لأنّ (الأموال على قول وملك أربابها).
ومنها: إذا انقطع دم الحائض لأيّام عادتها - دون العشرة - فإنّها تؤخّر إلى وقت يمكنها الاغتسال فيه، وتصلّي فرضها، ولا بأس لزوجها أن يطأها؛ لأنّ انقطاع الدّم طهر من حيث الظّاهر، والاستدلال بما قبله. واحتمال توهّم العود لم يتأيّد بدليل، فلا يمنعه من الوطء، وكذلك لها أن تتزوّج إن كان هذا آخر عدّتها؛ لأنّها قد طهرت ظاهراً.
ومنها: لو قلع شخص عيني رجلين، فحضر أحدهما اقتصّ له، وللآخر نصف الدّية.
ومنها: لو حضر أحد الشّفيعين قضى له بكلّ المشفوع فيه. ولا يؤخَّر لاحتمال طلب الشّفيع الآخر.
стр. 4307
القاعدة التّاسعة والسّبعون بعد الأربعمئة [النّفي - الاجتماع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مع النّفي لا يتحقّق الاجتماع (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
النّفي: يقابل الإثبات.
وهذه القاعدة الأصل فيها بعض ما يحصل في الحجّ والعمرة، ولكن موضوعها أعمّ، فإذا وجد النّفي فلا يتحقّق اجتماع أمرين؛ لأنّ النّفي دليل رفض أحدهما. والنّفي قد يكون عملاً: أي لا يمكن تحقيق العمل المطلوب ولا إيجاده للاستحالة والتّعذّر. وقد يكون قولاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من جمع في إحرامه بين حجّتين أو عمرتين - أي نوى بإحرامه أن يحجّ حجّتين أو عمرتين معاً - فإنّ الجمع بينهما عملاً منفي. أي ممتنع. ومع النّفي لا يتحقّق الاجتماع فيكون رافضاً لإحداهما على كلّ حال.
ومنها: إذا أهلّ الآفاقي - وهو في عرفات بعمرة - فيجب عليه رفضها - أي - التّحلّل منها بعدم فعلها -؛ لأنّه محرم بالحجّ وعليه دم؛ لتحقّق المنافي عملاً.
стр. 4308
ومنها: إذا نوى بصيامه الواجب في رمضان والقضاء. لا يجتمعان؛ فإن الصّوم يقع عن رمضان قطعاً، وتكون نيّته عن القضاء مرفوضة.
ومنها: إذا كفَّر كفّارة واحدة عن واجبين، وقعت على أحدهما فقط، كمن كفّر عن يمينين حنث فيهما بعتق رقبة واحدة.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا نوى بصلاته فرض الوقت وقضاء الفائتة مثله - لم يصحّ واحدة منهما، فصلاته باطلة، فنيّته هنا أبطلت صلاته، فكأنّها جمعت بين بطلان النّيتين معاً، نيَّة فرض الوقت ونيَّة قضاء الفائتة. فكان الاجتماع في النّفي والرّفض والبطلان بخلاف الصّوم.
стр. 4309
القاعدة الثّمانون بعد الأربعمئة [المعيَّن - الذّمم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المعينات لا تثبت في الذّمم، وما في الذّمم لا يكون معيناً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المعيَّنات: جمع معيَّنة - أي مرئية بالعين - وهي صفة لموصوف محذوف، تقديره السّلعة المعيّنة، أو هي المشخصات في الخارج المرئية بالحسّ.
والذّمم: جمع ذمّة، وهي وعاء اعتباري لإثبات الحقوق والواجبات لإمكان المطالبة بها.
والذّمّة: العهد، وسمّيت ذمّة؛ لأنّ مَن نكثها أو أخفرها فهو مذموم. وإذا كانت المعيَّنات لا تثبت في الذّمم، فإنّ ما في الذّمم لا يكون معيناً، بل يتعلّق الحكم فيه بواحد غير معيَّن؛ لأن المطلوب متى ما كان في الذّمّة فإنّ لمن هو عليه أن يتخيّر بين الأمثال ويعطي أي مثل شاء.
أمّا لو عقد على معيّن من تلك الأمثال لم يكن له الانتقال عنه إلى غيره.
стр. 4310
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى سلعة معيَّنة فاستحقّت - أي ظهر لها مالك غير البائع أو ظهرت مرهونة أو غير ذلك - انفسخ العقد فيها ويستردّ المشتري ما دفعه، وليس له أن يسلم غيرها.
ومنها: إذا استأجر شخصاً لحمل متاع له أو إيصاله إلى بلد عيَّنه، ولكن لم يعيّن وسيلة النّقل والحمل، فإنّ للمستأجَر أن يعيّن له دابّة أو سيّارة، فإذا عطبت أو تعطّلت وجب عليه إحضار غيرها؛ لأنّ المعقود عليه غير معيّن.
ومنها: الصّلاة في وقتها معيَّنة، فإذا خرج وقتها ولم يؤدّها، انتقل الأداء إلى الذّمّة فكان قضاء يؤدّيه في أي وقت شاء.
ومنها: الدّيون في الذّمّة لا يتعيّن أداؤها من نقد بعينه، بل يؤدّيها المدين بالنّقد المتداول من أي فئاته شاء. وليس للدّائن أن يجبره على الأداء بفئة منه معيّنة.
стр. 4311
القاعدة الحادية والثّمانون بعد الأربعمئة [المعيَّن]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المعيَّن لايُعرَّف بصفته (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالمعيّن هنا: الموجود المشار إليه، فما كان موجوداً مشاراً إليه واقعاً تحت الحسّ أو مذكوراً في عبارته فإنّه لا يُعرَّف بصفته؛ لأنّ وجوده كاف عن الوصف؛ بل هو أقوى من الوصف.
وسيأتي: أنّ (الوصف في الحاضر لغو وفي الغائب معتبر).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: لله عليَّ أن أصوم شهراً. صام أيّ شهر شاء، لكن إذا أفطر منه يوماً وجب عليه استئناف شهر واستقباله بالصّوم
ومنها: إذا قال: لله عليَّ أن أصوم رجباً متتابعاً. فصام ثم أفطر فيه يوماً، فعليه قضاء ذلك اليوم وحده؛ لأنّ ما أوجبه على نفسه من الصّوم في وقت بعينه معتبر بما أوجبه الله عليه من الصّوم في وقت بعينه وهو صوم رمضان، وهذا لأنّ ذكر التّتابع في شهر بعينه غير معتبر، فالمعيَّن لا يعرَّف بصفته.
ومنها: إذا قال: أنكحتك ابنتي هذه - البيضاء الطّويلة - وهي
стр. 4312
حاضرة مرئيّة، فالصّفة غير معتبرة؛ لأنّ المراد إنكاحها امرأة معيّنة لو اختلفت الصّفة في حقّ للزّوج في الاعتراض لأنّه ينظر ويرى التي أمامه المشار إليها.
стр. 4313
القاعدة الثّانية والثّمانون بعد الأربعمئة [المغرم والمغنم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المَغْرم مقابل بالمغنم (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المغرم: هو الغرامة والخسارة.
والمغنم: هو الرّبح والغنيمة.
وقد سبق لهذه القاعدة أمثال مثل: (الغرم بالغنم، والغنم بالغرم). وقد سبقت ضمن قواعد حرف الغين تحت الرّقم ٨.
وبلفظ: (الخراج بالضّمان) ضمن قواعد حرف الخاء تحت الرّقم ١٣.
وبلفظ سيأتي إن شاء الله: (النّعمة بقدر النّقمة، والنقمة بقدر النّعمة).
стр. 4314
القاعدتان الثّالثة والرّابعة والثّمانون بعد الأربعمئة [المغرور - الغارّ]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
المغرور في المعاوضات التي تقتضي سلامة العوض جعل سبباً للضّمان دفعاً للضّرر بقدر الإمكان (١).
وفي لفظ: المغرور يرجع على الغار بما غرَّه (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
المغرور: هو المخدوع، الذي يخدع في المعاوضات، إذ توصف له السّلع بغير حقيقتها، أو يشتريها على أنّها سليمة فتظهر معيبة.
فهذا المغرور له الحقّ في المطالبة بالتّعويض ممّن غرَّه، بما غَرَّه به؛ دفعاً للضّرر بقدر الإمكان، ولأنّ الغرور حرام.
وينظر القواعد من ٩ - ١١ من قواعد حرف الغين.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا اشترى سيّارة على أنّها سليمة من العيوب - أو اشتراها مطلقة - والإطلاق يقتضي سلامة العوض في العقد الصّحيح. ثم ظهر فيها
стр. 4315
عيوب - أخفاها البائع - توجب الرّدّ أو أرش النّقصان فللمشتري المغرور الحقّ في المطالبة بالتّعويض على النّقص الحاصل بالعيب، من البائع أو من الوسيط الذي غرَّه، وذلك دفعاً للضّرر عن المشتري المخدوع بقدر الإمكان.
ومنها: إذا اشترى أمَة فاستولدها، ثم ظهرت مستحقة، فإنّ المشتري يرجع على البائع بالثّمن وبقيمة الولد.
ومنها: إذا اشترى أرضاً وبنى فيها ثم ظهرت مستحقّة - أو أنّها ليست ملكاً للبائع - فإنّ المشتري يرجع على البائع بقيمة الأرض والبناء.
ومنها: إذا قال رجل لأهل السّوق بايعوا ابني هذا فقد أذنت له في التّجارة، فظهر أنّه ابن غيره. رجعوا عليه للغرور.
ومنها: إذا غرَّ البائع المشتري وقال له: قيمة متاعي كذا فاشتره. فاشتراه بناء على قوله، ثم ظهر فيه غبن فاحش، فإنّه يردّه.
ومنها: إذا كان عنده وديعة فهلكت. ثم جاء رجل واستحقّ الوديعة، وضمَّنها الأمين، فإنّ المودَع الأمين يرجع على المودِع بما ضمن.
стр. 4316
القاعدة الخامسة والثّمانون بعد الأربعمئة [اللفظ والمعنى]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المغلَّب هل هو اللفظ أو المعنى (١)؟
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
عند التّعاقد قد يتلفّظ المتعاقدان بلفظ العقد الذي يريدانه صريحاً كعقد البيع بقولهما بعت واشتريت، فيترتّب على العقد مقتضاه وأحكامه، وقد يكون اللفظ لعقد ومراد العاقدين عقداً آخر مدلولاً عليه بما وُصِل بألفاظ العقد، فهل تكون العبرة والاعتداد بلفظ العقد الملفوظ أو بالمعنى المراد؟
المغلَّب عند الأكثرين المعنى المقصود المدلول عليه، لا باللفظ الملفوظ، وقد سبق لهذه القاعدة أمثال، ينظر من قواعد حرف الهمزة القواعد من ٩٦ - ٩٨، ٦٤١. ومن قواعد حرف الحاء القاعدة ١٠٨. وغيرهما. وينظر الوجيز ص ١٤٧ فما بعدها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: وهبتك هذا الكتاب بمئة. كان بيعاً لا هبة؛ لذكر العوض، كان تلفّظ بلفظ الهبة.
стр. 4317
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا قال: بعتك هذا الكتاب بدون ثمن، أو أجرتك هذه الدّار بدون أجرة. لا يكون العقد الأوّل هبة ولا بيعاً وهو عقد باطل.
ولا يكون العقد الثّاني إجارة ولا إعارة، وهو باطل كذلك؛ لعدم ذكر الثمن والأجرة فيهما وهما من أركان العقد.
стр. 4318
القاعدتان السّادسة والسّابعة والثّمانون بعد الأربعمئة [المغلوب - الغالب]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
المغلوب لا يظهر حكمه في مقابلة الغالب (١).
والمغلوب في حكم المستهلَك (٢). أو المغلوب لا حكم له (٣).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
المغلوب: اسم مفعول من غُلِب، والمراد به الشّيء القليل.
والغالب: اسم فاعل من غَلَب، والمراد به الشّيء الكثير.
إذا اختلط شيئان معاً وكان أحدهما أكثر من الآخر فإنّ الأكثر هو الغالب والأقل هو المغلوب. والحكم إنما يكون للغالب منهما؛ لأنّ المغلوب مستهلك في الغالب.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا صبَّ لبن امرأة في طعام، فأكله الصّبي، فإن كان الطّعام هو الغالب فلا تثبت به الحرمة؛ لأنّ هذا أكل، والموجب للمحرمية
стр. 4319
الشّرب دون الأكل. أمّا إن كان اللبن هو الغالب، فعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تثبت الحرمة
ومنها: إذا خلط لبن امرأة بلبن امرأة أخرى ثم أوجر منه صبي، فهل تثبت الحرمة منهما جميعاً؟ أو تثبت الحرمة لمن يكون لبنها غالباً؟ خلاف.
ومنها: إذا اختلط موتى مسلمين بموتى كفار - ولم يمكن التّفريق بينهم - فإن كانت الغلبة للمسلمين غسلوا جميعاً وصلَّي عليهم جميعاً - إلا مَن عُرِف أنه كافر - وإن كانت الغلبة للكفّار لا يصلّى عليهم، إلا مَن عُرِف أنه مسلم بالسّيما والعلامة؟ لأنّ الحكم للغالب. فإذا استويا لم يصلّ عليهم عند الحنفيّة، ولكن عند غيرهم من الفقهاء يصلّى عليهم جميعاً ويُنْوى بالصّلاة المسلمين؛ لأنّه لما عُجِز عن التمييز الفعلي بينهم فإنّما يميز بالنّيّة.
стр. 4320
القاعدة الثّامنة والثّمانون بعد الأربعمئة [المغيا]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المغيا لا بدّ أن يثبت قبل الغاية ويتكرّر إليها (١). أو - ثم يصل إليها (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المُغَيّا: اسم مفعول من غُيِّيَ فهو مغيا. والمراد به هنا: ما جعل غاية ونهاية. فحكمه أنّه يثبت قبل الغاية ويتكرّر ويصل إليها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال لزوجته: إن أكلت حتى لبست، فأنت طالق. يقتضي اللفظ تأخير اللبس مع تكرّر الأكل قبله حتى يصل إليه؛ لأنّ حتى حرف غاية.
ومنها: إذا قلت: قام القوم حتى عمرو. يقتضي تأخّر قيام عمرو. بدلالة حتى التي هي حرف غاية وجر.
ومنها: قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾ (٢). فالسّلام ثابت قبل الفجر وهو ممتدّ ومستمرّ إلى طلوع الفجر.
ومثله: سرت حتى طلعت الشمس، فالسّير ثابت ومستمر قبل طلوع الشّمس إلى طلوعها.
стр. 4321
القاعدة التّاسعة والثّمانون بعد الأربعمئة [المفرد المضاف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المفرد المضاف إلى معرفة للعموم (١). أصوليّة فقهيّة
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المفرد المنكر إذا أضيف إلى معرفة أفاد العموم والشّمول.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ (٢). استدلّ على أنّ الأمر للوجوب - بسبب التّهديد بإصابة الفتنة أو العذاب - والمراد كلّ أمر لله تعالى.
ومنها: إذا أوصى لولد زيد، أو وقف على ولده - وكان له أولاد ذكور وإناث - كانت الوصيّة والوقف للكلّ.
ومنها: إذا قال: إن كان حملك ذكراً فلكِ عندي هديتان. وإن كانت أنثى فهديّة. فولدت ذكراً وأنثى .. قالوا: لا تستحقّ الهديّة, لأنّ الحمل اسم للكلّ - أي كلّ الحمل - فما لم يكن كلّ الحمل ذكراً أو أنثى لم يوجب الشّرط.
стр. 4322
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا قال: زوجاتي طالق. أو عبيدي حُر - بالإفراد في كليهما - طلقت واحدة وعتق واحد. والتّعيين إليه. ومقتضى لفظه طلاق الكلّ وعتق الجميع، لكن لم يحمل على الجميع لوجود الوصف المفرد وهو الخبر فلم يطابق المبتدأ.
стр. 4323
القاعدة التّسعون بعد الأربعمئة [المفرَّط]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المُفَرَّط ضامن (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المفرِّط: اسم فاعل من فَرَّط فهو مفرِّط. أي مهمل ومتهاون غير محتاط ومقصِّر ومضيَّع. فمن قصَّر في حفظ أو رعاية ما أو مَن تحت يده حتى ضاعوا أو هلكوا، فإنّه غارم وضامن لما ضاع أو هلك بسبب تقصيره وإهماله.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا نامت امرأة وبجوارها رضيع أو طفل فمالت عليه أثناء نومها فقتلته فعليها الدّية وتلزمها الكفّارة لتفريطها وعدم احتياطها.
ومنها: من أتلف مال غيره عمداً أو خطأ فهو ضامن وغارم، والفرق بين المتعمّد المتعدّي والمخطئ أنّ المتعمّد المتعدّي آثم ويستحقّ العقوبة، والمخطئ غير آثم، ولا يستحقّ العقوبة، وإن كانا مستويين في وجوب الضّمان.
ومنها: أودع وديعة فقصّر في حفظها حتى ضاعت فهو ضامن لها بسبب تقصيره، مع أنّ يده مؤتمنة في الأصل.
стр. 4324
القاعدة الحادية والتّسعون بعد الأربعمئة [المفسد وزواله]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
المفسد إذا زال قبل تقرّره يصير كأن لم يكن (١).
وفي لفظ: المفسد للعقد إذا زال قبل تقرّره جُعل كأن لم يكن وصحّ العقد (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المفسد للعقد هو إمّا فقدان العقد بعض شروط صحّته، أو اشتراط شرط خارج عن مقتضى العقد أو مناف لمقتضاه.
والمراد بالإفساد هنا: غير البطلان، وذلك لأنّ الحنفيّة يفرّقون بين الباطل والفاسد، فالباطل لو أزيل سبب البطلان فلا بدّ من استئناف العقد وتجديده عند الكلّ، ولا يكون زوال سبب البطلان مصحّحاً للعقد، بخلاف المفسد عند الحنفيّة.
فبناءً على هذه القاعدة إذا أزال المتعاقدان هذا المفسد للعقد قبل ثبوته - وثبوت المفسد يكون بالتّقابض والتّفرّق عن المجلس - فإذا أزيل المفسد قبل ثبوته فإنّ العقد يعود صحيحاً ويجعل المفسد كأن لم يكن.
стр. 4325
وعند غير الحنفيّة الفاسد والباطل مترادفان فإذا دخل العقد فساد فالعقد غير صحيح ويجب استئنافه وتجديده ولو أُزيل المفسد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
اشتراط خيار الرّؤية في السّلم مفسد للعقد، فإن أسقط الخيار قبل التّفرّق صحّ العقد.
ومنها: إذا تصارفا درهماً بدرهمين - وهذا عقد دخله الرّبا - فإن رَدَّ آخذ الدّرهمين درهماً منهما لصاحبه قبل التّفرّق من المجلس صحّ العقد درهماً بدرهم. وعند غير الحنفيّة العقد باطل فلا بُدَّ مِنْ ترادهما وتجديد العقد واستئنافه درهماً بدرهم.
ومنها: إذا تزوّج امرأة بغير شهود، أو زوجّت نفسها بغير ولي، فإذا حضر الشّهود بعد ذلك أو أجاز الولي صحّ العقد عند الحنفيّة، ولم يصحّ عند غيرهم بل يجب تجديد العقد واستئنافه.
стр. 4326
القاعدة الثّانية والتّسعون بعد الأربعمئة [إباحة المحرم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المفسدة المقتضية للتّحريم إذا عارضها حاجة راجحة أبيح المحرم (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تتعلّق بباب الضّرورات والحاجة - وهي بمعنى القاعدة القائلة: (لا حرام مع ضرورة) وقد سبقت.
فإذا وجدت مفسدة مسبّبة لتحريم فعل في شيء أو أمر ما - لأنّ المحرّم إنّما حرِّم لأجل ما فيه من مفسدة - ولكن عارض ذلك حاجة راجحة أو ضرورة ماسّة أبيح المحرم؛ لأنّ (الضّرورات تبيح المحظورات. والحاجة تنزل منزلة الضّرورة).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
جواز إبقاء الثّمرة على الشّجر إلى كمال الصّلاح؛ لأنّ الحاجة داعية إلى بقاء الثّمر بعد البيع إلى كمال صلاحه. وإذا أصابته جائحة قبل اكتمال صلاحه هلك من ضمان البائع. ودليل ذلك الحديث الذي أخرجه مسلم ﵀ من رواية جابر بن عبد الله ﵁
стр. 4327
قال: قال رسول الله ﷺ : "لو بعت من أخيك ثمراً فأصابته جائحة فلا يحلّ لك أن تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حقّ" (١)
стр. 4328
القاعدة الثّالثة والتّسعون بعد الأربعمئة [المفسوخ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المفسوخ لا تلحقه الإجازة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المفسوخ: هو العقد الذي أبطله العاقدان بعد تمامه، إذ يدخله الفسخ بسبب من الأسباب. فإذا عقد فضولي عقداً ثمّ فسخه، فإن إجازة المالك أو صاحب الشّأن لا تنفع ولا تصحّح العقد بعد فسخه؛ لأنّ الإجازة إنّما تعمل في العقد الموقوف، لا في المفسوخ ولا في الباطل - كما سبق بيانه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا باع فضولي سيّارة شخص لشخص آخر، وقبل إجازة المالك فسخ الفضولي أو المشتري منه العقد، ثم جاء المالك فأجاز العقد، فإنّ العقد لا يعود صحيحاً بهذه الإجازة, لأنّ الإجازة إنّما صادفت عقداً مفسوخاً أي باطلاً معدوماً، لا عقداً موقوفاً، فلا عمل لها.
стр. 4329
القاعدتان الرّابعة والخامسة والتّسعون بعد الأربعمائة [المفهوم]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
المفهوم لا يكون حجّة في الاستحقاق (١).
وفي لفظ: مفهوم النّص ليس بحُجّة (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
مفهوم النّص: المراد به عند الأصوليين والفقهاء، مفهوم المخالفة.
ومعنى مفهوم المخالفة: ما يفهم عن اللفظ في يسير محلّ النّطق، أو أنّ الحكم المسكوت عنه يخالف حكم المنطوق به. ويسمى دليل الخطاب أيضاً (٣).
فمفهوم المخالفة لا يكون حجّة ولا دليلاً للاستحقاق، ولا يعتدّ به في الأحكام عند الحنفيّة، وإن كان غيرهم يعتبره.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٤) فمفهومه أن مَن لم يشهد الشّهر لا يجب عليه صومه.
стр. 4330
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (١) فمفهومه أنّه لا يجوز الزّواج من الأمَة غير المؤمنة، وهذا عند غير الحنفيّة، وأمّا عند الحنفيّة فلا يأخذون بهذا المفهوم.
ومنها: وجوب النّفقة للمعتدّة من طلاق بائن وهي غير حامل مع السّكنى عند الحنفيّة ورواية عن أحمد بن حنبل ﵀. خلافاً للشّافعيّة والمالكيّة (٢) الذين يرون أن لا نفقة لها إلا إذا كانت حاملاً استدلالاً بالمفهوم من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٣). فأخذوا من ذلك عدم استحقاق النّفقة للبائن غير الحامل المعتدّة، ولها السّكنى فقط (٤). والوجه الرّاجح عند أحمد ﵀ أنّه لا نفقة لها ولا سكنى (٥).
ومنها: إذا قال المضارب: إنّ لربّ المال ثلث الرّبح. ولم يسمّ المضارب لنفسه شيئاً، قالوا: هذه مضاربة فاسدة في القياس؛ لأنّهما لم
стр. 4331
يبيّنا ما هو المحتاج إليه وهو نصيب المضارب من الرّبح. ولأنّه ليس من ضرورة اشتراط الثّلث لربّ المال اشتراط ما بقي للمضارب، فإنّ ذلك من المفهوم. والمفهوم لا يكون حجّة في الاستحقاق؛ لاحتمال أن يكون مراده اشتراط بعض الرّبح لعامل آخر يعمل معه.
لكن قالوا: هذه مضاربة جائزة استحساناً؛ لأنّ عقد المضاربة عقد شركة في الرّبح، فإذا بيّن نصيب أحدهما كان ذلك بياناً في حقّ الآخر.
ودليل الاستحسان قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ (١).
стр. 4332
القاعدة السّادسة والتّسعون بعد الأربعمئة [المفهوم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المفهوم لا يوجب الحد (١). عند أبي حنيفة ﵀.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة لها ارتباط بسابقتيها، وإن كانت أخصَّ منهما موضوعاً، فعند الحنفيّة - عموماً - إذا كان المفهوم (٢) لا يصلح حجّة على وجه العموم، فإنّ في هذه القاعدة بيان أنّ هذا المفهوم لا يصلح حجّة على وجه الخصوص في إيجاب الحدّ، قذفاً أو غيره؛ لأن الحدود تدرأ بالشّبهات. ولا يجب الحدّ إلا إذا كان اللفظ صريحاً غير كناية وبخاصّة في القذف عند أبي حنيفة ﵀، وعند أحمد ﵀ لا حدّ إلا بالقذف الصّريح (٣).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: ما أنا بزان ولا أمي بزانية مخاطباً شخصاً أمامه، فمفهومه أنّ المخاطَب زانِ وأمّه زانية - وبخاصّة إذا كان ذلك في مجال المشاتمة والمنازعة - لكن لمّا كان أبو حنيفة ﵀ لا يعمل ولا يأخذ
стр. 4333
بالمفهوم لم يوجب على القائل حدّ القذف؛ لأنّ وجوب حدّ القذف عنده لا يكون إلا بصريح اللفظ. وكذلك هو عند أحمد والشّافعي وغيرهما.
ومنها: إذا قال لامرأة: وطِأَك فإن وطأ حراماً، أو فجر بك فجوراً، أو جامعك جماعاً حراماً، لا حدّ عليه.
ومنها: إذا قال لآخر: لست لأبويك، فليس بقاذف ولا حدّ عليه.
стр. 4334
القاعدة السّابعة والتّسعون بعد الأربعمئة [الأجل والدّراهم - الرّبا]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مقابلة الأجل بالدّراهم ربا (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الرّبا نوعان: ربا الفضل - أي الزّيادة مع الجنس -، وربا النّسيئة - أي الأجل. فربا الفضل يكون في الجنس الواحد كالذّهب بالذّهب متفاضلاً.
وربا النّسيئة يكون بزيادة على رأس المال مقابل، زيادة المدّة - وكلاهما محرّم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حطّ عنه شيئاً من دَينه مقابل تعجيل الأداء لا يجوز، كما لو زاده شيئاً مقابل التّأجيل وزيادة المدّة.
ومنها: بيع التّقسيط الآجل بزيادة عن النّقد، تعتبر الزّيادة ربا؛ لأنّها في مقابل تأجيل دفع الثّمن.
وينظر القاعدة رقم ٤٣٨ بلفظ "معاوضة".
стр. 4335
القاعدة الثّامنة والتّسعون بعد الأربعمئة [المقادير]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
المقادير بالرّأي لا تستدرك (١).
وفي لفظ: نصب المقادير بالرّأي لا يجوز. وتأتي في قواعد حرف النّون إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المقادير: جمع مقدار، والمراد به هنا: المقدّرات الشّرعيّة التي تتعلّق - بالأزمان، والأعداد والمكاييل والمقاييس، والعقوبات البدنيّة أو الماليّة والواجبات المقدّرة - أي التي حدّد الشّارع مقاديرها - فكلّ هذه الأمور لا تدرك بالرّأي، ولا مجال للرّأي والاجتهاد في نصبها وتحديدها، فإذا لم تكن مسموعة أو منصوصاً عليها فلا يجوز نصبها، ولو اجتهد مجتهد في تقدير أي منها بدون نصّ فلا يعتدّ باجتهاده ولا يعمل بتقديره. إلا ما كان من باب العقوبات التّعزيريّة فيعود تقديرها إلى رأي الإمام بحسب الجرم، لأنّ ما لا تقدير له في الشّرع يعود تقديره إلى رأي الإِمام بحسب ما يرى من المصلحة.
стр. 4336
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ذكروا في باب الشّفعة في الأرضين والأنهار: أنّ الشّركاء في النّهر الصّغير هم كلّ من له شِرب منه. لكن إذا كان النّهر كبيراً تجري فيه السّفن، فالجار أحقّ به؛ لأنّ الحنفيّة يرون جواز الشّفعة للجار الملاصق؛ لأنّ الشّركة في النّهر الكبير شركة عامّة بمنزلة الطّريق النّافذ، ولكن كيف يفرَّق بين النّهر الصّغير والنّهر الكبير؟.
قالوا: إذا كان النّهر تجري فيه السّفن فهو النّهر الكبير، ولا مجال فيه للتّقدير بعدد المنتفعين؛ لأنّه لم يرد عن الشّرع تقدير لذلك، والمقادير بالرّأي لا تستدرك.
ومنها: حريم النّهر فلو أجرى نهراً، فله حريمه من الجانبين بقدر ما يرى الإمام من حاجة حافره، وما يقطع التّنازع بين الحافر وبين جيرانه، ولا تقدير لحريم النّهر في الشّرع.
ومنها: إذا قدّر الشّارع حدّ زنا البكر بمئة جلدة، فلا يجوز لحاكم أن يزيد على هذا الحدّ أو ينقص منه، أو يبدله بالسّجن أو الغرامة أو غير ذلك من العقوبات.
стр. 4337
القاعدة التّاسعة والتّسعون بعد الأربعمئة [المقارن]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المقارن للصّنيع إذا كان مؤثّراً فإذا تقدّم أو تأخّر لا يؤثّر غالباً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المقارن للصّنيع: هو ما يصاحب إنشاء العقد أو ابتداء العمل، فإذا كان هذا المصاحب مؤثّراً في العقد أو الفعل حال مقارنته للعقد أو الفعل فإنّ تأثيره محصور في الابتداء مع المقارنة والمصاحبة، أمّا إذا تقدّم عن إنشاء العقد أو تأخّر عنه فإنّه لا يؤثّر في العقد ولا في الفعل في أغلب الأحيان. ومفهوم ذلك أنّه قد يؤثّر في بعضها أحياناً تقدّم أو تأخّر.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا شرط على المشتري قبل العقد أن لا يبيع السّلعة التي يريد شراءها، ولم ينصّ على ذلك عند التّعاقد فالعقد صحيح، ولا يؤثّر الشّرط السّابق في صحّته.
ومنها: إذا شرط بعد عقد النّكاح أن تنفق عليه زوجته، فهذا شرط باطل لا يؤثّر في صحّة عقد النّكاح؛ لأنّه شرط تأخّر عن إنشاء
стр. 4338
العقد ولم يقارنه.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة فأثر:
إذا قال لزوجته: متى قلت لكِ: أنت عليّ حرام، فإنّي أريد به طلاقك. ثم قال لها ذلك بعد مدّة. في وجه أنّ الطّلاق يقع عملاً بكلامه السّابق.
ومنها: اختلاف مهر السّر والعلانيّة: وهو أن يتّفقا قبل العقد أن يكون المهر ألفاً مثلاً - وعند العقد أعلنا المهر عشرة آلاف، أو خمسمئة. فهل المعتبر مهر السّر فيكون قد أثّر في العقد مع أنّه لم يقارنه؟ قال بعضهم: المصطلح عليه قبل العقد كالمشروط فيه.
стр. 4339
القاعدة المتمّمة للخمسمئة بعد الأربعمئة [القصد والنيَّة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مقاصد اللفظ على نيَّة اللافظ (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تندرج تحت القاعدة الكلّيّة الكبرى (الأعمال بالنّيّات) وتتفرّع عليها. فالمتكلّم والمتلفّظ بالألفاظ له من وراء لفظه وكلامه مقاصد ونيّات يرجوها ويريدها، فلذلك فإنّ مقاصد اللفظ وما يراد به إنّما يعتدّ بها ويعتمد فيها على نيَّة المتكلّم. وقد يكون ظاهر اللفظ غير مراد للمتكلّم فيعمل بنيَّته وقصده من لفظه.
لكن لمّا كان القصد والنيَّة أمران قلبيّان كان لا بدّ من دلائل وأمارات تدلّ على تلك النّيّة وذلك القصد المراد للاعتداد بهما.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: احفر في أرضي هذه حفرة. فيفهم أنّ الأرض ملكه؛ لأنّه أضاف الأرض إلي ياء المتكلّم. لكن إذا قال: احفر في هذه الأرض حفرة. فلا يفهم أنّها ملكه.
ومنها: إذا حلف أن لا يأكل اللحم، ونوى جميع أنواع اللحم، يحنث بأكل أي نوع منها، لكن إذا لم تكن له نيَّة فيحمل اليمين على
стр. 4340
عرف الحالف فيقيّد اللفظ بدلالة العرف - كما سبق بيانه قريباً -.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
اليمين بالله تعالى عند القاضي تكون على نيّة المستحلف - وهو القاضي - دون نيّة الحالف، إلا إذا كان الحالف مظلوماً فإنّ اليمين تكون على نيَّته - عند الحنفيّة والحنابلة - دون نيّة القاضي المستحلف.
стр. 4341
القاعدة الحادية بعد الخمسمئة [المقاصد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المقاصد في العَرض والعقار تتعلّق بصورهما وأعيانهما (١) لا بأبدالهما.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المقاصد: جمع مقصد، وهو اسم زمان أو مكان أو مصدر ميمي. ويراد به هنا ما يطلب ويراد ويستهدف ويتغيا.
العَرَض: هو غير الثّمن، كالدّواب والملابس والمأكولات وغيرها مما يشترى بالأثمان.
والعقار: المراد به الأراضي والدّور.
والأعيان: جمع عين. والمراد به هنا نفس العَرَض والعقار.
فكلّها تراد وتشترى وتباع لما فيها من منفعة ومصلحة للمتعاقدين، ويتعلّق ذلك بظواهرهما، لا بأثمانهما وأبدالهما.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الدّار إنّما تراد للسّكنى، والأرض إنّما تراد ويقصد منها الزّراعة أو البناء، والعروض إنّما تراد لما فيها من منفعة ومصلحة جعلت وصنعت لأجلها، فالدّواب تراد للرّكوب والزّينة، والملابس
стр. 4342
تراد للبس والدّفء، والمأكولات تراد للأكل وهكذا، ولذلك فإنّ المديون الذي لا يؤدّي دينه - إذا طالب غرماؤه القضاء بالاستيفاء منه - فإنّ القاضي لا يبيع أولاً: عروض المديون ولا أمتعته ولا عقاره لأنّها من حوائجه، إنّما يبدأ بسداد الدّيون من النّقود والأثمان، فإن وَفَت كان بها، وإن لم تفِ باع عليه الأيسر فالأيسر، ولا يبيع العقار ولا الدّار، وإذا لم يفِ ما باعه عليه بأداء الدّيون باع كلّ شيء في سوقه، ويترك له من ماله ما تدعو إليه حاجته من مسكن وخادم وينفق عليه بالمعروف، إلى أن يفرغ من قسمه بين غرمائه.
ويبدأ ببيع ما يتسارع إليه الفساد ثم الحيوان ثم الأثاث، ثم العقار (١).
стр. 4343
القاعدة الثّانية بعد الخمسمئة [الشّروط - مقاطع الحقوق]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
مقاطع الحقوق عند الشّروط (١). ولك ما شرطت (٢). من قول عمر ﵁.
وفي لفظ: المسلمون عند شروطهم عند مقاطع حقوقهم (٢). وقد سبقت.
وفي لفظ: المسلمون عند مشارطهم - أو شروطهم - عند مقاطع حدودهم (٣).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
هذه القواعد من قول أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي
стр. 4344
الله عنه، وسببها: أنّ رجلاً تزوّج امرأة وشرط لها السّكنى في دارها - أي بلدها - ثم أراد نقلها إلى بلده فرفضت وتمسّكت بشرطها، فتقاضيا إلى عمر ﵁، فقال: لها شرطها. فقال الرّجل: إذن يطلقّننا. فقال عمر ﵁: "مقاطع الحقوق عند الشّروط ولك ما شرطت".
أي أنّ الفصل بين الحقوق إنّما يتحدد تبعاً للشروط التي يشترطها المتعاقدان، فالمشترط على نفسه قيَّد نفسه بالشّرط فيجب عليه الوفاء بما اشترط، ولأنّ مقيد نفسه طليق، وبخاصّة في باب النّكاح، والأصل في ذلك حديث رسول الله ﷺ الآمر بالوفاء بالشّروط وأحقّها بالوفاء ما استحلّت به الفروج قال ﵊: "أحقّ الشّروط أن يوفَّى به ما استحللتم به الفروج" الحديث رواه الجماعة عن عقبة بن عامر ﵁.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا تزوّج امرأة واشترط لها دارها - أي لا يخرجها من بلدها إذا أراد أن يرجع إلى بلده، أو ينتقل إلى بلد آخر - فهذا الشّرط يجب الوفاء به، فإذا أراد الانتقال فامرأته بالخيار إمّا أن تسافر من وتتنازل عن شرطها، وإمّا يطلّقها بناء على ما اشترط على نفسه، ولها طلب فسخ النّكاح إذا رفض طلاقها.
ومنها: إذا أراد شراء سيّارة واشترط عليه البائع الثّمن حالاً، فيجب على المشتري أداء الثّمن قبل تسلّمه السّيّارة.
стр. 4345
ومنها: إذا اشترى سلعة واشترط على البائع إيصالها لمحلّه وتركيبها فيه - كالمكيّف مثلاً - فعلى البائع الوفاء بالشّرط، وإذا أبى بعد ذلك فللمشتري مقاضاته أو يحسم من الثّمن تكاليف الحمل والتّركيب.