملاً بأقلّ ما يقتضيه الاسم.
ومنها: إذا عقدا عقد بيع مطلق ينصرف ويحمل على العقد الصّحيح الكامل.