القاعدة التّاسعة والسّتّون بعد الخمسمئة [خطأ الظّنّ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
من أتلف مال غيره وهو يظنّ أنّه له، أو تصرّف فيه يظنّ لنفسه ولاية عليه، ثم تبيّن خطأ ظنّه، فإن كان مستنداً إلى سبب ظاهر من غيره، ثم تبيّن خطأ المتسبّب أو أقرّ بتعمّده للجناية ضمن المتسبّب، وإن كان مستنداً إلى اجتهاد مجرّد - كمن دفع مالاً تحت يده إلى من يظنّ أنّه مالكه، أو أنّه يجب الدّفع إليه، أو أنه يجوز ذلك، أو دفع ماله الذي يجب عليه إخراجه لحقّ الله إلى مَن يظنّه مستحقّاً ثم تبيّن الخطأ ففي ضمانه قولان:
وإن تبيّن أنّ المستند لا يجوز الاعتماد عليه، ولم يتبيّن أنّ الأمر بخلافه فإن تعلق به حكم فنقض فالضّمان على المتلف، وإلا فلا ضمان (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تتعلّق بخطأ الظّنّ فهي بمعنى القاعدة السّابقة القائلة: (لا عبرة بالظّنّ البيِّن خطؤه)، ولكنّها تفصّل ما أجملته تلك القاعدة.
стр. 4447
من حيث أنّ قاعدتنا هذه وضّحت أنّ خطأ هذا الظّنّ إمّا أن يكون مستنداً إلى سبب ظاهر متعلّق بغير الفاعل المخطئ، وإمّا أن يكون الإتلاف بناء على اجتهاد من المتلف، ثم تبيّن خطأ اجتهاده، ففي تضمينه قولان، ولكن إن تبيّن أن المستند للخطأ لا يجوز الاعتماد عليه لوضوح بطلانه، ولم يتبيّن الأمر بخلافه، فإن كان الفعل قد تعلّق به حكم فنقض وبطل فالضّمان على المتلف، وأمّا إن لم يتعلّق به حكم فلا ضمان.
وإن كان المستند أقرّ أنّه تعمّد الإضلال والخطأ فعليه الضّمان لأنّه متسبّب في الضّرر، والمتسبّب إذا كان متعمّداً فعليه الضّمان.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا شهد شاهدان بموت زيد، فقسم ماله بين ورثته، ثم تبيّن بطلان الشّهادة بقدوم زيد حيّاً. فإنّ الشّاهدين يضمنان المال.
ومنها: إذا رجم حاكم رجلاً بشهادة أربعة بالزّنا ثم تبيّن أنّه مجبوب، فالضّمان على الحاكم لتفريطه، حيث إنّ المجبوب لا يخفى حاله.
ومنها: إذا حكم الحاكم بمال بشهادة، ثم رجع الشّهود وصرّحوا بالخطأ أو التّعمّد بشهادة الزّور، فالضمان يختصّ بهم لاعترافهم، ولا ينقض حكم الحاكم.
ومنها: إذا دفع إلى رجل دراهم غيره يظنّه صاحبها، فأنفقها المعطى، فالضّمان على المنفق وإن كان مغروراً - لتلف المال تحت يده بانتفاعه به.
стр. 4448
ومنها: إذا مضى على المفقود زمن تجوز فيه قسمة ماله، فقُسّم ثم قدِم. ففي ضمان ما أتلفته الورثة روايتان عند الحنابلة.
وإذا تزوّجت زوجته ثم قدم خيِّر بينها وبين المهر. وفي رواية عند أحمد ﵀: أنّه إذا قدم بعد ما تزوّجت امرأته وماتت فلا خيار له ولا يرثها.
стр. 4449
القاعدة السّبعون بعد الخمسمئة [ضمان النّقص]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مَن أدخل النّقصَ على ملك غيره لاستصلاح ملكه، وتخلّصه من ملك غيره، فإن لم يكن ممّن دخل النّقص عليه بتفريط باشتغال ملكه بملك غيره. فالضّمان على من أدخل النّقص.
وإن كان منه تفريط فلا ضمان على من أدخل النّقص.
وكذا إن وُجد ممّن دخل النّقص عليه إذن في تفريغ ملكه من ملك غيره - حيث لا يجبر الآخر على التّفريغ - وإن وجد منه إذن في إشغال ملكه بملك غيره، حيث لا يجبر الآخر على التّفريغ، فوجهان في وجوب الضّمان وعدمه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المتسبّب في ضرر غيره ونقص ملكه يجب عليه ضمان ما نقص ملك غيره أو تضرّر بسببه - لكن هذا إذا لم يكن ذلك الغير أذن له في ذلكَ أو فرّط في حقّ نفسه.
لكن عند إرادة فصل وتفريغ ملك غيره من ملكه - ولم يكن
стр. 4450
مجبراً على التّفريغ - فإن وجد إذن ممّن دخل عليه النّقص فلا ضمان على متسبّب النّقص للإذن. في أحد الوجهين.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا باع داراً فيها ناقة لم تخرج من الباب إلا بهدمه، فإنه يهدم ويضمن البائع للمشتري النقص.
ومنها: لو دخل حيوان غيره في داره وتعذّر إخراجه بدون هدم بعضها، أو أدخلت بهيمة رأسها في قِدره، أو وقع دينار غيره في محبرته، وتعذّر إخراجه بدون الكسر - ولم يكن بتفريط أحد، فهدمت الدّار وكسرت القدر والمحبرة، فالضّمان على صاحب الحيوان والدّينار.
ومنها: إذا أعاره أرضا للغراس، ثم أخذ غرسه، فإن كان شرط عليه القلع فلا يلزمه ضمان النّقص بذلك ولا تسوية الحفر؛ لأنّ المالك رضي بذلك باشتراطه له، وإن لم يشترط عليه القلع فوجهان.
стр. 4451
القاعدة الحادية والسّبعون بعد الخمسمئة [أكبر الأمرين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
من ادّعى أكبر الأمرين لا يصدّق إلا ببيّنة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بأكبر الأمرين: أعظمهما أثراً وأقواهما. وأبعدهما عن الأصل والظّاهر. إذا اختلف اثنان في أمر وادّعى أحدهما صفة لهذا الأمر، وادّعى الآخر صفة أخرى، فإنّ من يدَّعي الصّفة الدّنيا يكون القول قوله مع يمينه؛ لأنّه متمسّك بالأصل والظّاهر. ومن يدّعي الصّفة الكبرى أو العظمى يجب عليه البيِّنة؛ لأنّه متمسّك بخلاف الأصل والظّاهر. والمتمسّك بخلاف الأصل والظّاهر عليه البيِّنة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
أعطى رجل آخر مالاً. وادّعى المعطي أنّه قرض، وادّعى المعطى أنّه هبة أو صدقة. فإنّ أكثر الأمرين هنا هو ادّعاء الهبة أو الصّدقة فيكون على مدّعيهما البيّنة ليصدق في داعوه. وإلا فالقول قول المعطي مع يمينه أنّه أعطاه إيّاه قرضاً.
ومنها: إذا أعطى رجل آخر مالاً، وقال. خذ هذا المال فجاهد به، أو اغزُ به، فاشترى به المعطى متاعاً أو سلاحاً أو كراعاً ليغزو
стр. 4452
به. فقال صاحب المال: إنّما أعطيتك لتغزو به، فرُدَّ عليّ المتاع. فالقول قول ربّ المال مع يمينه؛ لأنّ قوله فجاهد به أو اغز به يحتمل معنى الجهاد عن المعطي ويحتمل الجهاد عن المعطى، وهو المجمل وكان البيان إليه. ولأنّ ما ادّعاه المعطي لا يوجب زوال المال عن ملكه، وما ادّعاه المعطى يوجب زواله عن ملكه إلى بدل أو إلى غير بدل، فكان أكبر الأمرين.
ومنها: إذا ادّعى ولي القتيل أنّ القتل كان عمداً، وقال القاتل: بل كان خطأ، فإن أكبر الأمرين هو ادّعاء العمد، فعلى مدّعيه البيّنة وعلى الآخر اليمين.
стр. 4453
القاعدة الثّانية والسّبعون بعد الخمسمئة [تدارك المحرّم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
من ارتكب محرّماً يمكن تداركه بعد ارتكابه وجب عليه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المحرّمات نهى عنها الشّرع الكريم لما فيها من مفاسد وأضرار، ولكن مَن ضعفت نفسه وتغلّب عليه شيطانه فارتكب محرّماً وأمكنه تداركه والارتفاع عنه بعد ارتكابه فيجب عليه ذلك، لأنّ تداركه إيّاه ومحاولة إزالته أو إزالة آثاره دليل على توبته وخشيته من عاقبته.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا شرب خمراً وأحسّ بخطئه وجريمته فعليه أن يتقيأها.
ومنها: إذا سرق شيئاً ثم ندم على سرقته فعليه ردّ المسروق إلى صاحبه.
ومنها: إذا تناول طعاماً، ثم علم حرمته بعد بلعه فعليه أن يتقيّأه كذلك.
ومنها: إذا أراد الزّنا بامرأة لا تحلّ له وجلس بين شعبها الأربع ثم تذكر حرمة ما هو مقدم عليه، فعليه النّهوض وتركها والهروب عنها.
لكن إذا وقع الزّنا فلا سبيل إلى تداركه إلا بالاستغفار والتّوبة.
стр. 4454
القاعدة الثّالثة والسّبعون بعد الخمسمئة [المدَّعى الموصوف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
من ادَّعى شيئاً ووصفه دُفِع إليه بالصفة - إذا جُهِل ربه، ولم يثبت عليه يد من جهةٍ مَالكةٍ. وإلا فلا (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا ادَّعى شخص ملك شيء موجود عند آخر، ووصفه له بصفة مطابقة للموجود، فإنّه يدفعه إليه ويعطيه له. لكن ذلك مشروط بشرطين:
الأوّل: أن يكون صاحب هذا الشّيء مجهولاً غير معروف.
الثّاني: أن لا يثبت على هذا الشّيء يد أو ادّعاء من جهة أخرى. وإلا فلا بد من البيّنة ولا يكفي الصّفة.
فإذا طابقت الصّفة الموصوف فيجب على من هو عنده دفعه إليه.
وأمّا إن لم تطابقه الصّفة، أو طابقت وكان صاحب هذا الشّيء معروفاً، أو قامت بيِّنة على ثبوت هذا الشيء لجهة أخرى مالكة. فلا يجوز دفعه إلى هذا الشّخص الواصف. فلو دفعه إليه مع ذلك كان ضامناً.
стр. 4455
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا وجد لُقَطَة فعرَّفها، ثم جاء شخص ووصفها بصفاتها فيجب دفعها إليه؛ لأنّ الوصف المطابق أقوى من البيّنة، لكن إذا عُرِف صاحب هذه اللقطة قبل قدوم الواصف، فلا يجوز دفعها للواصف.
ومنها: اللّقيط إذا تنازع فيه اثنان أيّهما التقطه - وليس هو في يد أحدهما - فمن وصفه منهما فهو أحقّ به.
ومنها: إذا تداعى المؤجّر أو المستأجر دفيناً في الدّار، فهو لواصفه منهما.
ومنها: لو وجد المجاهد ماله في الغنيمة قبل القسمة فإنّه يستحقّه بالوصف ونحوه، ممّا يدلّ على أنّه له.
стр. 4456
القاعدة الرّابعة والسّبعون بعد الخمسمئة [أجر الأجير]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
من استأجر أجيراً فليعلمه أجره (١). حديث
وفي رواية: فليبيّن له أجره، وفي رواية: فليسمّ له أجرته.
وفي رواية: "نهى رسول الله ﷺ عن استئجار الأجير حتى يبيّن له أجره" (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة نصّ حديث نبوي كريم، روي عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ﵄: أخرجه عبد الرّزاق في مصنفه في البيوع، وروى أحمد في المسند بلفظ (نهى).
ورواه النّسائي في المزارعة موقوفاً على الخدري. وكذلك ابن أبي شيبة ذكره موقوفاً على الخدري وأبي هريرة بلفظ القاعدة في البيوع.
وأخرجه البيهقي في السنن جـ ٦ ص ١٩٨ حديث رقم ١١٦٥١ بلفظه وهو جزء من حديث. وهذا أي إعلام الأجير أجره قبل العمل أو
стр. 4457
في أثنائه واجب، وعدم إعلامه وعدم بيان الأجر محرّم منهي عنه؛ لأنّ فيه مجالاً للمنازعة والمخاصمة والاختلاف، فلا بدّ من تحديد العمل المطلوب، وبيان الأجرة عليه، وإعلام الأجير بها.
والمراد بالأجير: كلّ مَن طُلِب منه القيام بعمل جسدي أو فكري أو عملي أو غير ذلك من الأعمال.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أراد بناء بيت أو حفر بئر واستأجر لذلك أجراء فعليه أن يتّفق معهم على الأجر ويعلمهم به، ويبيّن لهم العمل المطلوب والأجر. فإذا انتهى عملهم وجب عليه إعطاؤهم أجرهم حالاً كاملاً بدون تأخير.
ومنها: إذا وظّف عند موظّفاً لعمل مخصوص فيجب عليه بيان الرّاتب الشّهري الذي يستحقّه الموظّف على عمله هذا. والأنظمة الآن في التّوظيف قائمة على بيان صفة العمل ومكانه وساعاته وبيان الرّاتب والمميّزات الخاصّة بذلك العمل وغير ذلك مع بيان الإجازات والمستحقّات وغيرها، وهذا أمر محمود يلزم الطّرفين الوفاء بما تعاقدا عليه.
стр. 4458
القاعدة الخامسة والسّبعون بعد الخمسمئة [جواز التّأخير]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
من استحبّ له التّأخير - أو جاز له - فمات قبل الفعل هل يعصى (١)؟ فقهيّة أصوليّة
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة يبحثها الأصوليّون عند بحثهم مسألة الواجب الموسّع. فالواجب الموسع وقته هو ما كان وقته أوسع منه، فهو يسعه ويسع غيره من جنسه كأوقات الصّلوات. ففي أوقات الصّلوات يجوز للمكلّف تأخير الأداء عن أوّل الوقت عند الحاجة، ولكن هل عليه أن يعزم على الفعل في ثاني الوقت أو لا يشترط العزم؟
خلاف بين الفقهاء والأصوليّين.
ومفاد القاعدة: أنّ من جاز له أو استحبّ تأخير الأداء عن أوّل الوقت ثم مات قبل الفعل هل يعتبر عاصياً؟ لأنّه لم يؤدّ ما وجب عليه؟ خلاف.
والصّحيح أنّه لا يعصى إلا إذا أخّر لغير عذر ففي عصيانه احتمال.
стр. 4459
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ورد الأمر بتأخير صلاة الظّهر لشدّة الحرّ، فمات أحد المصلّين قبل الأداء، فهل يعتبر عاصياً بالتّأخير؟ قطعاً لا يعتبر عاصياً، إلا إذا عزم على ألا يفعل في الوقت الموسع.
ومنها: إذا تيقّن المسافر أنّه سيجد الماء آخر الوقت، فهل يتيمّم ويصلّي، أو يؤخّر حتى يجد الماء في آخر الوقت، فإن لم يجد تيمّم وصلّى؟ خلاف.
فلو قلنا: إنّ الأفضل له الانتظار حتى يجد الماء فمات قبل الأداء فهل يعتبر عاصياً؟ خلاف والأصحّ لا يعتبر عاصياً.
ومنها: إذا استحبّ دفع الزّكاة للإمام، فوجد المساكين ولم يدفعها إليهم وأخّر الدّفع للإمام فتلف المال. فهل يضمن؟ الأصحّ نعم.
ومنها: إذا قَدِر على الحجّ ولم يحجّ في عامه، ومات قبل أن يحجّ، فهل يكون عاصياً؟ إذا قلنا إنّ الحجّ على الفور عند وجود الاستطاعة فهو عاصٍ. وإلا لا.
стр. 4460
القاعدة السّادسة والسّبعون بعد الخمسمئة [استحقاق الرّجوع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
من استحقّ الرّجوع بعين أو دين بفسخ أو غيره - وكان قد رجع إليه ذلك الحقّ بهبة أو إبراء ممّن يستحقّ عليه الرّجوع - فهل يستحقّ الرّجوع ببدله أم لا (١)؟
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
استحقاق رجوع المشتري بثمن السّلعة المشتراة إنّما يكون بسبب يوجب الرّجوع، كأن يظهر أنّ العين المباعة مستحقّة لغير البائع، أو يظهر فيها عيب يوجب الرّجوع، أو ظهر أنّ الثّمن زيوفاً أو غير ذلك من الأسباب الموجبة للرّد، فمن استحقّ إرجاع العين أو الدّين بفسخ العقد أو بسبب آخر - وكان ذلك الحقّ قد رجع للمشتري أو البائع بهبة أو إبراء من المشتري أو صاحب الحقّ - فهل من يستحقّ الرّجوع يستحقّ الرّجوع ببدل تلك العين أو الدّين؟ خلاف باختلاف المسائل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
باع عيناً، ثم وهب ثمنها للمشتري، أو أبرأه من ثمنها، ثم بان بها عيب يوجب الرّدّ، فهل لهذا المشتري ردّها والمطالبة بالثّمن أم لا؟ على وجهين. وكذا لو أبرأه عن بعض الثّمن، فهل له المطالبة بقدر ما
стр. 4461
أبرأه منه؟
ومنها: إذا أصدق زوجته عيناً فوهبتها منه، ثم طلّقها قبل الدّخول، فهل يرجع عليها ببدل نصفها؟ على روايتين، ولكن إذا كان الصّداق ديناً فأبرأته منه فعلى وجهين أصحّهما لا يرجع؛ لأنّ ملكه لم يزل عنه.
ومنها: لو شهد شاهدان بمال لزيد على عمرو, ثم رجعا عن شهادتهما - وقد قبضه زيد من عمرو, ثم وهبه له. قالوا: لم يسقط عنهما الضّمان. لكن لو كان المشهود به ديناً فأبرأه الدائن منه قبل قبضه, ثم رجعا لم يلزم الشّاهدين الرّاجعين شيء؛ لأنّه لم يترتّب على شهادتهما غرم.
стр. 4462
القاعدة السّابعة والسّبعون بعد الخمسمئة [استعجال المؤخر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
من استعجل أمراً أخّره الشّرع يعاقب بالحرمان (١).
وفي لفظ: من استعجل - أو تعجّل - الشّيء قبل أوانه عوقب بحرمانه (٢).
وفي لفظ: من استعجل ما أخره الشرع يجازى برده (٣).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق قريباً مثل هذه القواعد تحت الرّقم ٥٥٨.
وينظر أيضاً من قواعد حرف الهمزة القاعدة ٤٦٤. والوجيز ص ١٥٩ فما بعدها.
стр. 4463
القاعدة الثّامنة والسّبعون بعد الخمسمئة [المستفاد منه يُرجع إليه]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مَن استفيد من جهته أمر من الأمور يرجع إليه في بيان جهاته، إلا إذا قامت الحجّة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بجهات الأمر: أوصافه التي تبيّنه وتحدّده.
والحجّة: أي الدّليل والبرهان على خلاف ما قال.
فمَن كانت معرفة أمر من الأمور وبيانه من جهته باعتباره القائم بهذا الأمر، فإنّ معرفة أوصاف هذا الشّيء وبيان حدوده إنّما يرجع فيها إلى ذات الشّخص الذي استفيد منه معرفة ذلك الأمر، إلا إذا قام دليل على خلاف بيانه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
البائع والمشتري هما مَن يستفاد معرفة البيع عن طريقهما، فيجب أن يرجع إليهما في بيان أوصاف المبيع والثّمن وما يتعلّق بالبيع من صحّة وفساد. لكن إذا قامت الحجّة ووجد الدّليل على خلاف ما قالا فيتبع الدّليل. كأن يقولا هو بيع صحيح، ثم يتبيّن فساده بالدّليل والبرهان.
стр. 4464
ومنها: من عقد نكاحاً على امرأة يرجع إليه في بيان صحّة العقد وفساده، واسم المرأة ونسبها ووصفها.
ومنها: إذا طلب الشّفيع الشّفعة في أرض أو دار فإنّما يرجع إلى البائع أو المشتري في معرفة حدودها ومساحتها والثّمن المتّفق عليه. لكن إذا قام الدّليل على أنّ الثّمن غير ما ادّعياه فإنّما يعمل بالدّليل والحجّة لا بقولهما. كأن يزعما أنّ الثّمن كان مئتي ألف، وتقوم الحجّة على أنّه مئة ألف.
стр. 4465
القاعدة التّاسعة والسّبعون بعد الخمسمئة [حكم المسلم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
من استقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا، فله ما لنا وعليه ما علينا (١). حديث.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة نصّ حديث نبوي كريم عن الحسن البصري أنّ النّبيّ ﷺ قال: "من استقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ما للمسلم وعليه ما على المسلم وحسابه على الله" أخرجه بهذا اللفظ عبد الرّزاق في المصنّف تحت الرّقم ٢٠١١٣.
وفي رواية أخرى: "مَن صلّى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذاك - أو فذلكم - المسلم الذي له ذّمّة الله وذّمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمّته" (٢).
ففي هذا الحديث بيان من هو المسلم الكامل الإسلام، وهو ما
стр. 4466
اجتمعت فيه أمور ثلاثة: الصّلاة، استقبال القبلة، أكل ذبيحة المسلم. فمن فعل هذه الأمور الثّلاثة فهو المسلم له ما للمسلمين من الحقوق، وعليه ما عليهم من الواجبات، وحسابه على الله .
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أسلم كافر وصلّى مع المسلمين بالجماعة، وأكل من ذبائح المسلمين، فإنّه يُحكَم بإسلامه، وإذا رجع عن الإسلام بعد ذلك حكم بردّته وضربت عنقه.
ومنها: إذا أظهر أحد الإسلام، وصلّى وحده، ولم يصلّ مع جماعة المسلمين لا يحكم بإسلامه إلا في رواية عن محمَّد بن الحسن ﵀.
ومنها: إذا صام الكافر، أو أدّى الزّكاة، أو حجّ، فهل يحكم بإسلامه؟ في ظاهر الرّواية عند الحنفيّة لا يحكم بإسلامه ما لم يصلّ، لكن في رواية: إذا حجّ البيت على الوجه الذي يفعله المسلمون، حُكِم بإسلامه. لكن لعلّ الرّواية الأولى هي الأرجح؛ لأنّ الصّلاة ميزان الأعمال فمن لم يصلّ فليس بمسلم.
стр. 4467
القاعدة الثّمانون بعد الخمسمئة [تأخّر حصول الملك]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
من استند تملّكه إلى سبب مستقرّ لا يمكن إبطاله، وتأخّر حصول الملك عنه، فهل تنعطف أحكام ملكه إلى أوّل وقت انعقاد السّبب، وتثبت أحكامه من حينئذ، أو لا تثبت إلا من حين ثبوت الملك؟ فيه خلاف (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التّملّك لا بدّ له من سبب، والسبّب إمّا أن يكون مستقرّاً لا يمكن إبطاله، وإمّا أن لا يكون السّبب مستقرّاً، فإذا وقع التّملّك مستنداً إلى سبب مستقرّ، ولكن تأخّر حصول الملك عن السبب، فأحكام ذلك الملك المترتّبة عليه هل تعتبر من بدء انعقاد السّبب وتثبت من حينه، أو لا تثبت تلك الأحكام إلا من حين ثبوت الملك في ثاني الحال؟ خلاف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الموصى له إذا قبل الوصيّة قبل الموت، فهل يثبت له الملك من حين الموت أم لا؟
ومنها: إذا تملّك المالك للأرض زرع الغاصب بنفقته بعد بدوّ
стр. 4468
صلاحه، فهل تجب زكاته عليه أو على الغاصب؟ على وجهين.
ومنها: الفسخ بالعيب أو الخيار فإنّه يستند إلى مقارن للعقد، فهل هو رفع للعقد من أصله أو من حين الفسخ أو الخيار، فيه خلاف معروف.
ومنها: إذا نوى الصّائم المتطوّع الصّوم في أثناء النّهار، فهل يحكم له بحكم الصّيام من أوّله أم من حين نواه؟ فلا يثاب على صومه إلا من حين النّيّة؟ على وجهين.
ومنها: إذا بلغ الصّبيّ أو عتق العبد وهما محرمان قبل فوات وقت الوقوف بعرفة، فهل يجزيهما عن حجّة الإسلام، على روايتين أشهرهما الإجزاء.
стр. 4469
القاعدة الحادية والثّمانون بعد الخمسمئة [خيار الرّؤية]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
من اشترى ما لم يره فله الخيار إذا رآه (١). حديث.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة نصّ حديث نبوي كريم: أخرجه الدّارقطني والبيهقي في السّنن جـ ٥ ص ٤٣٩ من حديث أبي هريرة ﵁، وفي سنده عمر بن إبراهيم الكردي، مذكور بالوضع.
وذكر الدّارقطني أنّه تفرّد به. وقال الدّارقطني والبيهقي: المعروف أو هذا من قول ابن سيرين. وجاء من طريق أخرى مرسلة عن مكحول عن النّبيّ ﷺ أخرجها ابن أبي شيبة والدّارقطني والبيهقي، والرّاوي عنه أبو بكر بن أبي مريم ضعيف. وقد علّق الشّافعي ﵀ القول به على ثبوته. ونقل النّووي اتّفاق الحفّاظ على تضعيفه. وطريق مكحول المرسلة - على ضعفها أمثل من الموصولة (٢).
كما أخرج الطّحاوي والبيهقي من طريق علقة بن وقاص: أنّ
стр. 4470
طلحة اشترى من عثمان ﵄ مالاً. فقيل لعثمان: إنّك قد غُبنت. فقال عثمان: لي الخيار لأنّي بعت ما لم أره. وقال طلحة: لي الخيار لأنّي اشتريت ما لم أره. فحكّما بينهما جبير بن مطعم ﵁، فقضى بالخيار لطلحة، وهو المشتري - ولا خيار لعثمان لأنّه البائع.
ومعنى الحديث القاعدة واضح من حيث إنّه يفيد ثبوت الخيار لمن اشترى ما لم يره إذا رآه على غير الصّفة التي وصف بها المبيع.
وهذه من المسائل الخلافيّة التي تتعلّق بحكم الخيار في بيع ما لم يره المشتري.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى إنسان سيّارة غير موجودة عند البائع - حين العقد - لكن وصفها له البائع بصفتها من حيث نوعها وسنة صنعها ولونها وبعض أوصافها، وتمّ العقد على ذلك، ولكن حينما جيء بالسّيّارة ورآها المشتري تبيّن له أنّ فيها اختلافاً في بعض أوصافها - كاختلاف النّوع أو سنة الصّنع أو الّلون - ففي هذه الحال للمشتري الخيار إمّا أن يرضى بالصّفقة الحاضرة أو يفسخ العقد لاختلاف الصفّة.
стр. 4471
القاعدة الثّانية والثّمانون بعد الخمسمئة [الشّرط الباطل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل (١).
وفي رواية: ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، ولو كان مئة شرط، قضاء الله أحقّ. وشرط الله أوثق.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة نصّ حديث نبوي كريم متّفق عليه من حديث عائشة ﵂ في قصّة بريرة.
وسببه ما كان من إرادة عائشة ﵂ وعن أبيها، شراء بريرة ﵂ من أهلها حينما اشترطوا أن لا يكون الولاء لهم.
وقد سبق لهذه القاعدة أمثال ضمن قواعد حرف الكاف تحت الرّقم ٩٥.
والحديث أخرجه البخاري في كتاب البيوع باب ٦٧، وكتاب العتق باب ٢، ٣. وفي كتاب الشّروط كما أخرجه مسلم في كتاب العتق باب ٨, وأخرجه أحمد في المسند جـ ٦ ص ١.
стр. 4472
القاعدة الثّالثة والثّمانون بعد الخمسمئة [اعتبار الأمر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
من اعتبر أمره في شيء، يعتبر إطلاق أمره (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأمر: هو طلب الفعل جزماً، وهو يقابل النّهي. والأمر المقطوع به يفيد وجوب فعل المأمور، وترتّب الثّواب على فعله، واستحقاق العقاب على تركه.
فمن اعتدّ واعتبر أمره في شيء ما، يجب اعتبار أمره عند إطلاقه عن القيود، ولا ينتظر تقييده لتنفيذه، بل يجب تنفيذه على إطلاقه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
أمر الله بالصّلاة في أكثر من موضع في كتابه، فيجب طاعة أمره بإقامتها كما أمر وكما بيّن رسول الله ﷺ بفعله وقوله.
ومنها: أمر الله بالزّكاة كما أمر بالصّلاة فيجب طاعة أمره بأدائها كما أمر وكما بيَّن رسول الله ﷺ بفعله وقوله.
стр. 4473
القاعدة الرّابعة والثّمانون بعد الخمسمئة [عتق ما لا يملك]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مَن أعتق ما لا يملك ثم ملك لا ينفذ عتقه (١).
وفي لفظ: إنشاء العتق متى سبق الملك لا ينفذ بحدوث الملك في المحل بعده (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هاتان القاعدتان وإن كانتا تخصّان مسألة من مسائل العتق لكنّهما في حقيقتهما أعمّ معنى من ذلك من حيث إنّ من تصرّف تصرّفاً قوليّاً فيما لا يملك أنّه إذا ملك ما تصرّف بقوله فيه؛ إنّ قوله السّابق لا ينفذ ولا اعتداد به.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال إنسان: إنّ هذا العبد الفلاني إذا ملكته فهو عتيق أو فهو حرّ. ثم ملكه بعد ذلك، فإنّ عتقه فيه لا ينفذ ما لم يجدّد العتقّ بعد ملكه إيّاه.
والأصل في ذلك الحديث الذي أخرجه أحمد والتّرمذي رحمهما الله تعالى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أنّ رسول الله صلّى الله
стр. 4474
عليه وسلّم قال: "لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك" (١).
ومنها: إذا باع إنسان سلعة لم يملكها - فهذا عقد باطل أو موقوف إن كان المالك معروفاً - ثم بعد ذلك ملكها، فلا يصحّ العقد فيها، ويجب عليه استئناف العقد وتجديده إذا كان المشتري لا زال يريد تلك السلعة. ولأنّ الرّسول ﷺ : "نهى عن بيع ما ليس عند البائع" (٢).
ومنها: إذا طلّق رجل امرأة لم يتزوّجها أو قال: إن تزوّجت فلانة فهي طالق، ثم تزوّجها لم يقع طلاقه السّابق عليها. لحديث عمرو بن شعيب السّابق وفيه: "لا طلاق له فيما لا يملك".
وعن المسور بن مخرمة ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: "لا طلاق قبل النّكاح، ولا عتق قبل ملك" رواه ابن ماجة حديث ٢٠٤٨.
стр. 4475
القاعدة الخامسة والثّمانون بعد الخمسمئة [العقد وشرائطه]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
من أقدم على عقد كان في ضمنه الاعتراف بوجود شرائطه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
كلّ عقد مختصّ بنوع المعاملات، بيوع أو غيرها، يدلّ لفظه على أحكامه وشروطه. فمن أقدم على إجراء عقد مختاراً راضياً كان ذلك رضاً منه وإقراراً بشرائط ذلك العقد وأحكامه كلّها. إلا إذا وجد استثناء لبعض الشّروط أو الأحكام.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من اشترى أرضاً أو سيّارة أو سلعة أو باعها راضياً مختاراً فإنّ هذا العقد الذي عقده يتضمّن رضاه بجميع شروطه وأحكامه.
ومنها: إذا تزوّج امرأة بعقد صحيح، فإنّ رضاه بهذا العقد يكون إقراراً واعترافاً منه بجميع أحكامه وشروطه، فعليه تنفيذ كلّ ما يوجبه عقد النّكاح من وجوب النّفقة على الزّوجة والأبناء وغير ذلك من الأحكام.
стр. 4476
القاعدتان السّادسة والسّابعة والثّمانون بعد الخمسمئة [الإنشاء والإقرار]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
من أقرّ بما يملك إنشاءه يكون مقبول الإقرار في حقّ الغير لانتفاء التّهمة (١).
وفي لفظ: من أقرّ بما يملك إنشاءه لا يكون متّهماً في إقراره (٢).
وفي لفظ: من أقرّ بما يملك إنشاءه يكون مصدّقاً في ذلك (٣).
وفي لفظ: مَن قدِر على الإنشاء قدر على الإقرار (٤).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هذه من قواعد أحكام الإقرار وقد سبق لها مثيلات ضمن قواعد حرف الهمزة تحت الأرقام ٣٩٨، ٥٣٣، ٥٣٥.
ومفادها: أن المقرّ بما يستطيع ويملك إنشاءه حال إقراره يكون مقبولاً منه ذلك الإقرار، وإذا كان إقراره هذا متعلّقاً بحقّ غيره فإنّ
стр. 4477
إقراره هذا يكون أيضاً مقبولاً في حقّ ذلك الغير لانتفاء التّهمة ولأنّه يمكنه الآن إنشاء وفعل ما أقرّ به.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
طلّق زوجته ثم في خلال العدّة أقرّ واعترف بأنّه راجعها، وهي تنكر ذلك. فإنّ إقراره مقبول وإنكارها لا يفيدها؛ لأنّه قادر الآن على مراجعتها لبقاء العدّة. بخلاف ما لو كانت العدّة قد انقضت ووقع إقراره بعد انقضائها.
стр. 4478
القاعدة الثّامنة والثّمانون بعد الخمسمئة [شرط الصّحّة والجواز]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
من التزم شيئاً وله شرط لنفوذه فإنّ الذي هو شرط لنفوذ الآخر يكون في الحكم سابقاً والثّاني لاحقاً، والسّابق يلزم للصّحّة والجواز (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبقت هذه القاعدة ضمن قواعد حرف الهمزة تحت الرّقم ٤٧٥ بلفظ (الأصل).
ومفادها: أنّ الشّروط دائماً تكون سابقة في الوجود على المشروط؛ لأنّ وجود المشروط وتحقّقه معتمد على تحقّق شروطه وحصولها، ولذلك فالشّرط يكون سابقاً في الوجود على الحكم، والمشروط يكون لاحقاً لشرطه، والشّرط إمّا شرط صحّة أو شرط جواز.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
وجود الاستطاعة شرط سابق لوجوب الحجّ وتحقّقه وحصوله.
ومنها: الطّهارة شرط لصحّة الصّلاة فهي سابقة في وجودها على الصّلاة.
стр. 4479
ومنها: الشّرط في صحّة العقود أن يكون العاقدان جائزي التّصرّف - أي حرَّين بالغين عاقلين مختارين - فإذا فقد شرط من هذه الشّروط كان العقد غير جائز. إلا إذا أجازه من هو جائز التّصرّف من سيّد أو ولي أو مختار.
стр. 4480
القاعدتان التّاسعة والثّمانون والتّسعون بعد الخمسمئة [الأداء بنصفي المطلوب]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
من أمر بشيء وعجز عن الإتيان به جملة وأمكنه الإتيان بنصفيه معاً هل يجزيه (١)؟
وفي لفظ: مَن خيِّر بين شيئين وأمكنه الإتيان بنصفيهما معاً فهل يجزئه أو لا (٢)؟
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هاتان القاعدتان تتعلّقان بالكفّارات والواجبات الماليّة. فإذا وجب على المكلّف أداء شيء واحد، أو خيّر بين شيئين، ولكنّه عجز عن أداء الشّيء الواحد جملة واحدة وأمكنه أن يأتي بنصفي الشّيء أو الشّيئين، فهل يجزئه التّنصيف أو لا بدّ من الكمال من واحد؟ في المسألة تفصيل:
مفاده: أنّه إذا كان ما أدّاه يقوم بمقصود الشّرع فهذا جائز وإلا لم يجز.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا وجب عليه كفّارة عتق رقبة، فأعتق نصفي عبدين، وكان نصفاهما الآخران حرَّين - أي أعتق نصفي مبعضين - قالوا: هذا جائز
стр. 4481
ويجزئه عن كفّارته؛ لأنّ نصفي العبدين كالعبد كالواحد.
ومنها: إذا وجب عليه التّضحية بشاة فضحّى بنصفي شاتين. قيل: لا يجزيه؛ لأنّ الشّاة لا يصحّ الاشتراك فيها. ولأنّه لو ضحّى بنصفي الشّاتين فمعنى ذلك أنّ النّصفين الآخرين لمضحٍ آخر، (وإراقة الدّم لا تتجزأ).
ومنها: إذا وجب عليه الزّكاة شاة، فأخرج نصفي شاتين، لا يجزيه كذلك، إلا إذا جعل باقي الشّاتين للفقراء.
ومنها: إذا أخرج زكاة الفطر صاعاً من جنسين، قيل: لا يجزيه. وعند الحنابلة يجزيه.
ومنها: إذا وجب عليه كفّارة يمين فأطعم خمسة فقراء وكسا خمسة، فهل يجزيه؟ خلاف، وعند الحنابلة يجزي على المشهور.
ومنها: جزاء الصّيد إذا وجب عليه شاة، فلو أدّى ثلث شاة، أو أطعم بقدر ثلث الشّاة وصام الباقي. قالوا: فيه وجهان، بالإجزاء وعدمه.
ومنها: إذا قتل ثلاثة محرمون ظبية، فعليهم جزاء واحد - عند الشّافعية - يخيّرون فيه بين الشّاة أو الصّيام أو الإطعام، فلو أخرج أحدهم ثلث شاة، وأطعم الثّاني بقيمة ثلث شاة، وصام الآخر عدل ذلك. قالوا: إنّه يجزئه اتفاقاً (١).
стр. 4482
القاعدة الحادية والتّسعون بعد الخمسمئة [من ملك أن يملك]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
من انعقد له سبب يقتضي المطالبة بالتّمليك هل يعطى حكم من ملك (١)؟
وفي لفظ: من جرى له سبب يقتضي المطالبة بالتّمليك هل يعطى حكم من ملك أو لا (٢)؟
وفي لفظ: من انعقد له سبب يقتضي الملك هل يعد مالكاً (٣)؟
وفي لفظ: من مَلك أن يملك هل يعد مالكاً (٣)؟
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
من تحقّق له سبب لملك شيء ما ويقتضي ذلك وينتج عنه أنّ له حقّ المطالبة بالتّمليك فهل يعتبر في حكم من ملك حقيقة وفعلاً أو لا يعتبر. خلاف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا كان الأب أو الابن فقيرين ولكنّهما قادرين على التّكسّب لمهنة
стр. 4483
في أيديهما، فهل يجب الإنفاق عليهما، وهل يعطيان من الزّكاة؟ والمشهور عدم اشتراط القدرة في جواز أخذ الزّكاة.
ومنها: إذا وُهب له الماء وهو متيمّم، فهل يبطل تيمّمه، بناء على أنّه هل يعدّ مالكاً، أو لا يبطل تيمّمه بناء على أنّه لا يعدّ مالكاً؟
ومنها: إذا حيزت الغنيمة فقد انعقد للمجاهدين سبب المطالبة بالقسمة والتّمليك، فهل يعدّون مالكين ذلك أم لا؟ قولان عند المالكيّة: هل يملكون بالحوز والأخذ، أو لا يملكون إلا بالقسمة؟
ومنها: العامل في القراض - أي المضاربة - وجد في حقّه سبب يقتضي المطالبة بالقسمة وإعطائه نصيبه من الرّبح، فهل يعد مالكاً لظهور الرّبح، أو لا يملك إلا بالقسمة؟ قولان والمشهور الثّاني.
ومنها: ذو سلس قادر على رفعه وعلاجه، فهل ينقض السّلس وضوءه أم لا؟ الصّحيح أنّه لا ينقض.
стр. 4484
القاعدة الثّانية والتّسعون بعد الخمسمئة [إنكار حقّ غيره]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
من أنكر حقاً لغيره ثم أقَرَّ به, قُبل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه ملحقة بقواعد الإقرار.
ومفادها: أنّ من ادُّعيَ عليه حقّ لغيره فأنكره وجحده، ثم أقرّ به بعد الإنكار والجحود فإنّ إقراره مقبول، ولا أثر لإنكاره وجحوده السّابق.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ادّعى عليه آخر أنّه قد اغتصبه أرضاً أو سيّارة أو مالاً فأنكر ذلك، ثم أقرّ واعترف بما كان أنكره فإنّ إقراره واعترافه مقبول، ويطالب بردّ ما اغتصبه.
ومنها: إذا أنكر زوجيّة امرأة ادّعت عليه أنّها زوجته، ثم أقرّ بأنّها زوجته، قُبِل إقراره، ولا يعتبر إنكاره طلاقاً لها.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: إذ وقع فيها الخلاف .
стр. 4485
إذا أنكرت المرأة الزّوجيّة وقالت: زوّجني وليي بغير إذني، ثم صدّقته - أي الزّوج - فلا يقبل قولها في الأصحّ عند الشّافعي وابن السّبكي رحمهما الله.
وقال آخرون يقبل، وتردّد بعضهم.
ومنها: إذا قالت: انقضت عدّتي قبل أن يراجعني - إذا كان الزّوج ادّعى مراجعتها في العدّة - ثم صدّقت الزّوج، فهل يقبل قولها؟ على قولين: ومنهم من جزم بالقبول، فإذا قلنا بالقبول، فلا تعتبر مستثناة.