← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14596

موسوعة القواعد الفقهية

محمد صدقي آل بورنو

Полный текст (5 326 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

ومنها: إذا صالح المسلمون المشركين علي أن يخرجوا عنهم إلى موضع يأمن فيه بعضهم من بعض، فالمقصود مدّة السّير لا عين المكان، فإذا خرجوا عنهم وساروا بمقدار مدّة يأمن فيها بعضهم منِ بعض ثم أراد المسلمون أن يغيروا عليهم بغير نبذ فلا بأس بذلك؛ لأنّ اشتراط المكان المعيّن غير مفيد. حتى لو خرجوا إلى مكان آخر قدر المسير إلى المكان المعين فلهم أن يغيروا عليهم بدون نبذ؛ لأنّ المقصود من الصّلح بذكر الموضع أن لا يتمكنوا من الرّجوع إليهم بعد الوصول إلى ذلك المكان إلا بمدّة مديدة؛ لأنّ الفائدة في اعتبار المدّة لا في اعتبار عين المكان. لكن إذا كان الصّلح إلى جانب ذلك مشروطاً بمدّة زمنيّة معيّنة فلا يجوز للمسلمين أن يغيروا عليهم قبل انقضائها بدون نبذ؛ لأنّه يكون غدراً.

стр. 4272

القاعدة الرّابعة والخمسون بعد الأربعمئة [الغالب - حكم الحدّ] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المعتبر هو الغالب في حكم الحدّ (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة تخصّ ما حُرِّم شربه أو أكله كالخمر. ومفادها: أنّ المعتبر في ارتكاب الحرمة الموجبة للحدّ هو الغالب، فإذا اختلط شراب أو طعام محرّم بما يحلّ فالحكم للغالب. فإذا غلب الخمر على الماء - مثلاً - حرم الشّرب ووجب الحدّ. لكن إذا أريق خمر قليل في ماء أكثر منه أفلا ينجس ذلك الماء فلا يحلّ شربه ولا استعماله. قد سبق بيان ذلك. لكن القاعدة تخصّ وجوب الحدّ فقط. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا طبخ بالخمر مرقة - أي باللحم - فلا يحلّ الأكل ولا الشّرب لنجاسة الخمر، لكن لو شرب من تلك المرقة فلا يحدّ؛ لأنّ الغالب عليها غير الخمر، لكن إن سكر منها حُدَّ. ومنها: إذا عجن الدّقيق بالخمر ثم خُبِز لا يحلّ أكله؛ لأنّ الدّقيق تنجس بالخمر، والعجين النّجس لا يطهر بالخبز. ومنها: إذا خلط الخمر بالماء أو بالعسل وكان الغالب الماء أو

стр. 4273

العسل فلا يحدّ؛ لأنّ الحكم للغالب، والغالب الماء أو العسل. ومنها: إذا خلط لحم خنزير بلحم بقر، ثم فُرِما معاً - أي طحنا - فاختلطا، فإن أكل منهما مسلم متعمداً مع العلم وجب تعزيره. وسواء أكان الغالب لحم الخنزير أو لحم البقر.

стр. 4274

القاعدة الخامسة والخمسون بعد الأربعمئة [المنافي - الالتزام] أولاً: لفظ ورود القاعدة: مع التّصريح بالمنافي لا يصحّ الالتزام (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المنافي: اسم فاعل من نافى ينافي إذا ذكر ما يثبت عدم الفعل؛ لأنّ المنافي مقابل للمثبت. فإذا صرّح بما يثبت عدم الفعل فلا يصحّ التزام الضّمان أو الغرامة أو فعل الواجب. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قالت امرأة: لله عليَّ أن أصوم يوم حيضي. فلا شيء عليها؛ لأنّ الحيض ينافي الصّوم. ومنها: إذا قال القتيل - قبل موته - لم يقتلني فلان. فلا يجوز إلزام المتّهم فلان بالقصاص أو الدّيّة؛ لأنّ تصريح القتيل ينافي الالتزام.

стр. 4275

القاعدة السّادسة والخمسون بعد الأربعمئة [التّناقض في الدّعوى] أولاً: لفظ ورود القاعدة: مع التّناقض في الدّعوى لا تكون البيّنة مقبولة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: إذا وجد تناقض في دعوى المدّعي، وأتى ببيِّنة تشهد له، فلا تكون بيّنته مقبولة أمام القضاء؛ لأنّ التّناقض في الدّعوى يمنع صدق البيِّنة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أقرّ أنّ هذه السّيّارة لفلان. ثم جاء بالبيِّنة لتشهد أنّها له، لم تقبل بيّنته للتّناقض. ومنها: إذا كان في يد شخص دار، فقال لآخر: هذه دارك يا فلان، فقال فلان: بل هي دارك، ثم قال الأوّل: بلى هي داري، وجاء بالبيِّنة، فلا تقبل بيِّنته للتّناقض بين قوله أولاً: هذه دارك يا فلان، وقوله آخراً: بلى هي داري. رابعاً: وممّا يستثنى من مسائل هذه القاعدة: أقرت امرأة بالرّق لرجل، فباعها المُقرُّ له، فإذا ادّعت عتقاً بعد البيع، أو ادّعت أنّها حرّة الأصل، وأقامت البيّنة على ذلك قُبِلت بيّنتها استحساناً مع التّناقض بين اعترافها بالرّقّ ثم ادعاؤها الحرّيّة؛ وكان سبب قبول بيّنتها مع ذلك أنّ الحرّيّة إذا ثبتت لا تحتمل الإبطال.

стр. 4276

القاعدة السّابعة والخمسون بعد الأربعمئة [المعدول عن أصل لأصل] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المعدول عن الأصل المستقرّ إلى الأصل المهجور قد يعتبر وقد يلغى (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بالقاعدة: الانتقال عن البدل - وهو المعبَّر عنه بالأصل المستقر - إلى المبدل منه - وهو المعبّر عنه بالأصل المهجور. أو هو الانتقال عن الرّخصة إلى العزيمة، فتارة يعتبر ويصح الفعل ويجوز، وتارة لا يعتبر ولا يصحّ الفعل ولا يجوز. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا غسل رأسه بدل أن يمسحه، فهل يجوز ويغني عن المسح؟ فيه عند الشّافعيّة وجهان. ومنها: غسل الخفّ بدل مسحه، قالوا: لكن يكره لما فيه من إفساد الماليّة غالباً. ومنها: إذا انغمس المحدث في الماء ناوياً رفع الحدث، ولم يحصل التّرتيب. قيل: يجزئ؛ لأنّ الأصل الغسل، وإنّما حطّ عنه تخفيفاً، فإذا اغتسل رجع إلى الأصل وصارت الأعضاء كالعضو الواحد.

стр. 4277

القاعدتان الثّامنة والتّاسعة والخمسون بعد الأربعمئة [المعدوم والممتنع شرعاً] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: المعدوم شرعاً كالمعدوم حسّاً (١). وفي لفظ: ما امتنع شرعاً فهو كالمعدوم حسّاً (٢). وفي لفظ: المعدوم معنى هل هو كالمعدوم حقيقة (٣)؟ ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما: المراد بالمعدوم شرعاً هو ما نهى عنه الشّرع ومنع منه وحرَّمه، فحكمه أنّه لنهي الشّرع معدوم لحرمة استعماله، فما كان كذلك فحكمه أنّه كالمعدوم حسّاً وواقعاً، فلا يبنى عليه حكم، والممتنع شرعاً هو المنهي عنه والمحرم. ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما: حلف بالله أو بالرّحمن وقال: أردت مخلوقاته مجازاً للعلاقة، فهل تلزمه كفّارة؟ نعم تلزمه؛ لأنّ هذين اللفظين لا يدخلهما مجاز ولا

стр. 4278

تخصيص. فمنع المجاز في هذين اللفظين شرعي فلا يبنى على مجازهما حكم, لأنّه لا مجاز لهما. ومنها: من لم يجد سترة إلا ثوب حرير، فهل يلبسه ويصلّي فيه؟ وجهان عند الشّافعيّة أصحّهما تجب الصّلاة فيه؛ لأنّه طاهر يسقط به الفرض. والوجه الثّاني: يصلّي عرياناً؛ لأنّه عادم لسترة شرعيّة. والمعدوم شرعاً كالمعدوم حسّاً (١). ومنها: إذا باع رشيد من رشيد ثوباً بخنزير، فقد فُقِد ركن من الأربعة وهو أحد العوضين فتكون الماهية معدومة شرعاً. ومنها: عند الإمام أحمد بن حنبل ﵀: أنّ من توضّأ بالماء المغصُوب فصلاته باطلة كمن صلّى بغير وضوء حسّاً؛ لأنّ الغصب منهي عنه شرعاً. ومنها: غاصب الخفّ إذا مسح عليه فصلاته باطلة، وكذلك طلاق الصّبي وإعتاقه لا يقع.

стр. 4279

القاعدتان السّتّون والحادية والسّتّون بعد الأربعمئة [المعدوم] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: المعدوم لا يكون محلاً لإضافة العقد إليه (١). وفي لفظ مقابل: المعدوم ينزل منزلة الموجود، في صور (٢). ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما: المراد بالمعدوم في القاعدتين هو المعدوم حسّاً وواقعاً، فما كان كذلك فلا يجوز إضافة العقد إليه - أي لا يجوز أن يكون معقوداً عليه أو محلاً للعقد عليه؛ لأنّه معدوم غير موجود واقعاً. وهذا مفاد ومدلول القاعدة الأولى. والقاعدة الثّانية يمكن اعتبارها استثناءً من القاعدة الأولى، وإن اختلفت أصولهما، فالقاعدة الأولى يقول بها الحنفيّة، والقاعدة الثّانية يقول بها الشّافعيّة. ومفادها: أنّ المعدوم قد ينزل منزلة الموجود فيصحّ إضافة العقد إليه ويأخذ أحكاماً في مسائل محصورة. وينظر من قواعد حرف

стр. 4280

التّاء القواعد ١٨٤ - ١٨٦. وعلى ذلك فإنّ الحنفيّة والشّافعيّة وغيرهم متّفقون على أنّ المعدوم لا يكون محلاً لإضافة العقد إليه، وإن خرج عن ذلك بعض المسائل. ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما: أولاً: أمثلة القاعدة الأولى: إذا قال بعت هذا الشّيء لما ستحمل فلانة. فهو عقد باطل؛ لأنّ ما ستحمله معدوم واقعاً وحسّاً. ومنها: إذا قال: بعتك سكنى هذه الدّار. قالوا: لم يجز بيع السّكنى لانعدام المحل، فالمنفعة معدومة في الحال، وإيجادها ليس في مقدور البشر، لكن لو قال: أجرتك هذه الدّار جاز العقد؛ لأنّ الدّار المنتفع بها قائمة مقام المنفعة في جواز إضافة عقد الإجارة إليها. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: وهي أمثلة للقاعدة الثّانية: إذا أسلم على أكثر من أربع نسوة، وماتت إحداهن فله أن يختار الميتة وتحسب له من الأربع. ومنها: إذا تداعى اثنان شخصاً ثم مات. فللقائف (١) أن يلحقه بأحدهما كما لو كان موجوداً. ومنها: يجوز الحكم على المعدوم بالتّكليف كالإيمان في أطفال

стр. 4281

المسلمين والكفر في أولاد الكافرين. ومنها: بيع الدّين بالدّين لمن عليه الدّين - أي المقاصّة بينهما. ومنها: العدالة مقدّرة في العدول، إذا غفلوا عنها أو زال إدراكهم لها بنوم أو إغماء، وكذلك الفسق يقدّر في الفاسق مع غفلته عنه، أو مع زوال الإدراك.

стр. 4282

القاعدة الثّانية والسّتّون بعد الأربعمئة [المعرفة والنّكرة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المعرفة لا تدخل تحت النّكرة. إلا المعرفة في الجزاء (١)، أو إلا في الأيمان (٢). وفي لفظ: المعرَّف لا يدخل تحت المنكَّر (٣). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بالمعرفة والمعرَّف: ما كان معروفاً معيناً، لا المعرفة عند النّحاة. فمن تكلّم أو حلف يمينًا على شيء مُنكر - أي عام - غير مخصوص، أو مطلق غير مقيّد، فإنّ المعروف والمعيّن من نوع ذلك الشّيء لا يدخل ضمن النّكرة ولا يندرج تحتها، - مع أن المنكر أعمّ من المعرَّف -. لكن إذا كانت المعرفة أو كان المعرَّف في الجزاء أو جواب الشّرط، أو في الأيمان فيمكن أن تدخل المعرفة تحت النّكرة ويلزمها الحكم.

стр. 4283

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال: إن دخل داري أحد فاطرده، لا يدخل المتكلّم. ومنها: إذا قال: إن دخل الدّار أحد فعبيدي أحرار - وله عبد واحد - دخل في الجزاء ويعتق إن دخل الدّار أحد. ومنها: إذا قال: إن كلّم غلامي هذا أحداً. لا يدخل المالك كذلك. ومنها: إن دخل دارَكِ هذه أحد فأنت طالق، يدخل الحالف إلا أن ينوي دخول نفسه. ومنها: إذا قال لعبده: أعتق أي عبيدي شئت، لا يعتق العبد نفسه. ومنها: لو قال: زوِّج ابنتي من رجل، لا يدخل المخاطَب المأمور، وإن زوّجها من نفسه لا يصحّ، ومثلها إذا قالت: زوّجني مَن شئت. فزوّجها من نفسه لا يصحّ؛ لأنّ الوكيل معرفة، وإنّما وكّلته أن يزوّجها من رجل منكر. ومنها: إذا قال: إن كلّم غلامي هذا أحدٌ فأنت طالق، فكلّمته. تطلق؛ لأنّها وقعت في الجزاء.

стр. 4284

القاعدة الثّالثة والسّتّون بعد الأربعمئة [العرف والمعروف] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: المعروف بالعرف كالمشروط بالنّصّ (١). وفي لفظ: المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً (٢). أو المعروف بين النّاس. وفي لفظ: المعلوم بالعرف كالمعلوم بالنّصّ - أو بالشّرط (٣). وفي لفظ: المعروف كالمشروط (٤). أو المعروف بالعادة. ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: هذه القواعد تندرج تحت قاعدة (العادة محكّمة) وتتفرّع عليها. وينظر قواعد حرف الثّاء القاعدة رقم ٥، وقواعد حرف القاف القاعدة رقم ٤٤، والقواعد رقم ٢ - ٤ من قواعد حرف العين.

стр. 4285

فما كان معروفاً بين النّاس شائعاً بينهم فإنّه عند الإطلاق يعتبر هذا المعروف قيداً للإطلاق كأنّما نُصَّ عليه وشُرِط في العقد أو المعاملة أو التّصرّف أو اليمين. وهذه القواعد تعبّر عن سلطان العرف العملي عند الفقهاء، ولذلك قالوا: إنّ ما تعارف عليه النّاس في معاملاتهم - وإن لم يذكر صريحاً - هو قائم مقام الشّرط في الالتزام والتّقييد. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: إذا اشترى شيئاً ثقيلاً كالحديد أو الإسمنت أو الحجارة فإنّ إيصاله إلى محل المشتري على البائع عند الإطلاق، ما لم يُنَصّ في العقد على خلافه. ومنها: إذا وكَّله في شراء لحم - والوكيل يعلم أنّه لا يأكل إلا لحم الضّأن - فاشتر له لحم بقر أو إبل، فإنّه لا يلزمه، ويلزم الوكيل ما اشتراه؛ لأنّ عرف الموكّل يقيّد إطلاقه، فكأنّه نَصَّ على لحم الضّأن واشترطه. ومنها: من اشترى سيّارة جديدة دخل فيها عدّتها ومفاتيحها وعجلها الاحتياط دون ذكر في العقد للعرف المتداول والعادة الجارية. ومنها: إذا وهبه هبة - وكانت العادة بتعويض الواهب عن هبته - ولم يعوّض الموهوب له الواهب، فإنّ للواهب الحقّ في الرّجوع في هبته. أو يبقى العوض ديناً في ذمّة الموهوب له كأن وهبه طعاماً فأكله.

стр. 4286

ومنها: ما تعارف النّاس الاستصناع فيه فهو جائز. ومنها: إذا استأجر الرّجل من الرّجل داراً سنة بكذا، ولم يُسَمَّ ما يريدها له، فهو جائز؛ لأنّ المقصود معلوم بالعرف؛ لأنّه إنّما يستأجر الدّار للسّكنى. فله أن يسكنها ويسكنها من شاء - إلا أن ينصّ على عدم إسكان غيره - لكن لا يفعل فيها ما يضرُّ بالبناء إلا بالشّرط، وإذا استعملها لغير السّكنى بغير شرط، فللمالك إبطال العقد بفسخه وإخراجه من الدّار، ولا يتعلّل المستأجر بالإطلاق لأنّ العرف يقيّده.

стр. 4287

القاعدة الرّابعة والسّتّون بعد الأربعمئة [عرف التّجار] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المعروف بين التجار كالمشروط بينهم (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة تدخل ضمن القواعد السابقة، ولكنّها أخص منها موضوعاً إذ تتعلّق بعادات طائفة التّجّار وأعرافهم، فما كان معروفاً بين التّجّار في معاملاتهم فعند الإطلاق يكون كالمشروط بينهم، والمنصوص عليه، بشرط عدم مخالفة هذا العرف للنّصّ والشّرط، ولا تسمع دعوى إرادة خلافه بغير نصّ أو شرط. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: لو تبايع تاجران شيئاً ولم يصرّحا في صلب العقد أنّ الثمن نقد أو نسيئة، فعقد البيع - وإن كان مقتضياً نقد الثّمن حالاّ - إلا أنّهم إذا تعارفوا على أنّ ذلك الشّيء يؤدى ثمنه بعد أسبوع أو شهر أو مقسّطاً؛ لا يلزم المشتري أداء الثّمن حالاّ، وينصرف إلى عرفهم وعادتهم في الأجل؛ لأنّ (المعروف بينهم كالمشروط).

стр. 4288

رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: إذا تبايع تاجران من تاجر الذّهب ذهباً أو فضّة بينهم فلا بدّ من التّقابض في المجلس، ولا يجوز تأخير القبض وإلا كان رباً، حتى وإن كان عرف التّجّار البيع نسيئة. لأنّ باب الرّبا مبني على الاحتياط كما تقدّم بيانه. بل أنّه إذا أراد شخص أن يبيع ذهباً لتاجر الذّهب ليبدله بذهب جديد بطراز جديد فلا بدّ أن يقبض ثمن ما باع ولا يؤخّر قبض الثّمن حتى يشتري السّلعة الجديدة، وإلا كان رباً.

стр. 4289

القاعدة الخامسة والسّتّون بعد الأربعمائة [المعطوف على الشّرط] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المعطوف على الشّرط شرط (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المعطوف هو ما ذكر ثانياً بعد حرف من حروف العطف، وهي الواو أو الفاء أو ثم، أو "أو". فإنّ المعطوف يأخذ حكم المعطوف عليه في إعرابه وفي حكمه الشّرعي، وإن كان مغايراً له في حقيقته؛ لأنّ العطف يقتضي المغايرة. فإذا كان المعطوف عليه شرطاً فإنّ المعطوف يكون شرطاً كذلك ويأخذ حكم الشّرط المعطوف عليه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال لزوجته: إن خرجت وكلّمت فلاناً فأنت طالق. فلا تطلق إلا إذا خرجت وكلّمت فلاناً. فلو خرجت ولم تكلّمه لا تطلق. ولو كلّمته وهي داخل البيت لا تطلق؛ لأنّ الشّرط مجموع الشّيئين. بخلاف ما لو قال: إن خرجت أو كلّمت، فهنا تطلق بفعل أي واحد منهما. ومنه قوله ﷺ : "إذا أرسلت كلبك المعلّم

стр. 4290

وذكرت اسم الله تعالى فكُل" (١) الحديث. فالأكل مشروط بشيئين: الإرسال، وذكر اسم الله تعالى. فلو أرسل ولم يذكر اسم الله تعالى فلا يؤكل. وإن انطلق الكلب وحده دون إرسال ولمّا انطلق ذكر صاحبه اسم الله تعالى، فلا يؤكل؛ لأنّه لم يرسله، وكذلك لا يؤكل إذا أرسله غير مسلم وذكر اسم الله تعالى.

стр. 4291

القاعدة السّادسة والسّتّون بعد الأربعمئة [معظم الشّيء] أولاً: لفظ ورود القاعدة: معظم الشّيء يقوم مقام كلّه (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة بمعنى القاعدة القائلة (للأكثر حكم الكلّ - أو حكم الكمال) وقد سبقت ضمن قواعد حرف اللام تحت الرّقم ٤. فإذا وجد معظم الشّيء أو أكثره أو غالبه فإنّ له حكم ما لو وجد كلّه. وهذه القاعدة ليست على إطلاقها، إذ أنّ هناك أموراً كثيرة لا يجوز أن يكون حكم أكثرها كحكم كلّها، بل لا تعتبر ولا يعتدّ بها ما لم يتحقّق كلّها دون نقص. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أدرك الرّكوع مع الإمام فتحصل الرّكعة؛ لأنّ الرّكوع وما بعده معظم الصّلاة. ومنها: إذا أدرك ركعة قبل خروج الوقت كان الكلّ أداءً في الأصحّ، ولكن في هذا المثال ما قام معظم الشّيء مقام كلّه، بل قام بعضه مقام كلّه، فهو يندرج تحت القاعدة الأخرى (ذكر بعض ما لا

стр. 4292

يتجزّأ كذكر كلّه) فالصّلاة لا تتجزّأ، فلمّا أدى بعضها في الوقت كان كأنّه أدّاها كاملة، فهذا المثال لا ينطبق على هذه القاعدة. ومنها: إذا أحرم الصّبي، ثم بلغ قبل الوقوف أو في أثنائه حُسب عن فرض الإسلام لإدراكه معظم الحجّ في حال الكمال. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: إذا قرأ في الرّكعة بعض الفاتحة أو أكثرها لم يجزئه عند من يرون أنّ قراءة الفاتحة ركن في الصّلاة. ومنها: إذا طاف خمسة أشواط من سبعة لم يتمّ طوافه - عند غير الحنفيّة - وإذا لم يتمّ وطال الفصل يجب عليه استئناف الطّواف. وكذلك لو صلّى ثلاث ركعات من أربع لم تصحّ صلاته.

стр. 4293

القاعدتان السّابعة والثّامنة والسّتّون بعد الأربعمئة [المعلّق بالشّرط] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: المعلَّق لا ينجَّز (١). وفي لفظ: المعلق بالشّرط عَدَمٌ قبله (٢). وفي لفظ: المعلّق بالشّرط معدوم قبل وجود الشّرط (٣). أو لا يكون موجوداً (٤). أو يكون معدوماً (٥). ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: سبق لهذه القواعد أمثال. وقد سبق بيان معنى التّعليق، فالمعلّق بالشّرط أو على الشّرط لا يأخذ حكمه إلا بوجود شرطه وتحقّقه، ولا يكون منجزاً قبل وجود الشّرط، والمشروط معدوم قبل وجود شرطه، ولا ينبني عليه حكم. لكن إذا وجد شرطه أصبح كالمنجز وأخذ حكمه.

стр. 4294

ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: إذا قال: مَن سبق فله جائزة. فلا تستحقّ الجائزة إلا عند وجود الجزاء وهو السّبق. ومنها: الصّلاة لا تصحّ إلا بشروط فما لم يوجد شرط منها - مع القدرة - فالصّلاة عدم، كشرط الطّهارة. ومنها: إذا قال لزوجته: إن أطعتني أعطيتك هدية. فلا تستحقّ الهديّة بدون طاعته. ومنها: إذا قال لزوجته: أنت طالق عند آخر الشّهر. فلا يقع الطّلاق إلا عند ورود آخر الشّهر، ولا تطلق قبله، فالطّلاق قبل آخر الشّهر معدوم. ومنها: إذا قال: سأسافر بعد أسبوع، فقبل مضي الأسبوع فالسّفر غير موجود. ومنها: لو نذر صوم يوم بعينه، ثم أراد صوم يوم قبله عنه لم يجز. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القواعد: إذا دبَّر عبده - والتّدبير يفيد العتق بعد الموت - ثم أعتقه في حياته. نفذ عتقه.

стр. 4295

القاعدة التّاسعة والسّتّون بعد الأربعمئة [المعلّق بالشّرط] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المعلّق بالشّرط عند وجود الشّرط كالمنجز (١). وفي لفظ: المعلّق بالشّرط عند وجوده كالمنشأ (٢). وفي لفظ: المعلّق بالشّرط يجب ثبوته عند ثبوتِه، وهو معدوم قبل ثبوت شرطه (٣). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القواعد تقابل سابقاتها، فتلك كانت تشير إلى أنّ المعلّق بالشّرط عدم قبل وجود الشّرط. وهذه تفيد أنّ المعلّق بالشّرط إذا وجد الشّرط فإنّه يكون كالمنجز حالاً، أو المنشأ حالاً، لظهور الحكم عند وجود الشّرط. ولذلك فإنّ المعلّق بالشّرط يجب ثبوته وتحقّقه عند ثبوت شرطه وتحقّقه، وإن كان معدوماً قبله. وينظر من قواعد حرف الهمزة القاعدة ٤٦٦. وقد رأينا أنّه يشترط لصحّة التّعليق بالشّرط كون الشّرط المعلّق

стр. 4296

عليه معدوماً في الحال ممكن الوجود عادة في المستقبل، فالتّعليق في المحقّق الوجود في الحال تنجيز، فإن قال: إن كانت السّماء فوقنا فأنت طالق. تطلق في الحال. وكذلك لو علّقه بالممتنع عادة وإن كان ممكناً عقلاً؛ لأنّ الممتنع عادة كالممتنع عقلاً في عدم بناء الحكم عليه، فذلك تنجيز أيضاً فإن قال: إن لم أصعد السّماء فأنت طالق. طلقت في الحال؛ لأنّ الصّعود إلى السّماء مستحيل عادة، وكذلك لو علّقه بالمستحيل عقلاً بطريق الأولى. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال: إذا خرجت من الدّار فأنت طالق. فخرجت فإنّ الطّلاق يقع عليها حين خروجها، فكأنه أوقعه لحظة خروجها، أو كأنّه أنشأ الطّلاق حين خروجها، والطّلاق قبل خروجها معدوم غير واقع لعدم ثبوت شرط التّعليق.

стр. 4297

القاعدة السّبعون بعد الأربعمئة [المعلّق بالشّرط] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المعلّق بالشّرط عند وجود الشرّط لا ينزل إلا عند بقاء المحل (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: إذا علِّق تصرّف بشرط فعند وجود الشّرط لا ينزل الحكم المبني على الشّرط والمعلّق عليه إلا إذا كان المشروط عليه الشّرط باقياً ليقبل الحكم. أمّا إذا كان محلّ الشّرط وهو المشروط عليه أو بسببه قد خرج عن المحل أو قد زال محلّه فإنّ الشّرط لا يعمل عمله؛ لعدم وجود المحلّ الصّالح له. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال لزوجته: إن كلمت فلاناً فأنت طالق. ثمّ طلّقها بسبب آخر. وبعد طلاقها كلمت فلاناً، فلا يقع عليها الطّلقة المعلّقة؛ لأنّها لم تعد زوجة له بعد البينونة، فكأنّ وقوع الطّلاق المعلّق عليها مشروط ببقاء الزّوجيّة. ومنها: إذا قال لامرأته: إن دخلت الدّار فأنت عليّ كظهر

стр. 4298

أمّي. ثم أبانها - أي طلّقها طلقة بائنة لا رجعيّة - فدخلت الدّار في العدّة، أو بعد العدّة، لم يكن مظاهراً منها؛ لأنّ موجب الظّهار حرمة ترتفع بالكفّارة، وبالبينونة تثبت حرمة أقوى من ذلك، فلا يظهر الضّعيف مع القوي، والمرأة لم تبق محلاً بعد البينونة. بخلاف ما لو كانت الطّلقة رجعيّة.

стр. 4299

القواعد الحادية والسّبعون والثّانية والسّبعون والثّالثة والسّبعون بعد الأربعمئة [المعلّق بالشّرط أو الشّرطين] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: المعلّق بالشّرط لا يثبت حكمه في بعض المحلّ بوجود بعض الشّرط (١). ومنها: المعلّق بالشّرط لا ينزل إلا بعد وجود الشّرط بكماله (١). ومنها: المعلّق بالشّرطين ينزل عند وجودهما من غير مراعاة التّرتيب (١). ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: هذه القواعد مع اختلاف ألفاظها فمدلولها متّحد. ومفادها: أنّ الشّرط المعلّق عليه قد يكون شيئاً واحداً وقد يكون متعدّداً - وقد سبق بيان أنّ المعطوف على الشّرط شرط. وبناء على ذلك فإنّه إذا كان الشّرط متعدّداً فإنّه لا يثبت حكمه إلا إذا وجد الشّرط بتمامه وكماله، ولا يثبت حكم الشّرط في جزء من

стр. 4300

المحل أو بعضه إذا وجد بعض الشّرط. بل لا بد من تحقّق الشّرط كلّه واحداً أو متعدّداً. وإذا كان المعلّق عليه شرطين أو أكثر فلا يشترط لتحقّق الحكم وقوعهما مترتبين، بل إنَّ شرطَ تحقّق الحكم وقوعُ الشّرطين أو الشّروط وتحقّقها سواء وقعا بترتيب أو غير ترتيب إلا إذا كان الشرط الثاني مترتّباً وقوعه على الشّرط الأوّل فيجب التّرتيب وإلا لم يقع الحكم. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: إذا قال: إذا سافرت إلى جدّة والمدينة فلك عندي جائزة. فلا يستحقّ الجائزة إلا بالسّفر إلى تلكما المدينتين، ولا يستحقّ جزء الجائزة إذا سافر إلى جدّة وحدها أو المدينة وحدها. ومنها: إذا قال: إن خرجتِ بغير إذني، وكلّمت فلاناً، وزرت فلانة، فأنت طالق. فهي لا تطلق إلا إذا فعلت تلك الثّلاثة، مرتّبة أو غير مرتّبة. فأمّا لو خرجت فقط لا تطلق، أو خرجت وكلّمت فقط لا تطلق. إذاً لا يقع الطّلاق إلا بتحقّق الثّلاثة ووجودها منها.

стр. 4301

القاعدة الرّابعة والسّبعون بعد الأربعمئة [المعلّق والمضاف] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المعلّق بالشّرط لا ينعقد سبباً للحال، والمضاف منعقد في الطّلاق والعتاق والنّذر (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة ذات شقّين: الأوّل يفيد ويدلّ على أنّ المعلّق بالشّرط لا ينعقد سبباً للحال - كما سبق بيانه في أكثر من قاعدة -؛ لأنّه لا ينعقد إلا بوجود الشّرط وبقاء المحل. والشّقّ الثّاني: يفيد ويدلّ على أنّ الشّرط المضاف ينعقد سبباً للحال في ثلاثة أشياء الطّلاق والعتاق والنّذر. والمراد بالإضافة هنا: الإسناد مطلقاً، لا الإضافة عند النّحاة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال: أنت حرّ غداً. لم يملك بيعه اليوم، لكن إذا قال: إذا جاء غد فأنت حرّ. يملك بيعه اليوم؛ لأنّه أضاف الحريّة إلى مجيء الغد. ومنها: إذا قال: لله عليّ التّصدّق بدرهم غداً. ملك التّعجيل فله أن يتصدّق به اليوم. بخلاف ما لو قال: لله عليّ التّصدّق بدرهم

стр. 4302

إذا جاء غد. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: حيث سووا بين التّعليق والإضافة. إبطال خيار الشّرط. قالوا: لا يصحّ تعليق إبطاله بالشّرط، لكن إذا قال: إذا جاء غد فقد أبطلت خياري. أو قال: أبطلته غداً، فجاء غد بطل خياره لأنّه وإن كان في الظّاهر تعليقاً لكنّه في الواقع إضافة فكأنّه أضاف الإبطال إلى الغد ولكن عبَّر عن ذلك بصيغة التّعليق. ومنها: إذا قال: أجرتك غداً، أو إذا جاء غد فقد أجرتك صحّت، مع أنّ الإجارة لا يصحّ تعليقها وتصحّ إضافتها.

стр. 4303

القاعدتان الخامسة والسّادسة والسّبعون بعد الأربعمئة [المعلوم بالعادة والدّلالة] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: المعلوم دلالة كالمعلوم نصّاً (١). والمعلوم بالعادة كالمشروط بالنّص (٢). ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما: أولى القاعدتين تفيد أنّ الدّلالة لها حكمها، كما أنّ للنّصّ حكمه، فما عُلم عن طريق الدّلالة - أي غير النّطق - فحكمه كالمعلوم بالنّصّ عليه - هذا إذا لم يوجد نصّ يعارضه، وإلا فلا حكم للدّلالة مع النّصّ المخالف. وثانية القاعدتين سبق لها أمثال ومفادها: أنّ ما عرف ثبوته بالعادة والعرف والاستعمال الشّائع فحكمه كالمشروط بالنّصّ عليه؛ لأنّ من أقوى الدّلالات دلالة العرف والعادة. وصلة القاعدتين واضحة. ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما: إذا وكّله في شراء عمامة - والعمامة عَلَم لكلّ ما غطّى الرّأس وعمَّه - والوكيل يعلم أنّ موكّله يلبس العمامة التي تسمّى اليوم "الشّماغ" فإذا اشترى له شماغاً يلزم الموكّل. وإذا اشترى له (غترة) أي

стр. 4304

عمامة بيضاء غير الشّماغ الأحمر، أو شماغاً غير أحمر، فلا يلزم الموكّل، ويكون الوكيل اشتراه لنفسه؛ لأنّ المعلوم دلالة وعادة كالمعلوم نصّاً. ومنها: إذا وكّله أن يُسلم له عشرة دراهم في طعام، انصرف إلى الحنطة - وهي القمح والبُر - أما إذا كان العرف يطلق الطّعام على الخبز أو الأرز انصرف إليه.

стр. 4305

القاعدتان السّابعة والثّامنة والسّبعون بعد الأربعمئة [المعلوم - المحتمل - الموهوم] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: المعلوم الظّاهر لا يترك العمل به بالمحتمل (١). وفي لفظ: المعلوم لا يؤخّر للموهوم (٢). ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما: الظّاهر والمحتمل متقابلان - والمعلوم والموهوم متقابلان. فالظّاهر والمعلوم قويان، والمحتمل والموهوم ضعيفان، ولمّا كان الضّعيف لا يظهر في مقابلة القوي، فإنّ العمل بالمعلوم الظّاهر واجب، ولا يترك العمل به ولا يؤخّر تنفيذ ما دلّ عليه لأجل المحتمل والموهوم. ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما: إذا وجدنا شخصاً بيده سكين ملوّث بالدّم، وأمامه قتيل يتشحط في دمه، فإنّ الظّاهر أنّ حامل السّكين هو القاتل، فلا يجوز لنا تركه لاحتمال أن يكون قتله غيره. ومنها: إذا رأينا شخصاً يبيع سلعة فيجوز لنا أن نشتريها منه، ولا نمتنع عن شرائها بحجّة أنّه يحتمل أن يكون سارقاً لها أو مغتصباً؛

стр. 4306

لأنّ (الأموال على قول وملك أربابها). ومنها: إذا انقطع دم الحائض لأيّام عادتها - دون العشرة - فإنّها تؤخّر إلى وقت يمكنها الاغتسال فيه، وتصلّي فرضها، ولا بأس لزوجها أن يطأها؛ لأنّ انقطاع الدّم طهر من حيث الظّاهر، والاستدلال بما قبله. واحتمال توهّم العود لم يتأيّد بدليل، فلا يمنعه من الوطء، وكذلك لها أن تتزوّج إن كان هذا آخر عدّتها؛ لأنّها قد طهرت ظاهراً. ومنها: لو قلع شخص عيني رجلين، فحضر أحدهما اقتصّ له، وللآخر نصف الدّية. ومنها: لو حضر أحد الشّفيعين قضى له بكلّ المشفوع فيه. ولا يؤخَّر لاحتمال طلب الشّفيع الآخر.

стр. 4307

القاعدة التّاسعة والسّبعون بعد الأربعمئة [النّفي - الاجتماع] أولاً: لفظ ورود القاعدة: مع النّفي لا يتحقّق الاجتماع (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: النّفي: يقابل الإثبات. وهذه القاعدة الأصل فيها بعض ما يحصل في الحجّ والعمرة، ولكن موضوعها أعمّ، فإذا وجد النّفي فلا يتحقّق اجتماع أمرين؛ لأنّ النّفي دليل رفض أحدهما. والنّفي قد يكون عملاً: أي لا يمكن تحقيق العمل المطلوب ولا إيجاده للاستحالة والتّعذّر. وقد يكون قولاً. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: من جمع في إحرامه بين حجّتين أو عمرتين - أي نوى بإحرامه أن يحجّ حجّتين أو عمرتين معاً - فإنّ الجمع بينهما عملاً منفي. أي ممتنع. ومع النّفي لا يتحقّق الاجتماع فيكون رافضاً لإحداهما على كلّ حال. ومنها: إذا أهلّ الآفاقي - وهو في عرفات بعمرة - فيجب عليه رفضها - أي - التّحلّل منها بعدم فعلها -؛ لأنّه محرم بالحجّ وعليه دم؛ لتحقّق المنافي عملاً.

стр. 4308

ومنها: إذا نوى بصيامه الواجب في رمضان والقضاء. لا يجتمعان؛ فإن الصّوم يقع عن رمضان قطعاً، وتكون نيّته عن القضاء مرفوضة. ومنها: إذا كفَّر كفّارة واحدة عن واجبين، وقعت على أحدهما فقط، كمن كفّر عن يمينين حنث فيهما بعتق رقبة واحدة. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: إذا نوى بصلاته فرض الوقت وقضاء الفائتة مثله - لم يصحّ واحدة منهما، فصلاته باطلة، فنيّته هنا أبطلت صلاته، فكأنّها جمعت بين بطلان النّيتين معاً، نيَّة فرض الوقت ونيَّة قضاء الفائتة. فكان الاجتماع في النّفي والرّفض والبطلان بخلاف الصّوم.

стр. 4309

القاعدة الثّمانون بعد الأربعمئة [المعيَّن - الذّمم] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المعينات لا تثبت في الذّمم، وما في الذّمم لا يكون معيناً (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المعيَّنات: جمع معيَّنة - أي مرئية بالعين - وهي صفة لموصوف محذوف، تقديره السّلعة المعيّنة، أو هي المشخصات في الخارج المرئية بالحسّ. والذّمم: جمع ذمّة، وهي وعاء اعتباري لإثبات الحقوق والواجبات لإمكان المطالبة بها. والذّمّة: العهد، وسمّيت ذمّة؛ لأنّ مَن نكثها أو أخفرها فهو مذموم. وإذا كانت المعيَّنات لا تثبت في الذّمم، فإنّ ما في الذّمم لا يكون معيناً، بل يتعلّق الحكم فيه بواحد غير معيَّن؛ لأن المطلوب متى ما كان في الذّمّة فإنّ لمن هو عليه أن يتخيّر بين الأمثال ويعطي أي مثل شاء. أمّا لو عقد على معيّن من تلك الأمثال لم يكن له الانتقال عنه إلى غيره.

стр. 4310

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا اشترى سلعة معيَّنة فاستحقّت - أي ظهر لها مالك غير البائع أو ظهرت مرهونة أو غير ذلك - انفسخ العقد فيها ويستردّ المشتري ما دفعه، وليس له أن يسلم غيرها. ومنها: إذا استأجر شخصاً لحمل متاع له أو إيصاله إلى بلد عيَّنه، ولكن لم يعيّن وسيلة النّقل والحمل، فإنّ للمستأجَر أن يعيّن له دابّة أو سيّارة، فإذا عطبت أو تعطّلت وجب عليه إحضار غيرها؛ لأنّ المعقود عليه غير معيّن. ومنها: الصّلاة في وقتها معيَّنة، فإذا خرج وقتها ولم يؤدّها، انتقل الأداء إلى الذّمّة فكان قضاء يؤدّيه في أي وقت شاء. ومنها: الدّيون في الذّمّة لا يتعيّن أداؤها من نقد بعينه، بل يؤدّيها المدين بالنّقد المتداول من أي فئاته شاء. وليس للدّائن أن يجبره على الأداء بفئة منه معيّنة.
следующие страницы →