القاعدة الحادية بعد الخمسمئة [المقاصد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المقاصد في العَرض والعقار تتعلّق بصورهما وأعيانهما (١) لا بأبدالهما.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المقاصد: جمع مقصد، وهو اسم زمان أو مكان أو مصدر ميمي. ويراد به هنا ما يطلب ويراد ويستهدف ويتغيا.
العَرَض: هو غير الثّمن، كالدّواب والملابس والمأكولات وغيرها مما يشترى بالأثمان.
والعقار: المراد به الأراضي والدّور.
والأعيان: جمع عين. والمراد به هنا نفس العَرَض والعقار.
فكلّها تراد وتشترى وتباع لما فيها من منفعة ومصلحة للمتعاقدين، ويتعلّق ذلك بظواهرهما، لا بأثمانهما وأبدالهما.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الدّار إنّما تراد للسّكنى، والأرض إنّما تراد ويقصد منها الزّراعة أو البناء، والعروض إنّما تراد لما فيها من منفعة ومصلحة جعلت وصنعت لأجلها، فالدّواب تراد للرّكوب والزّينة، والملابس
стр. 4342
تراد للبس والدّفء، والمأكولات تراد للأكل وهكذا، ولذلك فإنّ المديون الذي لا يؤدّي دينه - إذا طالب غرماؤه القضاء بالاستيفاء منه - فإنّ القاضي لا يبيع أولاً: عروض المديون ولا أمتعته ولا عقاره لأنّها من حوائجه، إنّما يبدأ بسداد الدّيون من النّقود والأثمان، فإن وَفَت كان بها، وإن لم تفِ باع عليه الأيسر فالأيسر، ولا يبيع العقار ولا الدّار، وإذا لم يفِ ما باعه عليه بأداء الدّيون باع كلّ شيء في سوقه، ويترك له من ماله ما تدعو إليه حاجته من مسكن وخادم وينفق عليه بالمعروف، إلى أن يفرغ من قسمه بين غرمائه.
ويبدأ ببيع ما يتسارع إليه الفساد ثم الحيوان ثم الأثاث، ثم العقار (١).
стр. 4343
القاعدة الثّانية بعد الخمسمئة [الشّروط - مقاطع الحقوق]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
مقاطع الحقوق عند الشّروط (١). ولك ما شرطت (٢). من قول عمر ﵁.
وفي لفظ: المسلمون عند شروطهم عند مقاطع حقوقهم (٢). وقد سبقت.
وفي لفظ: المسلمون عند مشارطهم - أو شروطهم - عند مقاطع حدودهم (٣).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
هذه القواعد من قول أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي
стр. 4344
الله عنه، وسببها: أنّ رجلاً تزوّج امرأة وشرط لها السّكنى في دارها - أي بلدها - ثم أراد نقلها إلى بلده فرفضت وتمسّكت بشرطها، فتقاضيا إلى عمر ﵁، فقال: لها شرطها. فقال الرّجل: إذن يطلقّننا. فقال عمر ﵁: "مقاطع الحقوق عند الشّروط ولك ما شرطت".
أي أنّ الفصل بين الحقوق إنّما يتحدد تبعاً للشروط التي يشترطها المتعاقدان، فالمشترط على نفسه قيَّد نفسه بالشّرط فيجب عليه الوفاء بما اشترط، ولأنّ مقيد نفسه طليق، وبخاصّة في باب النّكاح، والأصل في ذلك حديث رسول الله ﷺ الآمر بالوفاء بالشّروط وأحقّها بالوفاء ما استحلّت به الفروج قال ﵊: "أحقّ الشّروط أن يوفَّى به ما استحللتم به الفروج" الحديث رواه الجماعة عن عقبة بن عامر ﵁.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا تزوّج امرأة واشترط لها دارها - أي لا يخرجها من بلدها إذا أراد أن يرجع إلى بلده، أو ينتقل إلى بلد آخر - فهذا الشّرط يجب الوفاء به، فإذا أراد الانتقال فامرأته بالخيار إمّا أن تسافر من وتتنازل عن شرطها، وإمّا يطلّقها بناء على ما اشترط على نفسه، ولها طلب فسخ النّكاح إذا رفض طلاقها.
ومنها: إذا أراد شراء سيّارة واشترط عليه البائع الثّمن حالاً، فيجب على المشتري أداء الثّمن قبل تسلّمه السّيّارة.
стр. 4345
ومنها: إذا اشترى سلعة واشترط على البائع إيصالها لمحلّه وتركيبها فيه - كالمكيّف مثلاً - فعلى البائع الوفاء بالشّرط، وإذا أبى بعد ذلك فللمشتري مقاضاته أو يحسم من الثّمن تكاليف الحمل والتّركيب.
стр. 4346
القاعدة الثّالثة بعد الخمسمئة إلى السّادسة بعد الخمسمئة [القبض الفاسد - والمقبوض الهالك]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
المقبوض في عقد فاسد كالمقبوض في العقد الصّحيح فيما يرجع إلى الضمّان وعدمه (١)
والمقبوض بحكم قرض فاسد بمنزلة المقبوض بحكم بيع فاسد (٢).
وفي لفظ: المقبوض بحكم عقد فاسد يجب ردّ عينه في حال قيامه، وردّ قيمته بعد هلاكه (٣).
وفي لفظ: المقبوض على سوم الشّراء مضمون بقيمته (٤).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
سبق مثل هذه القواعد في قواعد حرف الفاء رقم ٣ وقواعد حرف الحاء رقم ٨٠، وحرف الكاف رقم ١١٥. فكلّ عقد فاسد يجب إزالة فساده قبل التّفرّق. وإلا لا يحلّ للمشتري الانتفاع بما اشترى ولا للبائع
стр. 4347
الانتفاع بالثّمن، فيجب على البائع والمشتري أن يترادّا ما تعاقدا عليه فيردّ المشتري السّلعة ويردّ البائع الثّمن.
ولكن إذا تبايعاً فاسداً أو تقابضاً فاسداً، فإذا كان المقبوض قائماً وجب ردّ عينه، وأمّا إذا كان قد هلك أو استهلك فيجب أداء ضمانه، كالعقد الصّحيح في وجوب الضّمان وعدمه، لكن يفترق العقد الفاسد عن العقد الصّحيح بأنّ ضمان العقد الصّحيح بما اتّفقا عليه. ولكن ضمان العقد الفاسد بالقيمة لا بالمسمّى سواء أكانت القيمة أكثر من المسمّى أو أقلّ منه، والمقبوض على سوم الشّراء عند هلاكه مضمون بقيمته أيضاً كالعقد الفاسد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا تزوّج امرأة على خمر أو خنزير. فلها مهر المثل.
ومنها: باع سيّارة مطلقة - أي لم يبيّن نوعها ولا سنة صنعها ولا أي شيء يتعلّق بها - بعشرة آلاف، كان هذا البيع فاسداً لجهالة السّيّارة، فإن جاء البائع بسيّارة وقبضها المشتري - مع فساد البيع - ثم تلفَت في يده فعليه قيمتها يوم قبضها، لا الثّمن الذي سميا.
стр. 4348
القاعدة السّابعة بعد الخمسمئة [المقبوض على الجهة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المقبوض على جهة الشّيء كالمقبوض على حقيقته في حكم الضّمان (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
قبض الأشياء وتسليمها تختلف جهاتها باختلاف حقائقها التي تشير إليها أنواع العقود المختلفة، حيث إنّ كلّ لفظ عقد يدلّ على حقيقته وما شرع له، فالمقبوض في البيع يكون مقبوضاً على جهة الاستبدال؛ لأنّ حقيقة البيع استبدال المبيع بالثّمن.
وما كان مقبوضاً في الهبة يكون مقبوضاً على جهة التّبرّع؛ لأنّ هذه حقيقة الهبة، وهكذا.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
قبض الرّهن يكون على جهة الاستيفاء، لا جهة الاستبدال؛ لأنّه إذا قبض الرّهن وهلك في يده فيعتبر مستوفياً دينه. وهذا عند الحنفيّة الذين يرون أنّه إذا هلك المرهون فإنّه يهلك بالأقل من قيمته ومن الدّين، ويعتبر المرتهن مستوفياً دينه بهلاك الرّهن عنده، ولكن عند الشّافعيّة والحنابلة أنّ الرّهن أمانة غير مضمون إذا هلك بغير تعدّ من المرتهن.
стр. 4349
وعند مالك ﵀: أنّه إذا كان تلفه بأمر ظاهر كالموت والحريق فمن ضمان الرّاهن، وأمّا إذا ادّعى المرتهن هلاكه بأمر خفي، لم يقبل قوله ويضمن (١).
ومنها: وهبه هبة فهلكت عنده أو استهلكها، ثم أراد الواهب استرجاعها، فلا يضمنها الموهوب له, لأنّ الهبة قبضت على جهة التّبرّع، والمتبرّع به إذا هلك فهو غير مضمون لأنّ هذه حقيقته.
стр. 4350
القاعدة الثّامنة بعد الخمسمئة [المقترن بالمانع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المقترن بالمانع الحسيّ أو الشّرعيّ كالعدم (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المقترن بالمانع: هو المصاحب للمانع عند حصوله.
فأي فعل أو تصرّف أريد إيجاده مع وجود المانع الحسيّ الواقعي أو المانع الشّرعيّ فإنّ هذا الفعل أو التّصرّف يعتبر معدوماً، باطلاً، لا يبنى عليه حكم. لأنّ وجود المانع مُعدِم ومبطل للحكم والتّصرّف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
عقد على امرأة وهو محرم، فالعقد باطل لوجود المانع الشّرعي وهو الإحرام.
ومنها: صامت أو صلّت وهي حائض، فصومها باطل وصلاتها باطلة؛ لأنّه قارن ذلك وجود المانع الشّرعي وهو الحيض، وهي آثمة إن صامت أو صلّت متعمّدة مع وجود الحيض.
ومنها: خلا بامرأة وعندهما رجل نائم، فلا يعتدّ بهذه الخلوة لوجود المانع الحسيّ.
стр. 4351
ومنها: إذا وجد الماء وحال دونه حائل يعجز عن دفعه، أو احتيج إليه لحيوان محترم، أو كان به مرض يمنعه من استعماله. جاز له التّيمّم، لوجود المانع الحسيّ من استعمال الماء.
ومنها: الأب الكافر لا يرث ابنه المسلم، ولا ابنه يرثه لاختلاف الدّين. وهذا مانع شرعي.
ومنها: مَن وجد حرَّة ولكن رتقاء أو قرناء أو رضيعة أو معتدّة عن غيره فله نكاح الأمة، على الأصحّ.
стр. 4352
القاعدتان التّاسعة والعاشرة بعد الخمسمئة [المقتضى والمقتضي]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
المقتضى تبع للمقتضي (١).
وفي لفظ: المقتضى إنّما يثبت إذا ثبت المقتضي (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
المقتضى بالفتح: اسم مفعول من اقتُضيَ فهو مقتضى أي ما ترتّب وجوده على وجود مقتضيه - وهو المطلوب.
والمقتضي بالكسر: اسم فاعل من اقتضى فهو مقتضٍ - أي طالب لما يترتّب عليه ويطلبه، فمقتضي الدّين هو الدّائن، ومن قضى الدّين هو المدين، والمقتضى هو الدّين، فالمطلوب تابع لطالبه ومترتّب وجوده عليه.
فإذا ثبت ووجد الطّالب، ثبت ووجد المطلوب. فمقتضى الأمر الوجوب، ومقتضى النّهي التّحريم.
فالأمر مقتضٍ، والوجوب مقتضى، والنّهي مقتضٍ والتّحريم مقتضى. وهكذا.
стр. 4353
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومدلولهما:
بلوغ الإنسان عاقلاً يقتضي ترتّب التّكاليف في ذمّته، ووجوبها عليه، ومطالبته بها. فوجوب التّكاليف مقتضى، ومقتضيه البلوغ عاقلاً. وإن كان المقتضي في الحقيقة هو الشّرع. ولكن الشّرع أقام البلوغ مع العقل أمارة وعلامة على وجوب التّكاليف.
ومنها: عقد البيع إذا ثبت فهو مقتضٍ لتبادل البدلين، وإباحتهما للمتعاقدين.
ومنها: عقد النّكاح إذا صحّ فهو مقتضٍ لحلّ الاستمتاع بين الزّوجين.
ومنها: الإتلاف مقتضٍ للضّمان ومترتّب عليه، فالضّمان مقتضى.
стр. 4354
القاعدة الحادية عشرة بعد الخمسمئة [المقدّر شرعاً]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المقدار الثّابت بالشّرع لا يجوز لأحد أن يتجاوزه إلى ما هو أكثر أو أقل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق قريباً قاعدة قريبة المعنى من هذه القاعدة، فالمقدار الثّابت بالشّرع، والمحدّد بالنّصّ، سواء في ذلك الأمور التّعبّديّة أو العقوبات، أو الكفّارات. فلا يجوز لأي كان أن يتجاوز ذلك المقدار بالزّيادة أو النّقصان.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الصّلوات الواجبة أعدادها وركعاتها وأوقاتها كلّها ثابتة المقدار بالشّرع، فلا يجوز الزّيادة عليها - باعتبارها واجبة - ولا بالنّقصان منها.
ومنها: الصّوم الواجب، والزّكاة الواجبة، لا يجوز الزّيادة عليها - على سبيل الوجوب - ولا النّقصان منها.
ومنها: الحدود المشروعة كحدّ الزّنا وحدّ القذف والسّكر وغيرها حدّد الشّرع مقدار كلّ حدّ منها، فلا يجوز لحاكم أو قاضٍ أو مفت أن
стр. 4355
يحكم أو يقضي أو يفتي بزيادة على واحد منها أو نقصانه. فمن فعل ذلك متعمّداً قد يخرجه ذلك من الدّين إن كان فعله مستدركاً على الشّرع. فكيف فيمن يعطلّون الحدود ويلغونها من أحكامهم متعمّدين فهم كفّار قطعاً، مهما تعلّلوا.
ومنها: حدّد الله الفرائض وأعطى كلّ ذي حقّ حقّه، فمن غيّر ذلك أو بدّله متعمّداً مستهتراً فهو كافر قطعاً ومرتدّ يحلّ قتله وقتاله.
стр. 4356
القاعدة الثّانية عشرة بعد الخمسمئة [المقدّرات - المحقّقات]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المقدّرات لا تنافي المحقّقات (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المقدّرات: جمع مقدّرة، وهي صفة لموصوف محذوف تقديره: الأحكام المقدّرة - أي الأحكام التي قدّرها الشّرع وبيَّن كنهها وغاياتها ومقاديرها. أي فرض لها أحكاماً معيّنة.
وأصل مادة مقدّرة: قُدِّر يُقدَّر تقديراً، أي بلغت بالشّيء كنهه ونهايته (٢)، فما قُدِّر من الأحكام الشّرعيّة لا ينافي الأحكام المتيقّنة المحقّقة؛ لأنّه من باب إعطاء المعدوم حكم الموجود؛ لتصحّ الأحكام وما يبنى عليها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى شخص أمَة شراء صحيحاً، أبيح وطؤها للمشتري بالإجماع؛ لأنّها أصبحت مِلكه، لكن إن اطّلع على عيب فيها يوجب الرّدّ، فإنّ الرّدّ بالعيب نقض للعقد من أصله - في قول - فترتفع الإباحة المترتّبة على العقد الصّحيح، مع أنّها واقعة بالإجماع. وكذلك
стр. 4357
العقد واقع أيضاً، ورفع الواقع محال عقلاً، والمحال عقلاً لا يردّ الشّرع بوقوعه، فيتعيّن أن يكون هذا الارتفاع تقديراً لا تحقيقاً، أي فرضاً لا واقعاً، فيحكم صاحب الشّرع بأنّ العقد الموجود والإباحة الموجودة المترتّبة عليه وجميع آثاره في حكم العدم - وإن كانت موجودة - ولا تنافي بين ثبوت الشّيء حقيقة وعدمه حكماً.
ومنها: تقدير ملك القتيل الدّيّة قبل موته بالزّمن الفرد - أي في آخر لحظات حياته - ليصحّ الإرث. لأنّ ورثته إنّما يرثون ما كان مملوكاً له حال حياته، لا بعد موته، لأنّ الميّت لا يملك بعد موته.
ومنها: صوم التّطوّع يصحّ بنيَّة من الزّوال، وتنعطف هذه النّيّة تقديراً إلى الفجر. مع أنّ الواقع عدم النّيّة من الزّوال إلى الفجر.
стр. 4358
القاعدة الثّالثة عشرة بعد الخمسمئة [المقدّرات]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المقدّرات الشّرعيّة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالمقدّرات الشّرعيّة في هذه القاعدة: الأمور التي قدَّر الشّرع وحدّد مقاديرها - وقد سبق بيان ذلك. وأنّ ما قدَّره الشّرع لا يجوز الزّيادة عليه ولا النّقصان منه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
المقدّرات الشّرعيّة ثلاثة أقسام:
القسم الأوّل: ما قطع فيه بأنّه تحديد؛ بمعنى أنّه لا يجوز الزّيادة فيه ولا النّقصان منه، وهو الغالب. ومن صوره: تقدير مدّة المسح على الخفّ للمقيم يوماً وليلة، وكذا أقلّ مدّة الحيض، ووجوب المرّة الواحدة في الوضوء والغُسل.
ومنها: تثنية الخطبة في الجمعة والعيدين والكسوفين، والشّاهدين، وسجدتي السّهو، وكلمات الأذان، وغير ذلك من الأحكام التي حدّد الشرع مقاديرها.
стр. 4359
القسم الثّاني: ما قطع فيه بأنّه تقريب. ومن أمثلته:
في السَّلَم والوكالة: إذا أسلم إليه في حيوان عمره خمس سنين مثلاً اعتبر ذلك تقريباً. حتى لو شرط فيه التّحديد بطل؛ لأنّه يتعذّر تحصيل ذلك السّن تحديداً بالأوصاف المشروطة.
أقول: لكن إذا أمكن تحصيل الحيوان بالسّنّ المطلوبة تحديداً - كما هو حاصل إذ يسجل وقت ولادة الحيوان في كثير من مزارع الأبقار - مثلاً - ويعلق ذلك في أذنها فلا تختلط بغيرها، فلا يبطل العقد بذلك إن شاء الله.
ومنها: إذا وكّله في شراء حيوان لشيء مخصوص كان ذلك معتبراً بالتّقريب، كشراء حصان للسّباق.
ومنها: سن التّمييز الذي يحرم فيه التّفريق بين الأم وولدها في البيع قدروه بسبع سنين أو ثمان، وجزم فيه النووي وغيره بالتّقريب.
القسم الثّالث: ما اختلف فيه هل هو تحديد أو تقريب. ومن صورة وأمثلته: تقدير القلّتين بخمسمئة رطل.
ومنها: الاعتبار بين الصّفين بثلاثمئة ذراع، وهذا في وقت كان السّلاح فيه السّيف والرمح والسّهام والخيل.
ومنها: تقدير سنّ الحيض بتسع سنين، والأصحّ في هذه الثّلاثة التّقريب.
ومنها: تقدير مسافة القصر بثمانية وأربعين ميلاً.
стр. 4360
ونُصُب المعشرات بألف وستمائة رطل: والنّصب: جمع نصاب. والمعشَّرات من الحبوب والثّمار ما يجب فيها العشر، والأصحّ فيهما على التّحديد.
ملحوظة: فما ورد فيه التّحديد لأنّه منصوص عليه، ولتقدير الشّرع وتحديده إيّاها حكمة فلا يسوغ مخالفتها.
وأمّا المختلف فيه فيشبه أن يكون تقديره بالاجتهاد، إذ لم يجئ نصّ صريح صحيح في ذلك.
وما قارب القدر فهو في المعنى مثله (١).
стр. 4361
القاعدة الرّابعة عشرة إلى السّادسة عشرة بعد الخمسمئة
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
المقرّ إذا كان مكذَّباً في إقراره يسقط أو يبطل حكم إقراره (١).
وفي لفظ: المقرّ بالشّيء إذا صار مكذباً فيه بقضاء القاضي سقط اعتبار إقراره (٢).
وفي لفظ: المقرّ متى صار مكذّباً شرعاً في إقراره حكماً سقط اعتبار إقراره - أو يبطل حكم ذلك الإقرار (٣).
وفي لفظ: المُقَرُّ له إذا كذَّب المقرَّ بطل إقراره (٤).
وفي لفظ: المكذَّبُ في إقراره حكماً لا يبقى إقراره حجّة عليه (٥).
وفي لفظ: المكذَّب في زعمه بقضاء القاضي لا يبقى لزعمه عبرة (٦).
стр. 4362
[المُقِرُّ المُكذَّب]
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
الأصل أنّ المُقِرَّ مؤاخذ بإقراره، وهذا أمر متّفق عليه، وقد سبق بيان ذلك وأمثلته ضمن قواعد الإقرار في قواعد حرف الهمزة تحت الأرقام من ٥٢٤ - ٥٦٢. لكن إذا أقرّ مُقِرٌّ بأمر ثم وُجد مكذّب له في هذا الإقرار فقد سقط وبطل إقراره، ولا يبنى على إقراره هذا حكم.
وتكذيب الإقرار إمّا أن يكون شرعيّاً، وإمّا أن يكون حكماً، وإمّا أن يكون التّكذيب واقعيّاً، وإمّا أن يكون التّكذيب من المُقرِّ له. وكلّ هذه تبطل الإقرار وتسقطه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا أقرّ شخص أنّ ما اشتراه هو ملك لبائعه. ثمّ استحقّ المبيع في يده بالبيِّنة لغير البائع، فقد بطل البيع، ورجع على بائعه بالثّمن، ولم يعتبر إقراره بالملك للبائع؛ لأنّه كُذِّب إقراره حكماً بالبيِّنة على أنّ المبيع مستحَقّ، وهذا تكذيب شرعي أيضاً.
ومنها: إذا أقرّ أنّ أخته تستحقّ ضعف نصيبه من الميراث أو مثله، فإقراره باطل شرعاً؛ لأنّ الشّرع إنّما أعطى البنت نصف نصيب الذّكر، لا مثله ولا ضعفه.
ومنها: إذا أقرّ أنّه قتل فلاناً البارحة، ثم جاء فلان حيّاً. فيكون إقراره كاذباً؛ لأنّ الواقع يكذّبه.
стр. 4363
ومنها: إذا أقرّ أنّ لفلان عليه دين مقداره ألف، مثلاً، فقال فلان: ليس لي عليك شيء. فيعتبر الإقرار ساقطاً لتكذيب المُقَرِّ له المُقِرِّ في إقراره.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القواعد:
إذا أقرّ بالحرّيّة لعبد، فأنكر العبد الحرّيّة. ثبت العتق. ولا ينظر إلى إنكار العبد.
ومنها: إذا أقرّ بالنّسب لفلان فأنكر فلا يعتبر إنكاره.
فالحرّيّة والنّسب إذا أقرّ بهما لا يسقطهما الإنكار.
стр. 4364
القاعدة السّابعة عشرة بعد الخمسمئة [المُقَرُّ به]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المُقَرُّ به يجعل في حقّ المُقِرّ كالثّابت بالبيّنة أو المعاينة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الإقرار أو الاعتراف بالحقّ أقوى أدوات الإثبات، فهو في الحقيقة أقوى من البيّنة - أي الشّهادة -؛ لأنّ المُقِرَّ يغلب على الظّنّ صدقه، إن لم يكن الصّدق متيقّناً؛ ولأنّ الإنسان لا يكذب على نفسه ليجر عليه ضرراً. ولذلك فإنّ الشّيء المُقَرَّ به يجعل في حقّ المُقِرّ - من حيث المطالبة به - كأنّه ثبت بالمعاينة - أي المشاهدة - أو بالشّهادة. فالمُقرُّ له بناء على ذلك له رفع الدّعوى وإثبات الإقرار والمطالبة بالمُقَرِّ به. وينظر من قواعد حرف الهمزة القاعدة ٥٤٩.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أقرّ الرّجل: أنّ هذه المرأة أخته أو أمّه أو ابنته من الرّضاع، ثم أراد أن يتزوّجها، وقال: أوهمت أو أخطأت أو نسيت، وصدّقته المرأة فهما مصدّقان على ذلك، وله أن يتزوّجها. وأمّا إن ثبت على
стр. 4365
قوله الأوّل، وقال: هو حقّ كما قلت. ثمّ تزوّجها فُرِّق بينهما، ولا مهر لها عليه إن لم يكن دخل بها.
فهو مؤاخذ بإقراره وإقرارها، ووجود التّصديق منها دليل على بطلان أصل النّكاح. "وإقرار الزّوج بما ينافي النّكاح يبطله" ينظر القاعدة ٥٧١ من قواعد حرف الهمزة.
ومنها: إذا أقرّ بأنّ لفلان عليه ديناً في ذمّته مقداره كذا. فللمقَرِّ له المطالبة بذلك المال، وإقامة الدّعوى عليه، كما لو ثبت بالبيّنة.
стр. 4366
القاعدة الثّامنة عشرة بعد الخمسمئة [إقرار المقرّ حجّة في حقّه]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
المُقِرّ يؤاخذ بحكم إقراره (١).
وفي لفظ: المُقِرّ يعامل في حقّ نفسه كأنّ ما أقرّ به حقّ (٢). ولكن لا يصدّق في حقّ الغير (٣).
وفي لفظ سبق مثله: إقرار المقرّ حجّة في حقّه (٣).
وفي لفظ: المقرّ يعامل في حقّه وكأنّ ما أقرّ به حقّ إذا لم يكن في المحلّ حقّ لأحد سواه (٤).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
سبقت هذه القواعد وأمثال لها ضمن قواعد حرف الهمزة تحت الأرقام ٥٢٤، ٥٢٨، ٥٢٩، ٥٣٢، ٥٣٧، ٥٤١، ٥٤٣، ٥٤٤. فلتنظر هناك.
стр. 4367
القاعدة التّاسعة عشرة بعد الخمسمئة [المُقرِّر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المقرِّر كالموجب (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المُقرَّر: هو المثبت لأمر كان على شرف السّقوط وأثبته، فهو اسم فاعل.
والموجب: اسم فاعل من أوجب فهو موجب أي ملزم بالفعل.
فمن قرّر أمراً وأثبته فهو في قوّة الموجب الملزم لما يترتّب على هذا الأمر من حقوق وواجبات.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا شهد شاهدان على رجل بطلاق زوجته قبل الدّخول. فقُضِي لها بنصف المهر بعد إثبات شهادتهما عند القاضي وإيقاع القاضي للطّلاق، ثم رجع الشّاهدان عن شهادتهما وأكذبا أنفسهما. ضمنا للزّوج المال الذي دفعه - وهو نصف المهر - لأنّهما قرّرا عليه ما كان على شرف السّقوط بمجيء الفرقة من جانبها. ولأنّ وقوع الفرقه قبل الدّخول مسقط لجميع الصّداق إذا كان من جانب المرأة.
стр. 4368
ومنها: إذا شهد شاهدان على رجل بدين لآخر مقداره عشرة آلاف، فإنّ القاضي يحكم بشهادتهما ويلزم المشهود عليه أداء الدّين لصاحبه، لأنّ شهادتهما أثبتت الدّين في ذمّة المدين المنكر.
стр. 4369
القاعدة العشرون بعد الخمسمئة [رجوع المقرّ عن الإقرار]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المُقِرّ لا يملك الرّجوع بعد الإقرار (١). (في حقوق العباد)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الإقرار - كما سبق بيانه - ملزم للمقرّ، فيجب على المقرّ الوفاء بما أقرّ به، وعليه أن يتحمّل مسؤوليّة إقراره، فإنّه كان قبل إقراره طليقاً فبإقراره قيّد نفسه، فإذا أراد الرّجوع عن إقراره - في حقوق العباد - فلا يقبل منه؛ لأنّه لا يملك الرّجوع. فمن أقرّ بحقّ لغيره، أو بفعل فعله بغيره، ثم أراد الرّجوع عن إقراره فلا يقبل منه؛ لأنّه لا يملكه.
لكن لو كان المُقَرُّ به حقّاً لله تعالى فيجوز للمقرّ الرّجوع في إقراره، ويقبل منه رجوعه، بخلاف حقوق العباد؛ لأنّ حقوق العباد إذا أقرّ بها يطالبه بها صاحب الحقّ فيخرج الأمر من يد المقرّ إلى يد المُقرِّ له. وينظر القاعدة رقم ٥٥٨ من قواعد حرف الهمزة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أقرّ بدين لآخر. ثم أنكر لا يقبل إنكاره بعد إقراره ويلزم بأداء ما أقرّ به إذا طالبه المُقرُّ له.
стр. 4370
القاعدة الحادية والعشرون بعد الخمسمئة [المُقِرّ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المُقرُّ يعامل في حقّه وكأنّ ما أقرّ به حقّ إذا لم يكن في المحلّ حقّ لأحد سواه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المقرّ يعامل في حقّ نفسه بما أقرّ به، وهذا أمر مسلّم مقرّر وقد سبق بيانه - كما أنّه لا يصدق في حقّ الغير - لأنّ الإقرار ملزم للمقرّ دون غيره بخلاف البيِّنة.
لكن هذه القاعدة جاءت بقيد يقيّد إقرار المقرّ في حقّه، فليس كلّ إقرار لمُقرّ يقبل ولو كان في حقّه إلا إذا لم يكن في المحلّ المُقَرِّ به حقّ لأحد سواه، فإن كان في المحلّ حقّ لأحد سوى المقرّ فلا يُقبل إقرار المقرّ إلا في حقّ نفسه أو يردّ إقراره لتعلّقه بحقوق الآخرين.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أقرّ مُقرٌّ أنّ هذه الدّار التي ورثها من أبيه ملك لفلان. والدّار له فيها شركاء ورثة آخرون ينكرون ذلك فلا يصدّق في إقراره لأنّ المحلّ مشغول بحقوق الورثة الآخرين.
стр. 4371
ومنها: إذا أقرّ في مرض موته أنّ جاريته هذه قد وَلَدت منه - وصارت أمّ ولد تستحقّ العتق بعد موته - ولم يكن معها ولد، فإنّها تعتق من الثّلث؛ لأنّ إقراره لها باستحقاق العتق بمنزلة تنجيز العتق، ولو نجز عتقها كان من الثّلث؛ لأنّ حقّ الورثة تعلّق بها بسبب مرضه. بخلاف ما لو كان معها ولد فإنّها تعتق بمجرّد موته ويثبت نسب الولد منه.
ومنها: أقرّ لرجل مجهول النّسب أنّه أخوه من أبيه ويستحقّ مثل نصيبه من الميراث، وله إخوة آخرون ينكرون ذلك. فإنّ مجهول النّسب لا يلحق بالميّت، ولكن يقاسم المقرّ في نصيبه من ميراثه، لأنّه يعامل في حقّ نفسه بما أقرّ به.
стр. 4372
القاعدة الثّانية والعشرون بعد الخمسمئة [المقصد ووسائله]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المقصد إذا كان له وسيلتان فأكثر لا تتعيّن إحداهما عيناً بل يخيّر بينهما، وأمّا إذا اتّحدت الوسيلة فتتعين (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المقصد: اسم مكان: من قصد يقصد، والمراد به ما يريد الشّخص وينوي فعله، فإذا كان لما يقصده الإنسان ويريده وسيلتان - أي طريقان - أو أكثر للوصول إليه وتحقيقه فإنّ المكلّف يتخيّر بينهما، ولا يتعيّن عليه إحداهما.
لكن إذا لم يكن لما يقصده إلا وسيلة واحدة فيجب سلوكها لتعينها به لأنّه لا يمكنه الوصول إلى مقصده وغايته إلا بها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أراد إنسان أن يذهب إلى مكّة شرّفها الله تعالى وكرّمها، فوسائل الوصول إليها إمّا عن طريق البر وإمّا عن طريق الجو، وطريق البرّ إمّا أنّ يأخذ الحافلة أو السّيّارة الصّغيرة أو يركب دابّة، فهو مخيّر في اتّخاذ الوسيلة التي تلائمه للوصول إلى مقصده وهو مكّة
стр. 4373
المكرّمة. هذا إذا أراد أن يذهب إلى مكّة مختاراً بدافع ذاتي لأداء النّسك. لكن إذا أرسل في مهمّة عاجلة وأمره المسؤولون أن يركب الطّائرة، فتتعيّن عليه الوسيلة فيلزم باتّخاذها لأداء مهمّته.
ومنها: عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة جواز فسخ نكاح المعسر بالنّفقة في حقّ زوجته التي وجب عليه الإنفاق عليها؛ لأنّ رفع الضّرر عنها واجب. ورفع الضّرر عن الزّوجة بالإعسار ليس له إلا طريق واحد هو الطّلاق؛ لأنّ المرأة تقول: إمّا أن تطعمني وإمّا أن تطلّقني.
стр. 4374
القاعدة الثّالثة والعشرون بعد الخمسمئة [مقصود الحالف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مقصود الحالف في اليمين معتبر (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق قريباً إنّ مطلق اللفظ في اليمين يتقيّد بمقصود الحالف.
ومقصود الحالف هو مراده من كلامه عند حلفه باليمين، فما قصده الحالف وأراده بلفظه فهو معتبر ومعتدّ به في الحكم - أي البرّ باليمين أو الحنث فيها - وإن خالف مقصود الحالف ما يتفاهمه النّاس في مخاطباتهم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حلف لا يأكل خبزاً، ونوى كلّ أنواع الخبز، أو كلّ ما يسمّى خبزاً، فهو يحنث بأي خبز يتناوله، لكن إذا لم يكن له نيّة ولا قصد فإن حلفه يحمل على الخبز المعهود والمعروف عنده في بلده، فلو تناول خبزاً غير معهود في بلده فلا يحنث.
ومنها: إذا دعاه صديقه ليتغدّى فحلف ألا يتغدّى، ثم ذهب إلى بيته وتغدّى، فلا يحنث لأنّه لمّا حلف كان مقصوده الغداء عند صديقه لا كلّ الغداء.
стр. 4375
القاعدة الرّابعة والعشرون بعد الخمسمئة [المقضي عليه. الدّعوى، البيِّنة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
المقضي عليه في حادثة لا تسمع دعواه ولا تقبل بينته فيها (١). إلا ما كان من باب الدّفع (٢).
وفي لفظ آت: مَن صار مقضيّاً عليه في حادثة، لا يصير مقضيّاً له في تلك الحادثة (٣).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هذه القاعدة تبيّن أنّ المقضي عليه - وهو المدَّعى عليه - إذا حكم عليه في المدّعى به ببيِّنة المدّعي أنّه لا تُسمع منه دعوى بعد ذلك فيما قضي به عليه ولو أتى بالبيِّنة؛ إلا أن يكون ذلك من باب الدّفع والنّقض للحكم السّابق فيجوز في مسائل.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا ادّعى عليه ديناً وأقام البيِّنة على ذلك، وحكم القاضي بإلزام المدّعى عليه بأداء الدّين. فإذا جاء المدّعى عليه بعد ذلك ببيِّنة تشهد له
стр. 4376
بعدم الدّين أو بأدائه قبل الدّعوى فلا تقبل دعواه ولا بيِّنته، لكن إذا أراد دفع الدّعوى ونقضها قبل التّنفيذ فيقبل منه ذلك.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هاتين القاعدتين:
إذا بلغت زوجة صغيرة عند الزّوج - وكان الّذي أنكحها غير الأَب والجد حال صغرها - فقالت عند القاضي: بلغت الآن واخترت الفرقة، وأنكرها الزّوج فقال: لا بل بلغت قبل ذلك، عجز في إقامة البيّنة بعد طلبها منه، حُكِم للزّوجة بالفسخ، وفرّق بينهما. فإذا أتى الزّوج بعد ذلك بالبيّنة على مدّعاه تقبل وتسمع دعواه، لأنّ القضاء بالفسخ قضاء ترك بشهادة ظاهر الحال؛ لأنّ الظّاهر شاهد لها. فالبيّنة مقبولة والدّعوى مسموعة بعد قضاء التّرك.
ومنها: لو ادّعى رجل عيناً في يد رجل آخر وأقام بيّنة على دعواه فقضي له بها. فقال ذو اليد: قد اشتريتها منك، وأقام بيّنة تسمع وتقبل؛ لأنّه أدّعى تلقي الملك من المدّعي.
ومنها: لو اشترى ثوراً وقبضه، فادّعى عليه رجل أنّه ثوره سرق منه، وأقام بيّنة على دعواه، وقضي له بها. ثم ادّعى المشتري أنّ هذا الثّور نتج عنده وأقام بيِّنة على ذلك تسمع وتقبل، لأنّها دعوى نتاج.
ومنها: إذا أقرّ المدّعي ببطلان دعواه، أو أقرّ أنّ برهانه كاذب، أنّه لا شيء له على المدّعي، تسمع وتقبل، ويقضى للمدّعى عليه؛ لأنّ المدّعي أكذب نفسه.
стр. 4377
ومنها: تسمع الدّعوى بعد القضاء بالنّكول.
فعلى ذلك تقبل الدّعوى وتسمع البيِّنة من المدّعى عليه بعد القضاء بأحد أسباب خمسة:
الأوّل: إذا كان القضاء بالتّرك.
الثّاني: إذا ادّعى المدّعَى عليه التلقى للمدّعى به من المدعي.
الثّالث: إذا كانت الدّعوى دعوى نتاج.
الرّابع: إذا أقرّ المدّعي بكذب مدعاه - أي إذا أكذب المدّعي نفسه -.
الخامس: إذا كان القضاء بالنّكول: أي نكول المدّعى عليه عن اليمين.
стр. 4378
القاعدة الخامسة والعشرون بعد الخمسمئة [المقيّد - المطلق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المقيَّد لا يعارض المطلق (١). أصوليّة فقهيّة
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المقيّد من الألفاظ: ما قيّد بوصف أو حال كَغَرسٍ أبيض.
والمطلق من الألفاظ: ما لم يقيدّ كلفظ فرس.
فالمقيّد والمطلق كلّ منهما يُعمل به في مجاله، ولا يعارض أحدهما الآخر، ولا يحمل المطلق على المقيّد - عند الحنفيّة - بل كلّ واحد منها يعمل به فيما ورد فيه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال رجل لآخر: اشتر لي فرساً، وأطلق فأيّ فرس اشتراه يلزمه، إلا إذا قيّد إطلاقه بعرف أو حال.
ومنها: إذا قال: اشتر لي سيّارة، وحصاناً أبيض. فالسّيّارة مطلقة والحصان مقيّد فلا يحمل المطلق على المقيّد، ولا يعارض المطلق المقيّد.
ومنها: كفّارة القتل الخطأ: رقبة مؤمنة. مقيّدة بالإيمان نصّاً.
وكفّارة اليمين: رقبة مطلقة. فلا تعارض بينهما ويعمل بكلّ منهما في مجاله، ولا يحمل أحدهما على الآخر عند الحنفيّة ومن معهم.
стр. 4379
القاعدة السّادسة والعشرون بعد الخمسمئة [المكبَّر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المكبَّر لا يكبَّر (١). هذه القاعدة لغويّة فقهيّة
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المكبَّر: يقابل المصغّر. فإذا كان المصغّر لا يصغر، فالمكبَّر أيضاً لا يكبر؛ لأنّه بلغ غايته فيستحيل تكبيره، كما يستحيل تصغير المصغّر. ومثلهما: المعرَّف لا يعرَّف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
شرع التّسبيع في غسلات ولوغ الكلب. أي غسل الإناء الذي ولغ الكلب فيه سبع مرّات. فلا يجوز تثليث الغسل ولا يشرع. أي أن يغسل الإناء ثلاث مرّات كلّ مرّة سبع غسلات.
ومنها: أيمان القسامة خمسون يميناً، فلا يجوز التّغليظ فيها لتكون مئة مثلاً.
ومنها: ديّة العمد مغلّظة، فلا تضاعف.
ومنها في العربية: ما جمع لا يجوز جمعه مرة أخرى إذا كان على صيغة منتهى الجموع، كمساجد، وصحائف، ومصاحف.
ومنها: امتناع دخول اللام المعرّفة على العلم والمضاف للعلم؛ لأنّ العلم معرفة، والمضاف للمعرفة معرفة.
стр. 4380
القاعدة السّابعة والعشرون بعد الخمسمئة [المكذَّب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المكذَّب شرعاً لا يعتبر إنكاره (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المنكر من توجه عليه اليمين - وهو المدّعى عليه. فإذا أنكر منكر مسألة ما، ولم يأت المدّعي بالبيّنة، فإنّ القول قول المنكر مع يمينه، لكن إذا كان هذا المنكر يكذّبه الشّرع، ويثبت دعوى المدّعي، فإنّ إنكار المنكر لا يعتبر ولا يعتدّ به؛ لأنّ تكذيب الشّرع له أقوى من إنكاره، ولو حلف اليمين.
ثالثاً: من أمثلة لهذه القاعدة ومسائلها:
إذا طلّق رجل زوجته طلاقاً رجعيّاً، فولدت لأقلّ من ستّة أشهر، وادّعت أنّه راجعها أو وطئها في العدّة، فأنكر ذلك. فإنّ إنكاره مراجعتها في العدّة أو وطأه لها لا يعتبر ولا يعتدّ به، لأنّ الشّرع كذّبه في إنكاره هذا، ووجه تكذيب الشّرع له: أنّها ولدت لأقلّ من ستّة أشهر من حيث ادّعت المراجعة أو الوطء، والشّرع يقول: الولد للفراش - فكون الولد للفراش أقوى من قوله لم أراجعها أو لم أطأها.