بعدم الدّين أو بأدائه قبل الدّعوى فلا تقبل دعواه ولا بيِّنته، لكن إذا أراد دفع الدّعوى ونقضها قبل التّنفيذ فيقبل منه ذلك.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هاتين القاعدتين:
إذا بلغت زوجة صغيرة عند الزّوج - وكان الّذي أنكحها غير الأَب والجد حال صغرها - فقالت عند القاضي: بلغت الآن واخترت الفرقة، وأنكرها الزّوج فقال: لا بل بلغت قبل ذلك، عجز في إقامة البيّنة بعد طلبها منه، حُكِم للزّوجة بالفسخ، وفرّق بينهما. فإذا أتى الزّوج بعد ذلك بالبيّنة على مدّعاه تقبل وتسمع دعواه، لأنّ القضاء بالفسخ قضاء ترك بشهادة ظاهر الحال؛ لأنّ الظّاهر شاهد لها. فالبيّنة مقبولة والدّعوى مسموعة بعد قضاء التّرك.
ومنها: لو ادّعى رجل عيناً في يد رجل آخر وأقام بيّنة على دعواه فقضي له بها. فقال ذو اليد: قد اشتريتها منك، وأقام بيّنة تسمع وتقبل؛ لأنّه أدّعى تلقي الملك من المدّعي.
ومنها: لو اشترى ثوراً وقبضه، فادّعى عليه رجل أنّه ثوره سرق منه، وأقام بيّنة على دعواه، وقضي له بها. ثم ادّعى المشتري أنّ هذا الثّور نتج عنده وأقام بيِّنة على ذلك تسمع وتقبل، لأنّها دعوى نتاج.
ومنها: إذا أقرّ المدّعي ببطلان دعواه، أو أقرّ أنّ برهانه كاذب، أنّه لا شيء له على المدّعي، تسمع وتقبل، ويقضى للمدّعى عليه؛ لأنّ المدّعي أكذب نفسه.
стр. 4377
ومنها: تسمع الدّعوى بعد القضاء بالنّكول.
فعلى ذلك تقبل الدّعوى وتسمع البيِّنة من المدّعى عليه بعد القضاء بأحد أسباب خمسة:
الأوّل: إذا كان القضاء بالتّرك.
الثّاني: إذا ادّعى المدّعَى عليه التلقى للمدّعى به من المدعي.
الثّالث: إذا كانت الدّعوى دعوى نتاج.
الرّابع: إذا أقرّ المدّعي بكذب مدعاه - أي إذا أكذب المدّعي نفسه -.
الخامس: إذا كان القضاء بالنّكول: أي نكول المدّعى عليه عن اليمين.
стр. 4378
القاعدة الخامسة والعشرون بعد الخمسمئة [المقيّد - المطلق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المقيَّد لا يعارض المطلق (١). أصوليّة فقهيّة
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المقيّد من الألفاظ: ما قيّد بوصف أو حال كَغَرسٍ أبيض.
والمطلق من الألفاظ: ما لم يقيدّ كلفظ فرس.
فالمقيّد والمطلق كلّ منهما يُعمل به في مجاله، ولا يعارض أحدهما الآخر، ولا يحمل المطلق على المقيّد - عند الحنفيّة - بل كلّ واحد منها يعمل به فيما ورد فيه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال رجل لآخر: اشتر لي فرساً، وأطلق فأيّ فرس اشتراه يلزمه، إلا إذا قيّد إطلاقه بعرف أو حال.
ومنها: إذا قال: اشتر لي سيّارة، وحصاناً أبيض. فالسّيّارة مطلقة والحصان مقيّد فلا يحمل المطلق على المقيّد، ولا يعارض المطلق المقيّد.
ومنها: كفّارة القتل الخطأ: رقبة مؤمنة. مقيّدة بالإيمان نصّاً.
وكفّارة اليمين: رقبة مطلقة. فلا تعارض بينهما ويعمل بكلّ منهما في مجاله، ولا يحمل أحدهما على الآخر عند الحنفيّة ومن معهم.
стр. 4379
القاعدة السّادسة والعشرون بعد الخمسمئة [المكبَّر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المكبَّر لا يكبَّر (١). هذه القاعدة لغويّة فقهيّة
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المكبَّر: يقابل المصغّر. فإذا كان المصغّر لا يصغر، فالمكبَّر أيضاً لا يكبر؛ لأنّه بلغ غايته فيستحيل تكبيره، كما يستحيل تصغير المصغّر. ومثلهما: المعرَّف لا يعرَّف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
شرع التّسبيع في غسلات ولوغ الكلب. أي غسل الإناء الذي ولغ الكلب فيه سبع مرّات. فلا يجوز تثليث الغسل ولا يشرع. أي أن يغسل الإناء ثلاث مرّات كلّ مرّة سبع غسلات.
ومنها: أيمان القسامة خمسون يميناً، فلا يجوز التّغليظ فيها لتكون مئة مثلاً.
ومنها: ديّة العمد مغلّظة، فلا تضاعف.
ومنها في العربية: ما جمع لا يجوز جمعه مرة أخرى إذا كان على صيغة منتهى الجموع، كمساجد، وصحائف، ومصاحف.
ومنها: امتناع دخول اللام المعرّفة على العلم والمضاف للعلم؛ لأنّ العلم معرفة، والمضاف للمعرفة معرفة.
стр. 4380
القاعدة السّابعة والعشرون بعد الخمسمئة [المكذَّب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المكذَّب شرعاً لا يعتبر إنكاره (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المنكر من توجه عليه اليمين - وهو المدّعى عليه. فإذا أنكر منكر مسألة ما، ولم يأت المدّعي بالبيّنة، فإنّ القول قول المنكر مع يمينه، لكن إذا كان هذا المنكر يكذّبه الشّرع، ويثبت دعوى المدّعي، فإنّ إنكار المنكر لا يعتبر ولا يعتدّ به؛ لأنّ تكذيب الشّرع له أقوى من إنكاره، ولو حلف اليمين.
ثالثاً: من أمثلة لهذه القاعدة ومسائلها:
إذا طلّق رجل زوجته طلاقاً رجعيّاً، فولدت لأقلّ من ستّة أشهر، وادّعت أنّه راجعها أو وطئها في العدّة، فأنكر ذلك. فإنّ إنكاره مراجعتها في العدّة أو وطأه لها لا يعتبر ولا يعتدّ به، لأنّ الشّرع كذّبه في إنكاره هذا، ووجه تكذيب الشّرع له: أنّها ولدت لأقلّ من ستّة أشهر من حيث ادّعت المراجعة أو الوطء، والشّرع يقول: الولد للفراش - فكون الولد للفراش أقوى من قوله لم أراجعها أو لم أطأها.
стр. 4381
ولأنّ (دلالة الشّرع أقوى من صريح العبد) (١).
ومنها: إذا ولدت المرأة من الرّجل وهما ينكران الدّخول، فهما محصنان؛ لأنّ الولد شاهد على الدّخول بينهما، وهو أقوى من شهادة شاهدين، فإذا كان الإحصان يثبت بشهادة شاهدين فبثبوت النّسب أولى. ولهذا لأنّهما مكذّبان شرعاً في إنكارهما الدّخول.
стр. 4382
القاعدة الثّامنة والعشرون بعد الخمسمئة [المكذَّب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المكذَّب في زعمه بقضاء القاضي لا يبقى لزعمه عبرة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المكذّب في زعمه: أي في إقراره أو ادّعائه. والزّعم: بمعنى القول. ويطلق على الظّنّ، وعلى الاعتقاد. وأكثر ما يكون الزّعم فيما يشكّ فيه ولا يتحقّق.
وقال بعضهم: هو كناية عن الكذب. وقال آخر: أكثر ما يستعمل فيما كان باطلاً أو فيه ارتياب (٢).
فإذا قال المدّعي أو أقرّ أمام القاضي بأمر، فكذّبه قضاء القاضي فإنّ قوله وإقراره لا يعتدّ به ولا يعتبر، بل هو ساقط باطل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا جحد الزّوج النّكاح، فأقامت المرأة البيّنة، جاز النّكاح؛ ولم يكن جحوده طلاقاً ولا فرقة؛ لأنّ الطّلاق تصرّف في النّكاح - بعد ثبوته - وهو منكر لأصل النّكاح، فلا يكون إنكاره تصرّفاً فيه بالرّفع
стр. 4383
والقطع، فقضاء القاضي بجواز النّكاح وإثباته تكذيب للزّوج الجاحد للنّكاح، وذلك بالحجّة والبيّنة.
ومنها: إذا ادّعى عليه جناية، فأنكر وجحد. فأقام المدّعي البيّنة، فحكم بها القاضي وألزم المدّعى عليه بالضّمان. فيكون قضاء القاضي تكذيباً لزعم المدّعى عليه عدم الفعل.
стр. 4384
القاعدة التّاسعة والعشرون بعد الخمسمئة: [المكره المحسن]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المكرِه بحق يكون محسناً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المكرِه - بكسر الرّاء -: اسم فاعل من أكره يكره فهو مُكِره. وهو من وقع منه الإكراه. والإكراه: الإجبار.
والإكراه قد يكون بحقّ، وقد يكون بغير حقّ. ولكلّ منهما أحكام.
والإكراه بغير حقّ إكراه مذموم ممنوع شرعاً وعقلاً وعادة.
وأمّا الإكراه بحقّ - وهو موضوع قاعدتنا هذه - فهو فعل ممدوح.
فالمكرِه والمجبِر لغيره على فعل هو حقّ، يكون هذا المكرِه محسناً لا مسيئاً، وممدوحاً لا مذموماً؛ لأنّ هذا من باب المعاونة على الخير.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
القاضي حينما يجبر ويكره المدين المماطل، أو الجاحد المليء عن أداء الدّين الثّابت بالبيّنة أو الإقرار يكون محسناً؛ لأنّ فعله فيه
стр. 4385
إيصال الحقّ لصاحبه.
ومنها: إذا اشترى مشترون الغنيمة من المجاهدين قبل الوصول إلى دار الإِسلام فالبيع جائز ونافذ، وإذا قبض المشترون ما اشتروا، ولم ينقدوا الثّمن، ثم لحقهم المشركون - وعلم الأمير أنّه لا طاقة للمسلمين بهم - فأمر منادياً فنادى أنّ من اشترى منّا شيئاً فليطرحه. وهدّد مَن لم يطرح ما معه بوعيد. وقد فعل ذلك نظراً لهم؛ لأنّه أكرههم على ما يحقّ عليهم فعله شرعاً، فإنّ المسلم مأمور - عند الضّرورة - أن يجعل ماله وقاية لنفسه، فهو قد أكرههم بحق، فلا يضمن لهم شيئاً من ثمن ما طرحوا بل يجب عليهم أداء الثّمن الذي تقرّر ديناً في ذمّتهم؛ لأنّ إتلاف المبيع بعد تقرّر الثّمن وانتهاء العقد لا يسقط الثّمن، سواء حصل بفعل المشتري أو بفعل البائع.
стр. 4386
القاعدة الثّلاثون بعد الخمسمئة [المكلف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المكلف ليس له إلا مباشرة الأسباب، فإذا أتي بها ثبت الحكم قهراً وجبراً من الله تعالى غير موقوف على اختيار المكلف (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
القاعدة واضحة المعنى فالمكلّف عليه فعل الأسباب، لا ثبوت الأحكام؛ لأنّ الحكم يثبت بالسّبب قهراً وجبراً من الله تعالى، وليس موقوفاً على اختيار المكلّف. والمراد بالحكم هنا: نتيجة فعل السّبب وما يترتّب عليه، وليس المراد به الحكم التّكليفي.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
حصول الولد يكون بتقدير الله ، فالمكلّف عليه أن يفعل السّبب - وهو النّكاح - وليس عليه وجوب حصول الحمل، بل حصول الحمل ووجود الولد بتقدير الله لا للعبد.
ومنها: على المكلّف السّعي والعمل لاكتساب أسباب المعيشة، ووجود الرّزق وحصوله واسعاً أو ضيّقاً هو حكم من الله يثبت قهراً وجبراً، وغير موقوف على اختيار المكلّف. فكم من ساع
стр. 4387
ليله ونهاره وقد ضيِّق عليه رزقه، ولا يكاد يحصل على ما يقيم أوده. وكم من عامل قليلاً أو قاعد قد وسّع عليه في رزقه فهو يعيش في بحبوحة وسعة ورفاه ونعيم بعمل قليل، فالأوّل عليه الصّبر، والثّاني عليه الشّكر، وقليل من يفعل ذلك.
ومنها: اللّقطة تدخل في ملك الملتقط عند تمام التّعريف حكماً كالميراث؛ لأنّ الالتقاط والتّعريف سبب للتّمليك، فإذا تمّ - أي التّعريف - وجب أن يثبت الملك به حكماً كالإحياء والاصطياد.
стр. 4388
القاعدة الحادية والثّلاثون بعد الخمسمئة [الملتزَم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
الملتزَم لأَجل الشّيء كالملتزَم بحقيقته (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
أَجْل الشّيء: أي صفة فيه.
وحقيقة الشّيء: عينه ونفسه.
فمن التزم وأوجب على نفسه شيئاً لأجل صفة في الشّيء كان كأنّه التزمه لحقيقة الشّيء وعينه ونفسه. وكذلك ما أوجبه الشّارع لأجل صفة الشّيء فهو كموجَب وملتزم بحقيقته ونفسه.
ثالثاً: من أمثلة لهذه القاعدة ومسائلها:
البكر إذنها صماتها وسكوتها. وكان الشّرع قد جعل صمت البكر وسكوتها إذناً لأجل صفة في البكر وهو حياؤها، فإنّها تستحي من إظهار الرّغبة في الرّجال. فكان التزام صمتها وسكوتها وجعله إذناً منها في تزويجها لأجل حيائها، فكأنّ ذلك ملتزم لحقيقتها ونفسها.
стр. 4389
القاعدتان الثانية والثّالثة والثّلاثون بعد الخمسمئة [ملك التّصرّف وملك العين]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ملك التصرف يستفاد بالقبض (١).
وملك العين يستفاد بالعقد (١).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
العقد إذا تمّ بين المتعاقدين وتقابضا ترتّب عليه أحكام. من هذه الأحكام ملك التّصرّف بالبدلين - المبيع والثّمن - فالمشتري ملك التّصرّف بالمبيع عند قبضه، والبائع ملك التّصرف بالثّمن عند قبضه. فالقبض بعد تمام العقد يترتّب عليه القدرة على التّصرّف. والعقد نفسه إذا تمّ صحيحاً ترتّب عليه أنّ المشتري يملك العين المبيعة ولو لم يقبضها، والبائع يملك الثّمن ولو لم يقبضه، لكن كليهما لا يستطيع التّصرّف قبل قبض البدل.
ويترتّب على ملك المشتري العين المبيعة بتمام العقد صحيحاً جواز بيعها لغيره ولو لم يقبضها.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا اشترى سيّارة ودفع ثمنها، فقد تمّ العقد وملك المشتري السّيّارة، لكن إذا كان النّظام لا يسمح بقبض السّيّارة إلا بعد نقل ملكيتها
стр. 4390
في الأوراق الرّسميّة، فإنّ المشتري لا يملك التّصرّف فيها - وإن ملك عينها - لكن بعد تمام الإجراء وتسلم السّيّارة يصبح المشتري مالكاً للتّصرّف فيها. لكنّه وقبل نقل ملكيتها في الأوراق الرّسميّة يستطيع بيعها لغيره، فينقل المشتري الجديد السّيّارة باسمه إن أراد.
ومنها: اشترى أرضاً ودفع ثمنها، فقد ملك عينها - ويستطيع بيعها عندئذ - لكن لا يمكنه التّصرّف فيها بالبناء أو الزّرع إلا بعد الحصول على صكّ الملكيّة.
стр. 4391
القاعدة الرّابعة والثّلاثون بعد الخمسمئة [الملحقات بالعقود]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الملحقات بالعقود هل تعتبر كجزئها أو إنشاء ثان (١)؟
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
العقد - وكما سبق بيانه -: ارتباط الإيجاب بالقبول.
فبعد تمام العقد الصّحيح بشروطه، فإذا ألحق أحد العاقدين أو كلاهما بالعقد شرطاً أو أمراً لم يكن في صلب العقد فهل يعتبر هذا الملحق جزءاً من العقد بعد تمامه أو يعتبر إنشاءً ثانياً، أي عقداً جديداً وتصرّفاً آخر؟ خلاف ينبني عليه ثمرة وأحكام.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أسلم في مئة قفيز - أي عَقَد عقْد سلم في مئة قفيز - أو مئة كيلو من القمح - مثلاً - ثمّ إن المسلم زاد مئة منها قبل حلول الأجل. في جواز هذه المعاملة قولان: القول الأوّل: تلحق هذه بالعقد فتجوز فكأنّه أسلم في مئتي قفيز. قال: وهو مذهب المدونة (٢). ووجه
стр. 4392
الجواز: إنّه بالكثرة رفع تهمة الرّبا. ولكن مذهب سحنون (١): القطع - أي عدم إلحاقه بالعقد - فلا تجوز المعاملة؛ لأنّها تدخل في باب الرّبا باعتبارها هدية من المدين.
ومنها: إذا ابتاع قصيلاً - أي زرعاً يقصل أي يقطع كالذّرة والشّعير والقمح قبل أن يُسبِّل - ثم اشترط خلفه القصيل، أي ما يخرج بعد القطع وينبت.
ومنها: إذا اشترى ثمرة بستان، واشترط بعد ذلك ما يخرج من الثمرة جديداً، كثمار الطماطم والخيار والباذنجان وأشباهها.
ومنها: اشتراط مال العبد بعد شراء رقبته. وكلّها فيها خلاف.
стр. 4393
القاعدتان الخامسة والثّلاثون والسّادسة والثّلاثون بعد الخمسمئة [ملك الحل - النّكاح]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ملك الحلّ بمنزلة ملك التّصرف (١).
وملك الحلّ لا يحتمل الشّركة (٢)، والنكاح لا يحتمل الاشتراك (٣).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هاتان القاعدتان تختصّان ببعض أحكام النّكاح والزّواج.
فأولاهما تفيد: أنّ من ملك الحلّ - أي حلّ الاستمتاع بالزّوجة بعقد النّكاح الصّحيح أو ملك الأمَةَ بسب مشروع - هو بمنزلة ملك التّصرّف - أي القدرة على التّصرّف في المبيع - ولا يشبه ملك العين. فللزّوج الاستمتاع بالزّوجة على الوجه المشروع، وللمالك الاستمتاع بالأمَة كذلك، لكنّ القدرة على التّصرّف في الأمَة تشبه القدرة على التّصرّف في المبيع وملك العين.
وثانيتهما: تفيد حكماً مهمّاً من أحكام النّكاح أو صلة الرّجل
стр. 4394
بالمرأة نكاحاً أو ملك يمين، فمن ملك حلّ الزّوجة أو الأمَة فهذا الحلّ خاصّ به محصور عليه، فلا يجوز اشتراك شخصين في امرأة زوجة كانت أو أمَة فيما يتعلّق بالجماع أو الوطء؛ لأنّ النّكاح لا يحتمل الاشتراك وملك الحلّ لا يقبل الشّركة.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا تزوّج امرأة فلا يجوز أن يشاركه فيها أحد من قريب أو بعيد؛ لأنّ النّكاح لا يحتمل الاشتراك لما في الاشتراك من اختلاط الأنساب، وجهل الآباء، ووجود التّنازع والتّشاجر.
ومنها: المكاتب إذا اشترى جارية حلَّ له وطؤها إذا عتق؛ لأنّ المكاتب في حكم ملك التّصرّف بمنزلة الحرّ. وإذا عجز المكاتب لم يطأها المولى حتى يستبرأها بحيضة؛ لأنّه إنّما ملكها بعد عجز المكاتب.
ومنها: إذا اشترى أمَةً يحلّ له وطؤها، ولا يجوز أن يشاركه أحد في وطئها. لو كانت جارية بين شريكين أو أكثر لا يجوز لأحد من الشّركاء وطؤها، فهم شركاء في خدمتها فقط، فالنّكاح لا يجوز إلا بملك كامل، والجارية المشتركة الملك فيها لكلّ شريك ناقص، فهي شركة مشاع بينهم.
стр. 4395
القاعدة السّابعة والثّلاثون بعد الخمسمئة [ملك العين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ملك العين لا يبطل بالإبطال (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
العين يقابلها الثّمن، فالعين هي نفس الشّيء الذي يقع عليه العقد من بيع أو غيره، فهذه العين ملك لصاحبها، فلا تخرج عن ملكه بمجرّد تركها، أو قوله أبطلت ملكيّتها، أو سيَّبتها. (فملك العين لا يبطل بالإبطال). ولا يسقط بالإسقاط أو الإبراء، إنّ ما يبطل عن طريق البيع أو التّبرّع أو الهبة أو الهدية.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ورث عيناً عن أبيه أو مورثه، وقال: أبطلت حقّي في الميراث، لا يبطل حقّه وله المطالبة به وأخذه.
ومنها: إذا ترك دابّة في صحراء أو مضيعة، فأخذها آخذ واعتنى بها، فلصاحبها أخذها بغير شيء، وليس لآخذها حقّ المطالبة بما أنفق عليها؛ لأنّه متبرّع بالعناية والإنفاق حيث لم يأذن له المالك.
ومنها: رجل له مسيل ماء في دار أو أرض، وله حقّ إجراء الماء، وله رقبة المسيل - أي ملك المجرى من الأرض - فقال
стр. 4396
صاحب المسيل لصاحب الدّار أو الأرض: أبطلت حقّي في المسيل، فإنّ ملكه للمسيل لا يبطل، لأنّه مالك لرقبة المسيل، وله حقّ المطالبة به بعد ذلك.
стр. 4397
القاعدة الثّامنة والثّلاثون بعد الخمسمئة [الملك في المضمون]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الملك في المضمون لمن يتقرر عليه الضمان (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المضمون: هو المال المتقوم.
فمن تقرّر وثبت عليه ضمان شيء وغرمه فهو ملك له بما أدّى من غُرمه.
وهذه القاعدة في بعض مسائلها خلاف بين الحنفيّة وغيرهم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الثّمن في العقد الصّحيح ثابت على المشتري فإذا أدّى المشتري الثّمن ملك المثمون وهو السّلعة.
ومنها: غصب شيئاً، وادّعى هلاكه أو ضياعه، وأدّى قيمته للمغصوب منه، ثم ظهر المغصوب سليماً، فعند الحنفيّة أنّ هذا المغصوب أصبح ملكاً للغاصب؛ لأنّه أدّى ضمانه. ولكن عند غيرهم لا يملكه الغاصب بل للمغصُوب منه استرداده وإرجاع القيمة الّتي دفعها الغاصب إليه.
стр. 4398
ومنها: اشترى سيّارة بثمن آجل، ثم مات قبل حلول الأجل، وليس في التّركة وفاء بثمن السّيّارة فدفع أحد الورثة ثمن السّيّارة للمعرض، فهو يملكها بما دفع، ولا حقّ للورثة الآخرين فيها.
стр. 4399
القاعدة التّاسعة والثّلاثون بعد الخمسمئة [ملك المبيح]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ملك المبيح لا يزول بالإباحة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة لها صلة بسابقتها، فمن أخذ أو استولى على شيء أباحه صاحبه لمن يأخذه، أو ألقاه لخساسته أو تفاهته، أو عدم حاجته إليه، ثم أراد مبيحه استرداده بعد ذلك فله أخذه واسترداده؛ لأنّ الشّيء المملوك لا يزول ملكه عن صاحبه بالإباحة. وهذا بخلاف الحقوق فإنّها تسقط بالإسقاط.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من ألقى شاة ميتة له فجاء آخر وجزّ صوفها كان له أن ينتفع به، لكن لو وجده صاحب الشّاة في يده كان له أن يأخذه منه. ولو سلخها ودبغ جلدها - على القول بطهارة جلد الميتة بالدّباغ - كان لصاحبها أن يأخذ الجلد منه بعد ما يعطيه ما زاد الدّباغ فيه، لأنّ ملكه لم يزل بالإلقاء، والصّوف مال متقوّم من غير اتّصال شيء آخر به، فله أن يأخذه مجّاناً. لكن لو غزله آخذه فلا يأخذه صاحبه إلا إذا أعطاه ما زاد الغزل فيه. وأمّا الجلد فإنّه لا يصير متقوّماً إلا بالدّباغ، فإذا أراد
стр. 4400
أن يأخذه كان عليه أن يعطيه ما زاد الدّباغ فيه.
ومنها: مَن وجد شيئاً ممّا لا يطلبه مالكه كقشور الرّمّان والبّطيخ، فلمالكه أخذه إذا أراد. وذلك في أرض أو عند أناس لا يستعملون قشور الرّمّان أو البّطيخ، أو أنّ ملقيه ومبيحه لا يريد الاستفادة منه، فأخذه آخر وجمعه فقد ملكه.
стр. 4401
القاعدة الأربعون بعد الخمسمئة [ملك المحلّ]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
ملك المحلّ شرط عند انعقاد اليمين (١).
وفي لفظ: بدون المحلّ لا يثبت الحكم.
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هذه القاعدة تتعلّق ببعض أحكام النّكاح والطّلاق والعتق، فمن طلّق زوجته على شرط ثم وجد الشّرط وهي في غير ملكه فإنّ يمينه لا تنعقد، ولا يقع على الزّوجة شيء، لعدم ملك المحلّ، وكذلك من أعتق عبده على شرط فوقع الشّرط وهو ليس في ملكه لا يعتق.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا قال لزوجته: إن حضت فأنت طالق، تم طلّقها قبل أن تحيض، فحاضت وهي في غير ملكه، فلا يقع عليها الطّلاق المشروط، هذا إذا كان طلاقها قبل حيضها طلاقاً بائناً لا رجعيّاً.
ومنها: إذا قال: كلّما كلمت فلاناً، أو فعلت كذا فأنت طالق، فكلّمت فلاناً أو فعلت كذا - وهي في غير ملكه - لا يقع عليها طلاق.
ومنها: إذا قال لامرأته في رجب - ولم يدخل بها -: إذا جاء يوم الأضحى فأنت طالق ثم أبانها، ثم تزوّجها يوم عرفة فجاء يوم
стр. 4402
الأضحى وهي في ملكه طلقت، لأنّه وقع الشّرط وهي في ملكه، ولا تعتبر الإبانة السّابقة مانعاً من وقوع الطّلاق.
ومنها: إذا قال لعبده إذا دخلت الدّار فأنت حرّ. ثم باعه، ثم اشتراه ودخل الدّار عتق.
стр. 4403
القاعدة الحادية والأربعون بعد الخمسمئة [ملك اليمين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ملك اليمين يمنع انعقاد نكاح المولى، وإذا طرأ عليه أبطله (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
ملك اليمين: المراد به ما يملك من الإماء والجواري.
فمن ملك أمة أو جارية بطريق مشروع فله وطؤها واستخدامها واستيلادها كما له بيعها وهبتها وإهداؤها وتزويجها لمن يشاء.
ولذلك إذا تزوّج أمَة لغيره ثم ملكها انفسخ نكاحها منه، وله وطئها بملك اليمين، وقد انفسخ نكاحها منه لأنّ النّكاح لا يجامع ملك اليمين، فملك اليمين أقوى من النّكاح، ولذلك يمنع انعقاده، وإذا طرأ عليه أبطله.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ملك جارية سواء كانت أمَةً أو مكاتبته أو مدبرته أو أمّ ولده أو أمَةً يملك بعضها، وأراد أن يعقد عليها عقد نكاح، فلا يجوز ذلك له؛ لأنّ الملك أقوى من العقد، لكن إذا أعتقها وأراد وطأها فلا يحلّ له إلا بعقد النّكاح, لأنّها أصبحت حرّة مالكة لنفسها ولبضعها.
стр. 4404
ومنها: إذا تزوّج أمَةً لغيره ثم ملكها أو ملك بعضها انفسخ نكاحها منه وبطل.
ومنها: إذا زوّجت المرأة نفسها من عبدها أو المكاتب إذا تزوّج مولاته لا يصحّ، وكان عليه العَقر - أي الحدّ - لأنّ النّكاح إذا لم يعتبر كان بمنزلة العدم.
ولو عتق المكاتب - بأداء نجوم مكاتبته - بعد ما تزوج مولاته، لا ينقلب النّكاح جائزاً؛ لأنّ الباطل لا ينقلب صحيحاً.
стр. 4405
القاعدة الثّانية والأربعون بعد الخمسمئة [الملك بالقهر، الإحراز]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الملك بطريق القهر لا يثبت ما لم يتمّ القهر بالإحراز بدار تخالف دار صاحب المال أو المستولى عليه (١).
وينظر القاعدة رقم ٤٥ من قواعد حرف الباء.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الملك بطريق القهر: هو الغنيمة، وهي كلّ مال يأخذه المجاهدون من الكفّار على سبيل الغلبة والقهر.
فعند الحنفيّة أنّ المجاهدين يملكون الغنائم بانتهاء المعركة وقهر العدو وهزيمته، - وهذا أمر متّفق عليه عند الحنفيّة وغيرهم - لكن قال الحنفيّة: إنّ إحراز الغنائم وتمام ملكها لا يتمّ إلا إذا دخل المجاهدون دار الإسلام، أو دخلوا داراً تخالف دار صاحب المال أو المستولى عليه - ولذلك فعند الحنفيّة وقول عند أحمد ﵀: أنّ الغنائم لا تقسم إلا بعد الوصول إلى دار الإسلام - خلافاً لغيرهم من الأئمّة - معلّلين ذلك، باحتمال أن يعيد العدو الكرّة عليهم قبل دخولهم دار الإسلام فيستردّ منهم ما أخذوه، وحتى لا يثقل المجاهد بما يحمل من غنيمة فيجد العدو فرصة
стр. 4406
لمهاجمتهم، فلا يستطيعون دفعه لانشغال كلّ واحد بما يحمل.
ولكن عند مالك ﵀، لا تؤخّر قسمة ما يقسم إلى دار الإسلام (١)، فعنده يجب قسمتها في دار الحرب وعند الشّافعيّة والرّاجح عند الحنابلة: لا تكره قسمة الغنائم في دار الحرب، أو يقال: يستحبّ قسمتها في دار الحرب (٢)، ويكره تأخيرها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
أموال الخوارج لا تملك؛ لبقاء العصمة والإحراز فيها، وإنّما تردّ عليهم بعد هزيمتهم وزوال شوكتهم، أو تردّ إلى ورثتهم.
ومنها: انتهت المعركة بين المسلمين والكفّار بانتصار المسلمين، وقد غنم المسلمون من الكفّار غنائم كثيرة من الخيول والسّلاح والدّوابّ والأمتعة فيجمعها الإمام أو القائد، ويعزل الخمس، ويقسّم الأربعة الأخماس الباقية بين الغانمين، إمّا يقسّمها في دار الحرب بعد انتهاء المعركة، وإمّا يؤجّل قسمتها حتى يرجع المجاهدون إلى دار الإسلام، وهذا موضوع قاعدتنا هذه.
стр. 4407
القاعدة الثّالثة والأربعون بعد الخمسمئة [ملك الوارث]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الملك الثّابت للوارث هو الملك الذي كان للمورث (١).
وفي لفظ: كلّ ما كان مملوكاً للمورِّث - فإذا لم يخرج بموته من أن يكون مملوكاً للمورّث يصير مملوكاً لوارثه - عند الشافعي ﵀ (٢). وقد سبقت ضمن قواعد حرف الكاف تحت الرّقم ١٦٩.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الملك الذي يستحقّه الوارث بعد موت مورّثه إنّما هو ما كان يملكه المورّث قبل موته، وبناء على هذه القاعدة، أنّه إذا حصل ملك في شيء ما للمورث بعد موته بسبب كان في حياته فهل يدخل في ملك الوارث؟
وبناء على هذا أيضاً: أنّ ما كان يحقّ للمورّث فعله لو كان حيّاً - يحقّ للوارث كذلك؛ لأنّه يرثه عنه - وينظر القاعدة رقم ١٦٩ من قواعد حرف الكاف.
стр. 4408
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى المورّث شيئاً ثم بعد موته ظهر به عيب يوجب الرّدّ، فإنّ للوارث حقّ الرّدّ على بائع المورّث، واسترداد الثّمن.
ومنها: إذا اشترى المورّث أمَةً أو سلعة، وورثها الوارث ثم ظهر أنها مستحقّة أو أنّ المورّث مغرور فيها فإنّ للوارث حقّ الرّدّ واسترداد الثّمن كذلك.
ومنها: أنّ بنت المولى لو تزوّجت مكاتب أبيها بإذنه جاز النّكاح ما دام المولى حيّاً، فإن مات المولى - وهو الأب - فسد النّكاح بينهما؛ لأنّ المكاتب - قبل تحرّره - ما زال على ملك المورّث قبل تمام نجوم المكاتبة، فبالتّالي هو موروث ويصبح ملكاً للورثة، فبنت المولى ملكت رقبة المكاتب أو بعضها فينفسخ النّكاح بينهما - كما في العبد - خلافاً للحنفيّة.
ومنها: إذا تزوّج أمَة رجل ثم اشترى بعضها قبل أن يدخل بها، أو ملكها بوجه من الوجوه فسد النّكاح لتقرّر المنافي، ولا مهر لها؛ لأنّه لم يدخل بها، وإن كان قد دخل بها فعليه المهر لمولاها، وقد انتقض النّكاح لملكه جزءاً من رقبتها.
стр. 4409
القاعدة الرّابعة والأربعون بعد الخمسمئة [الملك]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الملك لا يثبت ابتداءً بغير سبب (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الملك: هو القدرة على التّصرّف في المملوك.
والإنسان يولد عارياً فقيراً لا يملك، ثم إذا امتدّ به العمر ملك، ولكن لا يثبت ملك الإنسان ابتداءً بدون سبب موجب للملك؛ لأنّ ما يمكن أن يملكه إنسان هو ملك لغيره قبل أن يصير ملكاً له. إلا ما كان من المباحات فهي ملك من سبق إليها. وقبل ذلك لم تكن في ملك أحد من البشر وإنّما هي على ملك الله سبحانه أباحه لمن يسبق إلى أخذه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
التّوريث سبب من أسباب الملك، فمن كان وارثاً يثبت له الملك في الموروث بمجرّد موت المورث.
ومنها: الهبة والهديّة سببان من أسباب الملك في الموهوب والمهدى للموهوب له والمهدى إليه.
ومنها: البيع سبب من أسباب الملك، من حيث إنّ المشتري يملك السّلعة، والبائع يملك الثّمن، إذا تمّ العقد صحيحا.
ومنها: العمل سبب للحصول على الأجر من الأثمان - الذّهب والفضّة - أو العروض وملكها.
стр. 4410
القاعدة الخامسة والأربعون بعد الخمسمئة [التّدبير]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الملك المتأكّد بالتّدبير لا يحتمل النّقض (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التّدبير: من دبَّر يدبَّر تدبيراً، والمراد به عتق العبد بعد موت السّيّد، حيث يقول السّيّد لعبده: أن حُرٌّ على دَبَر مني، أي بعد موتي. فبمجرّد موت السّيّد يعتق العبد.
فمفاد القاعدة: أنّ ملك العبد إذا أثبت سيّده تدبيره فإنّ هذا الملك لا ينقض إذا ادّعى آخر أنّه أعتقه، فالملك المؤكّد بدعوى التّدبير أقوى من الملك مع دعوى الإعتاق، إذا كانت دعوى الإعتاق متأخّرة زمنيّاً عن دعوى التّدبير.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
أمَةٌ في يد رجل، فأقام آخر البيّنة على أنّها أمَتُه منذ ستّة أشهر وأنّه أعتقها ألبتة منذ شهر، وأقام آخر البيّنة أنّها أمَتُه منذ سنة، وأنّه أعتقها عن دبر منذ سنة. قالوا: يقضى بها مدبَّرةً لمدّعي التّدبير؛ لأنّ تاريخ شهوده أسبق، فإنّهم أثبتوا الملك والتّدبير له منذ سنة.
وفي قول آخر إنّ البيّنة المقبولة هي بيّنة مدّعي العتق، والأمَةُ حرّة ألبتّة؛ لأنّه لمّا استويا في إثبات الملك بقي التّرجيح بما أثبتوا من العتق، والعتق والتّدبير إذا اجتمعا يترجّح العتق.
стр. 4411
القاعدة السّادسة والأربعون بعد الخمسمئة [الملك المطلق والمقيّد، الملك بالسّبب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الملك المطلق أزيد من الملك المقيد لثبوته من الأصل، والملك بالسبب مقتصر على وقت السبب (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الملك المطلق: يراد به المطلق على سبب التّملّك.
الملك المقيّد: أي بذكر سبب التّملّك.
فالملك المطلق أعمّ من الملك المقيّد؛ لأنّ إطلاقه يفيد الأولويّة، لكن إذا قيِّد الملك بالسّبب الذي به كان الملك فهو مقتصر على وقت السّبب ويفيد الحدوث. ولذلك كان أضيق مجالاً من الملك المطلق عن السبّب.
ويظهر أثر هذه القاعدة في دعوى الملك عند اختلاف البينتين، فالبيِّنة التي تثبت ملكاً مطلقاً، أو بالنّتاج، ترجح على التي تثبت ملكاً بسبب خاصّ في وقت خاصّ.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ادّعى مدّع ملكاً مطلقاً على دار أو أرض، وشهدت شهوده بأنّها
стр. 4412
ملكه بسبب كشراء أو إرث، قبلت الشّهادة، لكونها بالأقلّ ممّا ادّعى فتطابقا.
ومنها: إذا ادّعى أرضاً بشراء، وشهد شهوده بأنّها ملكه - شهادة مطلقة عن ذكر السّبب - لا تقبل هذه الشّهادة، لأنّها شهدت بالأكثر.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
ادّعى ملكاً بالإرث، أو النّتاج، أو الشّراء من مجهول، وشهدت بيّنته بالملك المطلق، قبلت الشّهادة؛ لأنّ دعوى الإرث والنّتاج - النّتاج في الحيوان خاصّة - في قوّة الدّعوى بالملك المطلق؛ لأنّ دعوى المطلق يفيد الأولويّة على الاحتمال، والنّتاج على اليقين (١).
стр. 4413
القاعدة السّابعة والأربعون بعد الخمسمئة [دوام الملك]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الملك يدوم بعد ثبوت سببه، إلا أن يلزمه ما يناقضه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأصل في الأملاك دوامها واستمرارها بعد ثبوت سبب الملك؛ لأنّ الملك إذا وقع بسبب صحيح فهو يفيد الدّوام والاستمرار والتّأبيد، إلا إذا طرأ عليه ما ينقضه ويزيله، كبيع أو هبة، أو استحقاق.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى أرضاً بعقد صحيح، فإنّ هذا العقد يثبت للمشتري ملكيّة الأرض ملكاً مؤبّداً دائماً. لكن إذا ظهر أنّ الأرض مستحقّة - أي أنّ مالكها غير البائع أو أنّها مرهونة بمبلغ من المال - فعند ذلك يبطل عقد البيع ويأخذ الأرض مستحقّها، ويرجع المشتري على البائع بالثّمن.
ومنها: إذا أحيا أرضاً ميتة فقد ملكها بالإحياء بالنّص، لكن إن تركها بعد ما أحياها فماتت، فهل لغيره أن يحييها ويملكها؟ عند المالكيّة: نعم، فهنا طرأ على الملك ما قطع دوامه ونقضه.
ومنها: إذا استأنس إنسان حيواناً وحشياً، كأسد أو زرافة أو قرد أو غزال ثم هرب منه وتوحّش ثانية، فقد زال ملكه عنه لعوده إلى أصله، فلغيره اصطياده واستئناسه إذا أمكنه.
стр. 4414
القاعدة الثّامنة والأربعون بعد الخمسمئة [الملاك وأملاكهم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المُلاّك مختصون بأملاكهم، لا يزاحم أحد مالكاً في ملكه من غير حق مستحق (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الملاّك: جمع مالك، ومالك الشّيء هو من له القدرة على التّصرّف فيما يملكه دون معارض.
فالملاّك - أي أصحاب الأملاك كلّ واحد منهم مختصّ بما يملكه، ولا يجوز لأحد غير مالك أن يزاحم مالكاً في ملكه أو يشاركه فيه بدون وجه حقّ.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إنسان له أرض أو مزرعة فيها من كلّ الثّمرات وأجرى فيها نهراً، أو إنسان له عمارة أو بناية ضخمة عالية البنيان عظيمة الأركان، لا يجوز لأحد آخر أن يأتي ويأخذ جانباً من الأرض أو المزرعة أو يسكن طابقاً من البناية جبراً عن المالك بدعوى أنّ الأرض واسعة والمزرعة عظيمة والبناية كبيرة، ولا يضرّ المالك أخذ جزء منها، فهذا يؤخذ على يده ويمنع من الاستيلاء على بعض ملك غيره
стр. 4415
بغير وجه استحقاق شرعيّ ولو كان المالك من أغنى الأغنياء والمعتدي من أفقر الفقراء. فليس للفقير أن يأخذ من مال الغني إلا ما طابت به نفسه، إلا إذا كان الغني مانعاً لحقّ الله فللإمام أن يأخذ منه الحقّ بالقوّة.