القاعدة السّادسة والأربعون بعد الخمسمئة [الملك المطلق والمقيّد، الملك بالسّبب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الملك المطلق أزيد من الملك المقيد لثبوته من الأصل، والملك بالسبب مقتصر على وقت السبب (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الملك المطلق: يراد به المطلق على سبب التّملّك.
الملك المقيّد: أي بذكر سبب التّملّك.
فالملك المطلق أعمّ من الملك المقيّد؛ لأنّ إطلاقه يفيد الأولويّة، لكن إذا قيِّد الملك بالسّبب الذي به كان الملك فهو مقتصر على وقت السّبب ويفيد الحدوث. ولذلك كان أضيق مجالاً من الملك المطلق عن السبّب.
ويظهر أثر هذه القاعدة في دعوى الملك عند اختلاف البينتين، فالبيِّنة التي تثبت ملكاً مطلقاً، أو بالنّتاج، ترجح على التي تثبت ملكاً بسبب خاصّ في وقت خاصّ.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ادّعى مدّع ملكاً مطلقاً على دار أو أرض، وشهدت شهوده بأنّها
стр. 4412
ملكه بسبب كشراء أو إرث، قبلت الشّهادة، لكونها بالأقلّ ممّا ادّعى فتطابقا.
ومنها: إذا ادّعى أرضاً بشراء، وشهد شهوده بأنّها ملكه - شهادة مطلقة عن ذكر السّبب - لا تقبل هذه الشّهادة، لأنّها شهدت بالأكثر.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
ادّعى ملكاً بالإرث، أو النّتاج، أو الشّراء من مجهول، وشهدت بيّنته بالملك المطلق، قبلت الشّهادة؛ لأنّ دعوى الإرث والنّتاج - النّتاج في الحيوان خاصّة - في قوّة الدّعوى بالملك المطلق؛ لأنّ دعوى المطلق يفيد الأولويّة على الاحتمال، والنّتاج على اليقين (١).
стр. 4413
القاعدة السّابعة والأربعون بعد الخمسمئة [دوام الملك]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الملك يدوم بعد ثبوت سببه، إلا أن يلزمه ما يناقضه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأصل في الأملاك دوامها واستمرارها بعد ثبوت سبب الملك؛ لأنّ الملك إذا وقع بسبب صحيح فهو يفيد الدّوام والاستمرار والتّأبيد، إلا إذا طرأ عليه ما ينقضه ويزيله، كبيع أو هبة، أو استحقاق.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى أرضاً بعقد صحيح، فإنّ هذا العقد يثبت للمشتري ملكيّة الأرض ملكاً مؤبّداً دائماً. لكن إذا ظهر أنّ الأرض مستحقّة - أي أنّ مالكها غير البائع أو أنّها مرهونة بمبلغ من المال - فعند ذلك يبطل عقد البيع ويأخذ الأرض مستحقّها، ويرجع المشتري على البائع بالثّمن.
ومنها: إذا أحيا أرضاً ميتة فقد ملكها بالإحياء بالنّص، لكن إن تركها بعد ما أحياها فماتت، فهل لغيره أن يحييها ويملكها؟ عند المالكيّة: نعم، فهنا طرأ على الملك ما قطع دوامه ونقضه.
ومنها: إذا استأنس إنسان حيواناً وحشياً، كأسد أو زرافة أو قرد أو غزال ثم هرب منه وتوحّش ثانية، فقد زال ملكه عنه لعوده إلى أصله، فلغيره اصطياده واستئناسه إذا أمكنه.
стр. 4414
القاعدة الثّامنة والأربعون بعد الخمسمئة [الملاك وأملاكهم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المُلاّك مختصون بأملاكهم، لا يزاحم أحد مالكاً في ملكه من غير حق مستحق (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الملاّك: جمع مالك، ومالك الشّيء هو من له القدرة على التّصرّف فيما يملكه دون معارض.
فالملاّك - أي أصحاب الأملاك كلّ واحد منهم مختصّ بما يملكه، ولا يجوز لأحد غير مالك أن يزاحم مالكاً في ملكه أو يشاركه فيه بدون وجه حقّ.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إنسان له أرض أو مزرعة فيها من كلّ الثّمرات وأجرى فيها نهراً، أو إنسان له عمارة أو بناية ضخمة عالية البنيان عظيمة الأركان، لا يجوز لأحد آخر أن يأتي ويأخذ جانباً من الأرض أو المزرعة أو يسكن طابقاً من البناية جبراً عن المالك بدعوى أنّ الأرض واسعة والمزرعة عظيمة والبناية كبيرة، ولا يضرّ المالك أخذ جزء منها، فهذا يؤخذ على يده ويمنع من الاستيلاء على بعض ملك غيره
стр. 4415
بغير وجه استحقاق شرعيّ ولو كان المالك من أغنى الأغنياء والمعتدي من أفقر الفقراء. فليس للفقير أن يأخذ من مال الغني إلا ما طابت به نفسه، إلا إذا كان الغني مانعاً لحقّ الله فللإمام أن يأخذ منه الحقّ بالقوّة.
стр. 4416
القاعدة التّاسعة والأربعون بعد الخمسمئة [المماثلة المجهولة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المماثلة المجهولة كالمفاضلة المعلومة (١).
وفي لفظ سابق: الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تختصّ بالتّحذير من الرّبا من حيث إنّ شرط التّعامل بالأموال الرّبويّة العلم والتّيقّن بالمماثلة، أمّا إذا كانت المماثلة مجهولة وغير متيقّنة فإنّ المعاملة تحرم كما لو كانت المعاملة بمفاضلة واضحة بيِّنة.
وقد سبق مثلها ضمن قواعد حرف الجيم تحت الرّقم ٢٩.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
لا يجوز بيع صبرة طعام بصبرة طعام دون كيل لكليهما، حتّى ولو ظهر بعد ذلك أنّهما متساويان.
ولذلك قالوا: بيع الأموال الرّبويّة مجازفة لا يجوز.
стр. 4417
القاعدة الخمسون بعد الخمسمئة [القصاص]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المماثلة في القصاص مرعيّة (١)، إلا في مسائل.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
القصاص: من قَصَّ الأثر أي تتبّعه. والقصاص معناه: قتل القاتل وجرح الجارح وقطع القاطع. والقصاص: القود.
فمن قتل غيره بفعل من الأفعال أو أداة قاتلة، فوليّ الدّم بالخيار بين أن يستوفي بالسّيف، أو بمثل فعله وأداته.
لكن إذا كان القتل بمحرّم، فلا يجوز قتله بمثله بل يستوفي بالسّيف؛ لأنّه يؤدّي إلى محذور شرعي. والقاطع إنّما يقتصّ منه إذا كان القطع من مفصل، وإلا فلا قصاص، وإنّما له الأرش.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
مَن قُتِل بالرّصاص، فلوليّه قتله بالرّصاص أو بالسّيف.
ومنها: إذا قطع يديه ورجليه فمات، فللولي فعل ذلك بشرط موته لا تركه.
ومنها: إذا قتله بأن أوجره خمراً، أو لاط فيه فقتله، فلا يجوز القصاص بمثله بل يقتل بالسّيف.
стр. 4418
ومنها: إذا قتله بالسّحر، فلا يقتصّ منه بالسّحر.
ومنها: إذا قتله بسيف مسموم يفتت ويمنع من الغسل والدّفن، ففي القصاص بمثله احتمال وجهين.
ومنها: إذا قطع يده أو فقأ عينه، أو صلم أذنه، فله القصاص.
والجارح: إنّما يقتصّ منه إذا كان الجرح محدّداً كالموضّحة وإلا فلا قصاص.
стр. 4419
القاعدتان الحادية والثّانية والخمسون بعد الخمسمئة [الممتنع]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الممتنع عادة كالممتنع حقيقة (١)، أو عرفاً وعادة (٢).
وفي لفظ: ما كذّبه العقل أو جوّزه وكذّبته العادة فهو مردود (٣).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
المراد بامتناع العادة أو تكذيب العقل والعادة: امتناع وتعذّر واستحالة وقوع الفعل في العقل والعادة، أو في العادة فقط وإن جوّزه العقل، فما استحال وتعذّر عقلاً وقوعه فهو مردود - أي مرفوض لا يبنى عليه حكم، وكذلك ما امتنع واستحال في جاري العادات وقوعه، فإنّه مردود كذلك، ولو جوّز العقل وقوعه.
فما استحال وامتنع وتعذّر وقوعه في جاري العادات فحكمه حكم ما استحال وامتنع وتعذّر عقلاً من حيث رفضه وردّه.
وأمّا ما أبعدته العادة من غير إحاله فله رتب في البعد والقرب
стр. 4420
فيها مجال اختلاف.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا ادّعى رجل من أدنياء النّاس على الملك أو الأمير أنّه استأجره لكنس داره وسياسة دابّته، فإنّ هذه الدّعوى لا تقبل لمخالفتها لمجاري العادات، فإنّ العادة تحيل ذلك، وإن كان العقل لا يحيله.
ومنها: إذا تعاشر الزّوجان على الدّوام مدّة سنتين، ثم ادّعت الزّوجة أنّه لم ينفق عليها شيئاً ولم يكسها شيئاً، فعند الشّافعي ﵀ القول قولها مع اليمين، مع مخالفة هذا للظّاهر في العادة.
ومنها: إذا ادّعى شخص على من هو أصغر منه أو مساويه سنّاً أنّه أبوه فهذا الإدعاء مردود غير مقبول قطعاً؛ للاستحالة العقليّة، حيث إنّ العقل لا يتصوّر أن يكون الصّغير أباً للكبير.
стр. 4421
القاعدتان الثّالثة والرّابعة والخمسون بعد الخمسمئة [المنافع]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
المنافع تجري مجرى الأعيان (١).
وفي لفظ: المنافع كالأعيان القائمة - أو بمنزلة الأعيان القائمة - يجوز مبادلتها بمثلها، أو بخلاف جنسها، ولا ربا فيها (٢). عند الشافعي ﵀.
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
المنافع تقابل الأعيان.
وقد اختلف العلماء في أحكام المنافع من حيث جواز العقد عليها، فعند الحنفيّة: أنّ المنافع معدومة، والمعدوم لا يجوز أن يكون ركناً في العقد، ولذلك تقام العين المؤجّرة أو المعارة مكان المنفعة في إجراء العقد عليها.
وأمّا عند الشّافعي وأحمد رحمهما الله تعالى، فإنّ المنافع تجري مجرى الأعيان وتأخذ أحكامها من حيث: العقد عليها، ومبادلتها بمثلها، أو بخلاف جنسها، ومن حيث إنّه لا يجري فيها الرّبا، وعلى
стр. 4422
المغتصب ضمان ما ضاع على المالك فيها. وينظر قواعد حرف الهمزة القاعدة ٤٧٢.
وللإجارة شروط وأركان تنظر في محالها من كتب الفقه.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا أجّر داراً لمدّة معلومة بأجر معلوم جاز العقد وملك المستأجر المنفعة مدّة العقد.
ومنها: إذا استأجر سيّارة وجعل الأجر سكنى دار جاز، خلافاً لأبي حنفية رحمه الله تعالى، والصّحيح جوازه، وهو قول أكثر العلماء.
ومنها: إذا اغتصب داراً أو سيّارة - وكان مالكها يؤجّرها - فإنّ على المغتصب أجرة الدّار والسّيّارة طيلة مدّة الاغتصاب، لتفويت منافعهما على المالك.
стр. 4423
القاعدة الخامسة والخمسون بعد الخمسمئة [المنافع]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
المنافع لا تتقوّم إلا باعتبار التّسمية (١).
وفي لفظ: المنافع لا تأخذ حكم الماليّة إلا بالعقد (٢).
وفي لفظ: المنافع مال في حكم العقد (٣).
وفي لفظ: المنفعة لا تتقوّم إلا بالتّسمية في العقد (٤).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
هذه القواعد لها صلة بسابقتيها: فالمنافع إنّما تستوفى بحكم العقد ولا تتقوّم - وهذا رأي الحنفيّة ووجهة نظرهم في المنافع - أي لا يكون لها قيمة وتعتبر مالاً إلا بعقد الإجارة -؛ لأنّ عقد الإجارة - في الصّحيح - هو عقد على بيع المنفعة، فهو من أنواع البيوع - وإن كانت المنفعة معدومة حين العقد للضّرورة.
стр. 4424
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا كان لرجلين على رجل ألف درهم، فلو استأجر منه أحدهما داراً بحصّة من الدّين وسكنها، فهو بمنزلة قبض نصف الدّين، وإقراره باستيفاء نصيبه، فلشريكه أن يأخذه بنصفها؛ (لأنّ المنافع مال في حكم العقد).
ومنها: من غصب عبداً وآجره، فأجرته للّذي أجره؛ لأنّه في ضمانه، ولأنّه بعقده صيّر ما ليس بمال مالاً - ولكن ينبغي أن يتصدّق به؛ لأنّه حصل بكسب خبيث، وإن دفعه إلى المولى قهو للمولى. وعند غير الحنفيّة الأجرة للمولى على كلّ حال.
ومنها: إذا قال صاحب الأرض للعامل: اعمل ببذري في أرضي بنفسك وبقرك وأُجَرائك، فما خرج فهو كلّه لي. جاز والعامل معين؛ لأنّ صاحب الأرض استعان به في العمل حيث لم يشترط له بمقابلته شيئاً. وليس للعامل شيء؛ لأنّه رضي أن يعمل بدون مقابل.
وأمّا إن قال صاحب الأرض: على أنّ الخارج كلّه لك، فهو جائز أيضاً، وصاحب الأرض معير لأرضه، مقرض لبذره؛ لأنّه شرط للعامل جميع الخارج، وكانت الأرض معارة؛ لأنّ منفعة الأرض متقوّمة بنفسها، فلا تتقوّم إلا بتسمية البدل بمقابلتها ولم يوجد.
ومنها: إذا اتّفق ربّ الأرض والعامل على عقد مزارعة بنسبة بينهما، - وكان البذر على صاحب الأرض - فبعد أن كرب العامل الأرض - أي حرثها - وحفر مجاري مائها وأعدّها للزّراعة، بدا لربّ
стр. 4425
الأرض أن لا يزرعها، كان له ذلك؛ لأنّه قد يتضرّر بالمضي على العقد من حيث إتلاف البذر بإلقائه في الأرض، ولا يعلم أيحصل الخارج أم لا، ثم لا شيء للعامل؛ لأنّ المنافع لا تتقوّم إلا بالتّسمية، والمسمّى للعامل بإزاء عمله بعض الخارج، ولم يحصل الخارج.
ولكن من باب مراقبة الله تعالى وحتى لا يضيع على العامل تعبه وجهده يطالب ربّ الأرض بأن يعطى العامل أجر مثله, لأنّه إنّما عمل ليزرع فيحصل له الخارج، فإذا أخذ ربّ الأرض الأرض بعد إقامة هذه الأعمال كان غارّاً للعامل ملحقاً الضّرر به والغرور والضّرر مدفوعان.
стр. 4426
القاعدتان السادسة والسّابعة والخمسون بعد الخمسمئة [المنافي]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
المنافي إذا تقرّر فالمحترم وغير المحترم فيه سواء (١).
والمنافي يؤثر سواء كان طارئاً أم مقارناً (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
المنافي: هو المعارض والمبطل للحكم، أو للتّصرّف.
فهاتان القاعدتان تبيِّنان أثر المنافي في التّصرّف أو الحكم.
فمفاد القاعدة الأولى: إذا وجد معارض للحكم ومبطل له وقد ثبت فإنّ ما طرأ عليه يؤثّر فيه بالإبطال سواء أكان المنافي محترماً شرعاً أم غير محترم.
ومفاد القاعدة الثانية: أنّ هذا المنافي يكون مؤثّراً في الحكم أو التّصرّف إذا كان مقارناً للتّصرف أو طارئاً عليه على حدّ سواء.
فالمنافي مبطل ومؤثّر في فساد الفعل على كلّ حال.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا سُبي أحد الزّوجين تقع الفرقة بينهما بالاتّفاق، فالمنافي لبقاء الزّوجية هو سبي أحدهما.
ومنها: إذا أسلمت زوجة كافر في دار الحرب ثم خرجت
стр. 4427
مراغمة لزوجها إلى دار الإسلام، وقعت الفرقة بينهما لتباين الدّارين، أو للقصد إلى المراغمة والاستيلاء على حقّ الزّوج.
ومنها: إذا تزوّج مسلم كتابيّة في دار الحرب - على كراهة ذلك - ثم خرج إلى دار الإسلام وتركها في دار الحرب حتى انتهت عدّتها وقعت الفرقة بينهما، ولا يقع طلاقه عليها بعد ذلك؛ لأنّ النّكاح قد انقطع لا إلى عدّة، فإنّ بقاءها في دار الحرب كما ينافي أصل النّكاح بينها وبين الزّوج ينافي العدّة، ولهذا لا يقع طلاقه عليها.
ومنها: إذا أسلم كافر وتحته أختان يجب عليه اختيار واحدة منهما ومفارقة الأخرى.
ومنها: إذا تزوّج المولى مكاتبته، فالنّكاح باطل لقيام الملك له في رقبتها - حتى تؤدّي كلّ نجوم مكاتبتها -، والمولى ممنوع من وطئها بسبب الكتابة، فإن وطئها فلها المهر بمنزلة ما لو وطئها قبل النّكاح - ويسقط الحدّ للشّبهة - لأنّها بعقد الكتابة صارت أحقّ بنفسها ومكاسبها.
ومثلها: إن تزوّج المكاتب مولاته ودخل بها فعليه المهر لسقوط الحدّ بشبهة النّكاح، ولا يجوز النّكاح وإن عتق.
ومنها: إذا تزوّج المكاتب أو العبد بنت مولاته بإذنه، حاز النّكاح؛ لأنّه لا ملك لها في رقبته ولا حقّ ملك ما دام الأب حيّاً، فإن مات المولى وهو الأب فسد نكاح العبد؛ لأنّها ملكت رقبة زوجها إرثاً - وملك رقبة الزّوج أو بعضها لو اقترن بالنّكاح منع صحّته، فإذا طرأ على النّكاح أبطله.
стр. 4428
القاعدتان الثّامنة والتّاسعة والخمسون بعد الخمسمئة [المناقض - التناقض]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
المناقض إذا صدقه خصمه فيما يدَّعي ثبت الاستحقاق له (١) - أو يقبل قوله (٢).
وفي لفظ: المناقض لا قول له في حق غيره، ولكن التناقض لا يمنع إلزامه حكم كلامه (٣).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
المناقض: اسم فاعل من ناقض يناقض. إذا كان كلامه يهدم بعضه بعضاً، أو يخالف بعضه بعضاً، فالنّقض: معناه الهدم والإبطال والنّكث.
فمن خالف كلامه بعضه بعضاً فلا قول له في حقّ غيره أو خصمه، لكن إن صدّقه خصمه فيما يدّعي قُبِل قوله وثبت الاستحقاق له مع تناقضه لأنّ التّناقض لا يمنع من إلزام المتناقض حكم كلامه، وينظر قواعد حرف الكاف القاعدة رقم ٧٤.
стр. 4429
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا اشترى عبد من رجل متاعاً أو باعه، وبعد تمام العقد قال الرّجل للعبد: أنت محجور عليك فلا أدفع إليك ما اشتريت منّي - أو ثمن ما بعته - وقال العبد: بل أنا مأذون لي. فالقول قول العبد؛ لأنّ معاملة الرّجل معه إقرار منه بصحّة المعاملة وكونه مأذوناً له في التّجارة. فإنّه لا يحلّ للرّجل أن يعامل عبد غيره إلا أن يكون مأذوناً له. فهو في قوله: أنت محجور عليك. مناقض في كلامه ساع في نقض ما تمّ به، فلا يقبل قوله، ولا يمين على العبد. ويجبر الرّجل على دفع ما باع وأخذ الثّمن، أو دفع الثّمن وأخذ ما اشترى. أمّا إذا أقرّ العبد عند القاضي أنّه محجور ردّ البيع.
ومنها: اقتسما داراً مناصفة وقبضا وأشهدا على القسمة والقبض والوفاء. ثم ادّعى أحدهما بيتاً في يد صاحبه، لم يصدّق على ذلك لأنّه مناقض، ولكن إذا أقرّ صاحبه بدعواه وصدّقه فإقراره ملزم له ويردّ على صاحبه ما ادّعاه.
ومنها: إذا شهد شاهدان أمام القضاء على إنسان بسرقة، فقطعت يده، ثم جاءا بعد ذلك بآخر وقالا: قد أوهمنا إنّما السّارق هذا، فالقاضي لا يصدّقهما على التّالي لتناقض شهادتيهما، ويضمنهما دية الأوّل.
هذا إذا لم يفعلا ذلك عمداً، وكان تناقضهما خطأ. لكن إذا تعمّدا الشّهادة الكاذبة فتقطع أيديهما.
стр. 4430
القاعدة السّتّون بعد الخمسمئة [بيع ما لم يقبض]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مَن ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه (١). حديث متّفق عليه.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة نصّ حديث نبوي كريم رواه بهذا اللفظ الجماعة إلا التّرمذي، وقد روي بألفاظ مختلفة كلّها تفيد منع بيع الطّعام حتى يقبضه المشتري.
وينظر منتقى الأخبار. الأحاديث من ٢٨١٣ - ٢٨٢٤.
فمن اشترى طعاماً فلا يجوز له أن يبيعه إلا إذا قبضه واكتاله واستوفاه، والمراد بالطّعام: البرّ والشّعير والذّرة والأرز وكلّ ما يكال أو يوزن من الأطعمة وهذا متّفق عليه - غير أنّه عند أبي حنيفة ﵀ ورواية عند أحمد ﵀: أنّ التخلية بين المشتري والسّلعة تعتبر قبضاً وتسليماً. وخالفهما في ذلك الآخرون. ولكن هل كلّ شيء اشتراه لا يجوز أن يبيعه إلا إذا قبضه قياساً على الطّعام أو أنّ القبض المشروط لا يكون في غير الطّعام؟ خلاف بين الأئمة: منهم من عمّم الحكم في كلّ شيء، ومنهم من قصره على الطّعام دون غيره، فأجاز بيع ما لم
стр. 4431
يقبض من غير الطّعام. فعند أبي حنيفة ﵀: أنّ كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من ضمان البائع إلا العقار. وعند الشّافعي ورواية عند أحمد - رحمهما الله - أنّ كلّ مبيع من ضمان البائع حتى يقبضه المشتري.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
اشترى مئة صاع من برّ، ثم أراد بيعها لغير الأوّل، فلا يجوز له ذلك إلا إذا كالها وقبضها واستوفاها ونقلها إلى محلّه، أو على الأقلّ أخرجها من محلّ البائع. وهذا متّفق عليه.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة فجاز بيعه قبل قبضه:
الإرث: يجوز للوارث بيعه قبل قبضه.
ومنها: الموصى به كذلك يجوز بيعه قبل قبضه لأنّ الوصيّة أخت الإرث.
ومنها: غلة الوقف.
ومنها: الرّزق المقرّر من بيت المال، والسّهم المقرّر من الغنيمة.
ومنها: الصّيد إذا أثبت أو وقع في الشبّكة.
стр. 4432
القاعدتان الحادية والثّانية والسّتّون بعد الخمسمئة [اختيار أهون الشّرين]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
من ابتلي ببليتين فعليه أن يختار أهونهما (١).
وفي لفظ: يُدفع أعظم الضّررين بأهونهما (٢). وتأتي في قواعد حرف الياء إن شاء الله تعالى.
وفي لفظ: مَن دُفع إلى شرَّين فعليه أن يختار أهونهما (٣).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
سبق لهذه القواعد أمثال: ينظر من قواعد حرف الهمزة القواعد من ٧٥ - ٨١، المراد بالبليّتين: الضّررين والشّرين.
فمن وقع بين أمرين كلاهما فيه شرّ وضرر - وكان لا بدّ من ارتكاب أحدهما - فعلى المبتلي أن يختار أخفّهما ضرراً وأقلّهما شرّاً؛ لأنّ ارتكاب الحرام لا يجوز إلا لضرورة ولا ضرورة في حقّ الزّيادة.
стр. 4433
فإذا كان المبتلى قادراً على التّخلّص من الأعظم بارتكاب الأخفّ فيجب عليه ذلك.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
لو أنّ مصلّياً لو صلّى قائماً ينكشف من عورته ما يمنع جواز الصّلاة، ولو صلّى قاعداً لا ينكشف منه شيء، فإنّه يصلّي قاعداً؛ لأن ترك القيام أهون.
ومنها: جواز شقّ بطن المرأة الميتة الحامل لإخراج الجنين إذا كانت حياته ترجى.
стр. 4434
القاعدة الثّالثة والسّتّون بعد الخمسمئة
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
من أتى بسبب يفيد الملك أو الحلّ أو يسقط الواجبات على وجه محرّم - وكان ممّا تدعو النّفوس إليه - ألغي ذلك السّبب، وصار وجوده كالعدم، ولم تترتّب عليه أحكامه (١).
وفي لفظ آت: من استعجل أمراً أخّره الشّرع يعاقب بالحرمان (٢).
وفي لفظ آت: من استعجل الشّيء قبل أوانه عوقب بحرمانه (٣).
وفي لفظ آت: من تعجّل الشّيء (٤).
وفي لفظ آت: من استعجل ما أخّره الشّرع يجازى بردّه (٥).
стр. 4435
[المعاملة بنقيض المقصود]
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
إنّ من يتوسّل بالوسائل غير المشروعة تعجّلاً منه للحصول على مقصوده المستحقّ له - سواء أكان مقصوده يفيد ملكاً أو حِلاًّ أو يسقط واجباً - فإنّ الشّرع عامله بضدّ ونقيض مقصوده، فأوجب حرمانه جزاء فعله واستعجاله.
وقد سبق مثل هذه القواعد ضمن قواعد حرف الهمزة رقم ٤٦٤.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
مَن تزوّجت عبدها فُرِّق بينهما ولو تحرّر بعد ذلك فلا يحلّ لها الزّواج منه.
ومنها: من تزوّج بشرط التّحليل جاز النّكاح ولكن لا تحلّ الزّوجة به للزّوج الأوّل عقوبة له وهذا عند أبي يوسف ﵀.
ومنها: مَن قتل مورّثه حرم ميراثه منه.
стр. 4436
القاعدة الرّابعة والسّتّون بعد الخمسمئة [الزّيادة على الواجب]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
مَن أتى بما فوق الواجب هل يعتبر الكلّ واجباً (١)؟
وفي لفظ آت: من وجب عليه عبادة، فأتى بما لو اقتصر على ما دونه لأجزأه، هل يوصف الكلّ بالوجوب (٢)؟
وفي لفظ: الواجب الذي لا يتقدّر هل يوصف كلّه بالوجوب؟
وفي لفظ: الواجب إذا قدِّر فعُدِل إلى ما فوقه هل يجزئه (٣)؟
وفي لفظ: الواجب الذي لا يتقدّر بقدر هل توصف الزّيادة بالوجوب (٤).
وتأتي في قواعد حرف الواو إن شاء الله تعالى. فقهيّة أصوليّة
стр. 4437
ثانياً: معنى هده القواعد ومدلولها:
الواجبات الشّرعيّة مقرّرة إمّا بالأقلّ وإمّا بالأكثر، وإمّا تحديداً لا يقبل الزّيادة ولا النّقصان.
فهذه القواعد تتعلّق بالواجبات التي قدّر الشّرع أدنى ما يجزئ فيها.
فإذا أتى المكلّف بالمجزئ من الواجب، ثم زاد عليه من جنسه، فهل يعتبر الكلّ واجباً، أو أنّ ما زاد لا يأخذ حكم الواجب؟ خلاف. وينظر القاعدة رقم ٦٠ من قواعد حرف الهمزة، والقاعدة ٢ من قواعد حرفٍ الزّاي.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
أعطى عن خمس من الإبل جملاً - الواجب شاة - فهل يقع الجمل كلّه واجباً أو ما يقابل الشّاة وهو سُبُعه؟
ومنها: قرأ سورة البقرة - مثلاً - في ركعة، فهل تعتبر كلّ قراءته واجباً أو الجزء المجزئ فقط؟
ومنها: سبّح في ركوعه أو سجوده عشرين تسبيحة.
ومنها: إذا وجب عليه شاه فذبح بدنة، فهل كلّها واجبة أو سبعها؟ على وجهين.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القواعد:
أخرج زكاة ماله نصف العشر، بدلاً من ربع العشر. فلا يقع الكلّ واجباً باتّفاق فالواجب ربع العشر، وما زاد فهو تطوّع.
стр. 4438
ومنها: نذر التّصدّق بدرهم لم يجز بدينار, مع أنّ الدّينار أفضل.
ومنها: وجب عليه شاة في جزاء الصّيد فأخرج بدنة أو بقرة، لم يجزه؛ لأنّ القصد فيه المماثلة في الصّورة.
стр. 4439
القاعدة الخامسة والسّتّون بعد الخمسمئة [المعصية - التّعزير]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
من أتى معصية - أو بمعصية - لا حدّ فيها ولا كفّارة عُزِّر (١)، أو فيها أحدهما فلا.
وفي لفظ: كلّ معصية ليس فيها حدّ مقدّر ففيها التّعزير (٢) وقد سبقت ضمن قواعد حرف الكاف تحت الرّقم ٢١٢.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المعاصي التي يرتكبها المكلّف تنقسم إلى قسمين: معاص اعتبرها الشّارع من الكبائر ورتّب عليها عقوبات محدّدة، لا يجوز الإخلال بها نقصاً أو زيادة، كحدّ الزّنا والسّكر والسّرقة والقذف والرّدّة والحرابة والقتل.
ومعاص اعتبرها الشّرع أقلّ ممّا سبق ولم يرتّب عليها عقوبات محدّدة مع نهيه عنها نهياً جازماً، وترك تحديد عقوبة كلّ فعل منها لاجتهاد الحاكم المسلم المطبّق لشرع الله يوقعها على مرتكبها بحسب ما يراه رادعاً وزاجراً. وسمّى هذا تعزيراً.
стр. 4440
وهناك معاص رتّب عليها الشّارع كفّارات ماحية، وهي من حقوق الله ، فكلّ معصية لها عقوبة مقدرة أو كفّارة واجبة فلا تعزير فيها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من أكل لحم الخنزير عالماً بحرمته غير مكره ولا مضطر وهو مسلم، فعلى الحاكم المسلم أن يوقع عليه عقوبة تعزيريّة رادعة له وزاجرة لغيره عن الوقوع في مثل ذلك.
ومنها: من يبيع الخمر أو يعتصرها من المسلمين، ولم يشربها - فيجب تعزيره بما يراه الإمام رادعاً.
ومنها: من اغتصب مالاً لمعصوم، فيعزر مع وجوب ردّ المغصوب إلى صاحبه، والغاصب لا تقطع يده لأنّه ليس سارقاً.
ومنها: من أفطر في رمضان بغير عذر مشروع وجاهر بفطره، فيجب على الحاكم تعزيره.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
استثنى الشّافعي رحمه الله تعالى من لزوم التّعزيز ذوي الهيئات - أي وجوه النّاس المعروفين بأخلاقهم ومكانتهم في المجتمع - فلا تعزير عليهم. - وقيل: هم صاحب الصّغيرة فقط، وقيل: من إذا أذنب ندم وتاب (١). وقال الشّافعي ﵀: هم الذين لا يعرفون بالشّرّ.
стр. 4441
ومنها: الأصل لا يعزر بحقّ الفرع، كما لا يحدّ بقذفه، أي الأب مع الابن.
ومنها: إذا رأى من يزني بزوجته - وهو محصن - فقتله في تلك الحالة، فلا قصاص ولا تعزير عليه.
ومنها: إذا نظر إلى بيت غيره ولم يرتدع بالرّمي ضربه صاحب البيت بالسّلاح ونال منه ما يردعه.
ومنها: إذا ارتدّ ثم أسلم فإنّه لا يعزر أوّل مرّة.
стр. 4442
القاعدة السّادسة والسّتّون بعد الخمسمئة [الملك المتّصل غير المنفصل - التّملّك جبراً]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
من اتّصل ملكه بملك غيره متميّزاً عنه - وهو تابع له - ولم يمكن فصله بدون ضرر يلحقه - وفي إبقائه على الشّركة ضرر - ولم يفصله - فلمالك الأصل أن يتملّكه بالقيمة من مالكه، ويجبر المالك على القبول.
وإن كان يمكن فصله بدون ضرر يلحق مالك الأصل فالمشهور أنّه ليس له تملّكه قهراً لزوال ضرره بالفصل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
قد يتّصل ملك إنسان بملك غيره، ويكون أحدهما تابعاً للآخر. فإذا اتّصل ملك إنسان بملك غيره فهذا له حالتان:
الحالة الأولى: أن يكون الملك المتّصل متميّزاً عن الأصل ولكن لا يمكن فصله عن الأصل إلا بضرر يلحق صاحب الأصل. ففي هذه الحالة لمالك الأصل أن يتملّك هذا الملك جبراً عن صاحبه بقيمته، ويُجْبِر الحاكم المالك على القبول. وهذا من أنواع التّملّك القهري.
والحالة الثّانية: أن يكون الملك المتّصل يمكن فصله بدون ضرر يلحق بمالك الأصل، فهذا ليس لمالك الأصل أن يتملّكه جبراً
стр. 4443
لزوال الضّرر. بل إذا رضي صاحبه ببيعه لمالك الأصل فله ذلك، وإلا فلا يجبر على المشهور عند الحنابلة.
وللتّملّك القهري أو الجبري شروط:
الأوّل: أن يكون ملك الغير متميّزاً عن ملك الأصل ولكنّه تابع له.
الثّاني: أن لا يمكن فصل هذا التّابع بغير ضرر يعود على مالك الأصل.
الثّالث: أن يكون في بقاء هذا الموصول التّابع ضرر على المالك الأصلي.
الشّرط الرّابع: أن لا يكون مالك هذا التّابع قد فصله.
فإذا وجدت هذه الشّروط جميعها فإن لمالك الأصل أن يتملّك هذا المتّصل التّابع جبراً وقهراً على مالكه على أن يدفع له قيمته. ويجبر مالك التّابع على القبول وتسلّم القيمة.
وأمّا إذا رفض، فإنه مُضارّ لا يلتفت إلى رفضه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا غرس المستأجر أو بني في الأرض المستأجرة، - وقد انقضت المدّة - فإذا لم يقلعه المالك المستأجر فلمالك الأرض المؤجّر تملّكه بالقيمة؛ لأنّه لا يمكن قلعه بدون ضمان نقصه وفيه ضرر عليه.
ومنها: إذا اشترى حيواناً يؤكل واستثنى رأسه أو أطرافه فإنّه يصحّ، فإذا امتنع المشتري عن الذّبح لم يجب وكان للبائع قيمة المستثنى.
стр. 4444
القاعدتان السّابعة والثّامنة والسّتّون بعد الخمسمئة [ضمان المُتلَف]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
من أتلف شيئاً لدفع أذاه لم يضمنه، وإن أتلفه لدفع أذاه به ضمنه (١).
وفي لفظ: من أتلف نفساً أو أفسد عبادة لنفع يعود إلى نفسه فلا ضمان عليه وإن كان النّفع يعود إلى غيره فعليه الضّمان (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هاتان القاعدتان بينهما ارتباط وثيق، لكن ثانيتهما أعمّ من أولاهما، فأولاهما تفيد: أنّ من أتلف شيئاً لغيره - نفساً فما دونها - وكان ذلك الإتلاف لدفع ضرر وأذى هذا الشّيء عن نفسه أنّه غير ضامن لهذا المتلف.
ولكن إذا أتلف هذا الشّيء لدفع أذى عن نفسه به - أي كان المتلف آلة لدفع الأذى - فإنّ على المتلف ضمانه.
وثانيتهما: تفيد ما أفادته القاعدة الأولى ولكنّها تزيد عليها: بأنّ من أفسد عبادة لنفع يعود إلى نفسه فإنّه لا إثم عليه، ولكن إن أتلف
стр. 4445
نفساً فما دونها أو أفسد عبادة لنفع يعود إلى غيره فعليه ضمان ما أتلف وإثم ما أفسد من العبادة مع قضاء تلك العبادة التي أفسدها.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا صال عليه حيوان - آدمي أو بهيمة - فدفعه عن نفسه بالقتل - حيث لم يمكن دفعه بأقلّ من ذلك - فلا ضمان عليه.
لكن إن قتل حيواناً لغيره في مخمصة ليحيي به نفسه فعليه ضمانه.
ومنها: لو حلق المحرم رأسه لتأذّيه بالقمل والوسخ فعليه الفدية - ولا إثم عليه -؛ لأنّ الأذى من غير الشّعر، لكن لو خرجت في عينه شعرة فقلعها أو نزل الشّعر على عينيه فأزاله فلا فدية عليه ولا إثم.
ومنها: إذا أشرفت السّفينة على الغرق، فألقى متاع غيره - بغير إذنه - ليخفّفها، فهو ضامن لما ألقى. لكن لو سقط عليه متاع غيره فخشي أن يهلكه فدفعه فوقع في الماء، لم يضمنه.
ومنها: إذا خافت الحامل والمرضع على نفسيهما من الصّوم فأفطرتا فلا فدية عليهما، وعليها القضاء فقط. لكن إذا أفطرتا خوفاً على ولديهما فعليهما الفدية على المشهور عند الحنابلة.
ومنها: إذا أكره على الحلف بيمين لحقّ نفسه فحلف دفعاً للظّلم عنه، لم تنعقد يمينه، لكن لو أكره على الحلف لدفع الظّلم عن غيره فحلف انعقدت يمينه في قول، وقيل لا تنعقد.
стр. 4446
القاعدة التّاسعة والسّتّون بعد الخمسمئة [خطأ الظّنّ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
من أتلف مال غيره وهو يظنّ أنّه له، أو تصرّف فيه يظنّ لنفسه ولاية عليه، ثم تبيّن خطأ ظنّه، فإن كان مستنداً إلى سبب ظاهر من غيره، ثم تبيّن خطأ المتسبّب أو أقرّ بتعمّده للجناية ضمن المتسبّب، وإن كان مستنداً إلى اجتهاد مجرّد - كمن دفع مالاً تحت يده إلى من يظنّ أنّه مالكه، أو أنّه يجب الدّفع إليه، أو أنه يجوز ذلك، أو دفع ماله الذي يجب عليه إخراجه لحقّ الله إلى مَن يظنّه مستحقّاً ثم تبيّن الخطأ ففي ضمانه قولان:
وإن تبيّن أنّ المستند لا يجوز الاعتماد عليه، ولم يتبيّن أنّ الأمر بخلافه فإن تعلق به حكم فنقض فالضّمان على المتلف، وإلا فلا ضمان (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تتعلّق بخطأ الظّنّ فهي بمعنى القاعدة السّابقة القائلة: (لا عبرة بالظّنّ البيِّن خطؤه)، ولكنّها تفصّل ما أجملته تلك القاعدة.
стр. 4447
من حيث أنّ قاعدتنا هذه وضّحت أنّ خطأ هذا الظّنّ إمّا أن يكون مستنداً إلى سبب ظاهر متعلّق بغير الفاعل المخطئ، وإمّا أن يكون الإتلاف بناء على اجتهاد من المتلف، ثم تبيّن خطأ اجتهاده، ففي تضمينه قولان، ولكن إن تبيّن أن المستند للخطأ لا يجوز الاعتماد عليه لوضوح بطلانه، ولم يتبيّن الأمر بخلافه، فإن كان الفعل قد تعلّق به حكم فنقض وبطل فالضّمان على المتلف، وأمّا إن لم يتعلّق به حكم فلا ضمان.
وإن كان المستند أقرّ أنّه تعمّد الإضلال والخطأ فعليه الضّمان لأنّه متسبّب في الضّرر، والمتسبّب إذا كان متعمّداً فعليه الضّمان.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا شهد شاهدان بموت زيد، فقسم ماله بين ورثته، ثم تبيّن بطلان الشّهادة بقدوم زيد حيّاً. فإنّ الشّاهدين يضمنان المال.
ومنها: إذا رجم حاكم رجلاً بشهادة أربعة بالزّنا ثم تبيّن أنّه مجبوب، فالضّمان على الحاكم لتفريطه، حيث إنّ المجبوب لا يخفى حاله.
ومنها: إذا حكم الحاكم بمال بشهادة، ثم رجع الشّهود وصرّحوا بالخطأ أو التّعمّد بشهادة الزّور، فالضمان يختصّ بهم لاعترافهم، ولا ينقض حكم الحاكم.
ومنها: إذا دفع إلى رجل دراهم غيره يظنّه صاحبها، فأنفقها المعطى، فالضّمان على المنفق وإن كان مغروراً - لتلف المال تحت يده بانتفاعه به.
стр. 4448
ومنها: إذا مضى على المفقود زمن تجوز فيه قسمة ماله، فقُسّم ثم قدِم. ففي ضمان ما أتلفته الورثة روايتان عند الحنابلة.
وإذا تزوّجت زوجته ثم قدم خيِّر بينها وبين المهر. وفي رواية عند أحمد ﵀: أنّه إذا قدم بعد ما تزوّجت امرأته وماتت فلا خيار له ولا يرثها.
стр. 4449
القاعدة السّبعون بعد الخمسمئة [ضمان النّقص]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مَن أدخل النّقصَ على ملك غيره لاستصلاح ملكه، وتخلّصه من ملك غيره، فإن لم يكن ممّن دخل النّقص عليه بتفريط باشتغال ملكه بملك غيره. فالضّمان على من أدخل النّقص.
وإن كان منه تفريط فلا ضمان على من أدخل النّقص.
وكذا إن وُجد ممّن دخل النّقص عليه إذن في تفريغ ملكه من ملك غيره - حيث لا يجبر الآخر على التّفريغ - وإن وجد منه إذن في إشغال ملكه بملك غيره، حيث لا يجبر الآخر على التّفريغ، فوجهان في وجوب الضّمان وعدمه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المتسبّب في ضرر غيره ونقص ملكه يجب عليه ضمان ما نقص ملك غيره أو تضرّر بسببه - لكن هذا إذا لم يكن ذلك الغير أذن له في ذلكَ أو فرّط في حقّ نفسه.
لكن عند إرادة فصل وتفريغ ملك غيره من ملكه - ولم يكن
стр. 4450
مجبراً على التّفريغ - فإن وجد إذن ممّن دخل عليه النّقص فلا ضمان على متسبّب النّقص للإذن. في أحد الوجهين.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا باع داراً فيها ناقة لم تخرج من الباب إلا بهدمه، فإنه يهدم ويضمن البائع للمشتري النقص.
ومنها: لو دخل حيوان غيره في داره وتعذّر إخراجه بدون هدم بعضها، أو أدخلت بهيمة رأسها في قِدره، أو وقع دينار غيره في محبرته، وتعذّر إخراجه بدون الكسر - ولم يكن بتفريط أحد، فهدمت الدّار وكسرت القدر والمحبرة، فالضّمان على صاحب الحيوان والدّينار.
ومنها: إذا أعاره أرضا للغراس، ثم أخذ غرسه، فإن كان شرط عليه القلع فلا يلزمه ضمان النّقص بذلك ولا تسوية الحفر؛ لأنّ المالك رضي بذلك باشتراطه له، وإن لم يشترط عليه القلع فوجهان.