التّرك فهو جائز؛ لأنّه وشرط القطع سواء، ويؤمر بأن يقطعها في الحال بمقتضى مطلق العقد، وأمّا عند الشّافعي ﵀ يتركها إلى وقت الإدراك؛ لأنّه هو المتعارف بين الناس.
стр. 4202
القاعدة السّابعة بعد الأربعمئة [صفة السّلامة، والجودة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مطلق العقد يقتضي سلامة المعقود عليه عن العيب (١).
وفي لفظ سبق: المستحقّ بمطلق العقد صفة السّلامة - لا نهاية الجودة (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق مثال لهذه القاعدة قريباً.
إنّ مطلق العقد - أي العقد الخالي عن الشّروط والتّفصيلات - يقتضي ويوجب اتّصاف المعقود عليه بالسّلامة عن العيوب - التي توجب الرّدّ - سواء في ذلك المبيع أو الثّمن، ولا يستحقّ بإطلاق العقد نهاية الجودة في المعقود عليه؛ لأنّ نهاية الجودة إنّما تستحقّ بالشّرط لا بمطلق العقد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى عبداً فوجده مخنّثاً أو سارقاً أو كافراً، فله أن يردّه؛ لأنّ هذه عيوب يردّ بها، ومطلق العقد يقتضي السّلامة عن العيب.
стр. 4203
ومنها: إذا اشترى سيّارة، وبعد ذلك وجد أن محرّكها مستهلك فله ردّها؛ لأنّ هذا عيب تردّ به.
ومنها: إذا اشترى بقرة سليمة من العيوب - وهي حلوب - ولكن ليس لبنها غزيراً، فلا يردّها بذلك؛ لأنّ نهاية الجودة لا تستحقّ إلا بالشّرط لا بمطلق العقد.
ومنها: إذا استأجر سيّارة لتوصله إلى مكّة، فإنّ على السّائق أن يخرج به فيها في وقت يدرك فيه الحجّ بلا مشقّة على المستأجر، وذلك بحسب المتعارف بين الناس في الوقت الذي يمكن أن يقطع فيه المسافة من موطنه إلى مكّة بدون مشقّة ولا إرهاق زائد عن الحدّ المحتمل والمعروف، وإذا أراد المستأجر حمل السّائق على أن يخرج به قبل وقت الحجّ بزمن طويل فليس له ذلك إلا بالشّرط.
стр. 4204
القاعدتان الثّامنة والتّاسعة بعد الأربعمئة [المطلق وتنزيله]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
المطلق عند عدم القرينة ينزل على أقل المراتب (١).
وعند الحنفيّة: المطلق من الألفاظ ينصرف إلى الكامل من المعاني (١).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هاتان القاعدتان متقابلتان، وتمثلان رأيين مختلفين لمذهبين.
أولاهما: تمثّل رأي الشّافعيّة في حكم اللفظ المطلق وعلام ينزل؟ فعندهم ينزل على أقلّ المراتب. أي على أقلّ ما ينطلق عليه الاسم.
وثانيتهما: تمثّل رأي الحنفيّة حيث ينزلون اللفظ المطلق ويصرفونه إلى الكامل من المعاني.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا وكّل شخصاً في شراء عبد كاتب أو بقرة حلوب، فاشترى له عبداً يكتب أدنى كتابه، فعند الشّافعيّة يلزمه، وكذلك لو اشترى له بقرة حلوباً نزرة الحلب غير غزيرته فكذلك تلزمه.
ومنها: إذا حلف أن لا يأكل لحماً، فلا يحنث بأكل السّمك، وحجّة الحنفيّة أنّه ليس لحماً كاملاً، لعدم وجود الدّم في السّمك.
стр. 4205
والشّافعيّة لا يحنث عندهم أيضاً لكن للعرف حيث لا يطلق في العرف على السّمك لحم.
ومنها: عند الشّافعيّة أنّه لو مسح ثلاث شعرات من رأسه في الوضوء لجاز لأنّه أدنى ما يطلق عليه اسم المسح.
ومنها: إذا باع بثمن مطلق ينزل على نقد البلد فإن لم يكن وكان له محملان أخفّ وأثقل حُمِل على أخفّهما عملاً بأقلّ ما يقتضيه الاسم.
ومنها: إذا عقدا عقد بيع مطلق ينصرف ويحمل على العقد الصّحيح الكامل.
стр. 4206
القاعدتان العاشرة والحادية عشرة بعد الأربعمئة [فعل المسلم]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
مطلق فعل المسلم محمول على ما يحلّ شرعاً (١).
وفي لفظ: مطلق فعل المشتري المسلم محمول على ما يحلّ شرعاً، ما لم يظهر خلافه (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هاتان القاعدتان إحداهما خاصّة، والأخرى عامّة.
المسلم الأصل في تصرّفاته كلّها حملها على ما يحل ويباح شرعاً؛ لأنّ المسلم مفروض فيه الورع والتّقوى، والبعد عن المشتبهات عدا عن المحرّمات، ولذلك فإنّ المسلم إذا باع أو اشترى فإنّما يحمل فعله وتصرّفه على ما يحلّ شرعاً لا على ما يحرم، إلا إذا ظهر خلاف ذلك، فيعامل بموجب ما ظهر، وليس ذلك خاصّاً بالمشتري.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا أقرّ أنّه اشترى هذه السّيّارة من البائع وقبضها، فإنّ عليه أن ينقد الثّمن للبائع، وليس للبائع أن يستردّ السّيّارة؛ لأنّ ثبوت حقّ البائع بإمساك السّيّارة قد سقط بتسليمها للمشتري برضاه، ولكن إذا أثبت البائع
стр. 4207
أنّ المشتري قد قبض السّيّارة بغير إذن - وذلك لا يحلّ شرعاً - فإنّ له أن يستردّ السّيّارة ما لم يدفع المشتري الثّمن.
ومنها: إذا طالبه بدين عليه فلا يُسأل عن سببه - كما سبق قريباً - لأنّ فعل المسلم محمول على ما يحلّ شرعاً.
ومنها: إذا تترّس الكفّار بأسارى من المسلمين فيجوز الرّمي على الكفّار، وينوي الرّامي المشركين المقاتلين برميه دون غيرهم، وعليهم - أي الرّماة المسلمين - أن يتحرّزوا بقدر الاستطاعة، فإذا رمى مسلم صفّ كفّار فأصاب مسلماً تترّسوا به، واختلف الرّامي وولي المقتول، فقال الولي: لقد رميته قاصداً قتله بعد ما علمت أنّه مكره من جهتهم، وقال الرّامي: إنّما تعمدّت المشركين بالرّمي، فإنّ القول قول الرّامي مع يمينه؛ لأنّه منكر سبب وجوب الضّمان عليه، والظّاهر شاهد له، و (مطلق فعل المسلم محمول على ما يحل شرعاً).
стр. 4208
القواعد الثّانية عشرة والثّالثة عشرة والرّابعة عشرة بعد الأربعمئة [مطلق الكلام]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
مطلق الكلام محمول على قصد المتكلم (١).
وفي لفظ: مطلق الكلام يجب تحصيله على قصد المتكلّم (٢).
وفي لفظ: مطلق الكلام يتقيّد بالمقصود (٣).
وفي لفظ: مطلق الكلام يتقيّد بدلالة الحال وبما يعلم من مقصود المتكلّم (٤).
وفي لفظ: مطلق اللفظ يتقيّد بمقصود الحالف (٥).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
سبق قريباً أنّ كلام العاقل محمول على الصّحّة ما أمكن، وعلى ما يحلّ - كما سيأتي أيضاً - ولكن هذه القواعد تفيدنا أموراً أخرى،
стр. 4209
وهي أنّ كلام العاقل مع وجوب حمله على الصّحّة ما أمكن فيجب كذلك - إذا ورد مطلقاً - أن يتقيّد بقيود تحدّد معالمه وتقيّد إطلاقه وتخصّص عمومه، ومن هذه القيود قصد المتكلّم ونيّته من وراء كلامه ولفظه بغضّ النّظر عن دلالة الألفاظ اللغوية، وذلك إذا قام دليل على نيّته وقصده؛ لأنّ القصد والنّيّة أمران قلبيان، فلا بدّ من دليل يدل عليهما، فمن تكلّم بكلام مطلق وقصد به معنى أو غرضاً خاصّاً، فإن ذلك القصد يقيد إطلاق ذلك الكلام، وبخاصّة في باب الأيمان. وينظر من قواعد حرف الكاف القاعدة ٢٦.
وممّا يقيد مطلق الكلام أيضاً العرف والعادة ودلالة الحال والبساط - أي ملابسات وظروف إطلاق اللفظ.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا كان في صلاة فقرع أحدهم عليه بابه، فرفع صوته بالقراءة، أو قال: سبحان الله، ليسمعه الطّارق فينصرف أو ينتظر، لم تفسد صلاته؛ لأنّه قصد برفع الصّوت والتّسبيح صيانة صلاته عن القطع لفتح الباب.
ومنها: إذا كان في صلاته فأخبره أحدهم بخبر سوء، فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون. إن أراد وقصد جواب المُخبِر قطعت صلاته، وإلا لم تقطع.
ومنها: إذا نسب رجلٌ رجلاً إلى غير أبيه في حالة غضب وشجار وسبّ فعليه الحدّ؛ لأنّه يُعلم أنّ مقصوده في حال الغضب إلحاق
стр. 4210
الشّين به في ذكر نسبة أمّه إلى الزّنا، وهذا من كنايات القذف.
ومنها: إذا قال: وهو في صلاته: يا يحيى خذ الكتاب بقوّة. وأراد القراءة لم يضرّه. وأمّا إن أراد مخاطبة إنسان، اسمه يحيى، فسدت صلاته.
ومنها: إذا حلف لا يأكل لحماً. ونوى لحم البقر مثلاً، لا يحنث بأكل لحم الضّأن أو الماعز أو الإبل؛ لأنّ نيّته وقصده قيَّد إطلاق لفظه.
ومنها: إذا قال القائد: من جاء برأس فله مئة دينار، فهذا جائز، وهو على رؤوس الرّجال المقاتلين ليس على السّبي بدلالة الحال والمقصود.
ومنها: إذا قال أهل حصن كفّار للمسلمين: نصالحكم على أن تؤمنونا على ألف دينار، ولم يوقّتوا وقتاً. فهذا على خروج السّريّة إلى دار الإسلام؛ لأنّه يعلم من مقصودهم بهذا الصّلح الأمن من الخوف الذي نزل بهم، وإنّما يتمّ ذلك بخروج السّريّة إلى دار الإسلام.
стр. 4211
القواعد الخامسة عشرة إلى الثّامنة عشرة بعد الأربعمئة
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
مطلق الكلام محمول على عرف أهل اللسان (١).
وفي لفظ: مطلق الكلام محمول على المتعارف والظّاهر (٢).
وفي لفظ: مطلق اللفظ - في اليمين - محمول على ما يتفاهمه النّاس في مخاطباتهم (٣).
وفي لفظ: مطلق اللفظ محمول على المفهوم عرفاً (٤). أو يتقيّد بالعرف.
وفي لفظ: مطلق اللفظ محمول على معاني كلام النّاس، وما يتفاهمونه في مخاطباتهم (٥).
وفي لفظ: مطلق الفعل محمول على ما هو المعتاد (٦).
وفي لفظ سبق: في الأيمان يعتبر العرف (٧).
стр. 4212
وفي لفظ: المطلق من الكلام يتقيّد بدلالة العرف (١).
[مطلق الكلام واللفظ والفعل، العرف]
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
هذه القواعد تتعلّق بدلالة الألفاظ عند الإطلاق، وما الذي يقيّد ذلك الإطلاق، فعند إطلاق الكلام أو الألفاظ تحمل مدلولاتها على معاني كلام النّاس وما يقصدونه وما يتفاهمونه بينهم بناء على العرف والعادة السّائدين بينهم، ولا يجوز حملها على معانيها اللغوية إلا إذا قامت الأدلّة على إرادة ذلك.
وهذه القواعد منها ما هو عام في كلّ كلام وكلّ لفظ يتخاطب به الناس، ومنها ما هو خاصّ يتعلّق بالأيمان وما يحلف عليه الناس، ومنها ما يتعلّق بالأفعال التي تصدر عن المكلّفين، وكلّ هذه يحكم في مدلولاتها العرف والعادة السّائدين بين النّاس، وبخاصّة فيما يتعلّق بالأيمان، فالعرف يقيّد مخاطبات النّاس وأيمانهم وأفعالهم ما لم يدلّ دليل أو قرينة حال أو قصد على خلاف العرف أو العادة، وقد سبق لهذه القواعد أمثال.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا حلف لا يأكل بيضاً. فيحمل على ما تعارفه الناس وتفاهموه وهو بيض الدّجاج بخاصّة، وإن كان لفظه مطلقاً، ولا يحمل على
стр. 4213
إطلاقه إلا إذا نواه.
ومنها: لو حلف لا يسكن دار فلان هذه. فسكن غرفة منها. حنث؛ لأنّ السّكنى في الدّار هكذا تكون.
ومنها: إذا أوصى لخادمة أن تقيم مع ابنيه الصّغيرين حتى يستغنيا، ثم هي حرّة، ولا وارث له غيرهما، وهي تخرج من ثلثه. فعليها خدمتهما حتى يدركا - أي يبلغا - فإذا أدركا فقد عتقت.
ومنها: إذا حلف لا يكفل بفلان, أو لا يضمن فلاناً، فكفل عنه بمال لم يحنث؛ لأنّ الكفالة بفلان إذا أطلقت فإنّما يفهم منها الكفالة بالنّفس، إلا إذا عنى ونوى المال. وهذا على عرف زمانهم في مخاطباتهم، لكن إذا تغيّر العرف وصار معنى الكفالة بفلان أو ضمان فلان هو كفالة ما يلزمه أو ضمان ما يلزمه، فلو حلف على ذلك، فهو يحنث إذا كفل عنه بمال. أمّا إذا حلف لا يضمن لفلان شيئاً فضمن له بنفس أو مال، فهو حانث؛ لأنّه قد ضمن له؛ لأنّ المفهوم من هذا اللفظ التزام المطالبة بتسليم شيء مضمون له، وقد وجد ذلك.
ومنها: إذا دفع مالاً مضاربة واشترط على المضارب أن يشتري به الثّياب ويبيعها، فاسم الثّياب اسم جنس للملبوس في حقّ بني آدم، فله أن يشتري به ما شاء من ذلك كالخزّ والحرير والكتّان القطن وكلّ ما يلبس، لكن ليس له أن يشتري السّتائر والبسط والسّجّاد والوسائد والفرش؛ لأنّ كلّ ذلك من جنس الفرش ولا يتناوله اسم الثّياب في العادة مطلقاً.
стр. 4214
ومنها: إذا دفعه إليه على أن يشتري به البز فليس له أن يشتري به من ثياب الخزّ والحرير والطيالسة والأكسية شيئاً، وإنّما يشتري ثياب القطن والكتّان فقط. لأنّ البزاز في عرف الناس من يبيع ثياب القطن والكتّان. وهذا شيء مبناه على عرف الناس في ذلك الزّمن وليس من فقه الشّريعة.
стр. 4215
القاعدتان التّاسعة عشرة والعشرون بعد الأربعمئة [مطلق الكلام - دلالة الحال]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
مطلق الكلام يتقيّد بدلالة الحال (١)، ويصير ذلك كالمنصوص عليه (١).
وفي لفظ: مطلق الكلام يتقيّد بما سبق فعلاً أو قولاً (٢).
وفي لفظ: مطلق الكلام يتقيّد بما هو المعلوم - أو الغالب - من دلالة الحال (٣).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هذه القواعد لها صلة بما سبقها من قواعد، من حيث إنّ موضوعها ما يقيد مطلق الكلام، فالكلام المطلق كما يقيّده العرف، يقيّده أيضاً أحد شيئين: الأوّل: دلالة الحال - أي البساط أو ملابسات وحيثيات الكلام -. والثّاني: ما سبقه من فعل أو قول.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومدلولهما:
إذا دعاه ليتغدّى عندهُ. فحلف أن لا يتغدّى. ثم ذهب إلى بيته
стр. 4216
وتغدّى. لا يحنث؛ لأنّه حلف على غداء صاحبه، بدليل الكلام السّابق والحال السّابقة.
ومنها: إذا أنفق على لقيط قبل إذن الإِمام فتلك النّفقة تعتبر تطوّعاً وتبرّعاً منه، ولا تصبح ديناً في ذمّة اللقيط. لكن إذا أمره القاضي أن ينفق عليه على أن يكون ذلك ديناً عليه فهو جائز، وهو دين على اللقيط.
ومنها: إذا حلف لا يسكن داراً لفلان - وهو ينوي بأجر أو عاريَّة - وسكنها على غير ما عنى، ولم يجر قبل ذلك كلام فإنّه يحنث. وما نوى لا يغني عنه شيئاً؛ لأنّه نوى التّخصيص فيما ليس فيه لفظ، فإنّ في لفظه فعل السّكنى - وهو نوى التّخصيص في السّبب الذي يتمكّن به من السّكنى.
لكن إن كان قبل ذلك كلام يدلّ عليه بأن استعاره فأبى فحلف وهو ينوي العاريَّة ثم سكن بأجر فحينئذ لا يحنث لدلالة الحال، فكأنّ اليمين مخصوصة بالسّكنى بالاستعارة.
ومنها: إذا قامت امرأته لتخرج فقال لها: إن خرجت فأنت طالق. كانت يمينه على تلك الخرجة فلو قعدت ثم خرجت بعد ذلك لا تطلق.
стр. 4217
القاعدة الحادية والعشرون بعد الأربعمئة [المطلق من الكلام]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المطلق من كلام العاقل محمول على المشروع (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق لهذه القاعدة أمثال. وينظر من قواعد حرف التّاء القاعدة رقم ١٠٠.
كلام العاقل عند الإطلاق يجب حمله على الصّحّة وعلى المشروع لا على البطلان والفساد؛ لأنّ العاقل إنّما يتصرّف ويتكلّم ليتحمّل مسؤوليّة تصرّفه وكلامه.
ولكي يترتّب على كلامه النّتائج المطلوبة للعقلاء والمكلّفين.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: اشتريت منك هذه السّيّارة، أو هذه السّلعة بكذا فإنّما يريد بذلك العقد الشّرعي الصّحيح لا الفاسد أو الباطل.
ومنها: إذا أقرّ أنّ لحمل فلانة عليه مبلغاً من المال، أو هذه العين ملك لما في بطن فلانة، فولدت لمدّة يعلم أنّه كان في البطن وقت الإقرار. فعند محمَّد بن الحسن ﵀ الإقرار صحيح؛ لأنّ عقل الإنسان ودينه يدعوانه إلى التّكلّم بما هو صحيح، لا بما هو لغو، فيجعل مطلق إقراره صحيحاً بمنزلة ما لو بيّن سبباً صحيحاً.
стр. 4218
القاعدة الثّانية والعشرون بعد الأربعمئة [المطلق محمول على الكمال]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المطلق محمول على الكمال الخالي عن العوارض المانعة من الجواز (١).
وفي لفظ: المطلق من الشّيء ينصرف إلى الكامل منه (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا أطلق لفظ على شيء كسلعة أو ثمن، فإنّما ينصرف ويحمل على الكامل منه لا على النّاقص، أو ما فيه عارض مانع من جوازه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا باع رجل ماله، وسُئل المفتي عن ذلك، فإنّما يفتي بصحّة البيع، وإن احتمل أنّ الرّجل غير عاقل - مثلاً -؛ لأنّ الصّحّة هي الأصل والكمال في الشّيء.
ومنها: إذا قال إنسان: تزوّجت، أو عقدت عقد نكاح على فلانة، فإنّما ينصرف ويحمل على العقد الصّحيح المستوفي شرائطه.
стр. 4219
ومنها: اشتراط العقل والضّبط والعدالة، لمّا كان لا حدَّ يرجع إليه في كمال معرفة هذه الأشياء جعل الشّرع لها حدّاً، وهو البلوغ مع العقل تيسيراً.
стр. 4220
القاعدتان الثّالثة والرّابعة والعشرون بعد الأربعمئة [مطلق النّهي]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
مطلق النّهي يوجب الفساد (١).
وفي لفظ: مطلق النّهي عن العقد يدلّ على فساده إلا أن يقوم دليل (٢). فقهيّة أصوليّة
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هاتان القاعدتان متّحدتا المعنى، لكن إحداهما أعمّ من الأخرى.
فالأولى منهما تدلّ على العموم، فإذا وجد نهي مطلق فإنّما يدلّ على فساد المنهي عنه، وإذا فسد الشّيء حَرُم، أو على أقلّ تقدير دخله كراهة تحريم أو تنزيه.
والثّانية منهما: تدلّ على نهي مخصوص بالعقود، فإذا نهى الشّارع عن عقد من العقود فذلك دليل على فساده وبطلانه، إلا أن يقوم دليل على عدم الفساد، ويكون ذلك دليلاً على كراهة التّنزيه أو التّحريم.
وكون النّهي يقتضي الفساد مسألة أصوليّة خلافيّة بين الحنفيّة وغيرهم.
стр. 4221
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
(نهى رسول الله ﷺ عن بيع ما ليس عند الإنسان). فإذا باع إنسان ما ليس عنده، فالعقد باطل.
ومنها: نهى الشّرع عن الرّبا، فمن عقد عقد ربا، فالعقد باطل وفاسد.
ومنها: بيع الحيوان باللحم إذا كان من جنس واحد مأكول اللحم، كبيع كبش بعشرين رطلاً من اللحم مثلاً. فهذا منهي عنه ويعتبر من الرّبا عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة.
ومنها: بيع الطّعام قبل قبضه، وبيع الكالئ بالكالئ، وكلّ ذلك من البيوع الفاسدة.
ومنها: النّهي عن الصّلاة بعد صلاة الفجر وصلاة العصر.
стр. 4222
القاعدة الخامسة والعشرون بعد الأربعمئة [المطلق - العام]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المطلق غير العام (١). أَصوليّة فقهيّة
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المطلق والعام مصطلحان أصوليّان فقهيّان، وكلاهما فيه عموم، ولكن يختلف أحدهما عن الآخر في نوع عمومه، فالعامّ عمومه شمولي، إذ يشمل كلّ ما يندرج تحت لفظه من أفراد. ولذلك عرَّفوا العام بأنّه (اللفظ الدّال على شيئين فصاعداً مطلقاً) (٢).
والمطلق عمومه بدلي: ولذلك قالوا في تعريفه: "ما دلّ على شيء غير معيّن باعتبار حقيقة شاملة لجنسه"، وهو النّكرة في سياق الإثبات (٣).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٤) الآية. كلّ ألفاظها عامّة من حيث إن لفظ المؤمنين
стр. 4223
والمؤمنات وما عطف عليهما ألفاظ تدلّ على شيئين فصاعداً.
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ (١) فلفظ (ما) من ألفاظ العموم.
ومنها: قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٢). فلفظ (رقبة) مطلقة دلّ على الحقيقة بدون قيد، فإذا قال: ﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٣). فهذا القيد أخرج الرّقبة عن إطلاقها, لأنّ الحقيقة قيِّدت بالإيمان.
стр. 4224
القاعدة السّادسة والعشرون بعد الأربعمئة [المطلق المتأبّد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المطلق فيما يحتمل التّأبيد بمنزلة المصرّح بذكر التّأبيد (١).
وفي لفظ: المطلق فيما يحتمل التّأبيد متأبّد (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
من المعاملات الجارية بين الناس معاملات مؤقّتة بوقت كالإجارة والسّلم، فهذه لا تحتمل التّأبيد، بل لا بدّ فيها من التّوقيت.
ومنها معاملات الأصل فيها التّأبيد أو تحتمله، فهذه إذا أطلقت على شرط التّأبيد فهي مؤبّدة كأنّه صرِّح فيها بذكر التّأبيد.
والمراد بالتّأبيد - الاستمرار إلى ما لا نهاية.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
عقد النّكاح عقدّ الأصل فيه التّأبيد ويحتمله، ولذلك لا يجوز توقيته، ولا يشترط عند العقد ذكر تأبيده.
ومنها: عقد البيع فهو عقد مؤبّد - ولو لم يشترط التّأبيد - ولا يكو مؤقّتاً.
стр. 4225
ومنها: عقد الذّمّة عقد مؤبّد، ولو لم يشترط فيه التّأبيد بخلاف عقد الموادعة والهدنة.
ومنها: إذا صالح الإمام قوماً من الكفّار على أن يؤمنوهم على مال، ولم يذكروا مدّة، بل كان العقد مطلقاً، فلا يجوز للإمام أن يقاتلهم حتى يردّ إليهم ما أخذوا منهم؛ لأنّ مقصودهم من بذل المال تحصيل الأمن لهم مطلقاً، حتى لا يتعرّض أحدٌ من المسلمين لجانبهم. فكأنّهم قالوا: آمنونا أبداً. فلذلك لا يحلّ قتالهم إلا بعد ردّ المال عليهم.
стр. 4226
القاعدة السّابعة والعشرون بعد الأربعمئة [النّذر المطلق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المطلق في النّذر يجب حمله على المعهود شرعاً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
النّذر: ما كان وعداً على شرط، ومنه نذر طاعة ونذر معصية، فنذر المعصية لا يجوز ولا يعتبر للحديث "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه" (٢) أو "لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم" (٣).
فإذا نذر عبادة نذراً مطلقاً فإنّما يجب أن يحمل وينصرف إلى المعهود من الشّرع؛ لأنّ النّذر إنّما يصحّ ويجوز بماله أصل في الشّرع.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من نذر صلاة - غير مفروضة - فيجب عليه صلاة شرعيّة لا تقلّ عن ركعتين بنيَّتها.
ومنها: ومن نذر صوماً، فيجب الصّيام الشّرعي، من طلوع
стр. 4227
الفجر إلى غروب الشّمس مع تثبيت النّيّة، ولا يجوز أن يصوم عن الكلام، أو الطّعام ليلاً. وأقلّ ما يجزئه يوم.
ومنها: من نذر هدياً وأطلق، فأقلّ ما يجزئه شاة، أو سُبُع بدنة أو سُبُع بقرة. أمّا لو عيَّن فيلزمه ما عيَّنه. وعليه إيصاله إلى فقراء الحرم.
стр. 4228
القاعدة الثّامنة والعشرون بعد الأربعمئة [المطلق، والمقيّد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المطلق لا يحمل على المقيّد في حكمين مختلفين (١). أصوليّة فقهيّة
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا ورد لفظ مطلق في حكم، وورد لفظ مقيّد في حكم آخر مختلف، ففي هذه الحال لا يحمل المطلق على المقيّد، بمعنى أنّه لا يجوز أن نعطي الحكم الذي ورد في المقيّد للمطلق، أي أنّه لا يجوز الحكم بتقييد المطلق بقيد المقيّد مع الاختلاف في الحكمين. وهذه من مسائل الخلاف بين الحنفيّة وغيرهم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ذكر الله في كفّارة القتل الخطأ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٢) فقيدت الرّقبة المجزئة في هذه الكفّارة بالإيمان، ولذلك لا يجوز عتق رقبة كافرة في كفّارة القتل الخطأ، وهذا متّفق عليه.
وذكر الله في كفّارة اليمين المنعقدة ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٣) بدون قيد الإيمان، فهي رقبة مطلقة عن القيد. فعند الحنفيّة تجزئ في
стр. 4229
كفّارة اليمين مع الحنث رقبة كافرة، ولا يجب إعتاق رقبة مؤمنة. وكذلك في الظّهار وغيره عدا القتل الخطأ؛ لأنّه لا يحمل المطلق على المقيّد في حكمين مختلفين. وهذا خلافاً للمالكيّة والشّافعيّة والرّاجح عند الحنابلة.
ومنها: إذا نفل الأمير سريّة نفلاً مطلقاً، فيكون الاستحقاق لهم في هذا بالتّساوي بين الفارس والرّاجل، ولا يقاس على الاستحقاق الثّابت لهم بالغنيمة؛ لأنّ النّفل غير الغنيمة، ولا يحمل، المطلق على المقيّد في حكمين مختلفين، لكن إن بيَّن الأمير لهم وقال: للفارس منكم سهم الفارس وللرّاجل سهم الرّاجل ثبت الاستحقاق بتسميته.
стр. 4230
القاعدة التّاسعة والعشرون بعد الأربعمئة [المطلق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المطلق من العارف بالمحلّ الصّحيح ينزل على الجهة الصّحيحة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد من العارف بالمحل الصّحيح: العالم بالسّبب والحكم.
فإذا ورد لفظ مطلق بحكم أو بيان أمر من إنسان عالم أو فقيه عارف بالأحكام الشّرعيّة وأسبابها، فإنّما ينزل لفظه وكلامه على الجهة الصّحيحة، أي يعتمد قوله ويتبع ولو لم يبيّن السّبب.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أخبر فقيه بنجاسة ماء - وكان مذهبه موافقاً لمذهب السّائل - اعتمد قوله واتّبع وإن لم يبيّن سبب النّجاسة.
ومنها: إذا أخبر عدل بأنّ فلاناً مجروح غير عدل، فالرّاجح أن يقبل قوله وإن لم يذكر السّبب.
ومنها: إذا أخبره ثقة بأنّ فلانة التي يريد الزّواج منها قد ارضعت معه أو هو رضع معها. فيجب اعتماد قوله وتركها.
стр. 4231
القاعدة الثّلاثون بعد الأربعمئة [المطلق وتفسيره]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المطلق من سلام الآدمي - إذا خلا عن قرينة - ينبغي أن يحمل على المطلق من كلام الله تعالى ويفسّر بما يفسّر به (١). أو يحمل على المشروع (٢). وقد سبقت قريباً
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا أطلق الإنسان كلاماً - خالياً عن قرينة تقيّده - فيجب أن يحمل ويفسّر بما يفسّر به كلام الله ، أي يفسّر بلغة العرب؛ لأنّ المطلق من الألفاظ إنّما يقيّد بالنّصّ أو بدلالة الحال أو العرف - كما سبق بيانه - فإذا لم يوجد شيء من ذلك، فإنّما يحمل ويفسّر بما يفسّر به كلام الله تعالى - أي القرآن الكريم، والقرآن الكريم إنّما يفسّر بلغة العرب.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: وقفت - أي حبست - هذا العقار، أو هذه الأرض على أولادي، ثم على المساكين. أو قال: على ولدي ثم المساكين، أو على ولد فلان ثم على المساكين. فيكون وقفاً على أولاده ذكوراً وإناثاً،
стр. 4232
وأولاد أولاده منَ الأولاد البنين ما تناسلوا، ما لم تكن قرينة تصرف عن ذلك.
وأولاد البنات ليس لهم شيء؛ لأنّهم من رجال آخرين، وهذا هو الأرجح عنَ أحمد ﵀ وهو مذهب مالك ومحمد بن الحسن رحمهما الله تعالى. وعند الشّافعي وأبي يوسف رحمهما الله تعالى يدخل أولاد البنات؛ لأنّ أولادهن أولاد أولاده حقيقة.
ودخول ولد الولد مختلف فيه فعند الحنابلة والشّافعيّة يدخل ولد الولد في الوصيّة والوقف؛ لأنّ الله قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (١) فدخل فيه ولد البنين وإن سفلوا، وكذلك كلّ موضع ذكر الله تعالى الولد دخل فيه ولد البنين؛ ولأنّ ولد ولده ولده. والقبائل تنسب كلّها إلى جدودها، وعند الحنفيّة والمالكيّة لا يدخل ولد الولد إلا بالنّصّ فإذا انقرض ولده لصلبه صرفت إلى المساكين (٢).
стр. 4233
القاعدة الحادية والثّلاثون بعد الأربعمئة [حمل المطلق على المقيّد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المطلق والمقيّد في حادثتين يحمل أحدهما على الآخر (١). عند الشّافعي ﵀
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة عند الشّافعي ﵀ ومن وافقه، وهي مقابلة لقاعدة سبقت قريباً - عند الحنفيّة. وقلنا: إنّها من مسائل الخلاف بين الحنفيّة وغيرهم، وهي أنّ المطلق والمقيّد في حادثتين - في حكم متّحد - يحمل أحدهما على الآخر - بمعنى أنّ المطلق يقيّد بقيد المقيّد ويعطى حكمه، وهذا معنى حمله عليه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
سبق بيان أنّ كفّارة اليمين وكفّارة الظّهار لا تحمل على كفّارة القتل الخطأ عند الحنفيّة لاختلاف الحكمين، لكن عند الشّافعي ومالك وأحمد رحمهم الله تعالىَ يحمل المطلق على المقيّد، فلا يجزئ في كفّارة انتهاك صوم رمضان أو الظّهار أو اليمين إلا رقبة مؤمنة، حملاً لها على كفّارة القتل الخطأ (٢).
стр. 4234
القاعدة الثّانية والثلاثون بعد الأربعمئة [المطلق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المطلق يجري على إطلاقه إذا لم يقم دليل التّقييد نصاً أو دلالة (١).
وفي لفظ: المطلق يجري على إطلاقه ما لم يقم دليل التّقييد (٢). من أصول أبي حنيفة ﵀.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المطلق من الألفاظ والكلام يجب أن يعمل به ويحمل على إطلاقه، ولا يجوز تقييده بأي قيد ما لم يقم دليل على التّقييد منصوص عليه أو دلّت عليه القرائن وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى خلافاً لصاحبيه رحمهما الله تعالى. فعنده أنّ من أطلق فكلامه يجري على إطلاقه مهما ترتّب من نتائج. ولكن عندهما أنّ اللفظ المطلق لا يعمل به على إطلاقه في كلّ حال، بل إنّ العرف يقيّده، فإذا ترتّب على الإطلاق نتائج مخالفة للعرف لا يجوز العمل بالمطلق بناء على القاعدة السّابقة (مطلق اللفظ يتقيّد بالعرف).
стр. 4235
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: اشتر لي فرساً، أو سيّارة، ولم يحدّد النّوع، ولا اللون، ولا أي صفة من الصّفات مقيّدة، ولم يكن له عادة معروفة في اقتناء الخيل أو السّيّارات، فأيُّما فرس اشتراه الوكيل، أو أي سيّارة ابتاعها فهي تلزم الموكِّل، ويجبر على قبولها؛ لأنّه أطلق كلامه، ولم يقيّده بالنّصّ على القيد. ولم يقم دليل على التّقييد بصفة مخصوصة.
ومنها: قال: إذا سألك سائل فأعطه، فأيّما سائل سأله ذكراً أو أنثى صغيراً أو كبيراً، فأعطاه برئت منه الذّمّة، وأدّى ما هو مطلوب منه.
ومنها: إذا قال ربّ المال للمضارب: اعمل برأيك. فدفع المضارب المال إلى آخر مضاربة على أكثر من نصيبه يجوز (١). لأنّه قال له: اعمل برأيك، ولم يقيّد بقيد.
ومن الأمثلة التي وقع فيها الخلاف:
إذا وكَّله بشراء جارية وسمّى جنسها وسنّها وثمنها، فاشتراها له عوراء أو عمياء أو مقطوعة اليدين أو الرّجلين أو إحداهما أو مقعدة، فهي جائزة على الآمر عند أبي حنيفة ﵀. إذا اشتراها بمثل القيمة، أو بما يتغابن به الناس، وعند صاحبيه لا تلزم الآمر ولا تجوز عليه بهذه الصّفات، ويكون الوكيل مشترياً لنفسه؛ لأنّهما يعتبران
стр. 4236
العرف، وشراء ما فيها هذه العيوب غير متعارف بين الناس؛ لأنّه يفوت منفعتها.
ومنها: إذا وكّل رجلاً أن يهب هذا الثّوب لفلان، على عوض يقبضه منه - ولم يسمّ مقدار العوض - ففعل ذلك غير أنّ العوض أقلّ من قيمة الثّوب الموهوب. فهو جائز في قول أبي حنيفة بناء على أصله في اعتبار إطلاق اللفظ، ولا يجوز على قولهما إلا أن يكون العوض مثل الموهوب أو دونه بما يتغابن الناس في مثله، بناء على أصلهما في تقييد مطلق اللفظ باعتبار العادة.
стр. 4237
القاعدة الثّالثة والثّلاثون بعد الأربعمئة [المطلق والغالب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المطلق يحمل على الغالب (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق مثل هذه القاعدة. وهي قريبة المعنى من القاعدة السّابقة.
ومفادها: أنّ المطلق من الألفاظ - إذا لم تقم قرينة على تقييده يجب حمله على الغالب، أو الظّاهر، ولا يحمل على النّادر غير الشّائع في وسطه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا باع بثمن مطلق فإنّما ينزل على نقد البلد التي جرى فيها التّبايع. وإذا كان في البلد عدّة أنواع من النّقد فإنّما يحمل على أشهرها وأكثرها تداولاً بين النّاس أي النّقد الذي يغلب على النّاس التّعامل به.
ومنها: إذا حلف لا يأكل خبزاً. ولا نيَّة له - في البلد أنواع من الخبز، يحمل اليمين على الغالب منها والمشهور الذي يأكله أكثر الناس في بلده.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
المسافر إذا لم ينو القصر ولا الإتمام في صلاته لزمه الإتمام؛
стр. 4238
لأنّ الأصل هو الإتمام، فإذا أطلق النّيّة انصرف إلى المعهود. لا إلى الغالب على المسافر وهو القصر.
стр. 4239
القاعدتان الرابعة والخامسة والثّلاثون بعد الأربعمئة [المظلوم]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
المظلوم لا يظلم غيره (١).
وفي لفظ: المظلوم له أن يدفع الظّلم عن نفسه بما قدر عليه لكن ليس له أن يظلم غيره (٢).
وفي لفظ: مَن ظُلِم ليس له أن يظلم غيره (٣). وتأتي قريباً.
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
المظلوم: اسم مفعول من ظُلِم فهو مظلوم - وهو مَن وَقَع عليه الظّلم.
والظّلم: هو وضع الشّيء في غير موضعه، أو التّصرّف في حقّ الغير - بغير إذنه - ومجاوزة حدّ الشّارع (٤).
فالّذي وقع عليه الظّلم من غيره بالتّصرّف في حقّه - بغير إذنه - أو مجاوزة حدّ الشّارع في معاملته أو عقوبته، له أن يدفع ظلم الظّالم
стр. 4240
عن نفسه بقدر استطاعته، وإن لم يستطع دفع الظّلم أو رفعه فليس له إلا الصّبر والدّعاء وانتظار الفرج من عند الله، وليس له أن يظلم غيره من الناس أو غير ظالمه انتقاماً ممن ظلمه؛ لأنّه إذا فعل ذلك صار ظالماً بعد أن كان مظلوماً.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
مَن سُرِق له شيء، ولم يعرف السّارق، فليس له أن يسرق غيره انتقاماً من الناس، فإنّه يصير مجرماً كالذي سرق منه.
ومنها: إذا دخل أحد المساجد ليصلي فسرق أحدهم حذاءه أو نعاله، فلا يجوز له أن يأخذ أي حذاء آخر ممّا هو عند باب المسجد؛ لأنّه في هذه الحال يكون هو وسارق نعله سواء، لكن إمّا أن يستعير نعلاً حتى يصل منزله، أو يمشي حافياً إلى بيته أو سيّارته، ويستعوض الله خيراً في حذائه.
ومنها: مَن قتل له قتيل، فليس له أن يقتل غير القاتل - إن كان القتل عمداً عدواناً - فإن قتل غير القاتل صار قاتلاً مستحقّاً للقصاص. وصار ظالماً بعد أن كان مظلوماً.
ومنها: من اضطر إلى العمل مع قوم براتب غير مجز وغير مكافئ - لصفة فيه تفاوتت لأجلها الرّواتب بغير وجه شرعي - مع أنّه ماهر في عمله مخلص في أدائه، فعليه أن يراعي الله في عمله، ولا يقصّر فيه، ولا يخون - ويقول أعمل لقدر الرّاتب أو أخون انتقاماً - فذلك لا يجوز؛ لأنّه بعد أن كان مظلوماً أصبح ظالماً