العرف، وشراء ما فيها هذه العيوب غير متعارف بين الناس؛ لأنّه يفوت منفعتها.
ومنها: إذا وكّل رجلاً أن يهب هذا الثّوب لفلان، على عوض يقبضه منه - ولم يسمّ مقدار العوض - ففعل ذلك غير أنّ العوض أقلّ من قيمة الثّوب الموهوب. فهو جائز في قول أبي حنيفة بناء على أصله في اعتبار إطلاق اللفظ، ولا يجوز على قولهما إلا أن يكون العوض مثل الموهوب أو دونه بما يتغابن الناس في مثله، بناء على أصلهما في تقييد مطلق اللفظ باعتبار العادة.
стр. 4237
القاعدة الثّالثة والثّلاثون بعد الأربعمئة [المطلق والغالب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المطلق يحمل على الغالب (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق مثل هذه القاعدة. وهي قريبة المعنى من القاعدة السّابقة.
ومفادها: أنّ المطلق من الألفاظ - إذا لم تقم قرينة على تقييده يجب حمله على الغالب، أو الظّاهر، ولا يحمل على النّادر غير الشّائع في وسطه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا باع بثمن مطلق فإنّما ينزل على نقد البلد التي جرى فيها التّبايع. وإذا كان في البلد عدّة أنواع من النّقد فإنّما يحمل على أشهرها وأكثرها تداولاً بين النّاس أي النّقد الذي يغلب على النّاس التّعامل به.
ومنها: إذا حلف لا يأكل خبزاً. ولا نيَّة له - في البلد أنواع من الخبز، يحمل اليمين على الغالب منها والمشهور الذي يأكله أكثر الناس في بلده.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
المسافر إذا لم ينو القصر ولا الإتمام في صلاته لزمه الإتمام؛
стр. 4238
لأنّ الأصل هو الإتمام، فإذا أطلق النّيّة انصرف إلى المعهود. لا إلى الغالب على المسافر وهو القصر.
стр. 4239
القاعدتان الرابعة والخامسة والثّلاثون بعد الأربعمئة [المظلوم]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
المظلوم لا يظلم غيره (١).
وفي لفظ: المظلوم له أن يدفع الظّلم عن نفسه بما قدر عليه لكن ليس له أن يظلم غيره (٢).
وفي لفظ: مَن ظُلِم ليس له أن يظلم غيره (٣). وتأتي قريباً.
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
المظلوم: اسم مفعول من ظُلِم فهو مظلوم - وهو مَن وَقَع عليه الظّلم.
والظّلم: هو وضع الشّيء في غير موضعه، أو التّصرّف في حقّ الغير - بغير إذنه - ومجاوزة حدّ الشّارع (٤).
فالّذي وقع عليه الظّلم من غيره بالتّصرّف في حقّه - بغير إذنه - أو مجاوزة حدّ الشّارع في معاملته أو عقوبته، له أن يدفع ظلم الظّالم
стр. 4240
عن نفسه بقدر استطاعته، وإن لم يستطع دفع الظّلم أو رفعه فليس له إلا الصّبر والدّعاء وانتظار الفرج من عند الله، وليس له أن يظلم غيره من الناس أو غير ظالمه انتقاماً ممن ظلمه؛ لأنّه إذا فعل ذلك صار ظالماً بعد أن كان مظلوماً.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
مَن سُرِق له شيء، ولم يعرف السّارق، فليس له أن يسرق غيره انتقاماً من الناس، فإنّه يصير مجرماً كالذي سرق منه.
ومنها: إذا دخل أحد المساجد ليصلي فسرق أحدهم حذاءه أو نعاله، فلا يجوز له أن يأخذ أي حذاء آخر ممّا هو عند باب المسجد؛ لأنّه في هذه الحال يكون هو وسارق نعله سواء، لكن إمّا أن يستعير نعلاً حتى يصل منزله، أو يمشي حافياً إلى بيته أو سيّارته، ويستعوض الله خيراً في حذائه.
ومنها: مَن قتل له قتيل، فليس له أن يقتل غير القاتل - إن كان القتل عمداً عدواناً - فإن قتل غير القاتل صار قاتلاً مستحقّاً للقصاص. وصار ظالماً بعد أن كان مظلوماً.
ومنها: من اضطر إلى العمل مع قوم براتب غير مجز وغير مكافئ - لصفة فيه تفاوتت لأجلها الرّواتب بغير وجه شرعي - مع أنّه ماهر في عمله مخلص في أدائه، فعليه أن يراعي الله في عمله، ولا يقصّر فيه، ولا يخون - ويقول أعمل لقدر الرّاتب أو أخون انتقاماً - فذلك لا يجوز؛ لأنّه بعد أن كان مظلوماً أصبح ظالماً
стр. 4241
مستحقّاً للعقوبة، إن لم تكن من الناس فمن الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور، وليعلم أنّ عاقبة الظّلم وخيمة دنيا وأخرى.
نعوذ بالله من أن نظلم أو نُظلم.
стр. 4242
القاعدة السّادسة والثّلاثون بعد الأربعمئة [مظنّة الشّيء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مظنّة الشّيء تقوم مقام حقيقته، والمظانّ إنّما يعلم جعلها مظنّة بنصّ أو إجماع (١). أصوليّة فقهيّة
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
مظنّة الشّيء: مَأْلفه الذي يُظَن كونه فيه (٢). والمظنّة: مَفْعِلة، اسم مكان أو اسم زمان أو مصدر ميمي.
والذي يدعو إلى اعتبار المظنّة أنّ الشّيء قد يدرك وقد لا يدرك، فالنّاقض من الخارج من السّبيلين مدرك في حال اليقظة، وغير مدرك في حال النّوم.
فما يدرك يبنى عليه الحكم، وما لا يدرك ينظر فيما يمكن أن يكون ويوجد فيه وبسببه، فيكون مظنّته ويبنى عليها الحكم، وإن خفيت الحكمة فيها.
ولا يكون الشّيء مظنّة للشّيء بالاجتهاد، أو بالتّحكّم، وإنّما يعلم كون هذا الشّيء مظنّة للشّيء بنصّ من الكتاب أو السّنّة أو بإجماع من الصّحابة رضوان الله عليهم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
النّوم في ذاته ليس ناقضاً للطّهارة، لكن لمّا كان النّائم لا يشعر
стр. 4243
بما خرج منه جُعل النّوم مظنّة لوجود النّاقض؛ لأنّه كما قال ﵊: "العين وكاء السه، فمن نام فليتوضّأ" (١) أو كما قال ﵊، الحديث عن عليَ ﵁. وفي حديث معاوية ﵁ "العين وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء" (٢) الوكاء: الرّباط. السه: حلقة الدّبر.
ومنها: اللّمس من الرّجل للمرأة مع الشّهوة مظنّة لخروج المذي النّاقض، فأقيم مقامه - عند مَن يرون النّقض باللّمس مع الشّهوة -.
ومنها: غسل الكافر إذا أسلم لمظنّة جنابة لحقته، أو نجاسة أصابته.
ومنها: التقاء الختانين يوجب الغسل؛ لمقامه مقام الإنزال؛ لأنّه مظنّته.
ومنها: إذا عَرِيت الولادة عن الدّم ففي وجه يجب الغسل لأنّها مظنّة النّفاس الموجب.
ومنها: غسل اليدين عند الاستيقاظ من النّوم لمظنّة النّجاسة.
ومنها: الحمّام موضع الأوساخ والبول، فَنُهِي عن الصّلاة فيه لأنّه مظنّة ذلك.
ومنها: اعتبار الحول في الزّكاة؛ لأنّه مظنّة النّماء في المال.
стр. 4244
القاعدة السّابعة والثّلاثون بعد الأربعمئة [الاحتمال - الاستحقاق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مع الاحتمال لا يثبت الاستحقاق (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الاحتمال: هو دخول الشّك في ثبوت السّبب الموجب للاستحقاق، من حيث إنّ الدّليل يحتمل الأمرين، ثبوت الاستحقاق، وعدم ثبوته.
ومعنى الاستحقاق: ثبوت الحقّ لطالبه ومدَّعيه.
فإذا وجد الاحتمال فإنّ الاستحقاق لا يثبت.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا وقع الشّكّ في كون فلان هو المتلف أو القاتل فلا يثبت عليه الضّمان لوجود الشّكّ والاحتمال.
ومنها: إذا قال رجل لامرأة: والله لا أقربك، لا يكون هذا إقراراً منه بأنّها زوجته؛ لأنّه كلام محتمل، فلعلّه منع نفسه من قربانها لعدم الملك له عليها، ولعلّه قصد الإضرار بها، والمحتمل لا يكون حجّة.
ومنها: إذا ادّعى مجهول النّسب أنّه ابن فلان الميّت، ويستحقّ ميراثه، ولم يأت ببيِّنة على قوله، لا يستحقّ من الميرات شيئاً؛ لأنّ كلامه محتمل للصّدق والكذب.
стр. 4245
القاعدة الثّامنة والثّلاثون بعد الأربعمئة [المظنّة - الحقيقة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المظّنة لا يعتبر معها وجود الحقيقة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق معنى المظنّة في القاعدة السّابقة.
وهذه القاعدة ذات صلة بسابقتها، فإذا كانت المظنّة تقوم مقام حقيقة الشّيء فإنّ وجود حقيقة ذلك الشّيء لا اعتبار لها؛ إذ أن الشّارع أقام المظنّة مقامها؛ ولأنّ الحقيقة تلك لا انضباط لها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
السّفر مظنّة وجود المشقّة، ولذلك بنيت الأحكام عليه لأنّ له صفة ظاهرة منضبطة، فسواء وجدت المشقّة في السّفر حقيقة أو لم توجد فلا اعتبار لها ولا اعتداد بها إنّما الاعتداد بالسّفر ذاته.
ومنها: النّوم مظنّة الحدث، فسواء وجد الحدث أو لم يوجد حقيقة أثناء النّوم فلا يعتبر, لأنّ الاعتبار للنّوم ذاته.
ومنها: التقاء الختانين مظنّة الإنزال فيجب الغسل عنده، وسواء حصل الإنزال أو لم يحصل فالغسل واجب بالالتقاء.
стр. 4246
القاعدة التّاسعة والثّلاثون بعد الأربعمئة [المعارضة بنقيض المقصود]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
المعارضة بنقيض المقصود الفاسد (١).
وفي لفظ: ما يثبت الحكم بوجوده إذا أوجده هل يثبت له الحكم (٢).
وفي لفظ سيأتي: من قصد إلى ما فيه إبطال قصد الشّارع عوقب بنقيض قصده (٣).
وفي لفظ سبق: مراعاة الحكمة مع وجود الوصف الأكثر اعتبارها. القاعدة ٣٤.
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
سبق بيان مثل هذه القواعد.
إذا تصرّف الإنسان تصرّفاً يقصد من ورائه استعجال أمر أخّره الشّرع، فإنّ هذا التّصرّف يعتبر باطلاً، ويترتّب عليه حرمانه مما تعجّله ليحوزه ويحصله، وفي بعض مسائل هذه القاعدة خلاف. وينظر
стр. 4247
الوجيز ص ١٥٩ فما بعدها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا طلّق امرأته في مرض موته - فراراً من ميراثها - ترث منه إذا مات قبل انقضاء عدّتها عند الأكثرين، وقديم الشّافعي ﵀.
ومنها: إذا قتل مورثه ليرثه حرم الميراث.
ومنها: عدم طهارة الخمر إذا خلّلت بطرح شيء فيها. خلافاً للحنفيّة.
ومنها: حقّ الشّفعة شرعه الشّرع مراغمة لمقصود البائع وصرف البيع إلى الشّريك.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا قتل صاحب الدّين المؤجّل مديونه، حلَّ الدّين في الأصحّ. ليس معنى حلول الدّين إعفاء القاتل من العقوبة، بل إن عقوبة القتل عمداً أو خطأ يستحقّها الدّائن القاتل.
ولكن المسألة في بيان حكم الدّين المؤجّل فحسب.
ومنها: إذا أمسك زوجته لأجل ميراثها مسيئاً عشرتها فإنّه يرثها في الأصحّ، وهو وإن جاز له ميراثها إن ماتت قبله، لكن إثم إساءة العشرة بغير حقّ واقع به، ومسؤول عنه بين يدي الله .
ومنها: لو جبَّت امرأة - أي قطعت - ذكر زوجها من أجل أن تفسخ نكاحها منه، فهل لها حقّ الفسخ لكونه أصبح مجبوباً لا يصل إليها، أو ليس لها حقّ الفسخ معاملة لها بنقيض مقصودها؟ خلاف.
стр. 4248
القاعدة الأربعون بعد الأربعمئة [المعارضة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المعارضة لا تتحقّق بين ما لّه صحّة، وبين ما لا صحّة له (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المعارضة إنّما تتحقّق بين متماثلين، فعند وجودها يلزم التّرجيح.
ولكن إذا كان المختلفان غير متماثلين، كأن يكون أحد الدّليلين صحيحاً، والدّليل الآخر باطلاً لا صحّة له، فلا تعارض بينهما, لأنّ ما لا صحّة له ساقط الاعتبار في مقابلة الصّحيح.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا تزوّجت امرأة زوجين في عقدة واحدة كان النّكاح باطلاً؛ لأنّ النّكاح لا يحتمل الاشتراك وليس أحدهما بأولى من الآخر. هذا إذا كان كلّ واحد منهما يصحّ نكاحه منها بانفراده. لكن إذا كان أحدهما عنده أربع نسوة، والآخر لا نسوة له، كان نكاح الذي ليس له نِسوة منهما جائزاً؛ لأنه لو انفرد نكاح الذي له أربع نسوة لم يصحّ، ولو انفرد نكاح الآخر كان صحيحاً. فإن اجتمعا صحّ نكاح من يصحّ نكاحه عند الانفراد، ولا تعارض بينهما.
стр. 4249
ومنها: إذا أقامت المرأة البيَّنة على النّكاح من رجل، والزّوج جاحد للنّكاح، يثبت نكاحها، ولا يفسد بجحوده؛ لأنّ النّكاح الثّابت لا يرتفع إلا بالطّلاق، وجحوده ليس بطلاق. فإنّ الطّلاق قطع للنّكاح، والجحود نفي للنّكاح أصلاً، فلا يصير به قاطعاً، فلهذا قضي بالنّكاح بينهما؛ لأنّه لا معارضة بين إثبات النّكاح وجحوده.
стр. 4250
القاعدة الحادية والأربعون بعد الأربعمئة [معاريض الكلام]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
معاريض الكلام مندوحة عن الكذب (١). من قول عمر ﵁
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المعاريض: جمع معراض، وزان مفتاح، ومعناه التّورية والسّتر.
والتّعريض: خلاف التّصريح من القول؛ بأنّ يتكلّم بكلام يفهم منه مخاطبة شيئاً وهو يريد شيئاً آخر، تهرّباً من الوقوع في الكذب.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
قال أمير المؤمنين علي ﵁ لعمرو بن ود وهو يبارزه يوم الخندق: أليس قد ضمنت لي أن لا تستعين علي بغيرك فمَن هؤلاء الذين دعوتهم. فالتفت كالمستبعد لذلك، فضرب علي ﵁ ساقيه ضربة قطع رجليه وكانت خدعة.
ومنها: قول الرّسول ﷺ لنُعيم بن مسعود الثّقفي (٢) ﵁ حينما قال: يا رسول الله إنّ بني قريظة قد
стр. 4251
غدرت وبايعت أبا سفيان وأصحَابه. فقال ﵊: فلعلّنا نحن أمرناهم بهذا.
فرجع إلى أبي سفيان وقال: زعم محمَّد ﷺ أنّه أمر بني قريظة بهذا (١).
ولكن الذي في سيرة ابن هشام والرّوضَ الأُنُف خلاف هذه القصّة جـ ٣ ص ٢٦٥.
وينظر الفصول في اختصار سيرة الرّسول ﷺ ، للحافظ أبي الفداء إسماعيل بن كثير ص ١٤٩. وينظر الاكتفاء للإمام أبي الرّبيع سليمان بن موسى الكلاعي الأندلسي جـ ٢ ص ١٧٢ مثله.
وأصل ذلك عند ابن هشام. ينظر تهذيب سيرة ابن هشام ص ١٩٣ فما بعدها.
стр. 4252
القاعدتان الثّانية والثّالثة والأربعون بعد الأربعمئة [المال بالأجل أو بالجودة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
معاوضة المال بالأجل لا يجوز (١).
وفي لفظ: معاوضة الدّراهم بالجودة لا تجوز (٢).
وفي لفظ: مبادلة المال بالأجل، أو الأجل بالمال ربا (٣).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
هذه القواعد تتعلّق بنوعي الرّبا: النّسيئة والفضل. فإذا كان عليه دين وحلَّ أجله، فطالب المدين تمديد الأجل مقابل زيادة الدّين، فهذا لا يجوز؛ لأنّه عين الرّبا المنهي عنه.
وكذلك إذا كان عليه دين بدراهم فأراد تعويضه عنها بخير منها مع تمديد الأجل فلا يجوز أيضاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
ادّعى عليه ألف درهم سوداً، فصالحه منها - بعد الإنكار - على
стр. 4253
ألف بَخِيَّة (١) إلى سنة، لم يجز؛ لأنّ هذا الفضل عوض عن الأجل.
ومنها: إذا باعه شيئاً بألف ثم صالحه على ألف ومئة إلى أجل كان ذلك باطلاً؛ لأنّ ما شرط من زيادة القدر عوض عن الأجل، ومثل هذه المعاوضة رباً شرعاً. وكذلك إذا صالحه على أجود منها حالَّة.
стр. 4254
القاعدة الرّابعة والأربعون بعد الأربعمئة [الاشتباه - الضّمان]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مع اشتباه السّبب لا يجب الضّمان (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الضّمان - أو الغرم - إنّما يجب إذا كان سببه متحقّقاً، ومتيقّناً منه، لكن إذا وقع اشتباه في سبب الضّمان، فلا يجب الضّمان ولا الغرامة.
وهذه قريبة المعنى من قاعدة سبقت وهي (مع الاحتمال لا يجب الاستحقاق). وينظر من قواعد حرف الضّاد القاعدة رقم ٢٣.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
حفر حفرة في غير ملكه بالإذن، وقام بعمل الاحتياطات اللازمة، ومع ذلك وقع في هذه الحفرة حيوان أو إنسان، ووقع الشّكّ في استيفاء الحافر احتياطاته؛ لأنّه صاحب سبب، فمع اشتباه السّبب لا يجب عليه ضمان الواقع في الحفرة.
ومنها: إذا صدمت سيّارة شخصاً فأصيب بجروح ثم عُولج وشفي، ثم مات بعد أن ظهر شفاؤه. فهل يجب على سائق السّيّارة الضّمان؟ بحسب هذه القاعدة لا يجب؛ لأنّه وقع الشّكّ في سبب موته
стр. 4255
هل هو من الصّدمة أو من سبب آخر.
وأقول: مع تقدّم الطبّ حديثاً ووجود الآلات التي يمكنها معرفة أسباب الوفاة، فإن معرفة سبب الوفاة أصبح أمراً ميسوراً في غالب الأحوال.
стр. 4256
القاعدة الخامسة والأربعون بعد الأربعمئة [أدنى اللفظ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المعتبر أدنى ما يتناوله اللفظ (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المعتبر وما تبرأ به الذّمّة في أداء الواجبات أدنى - أي أقل - ما يتناوله لفظ الأمر - ولا يجب الأعلى - أو ما فوق الأدنى إلا بدليل.
وينظر من قواعد حرف اللام القاعدة رقم ١٢.
وقد سبق في قواعد هذا الحرف ما هو قريب من معنى هذه القاعدة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال الله : ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٢). فتبرأ ذمّة المكلّف في الرّكوع بانحناء الجذع واستواء الظّهر عنده، ولو لم يَطُل.
وتبرأ ذمّة المكلّف إذا وضع جبهته على الأرض أدنى وضع.
ومنها: إذا قال: له على دراهم. ولم يبيِّن. يصدق بأدنى الجمج وهو ثلاثة دراهم.
ومنها: إذا أوصى النّصراني بعتق خادمة له إن ثبتت على
стр. 4257
النّصرانيّة بعد موته، فثبتت على ذلك بعد موته بساعة أو أكثر، فإنّها تعتق من ثلثه. فإن غيَّرت دينها بعد ذلك لم تبطل وصيتها، وعتقها ماض. لكن إن غيَّرت دينها بعد موته مباشرة بلا فصل ولم تثبت على النّصرانيّة فإنّها لا تعتق؛ لأنّ شرط ثبوت الوصيّة ثباتها على ما شرط عليها.
стр. 4258
القاعدة السّادسة والأربعون بعد الأربعمئة [الرّمي والإصابة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المعتبر حالة الرّمي لا حالة الإصابة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تتعلّق بالأفعال التي يطرأ عليها طارئ يغيّرها من حال إلى حال، وهي وان كانت بمنظومتها تخصّ حالة الرّمي لكن معناها أوسع من ذلك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
رمى مسلم كافراً بسهم، وقبل أن يصل إليه سهمه أو رصاصته أسلم، فهل يعتبر موته حالة إسلامه فيقتصّ من الرّامي، أو يعتبر حالة الرّمي حين كان كافراً؟
فنصّ القاعدة يدلّ على أنّ المعتبر حالة الرّمي لا حالة الإصابة، فلا يجب القصاص.
وأقول: ولكن وجوب القصاص هنا غير مقبول وغير جائز، لأنّه حينما رمى رمى كافراً ولم يقصد قتل مسلم، فكون المرمِي أسلم قبل وصول السّهم القاتل لا يوجب على الرّامي القصاص للشّبهة، والحدود والقصاص تُدْرَأُ بالشّبهة.
стр. 4259
ومنها: إذا رمى صيداً - وهو مسلم - ثم ارتدّ قبل إصابة السّهم، ثم أصاب السّهم الصّيد، فإنّه يحلّ تناوله. فالمعتبر هنا أيضاً حالة الرّمي.
ومنها: إذا أسلم ذمّي - ولم يوال أحداً حتى قتل قتيلاً خطأ - فلم يقض في هذه الحال حتى والى رجلاً من المسلمين، ثم جنى جناية أخرى خطأ. فإنّه يقضى بالجنايتين على بيت المال ويجعل ولاؤه لجماعة المسلمين، وتبطل موالاته مع الذي والاه؛ لأنّ الذي أسلم ولم يوال أحداً فولاؤه لبيت المال حتى يكون ميراثه - لو مات بدون وارث - لبيت المال.
ومنها: إذا قتل ذمّيّ ذمّيّاً، ثم أسلم القاتل، وجب القصاص بالاتّفاق (١). هذا إذا كان القتل عمداً.
стр. 4260
القاعدة السّابعة والأربعون بعد الأربعمئة [العادة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المعتبر عادة كلّ قوم فيما يبتنى عليه ممّا يكره أو لا يكره (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة مرتبطة بقاعدة (العمادة محكَّمة).
ومدلولها: أنّ المعتبر عند النّاس فيما يجوز أو لا يجوز - من غير الأمور المنصوص عليها - هو عادة هؤلاء الناس فيما يرونه مكروهاً أو غير مكروه في معاملاتهم لأعدائهم، وما يمكن أن يدخلوه دار الحرب أو لا يدخلوه.
وهذه القاعدة وإن أوردها السّرخسي ﵀ فيما يعامل به الأعداء، لكن مدلولها في الواقع أعمّ من ذلك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كان نوع من المعدن أو الملابس لا يستعمله أهل دار الحرب في صنع السّلاح، فيجوز إدخاله دارهم للتّجارة. لكن إن كانوا يدخلونه في صنع أسلحتهم التي يحاربون بها المسلمين فلا يجوز بيعه لهم ولا إدخاله دارهم للتّجارة.
стр. 4261
ومعرفة ذلك تعود إلى عادة هؤلاء الناس أو القوم فيما يمكن أن يصنعوا منه أسلحتهم أو يستعينوا به في صنع أي نوع من السّلاح.
ومنها: في عصرنا الحالي - والمسلمون عالة على الكفّار في السّلاح صنعه وتجارته - لا يجوز بيع البترول إلى الكفّار المحاربين - كاليهود - لأنّه عماد قوّتهم وتفوّقهم علينا، وكذلك أنواع المعادن والمنتجات التي تدخل في صنع أسلحة الدّمار، فلايجوز بيعها إليهم لأنّها سرّ قوّتهم، وبها يحاربوننا. لكن إنّا لله وإنّا إليه راجعون.
ومنها: أنواع الملابس التي يلبسها الرّجال أو النّساء، فلكلّ قوم عادة وطراز في ملابسهم ويكرهون أن يلبس أحدهم لباساً يخالف لباس قومه. وكذلك في أنواع الطّعام والشّراب.
стр. 4262
القاعدة الثّامنة والأربعون بعد الأربعمئة [التّسميّة - العرف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المعتبر في التّسميّة العرف (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق لهذه القاعدة أمثال.
والمراد بالتّسميّة: اللفظ المطلق عن الوصف أو القيد - كما سبق قريباً - وبخاصّة في باب الأيمان، فإنّ العرف هو المعتبر والمقيِّد للإطلاق، والعرف إمّا أن يكون عرفاً شرعيّاً أو عرفاً عامّاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حلف لا يركب دابّة - والدّابّة في العرف العام إنّما تطلق على الفرس والبغل والحمار فقط. فلا يحنث إلا بركوب واحدة من هذه الثّلاث، إلا إذا كان له نيَّة.
ولا يحنث بالرّكوب على الجمل؛ لأنّ الجمل من الأنعام لا من الدّواب في العرف الشّرعي.
ومنها: إذا حلف أن يصوم، لا يبرّ إلا بالصّوم الشّرعي بالنّيَّة والإمساك في الوقت.
ومنها: إذا تزوّج امرأة على بيت - فإن كان من أهل البادية -
стр. 4263
فلها بيت من الشّعر من بيوت أهل البادية.
وإن تزوّجها على ألف فينصرف إلى نقد البلد المتداول بين النّاس.
стр. 4264
القاعدة التّاسعة والأربعون بعد الأربعمئة [تفاضل الأعمال]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المعتبر في تفاضل الأعمال المتّحدة تفاضل أحوال عاملها أولاً، ثم تفاضل الأعمال أنفسها ثانياً، ثم تفاضل أحوال المنتفع بها - إن كانت متعدّية النّفع ثالثاً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأعمال المتّحدة يقع فيما بينها تفاضل بأسباب ثلاثة.
الأوّل: تفاضل أحوال عاملها؛ بأن يكون نفس العامل المكلّف أفضل من عامل مكلّف آخر تقوى وورعاً وخشية وإخلاصاً.
الثّاني: هو تفاضل الأعمال أنفسها، بأن يكون أحد الأعمال أفضل من الآخر.
الثّالث: هو تفاضل أحوال المنتفع بها إذا كانت متعدّية النّفع لغير العامل، أي أنّ نفعها يتعدّى العامل إلى غيره.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
قوله ﷺ : "سبق درهمٌ مئة ألف
стр. 4265
درهم" (١). والعلّة في ذلك السّبق والفضل هو حال المتصدّق بالدّرهم، وحال المتصدّق بالمئة الألف.
فالمتصدّق بالدّرهم تصدّق بنصف ماله، والمتصدّق بالمئة الألف تصدّق بجزء يسير من ماله.
ومنها: إنظار المدين المعسر إلى الميسرة، أفضل من إبرائه، لما فيه من تحمّل وظيفة الإنظار التي حمل عليها، واضطرّ إليها بإيجابها عليه أشقّ من وظيفة الإبراء الموكولة إلى اختياره، والأصل في ذلك قوله : ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٢).
стр. 4266
القاعدة الخمسون بعد الأربعمئة [الجنايات]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المعتبر في الجنايات مآلها لا حالها (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الجنايات: جمع جناية، من جنى يجني إذا فعل ما يعاقب عليه.
أو هي: كلّ فعل محظور يتضمّن ضرراً (٢).
والجناية في الأصل: أخذ الثّمر من الشّجر، نقلت إلى إحداث الشّرّ، ثم إلى الشّرّ، ثم إلى فعل محرّم.
فالمعتبر في الجنايات من حيث أحكامها، وما يترتّب عليها من عقوبات هو مآلها أي مصيرها وعاقبتها لا حال حدوثها، فكم من جناية بدأت صغيرة ثم آلت إلى هلاك، ودليل هذه القاعدة وأصلها الحديث الذي رواه جابر بن عبد الله ﵄: "أن رجلاً جرح فأراد أن يستقيد فنهى الرّسول ﷺ أن يستقاد من الجارح حتى يبرأ المجروح" (٣). وروي الحديث على عمرو بن شعيب عن أبيه
стр. 4267
عن جدّه عمرو بن العاص ﵁.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من قطع يد شخص أو رجله، أو جرحه جراحه، وطالب بالقصاص أو الأرش، فإنّ القاضي لا يجيبه إلا بعد البرء، أو بعد بيان عاقبة الفعل؛ لأنّ القطع أو الجرح قد يسري إلى النّفس فيلزم القصاص أو الدّيّة.
ومنها: إذا قطع عبد يد إنسان فصالح مولاه عن القطع على أن يدفع العبد إليه. فأعتقه المجني عليه، ثم مات المجني عليه، فالعتق نافذ والعبد صلح بالجناية وما ينشأ عنها، ويترتّب على ذلك عدم جواز ملاحقة العبد المعتق بالقصاص أو الدّيّة.
ومنها: إذا قطع يده من المفصل، فسرى أثر القطع إلى نصف السّاعد، فهنا سقط القطع قصاصاً وصار حقّ المجني عليه في الأرش؛ لأنّ نصف السّاعد لا يمكن فيه القطع لعدم تحدّده، كما يتحدّد المفصل، ولذلك سقط القطع ووجب الأرشَ، وهو المال؛ لأنّه لا يجوز القصاص في الأطراف إلا إذا كان القطع محدّداً بالمفصل عند الحنفيّة - المبسوط جـ ٢٦ ص ١٣٥. وأحد الوجهين عند الحنابلة المقنع جـ ٣ ص ٣٧٤.
стр. 4268
القاعدة الحادية والخمسون بعد المئة [حكم الدّار]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المعتبر في حكم الدّار هو السّلطان في ظهور الحكم (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بحكم الدّار: أي البلاد من حيث كونها دار إسلام أو دار حرب، فالدّار أو البلاد التي يحكم فيها بشرع الله هي دار الإسلام.
والدّار التي لا يحكم فيها بشرع الله، بل يحكمها الكفر وقوانينه ونظامه وعملاؤه هي دار حرب وإن كان أهلها مسلمين.
وينظر من قواعد حرف الهمزة القاعدة ٤٦٥.
стр. 4269
القاعدة الثّانية والخمسون بعد الأربعمئة [المنصوص، المعنى]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المعتبر في المنصوص عين النّصّ، وفي غيره المعنى (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
ما ورد فيه نصٌّ من الكتاب أو السّنّة فإنّما يحكم فيه بما ورد ولا ينظر في علّته أو سببه، فالحكم تابع للنّصّ وإن لم يعلّل، لكن حكم غير المنصوص إنّما ينظر في المعنى الجامع بين الأصل الذي هو النّصّ، وبين ما يراد إلحاقه به في حكمه. وهذا هو القياس الأصولي.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ورد النّصّ بتحريم الرّبا والتفاضل في الأصناف السّتّة، فالحكم فيها تابع للنّصّ، ومأخوذ منه وهو حرمة التّفاضل فيها، لكن ما كان مثلها ممّا لم يرد فيه النّصّ فإنّما ينظر إلى المعنى الجامع - كالكيل في المكيلات، والوزن في الموزونات - فيعطى غير المنصوص حكم المنصوص إذا وجد المعنى الجامع بين الأصل والفرع المقيس.
стр. 4270
القاعدة الثّالثة والخمسون بعد الأربعمئة [المعتبر المفيد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المعتبر ما يكون مفيداً دون ما لا يكون مفيداً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المعتبر: صفة لموصوف محذوف تقديره الشّرط المعتبر والمعتدّ به في المعاملات والمعاهدات إنّما هو الشّرط المفيد فائدة لأحد المتعاقدين أو كليهما. وأمّا إذا كان الشّرط غير مفيد فهو غير معتبر ولا يعتدّ به في الحكم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترط المشتري على البائع إيصال السّلعة إلى محلّه، فهذا شرط معتبر؛ لأنّ فيه مصلحة للمشتري، فإذا وافق البائع على ذلك لزمه.
ولكن إذا شرط البائع على المشتري أن يسوق السّيّارة المشتراة بنفسه ولا يسلمها لسائق، فهذا شرط غير معتبر؛ لأنّه مخالف لمقتضى العقد، ولا فائدة فيه للبائع؛ لأنّ المالك حرّ التّصرّف بالسّيّارة إمّا أن يسوقها بنفسه، أو يسلمها لمن يسوقها له، ولا شأن للبائع بذلك ولا فائدة له.
стр. 4271
ومنها: إذا صالح المسلمون المشركين علي أن يخرجوا عنهم إلى موضع يأمن فيه بعضهم من بعض، فالمقصود مدّة السّير لا عين المكان، فإذا خرجوا عنهم وساروا بمقدار مدّة يأمن فيها بعضهم منِ بعض ثم أراد المسلمون أن يغيروا عليهم بغير نبذ فلا بأس بذلك؛ لأنّ اشتراط المكان المعيّن غير مفيد. حتى لو خرجوا إلى مكان آخر قدر المسير إلى المكان المعين فلهم أن يغيروا عليهم بدون نبذ؛ لأنّ المقصود من الصّلح بذكر الموضع أن لا يتمكنوا من الرّجوع إليهم بعد الوصول إلى ذلك المكان إلا بمدّة مديدة؛ لأنّ الفائدة في اعتبار المدّة لا في اعتبار عين المكان. لكن إذا كان الصّلح إلى جانب ذلك مشروطاً بمدّة زمنيّة معيّنة فلا يجوز للمسلمين أن يغيروا عليهم قبل انقضائها بدون نبذ؛ لأنّه يكون غدراً.
стр. 4272
القاعدة الرّابعة والخمسون بعد الأربعمئة [الغالب - حكم الحدّ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المعتبر هو الغالب في حكم الحدّ (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تخصّ ما حُرِّم شربه أو أكله كالخمر.
ومفادها: أنّ المعتبر في ارتكاب الحرمة الموجبة للحدّ هو الغالب، فإذا اختلط شراب أو طعام محرّم بما يحلّ فالحكم للغالب. فإذا غلب الخمر على الماء - مثلاً - حرم الشّرب ووجب الحدّ. لكن إذا أريق خمر قليل في ماء أكثر منه أفلا ينجس ذلك الماء فلا يحلّ شربه ولا استعماله. قد سبق بيان ذلك. لكن القاعدة تخصّ وجوب الحدّ فقط.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا طبخ بالخمر مرقة - أي باللحم - فلا يحلّ الأكل ولا الشّرب لنجاسة الخمر، لكن لو شرب من تلك المرقة فلا يحدّ؛ لأنّ الغالب عليها غير الخمر، لكن إن سكر منها حُدَّ.
ومنها: إذا عجن الدّقيق بالخمر ثم خُبِز لا يحلّ أكله؛ لأنّ الدّقيق تنجس بالخمر، والعجين النّجس لا يطهر بالخبز.
ومنها: إذا خلط الخمر بالماء أو بالعسل وكان الغالب الماء أو
стр. 4273
العسل فلا يحدّ؛ لأنّ الحكم للغالب، والغالب الماء أو العسل.
ومنها: إذا خلط لحم خنزير بلحم بقر، ثم فُرِما معاً - أي طحنا - فاختلطا، فإن أكل منهما مسلم متعمداً مع العلم وجب تعزيره. وسواء أكان الغالب لحم الخنزير أو لحم البقر.
стр. 4274
القاعدة الخامسة والخمسون بعد الأربعمئة [المنافي - الالتزام]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مع التّصريح بالمنافي لا يصحّ الالتزام (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المنافي: اسم فاعل من نافى ينافي إذا ذكر ما يثبت عدم الفعل؛ لأنّ المنافي مقابل للمثبت.
فإذا صرّح بما يثبت عدم الفعل فلا يصحّ التزام الضّمان أو الغرامة أو فعل الواجب.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قالت امرأة: لله عليَّ أن أصوم يوم حيضي. فلا شيء عليها؛ لأنّ الحيض ينافي الصّوم.
ومنها: إذا قال القتيل - قبل موته - لم يقتلني فلان. فلا يجوز إلزام المتّهم فلان بالقصاص أو الدّيّة؛ لأنّ تصريح القتيل ينافي الالتزام.
стр. 4275
القاعدة السّادسة والخمسون بعد الأربعمئة [التّناقض في الدّعوى]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مع التّناقض في الدّعوى لا تكون البيّنة مقبولة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا وجد تناقض في دعوى المدّعي، وأتى ببيِّنة تشهد له، فلا تكون بيّنته مقبولة أمام القضاء؛ لأنّ التّناقض في الدّعوى يمنع صدق البيِّنة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أقرّ أنّ هذه السّيّارة لفلان. ثم جاء بالبيِّنة لتشهد أنّها له، لم تقبل بيّنته للتّناقض.
ومنها: إذا كان في يد شخص دار، فقال لآخر: هذه دارك يا فلان، فقال فلان: بل هي دارك، ثم قال الأوّل: بلى هي داري، وجاء بالبيِّنة، فلا تقبل بيِّنته للتّناقض بين قوله أولاً: هذه دارك يا فلان، وقوله آخراً: بلى هي داري.
رابعاً: وممّا يستثنى من مسائل هذه القاعدة:
أقرت امرأة بالرّق لرجل، فباعها المُقرُّ له، فإذا ادّعت عتقاً بعد البيع، أو ادّعت أنّها حرّة الأصل، وأقامت البيّنة على ذلك قُبِلت بيّنتها استحساناً مع التّناقض بين اعترافها بالرّقّ ثم ادعاؤها الحرّيّة؛ وكان سبب قبول بيّنتها مع ذلك أنّ الحرّيّة إذا ثبتت لا تحتمل الإبطال.