← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14596

موسوعة القواعد الفقهية

محمد صدقي آل بورنو

Полный текст (5 326 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

ويجزئه عن كفّارته؛ لأنّ نصفي العبدين كالعبد كالواحد. ومنها: إذا وجب عليه التّضحية بشاة فضحّى بنصفي شاتين. قيل: لا يجزيه؛ لأنّ الشّاة لا يصحّ الاشتراك فيها. ولأنّه لو ضحّى بنصفي الشّاتين فمعنى ذلك أنّ النّصفين الآخرين لمضحٍ آخر، (وإراقة الدّم لا تتجزأ). ومنها: إذا وجب عليه الزّكاة شاة، فأخرج نصفي شاتين، لا يجزيه كذلك، إلا إذا جعل باقي الشّاتين للفقراء. ومنها: إذا أخرج زكاة الفطر صاعاً من جنسين، قيل: لا يجزيه. وعند الحنابلة يجزيه. ومنها: إذا وجب عليه كفّارة يمين فأطعم خمسة فقراء وكسا خمسة، فهل يجزيه؟ خلاف، وعند الحنابلة يجزي على المشهور. ومنها: جزاء الصّيد إذا وجب عليه شاة، فلو أدّى ثلث شاة، أو أطعم بقدر ثلث الشّاة وصام الباقي. قالوا: فيه وجهان، بالإجزاء وعدمه. ومنها: إذا قتل ثلاثة محرمون ظبية، فعليهم جزاء واحد - عند الشّافعية - يخيّرون فيه بين الشّاة أو الصّيام أو الإطعام، فلو أخرج أحدهم ثلث شاة، وأطعم الثّاني بقيمة ثلث شاة، وصام الآخر عدل ذلك. قالوا: إنّه يجزئه اتفاقاً (١).

стр. 4482

القاعدة الحادية والتّسعون بعد الخمسمئة [من ملك أن يملك] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: من انعقد له سبب يقتضي المطالبة بالتّمليك هل يعطى حكم من ملك (١)؟ وفي لفظ: من جرى له سبب يقتضي المطالبة بالتّمليك هل يعطى حكم من ملك أو لا (٢)؟ وفي لفظ: من انعقد له سبب يقتضي الملك هل يعد مالكاً (٣)؟ وفي لفظ: من مَلك أن يملك هل يعد مالكاً (٣)؟ ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: من تحقّق له سبب لملك شيء ما ويقتضي ذلك وينتج عنه أنّ له حقّ المطالبة بالتّمليك فهل يعتبر في حكم من ملك حقيقة وفعلاً أو لا يعتبر. خلاف. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: إذا كان الأب أو الابن فقيرين ولكنّهما قادرين على التّكسّب لمهنة

стр. 4483

في أيديهما، فهل يجب الإنفاق عليهما، وهل يعطيان من الزّكاة؟ والمشهور عدم اشتراط القدرة في جواز أخذ الزّكاة. ومنها: إذا وُهب له الماء وهو متيمّم، فهل يبطل تيمّمه، بناء على أنّه هل يعدّ مالكاً، أو لا يبطل تيمّمه بناء على أنّه لا يعدّ مالكاً؟ ومنها: إذا حيزت الغنيمة فقد انعقد للمجاهدين سبب المطالبة بالقسمة والتّمليك، فهل يعدّون مالكين ذلك أم لا؟ قولان عند المالكيّة: هل يملكون بالحوز والأخذ، أو لا يملكون إلا بالقسمة؟ ومنها: العامل في القراض - أي المضاربة - وجد في حقّه سبب يقتضي المطالبة بالقسمة وإعطائه نصيبه من الرّبح، فهل يعد مالكاً لظهور الرّبح، أو لا يملك إلا بالقسمة؟ قولان والمشهور الثّاني. ومنها: ذو سلس قادر على رفعه وعلاجه، فهل ينقض السّلس وضوءه أم لا؟ الصّحيح أنّه لا ينقض.

стр. 4484

القاعدة الثّانية والتّسعون بعد الخمسمئة [إنكار حقّ غيره] أولاً: لفظ ورود القاعدة: من أنكر حقاً لغيره ثم أقَرَّ به, قُبل (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه ملحقة بقواعد الإقرار. ومفادها: أنّ من ادُّعيَ عليه حقّ لغيره فأنكره وجحده، ثم أقرّ به بعد الإنكار والجحود فإنّ إقراره مقبول، ولا أثر لإنكاره وجحوده السّابق. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: ادّعى عليه آخر أنّه قد اغتصبه أرضاً أو سيّارة أو مالاً فأنكر ذلك، ثم أقرّ واعترف بما كان أنكره فإنّ إقراره واعترافه مقبول، ويطالب بردّ ما اغتصبه. ومنها: إذا أنكر زوجيّة امرأة ادّعت عليه أنّها زوجته، ثم أقرّ بأنّها زوجته، قُبِل إقراره، ولا يعتبر إنكاره طلاقاً لها. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: إذ وقع فيها الخلاف .

стр. 4485

إذا أنكرت المرأة الزّوجيّة وقالت: زوّجني وليي بغير إذني، ثم صدّقته - أي الزّوج - فلا يقبل قولها في الأصحّ عند الشّافعي وابن السّبكي رحمهما الله. وقال آخرون يقبل، وتردّد بعضهم. ومنها: إذا قالت: انقضت عدّتي قبل أن يراجعني - إذا كان الزّوج ادّعى مراجعتها في العدّة - ثم صدّقت الزّوج، فهل يقبل قولها؟ على قولين: ومنهم من جزم بالقبول، فإذا قلنا بالقبول، فلا تعتبر مستثناة.

стр. 4486

القاعدة الثّالثة والتّسعون بعد الخمسمئة [المنكر والمدّعِي] أولاً: لفظ ورود القاعدة: من أنكر فعل غيره كان القول قوله؛ لأنّه متمّسك بالأصل. ومن ادّعى فعل نفسه لا يقبل قوله إلا بحجّة (١)، لأنّه يدّعي أمراً عارضاً، وكذلك: من أنكر حقّاً على نفسه كان القول قوله (٢). وفي لفظ: مَنْ يُنكر ومن يَدَّعي (٣). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة بمعنى الحديث الشّريف: "البيّنة على المدّعي، واليمين على المنكر". فمن أنكر فعل غيره أو دعواه فهو متمسّك ببراءة الذّمّة وهي أصل، فيكون القول قوله مع يمينه، إذا لم يقم خصمه البيِّنة على دعواه. ولكن من ادّعى فعل نفسه أو ادّعى على غيره، فلا يقبل قوله إلا بالبيّنة لأنّه متمسّك بخلاف الأصل، ويدّعي أمراً عارضاً.

стр. 4487

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: ادّعى عليه مالاً فأنكر. فعلى المدّعي الحجّة والبيّنة، وإلا فالقول قول المنكر مع يمينه.

стр. 4488

القاعدة الرّابعة والتّسعون بعد الخمسمئة [المباشر النّاقض] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: من باشر عقداً، أو باشره من له ذلك، ثم ادّعى ما ينقضه. لم يقبل (١). وفي لفظ آت: من سعى في نقض ما تمّ من جهته فسعيه مردود عليه. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المباشر للعقد إمّا أن يكون أصيلاً أو يكون وكيلاً ونائباً. فكلّ من باشر عقداً أو تصرّفاً ما أعمّ من أن يكون عقداً أو غيره - كما هو منطوق ومفهوم القاعدة الثّانية - وتمّ العقد أو التّصرّف بمباشرته وفعله وقوله، ثم بعد ذلك ادّعى ما يبطل ذلك العقّد والتّصرّف, فإنّ دعواه لا تقبل وقوله مردود مرفوض. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: من باع عبداً وبعد بيعه قال: لم يكن ملكي. لا يقبل قوله. أو قال: كنت أعتقته. ومنها: طلّق امرأة ثلاثاً أمام القاضي، ثم أراد أن يتزوّجها بولاية القاضي فامتنع القاضي, لأنّه أوقع الطّلاق الثّلاث بين يديه، فقال

стр. 4489

المطلّق: لم يكن الطّلاق واقعاً لأنّها لم تكن زوجتي. فلا يقبل قوله ولا يزوّجه القاضي بها. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: إذا رهن عبداً ثم ادّعى أنّه باعه قبل الرّهن، ففيه قولان: أحدهما: لا يقبل لمناقضته. والثّاني: يقبل لأنّ الإقرار لا في ملكه بخلاف البيع. ومنها: إذا أجَّر عبداً ثم ادّعى فساد الإجارة؛ لأنّ العبد ليس عبده. ففيه قولان كذلك. وإذا قلنا: إنّ قوله مقبول فهل عليه يمين؛ فيه قولان كذلك.

стр. 4490

القاعدة الخامسة والتّسعون بعد الخمسمئة [مال الغائب والمجهول] أولاً: لفظ ورود القاعدة: مَن بيده مال، أو في ذمّته دين يعرف مالكه. ولكنّه غائب يرجى قدومه، فليس له التّصرّف فيه بدون إذن الحاكم، إلا أن يكون تافها. وإن كان قد أيس من قدومه، بأن مضت مدّة يجوز فيها أن تُزَوّجَ امرأته ويقسّم ماله، وليس له وارث, فهل يجوز التّصرّف فيه بدون إذن الحاكم؟ وإن لم يعرف مالكه بل جُهل، جاز التّصدّق به عنه بشرط الضّمان، بدون إذن الحاكم (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة تتعلّق ببيان حكم أموال لأناس تحت يد غيرهم أو في ذمّتهم، وأصحاب هذه الأموال: إمّا أن يكونوا معروفين وإمّا أن يكونوا مجهولين. فإن كانوا معروفين ولكنّهم غائبون، والغائب إمّا أن يكون قدومه متوقّعاً وإمّا أن يكون قدومه ميؤوساً منه، ولكلّ حكم.

стр. 4491

فإن كان الغائب متوقّع القدوم وهو صاحب المال أو الدّين أو الحقّ، فلا يجوز لمن كان المال تحت يده أو في ذمّته أن يتصرّف فيه بدون إذن الحاكم، إلا أن يكون المال شيئاً تافهاً حقيراً. وإن كان الغائب ميئوساً من قدومه، وقد مضت مدّة طويلة على غيابه يجوز فيها أن تتزوّج امرأته ويقسّم ماله، وليس له وارث. ففي هذه الحال هل يجوز التّصرّف فيه بدون إذن الحاكم، أو لا بدّ من إذنه؟ على وجهين. والحال الثّالثة: أن يكون صاحب هذا المال غير معروف بل هو مجهول، فلمن كان المال تحت يده التّصرّف بالصّدقة فيه بغير إذن الحاكم. ولكن بشرط ضمانه إذا وجد صاحبه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: الّلقطة التي لا تملك إذا أجرنا الصّدقة بها، أو التي يخشى فسادها إذا أراد الملتقط التّصدّق بها، فالمنصوص جواز التّصدّق بها من غير حاكم. ومنها: إذا وجد لقيطاً معه مال، فإنّه ينفق عليه منه بدون إذن الحاكم، هذا كان في عصر المؤلف ﵀ أو قبله. وأمّا الآن فإن التقاط الّلقيط لا بدّ فيه من إعلام وإخبار الجهات المسؤولة للتّحقيق والبحث، وقد لا تسمح هذه الجهات للملتقط بتربيته، ولا أخذ ماله، بل يوضع في بيوت خاصّة بالّلقطاء، وتستولي الدّولة على ما معه من مال.

стр. 4492

ومنها: الودائع التي جهل مالكها، يجوز للمستودَع الأمين أن يتصرّف فيها بدون إذن حاكم، وكذلك إن كان مالكها معروفاً وغاب ولم يطّلع على خبره، وليس له ورثة، فإن المستودَع يتصدّق بها بدون إذن الحاكم. لكن إذا جاء صاحبها بعد ذلك فله تضمين الأمين.

стр. 4493

القاعدة السّادسة والتّسعون بعد الخمسمئة [خطأ الظّنّ] أولاً: لفظ ورود القاعدة: من تصرّف في شيء يظنّ أنّه لا يملكه، فتبيّن أنّه كان يملكه (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة يمكن إدراجها تحت قاعدة (لا عبرة بالظّنّ البيِّن خطؤه)، فإنّ من تصرّف في شيء يظنّ أنّه لا يملكه - لأنّه كان ملك غيره - وبعد االتّصرّف تبيّن أنّ هذا الشّيء كان يملكه عندما تصرّف، فهل يكون تصرّفه صحيحاً أو يجب إبطاله بحسب ظنّه؟ ولأنّ التّصرّف في ملك الغير بغير إذنه إمّا باطل أو موقوف، بحسب التّصرّف إن كان قوليّاً أو فعليّاً. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا باع شيئاً من ملك أبيه - بغير إذنه - ثم تبيّن أنّ أباه قد مات ولا وارث له غيره، ففي صحّة تصرّفه وجهان (٢)، ويقال روايتان.

стр. 4494

ومنها: إذا طلّق امرأة يظنّها أجنبيّة، فتبيّن أنّها زوجته. ففي وقوع الطّلاق روايتان. ومنها: إذا أبرأ شخصاً من مبلغ من المال - كمئة درهم مثلاً - معتقداً أنّه لا شيء له عليه، ثم تبيّن أنّه كان في ذمّته المبلغ الذي أبرأه منه. ففي صحّة الإبراء وجهان. ومنها: إذا جرحه جرحاً لا قصاص فيه، فعفا المجروح عن القصاص وسرايته، ثم سرى أثر الجرح إلى نفسه فمات. فهل يسقط القصاص؟ وجهان كذلك.

стр. 4495

القاعدة السّابعة والتّسعون بعد الخمسمئة [التّصرّف في مال الغير] أولاً: لفظ ورود القاعدة: من تصرَّف في عين تعلّق بها حقّ لله تعالى. أو لآدمي معيَّن، إن كان الحقّ مستقرّاً فيها بمطالبة مَن له الحقّ بحقّه، أو يأخذه بحقّه لم ينفذ التّصرّف. وإن لم يوجد سوى تعلّق الحقّ لاستيفائه منها صحّ التّصرّف على ظاهر المذهب (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: إذا تصرّف شخص - تصرّفاً قوليّاً أو فعليّاً - بعين ببيع أو هبة أو إتلاف أو غير ذلك من أنواع التّصرّفات، وكانت هذه العين قد تعلّق بها حقّ لله تعالى، أو لآدمي معيَّن معروف، فما حكم تصرّف هذا الشّخص؟ الحكم يدور بين حالين: الأول: أن يكون هذا الحقّ المتعلّق بالعين له مطالب من حيث ثبوت هذا الحقّ في هذه العين واستقراره - والمطالب صاحب الحقّ يطالب بحقّه، أو تمكّن صاحب الحقّ من أخذ هذه العين بحقّه فإنّ تصرّف هذا الفضولي باطل لا ينفذ، وإن استهلكها أو أتلفها فعليه ضمانها.

стр. 4496

وامّا إن كان تعلّق الحقّ بهذه العين لمجرّد استيفائه منها - كالرّهن مثلاً - فإن التّصرّف يصحّ على ظاهر مذهب الحنابلة، ويقابله الوجه الآخر أنّه لا يصحّ. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا تصرّف الرّاهن في المرهون ببيع أو غيره بما لا سراية له، لا يصحّ هذا البيع ولا ينفذ؛ لأنّ المرتهن أخذه بحقّه في الرّهن من التّوثيق والحبس وقبضه وحكم له به. ومنها: الشّفيع إذا طالب بالشّفعة فلا يصحّ تصرّف المشتري بعد طلب الشّفيع؛ لأنّ حقّ الشّفيع قد تقرّر وثبت. ومنها: وجد مضطر وعند آخر طعام فاضل عن حاجته فبادر وباعه أو رهنه، فهل يصحّ؟ والأظهر أنّه لا يصحّ البيع بعد طلب المضطر؛ لوجوب دفع الطّعام إلى المضطر مع علمه باضطراره. ومنها: إذا باع النّصاب بعد الحول فإنّه يصحّ؛ لأنّ الزّكاة تعلّقت بذمّة المكلّف، لا بعين ماله.

стр. 4497

القاعدة الثّامنة والتّسعون بعد الخمسمئة [التّصرّف في الملك وغيره] أولاً: لفظ ورود القاعدة: مَن تصرّف فيما يملك وفيما لا يملك نفذ تصرّفه فيما يملك من دون ما لا يملك (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: للإنسان أن يتصرّف فيما يملكه كيف يشاء - إلا أن يضرّ ذلك بغيره كما سيأتي - ولكنّه إذا تصرّف فيما لا يملكه - أي في ملك غيره - فإنّ تصرّفه غير نافذ ولا معتبر؛ لأنّه متعدٍّ. فبناء على ذلك إذا تصرّف شخص في شيئين، أو في شيء له فيه شريك، فهو تصرّف فيما يملك وفيما لا يملك، فإنّ تصرّفه نافذ فيما يملك، وباطل فيما لا يملك. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا باع شاتين إحداهما ملكه والأخرى ليست ملكه، فإنّ تصرّفه نافذ في الشّاة التي يملكها، وبطل في الشّاة الأخرى لعدم ملكيّته لها. ومنها: إذا قال لامرأته وامرأة جاره: أنتما طالقتان. طلقت زوجته دون زوجة جاره. ومنها: إذا قال لعبده وعبد غيره: أنتما حرّان. يعتق عبده

стр. 4498

وحده، فينفذ تصرّفه فيما يملكه ممّا يتناوله لفظه. لكن إذا قيّد تصرّفه فيما يملك الآخرون بإجازتهم فأجازوا نفذ تصرّفه فيهم أيضاً: فمن قال لعبده وعبد غيره: أنتما حرّان إذا أجازني مولى فلان، فأجاز المولى عتق الثّاني أيضاً.

стр. 4499

القاعدة التّاسعة والتّسعون بعد الخمسمئة [التّصرّف الضّارّ] أولاً: لفظ ورود القاعدة: من تصرّف في ملكه تصرّفاً يلحق الضّرر بغيره يتمكّن ذلك الغير من دفع الضّرر عن نفسه (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة معقولة المعنى واقعيّة الدّلالة، من حيث إنّ كلّ إنسان يمكن أن يلحقه ضرر بتصرّف الآخرين فإنّ للمتضرّر دفع ذلك الضّرر قبل وقوعه، أو رفعه بعد وقوعه بكلّ سبيل مستطاع, لأنّه (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام). ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أراد شخص أن يبني عمارة وأخذ في حفر الأرض ليضع أُسُسَها، ولكن تبيّن أنّ الحفر بالدّقّ في أرضه يضرّ بعمارة جاره وقد يصدّعها فإنّ للجار صاحب العمارة المجاورة منعه من الحفر بالدّقّ، وعليه أن يرى وسيلة أخرى للحفر لا تضرّ بجاره وإلا يمنع من الحفر والبناء. ومنها: إذا أراد شخص أن يحفر في أرضه بئراً ليسقي مزرعته، ولكن تبيّن أنّه لو حفر بئره لغاضَ ماء بئر جاره، فإنّه يمنع من الحفر، وعليه أن يبتعد عن الحفر في مكان يتسبّب في تسرب ماء بئر جاره إليه.

стр. 4500

القاعدة المتمّمة للسّتمئة [تعلّق الحقّ بالمال] أولاً: لفظ ورود القاعدة: من تعلّق بماله حقّ واجب عليه، فبادر إلى نقل الملك عنه صحّ، ثم إن كان الحقّ متعلّقاً بالمال نفسه لم يسقط. وإن كان متعلّقاً بمالكه لمعنى زال بانتقاله عنه سقط. وإن كان لا يزول بانتقاله لم يسقط على الأصحّ (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: للمالك التّصرّف بملكه كيف يشاء. لكن إذا تعلّق بالمال حقّ واجب، فبادر صاحب المال وأسرع - قبل تأكّد الحقّ في ذمّته - فنقل الملك إلى غيره ببيع أو غيره، فإّن نقل الملك صحيح؛ لأنّه تصرّف من صاحب الحقّ. لكن ما حكم الحقّ المتعلّق بذلك المال؟ تحت هذا ثلاث أحوال: الحال الأولى: أن يكون الحقّ متعلّقاً بالمال المنقول نفسه، فهنا لا يسقط الحقّ. والحال الثّانية: أن يكون الحقّ الواجب متعلّقاً بالمالك بسبب، وهذا السّبب زال بانتقال المال عنه. ففي هذه الحال يسقط الواجب. والحال الثّالثة: أن يكون الواجب متعلّقاً بالمالك لا يزول بانتقاله عنه، ففي هذه الصّورة خلاف. والأصحّ أنّ الحقّ لا يسقط.

стр. 4501

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا بادر الغالّ - أي السّارق من الغنيمة قبل القسمة - فباع رحله - أي متاعه - قبل إحراقه؛ لأنّ من عقوبة الغالّ إحراق رحله - كما ورد في الخبر (١)، فحينما باع رحله أصبح ملك غيره، فلا يجوز إحراقه والبيع صحيح على وجه. والوجه الثّاني: ينفسخ البيع ويحرق؛ لأنّ حق التّحريق أسبق، وقد تعلّق بهذا المال عقوبة لمالكه على جريمته السّابقة على البيع. ومنها: إذا باع المشتري الشّقص المشفوع قبل طلب الشّفيع. فيه وجهان: أنّ البيع باطل؛ لأنّه ملك غير تام. والثّاني: أنّ البيع صحيح - وهو الوجه المشهور -؛ لأنّ الشّفيع يمكنه أن يطلب الشّفعة من المشتري الثّاني ولا يسقط حقّه. ومنها: إذا أُمِر الذِّميُّ بهدم بنائه العالي، فبادر وباعه من مسلم. صحّ وسقط الهدم لزوال علّته. ومنها: لو مال جداره إلى ملك جاره، فطولب بهدمه، فباع داره. صحّ البيع، وهل يسقط الضّمان عنه بالسّقوط بعد ذلك؟ خلاف، والصّحيح أنّه يسقط؛ لأنّ الوقوع حصل في غير ملكه. ومنها: إذا باع نصابه بعد الحول - ولم يكن قد أخرج الزّكاة - فإنّ البيع صحيح، وتبقى الزّكاة الواجبة متعلّقة في ذمّته.

стр. 4502

القاعدة الحادية بعد السّتمئة [الإقلاع عن الفعل] أولاً: لفظ ورود القاعدة: من تعلّق به الامتناع من فعل هو متلبس به، فبادر إلى الإقلاع عنه، هل يكون إقلاعه فعلاً للممنوع منه أو تركاً له، فلا يترتّب عليه شيء من أحكامه (١)؟ ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة قريبة المعنى من القاعدة السّابقة القائلة: (الدّوام على الشّيء هل هو كابتدائه أو لا)؟ (٢) وهذه القواعد تفيد أنّ من وجب عليه الإقلاع عن فعل ممنوع هو متلبّس به وواقع فيه فسارع إلى الإقلاع عن ذلك الفعل، فهل يكون إقلاعه عن ذلك الفعل وتركه له فعلاً لذلك الممنوع أو يعتبر تركاً له، ولا يترتّب عليه شيء من أحكام فعل ذلك الممنوع. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا جامع في ليل رمضان فأدركه الفجر وهو مجامع فنزع في الحال. ففي إفطاره ووجوب الكفّارة عليه خلاف. والأرجح أنّه لا يفطر بالنّزع؛ لأنّه نوى الخروج من الفعل المتلبّس به.

стр. 4503

ومنها: من كان في أرض أو دار مغتصبة، أو كان لابساً ثوباً مغتصباً أو ثوب حرير، ثمّ مشى في الأرض أو الدّار للخروج منها وترك الاغتصاب، فهل يعتبر في مشيه هذا مغتصباً؛ خلاف. وكذلك إذا أخذ في نزع الثّوب الحرير وخلعه، أو الثّوب المغتصب، فهل يعتبر فعله هذا داخلاً في إثم لبس الحرير والاغتصاب. خلاف والأصحّ لا؛ لأنّ الأعمال بالنّيّات وهو نوى الخروج من الإثم لا الدّخول فيه.

стр. 4504

القاعدة الثّانية بعد السّتمئة [الصّريح والكناية - الظّاهر والمحتمل] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: من تكلّم بكلام هو ظاهر المراد لم تعتبر النّيّة فيه. وإن كان غير ظاهر المراد - لإجمال فيه أو لاشتراك - اعتبر بنيّة فيه (١). وفي لفظ: موجَب اللفظ يثبت باللفظ ولا يفتقر إلى النّيَّة، ومحتمل اللفظ لا يثبت إلا بالنّيّة (٢)، وستأتي قريباً إن شاء الله. ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما: الكلام إمّا صريح يدلّ لفظه على معناه مطابقة وحقيقة، وإمّا لفظ كنائي غير صريح يحتمل أكثر من معنى أو يكون مشتركاً بين عدّة معان. فاللفظ الصّريح الظّاهر المراد منه لا يشترط في ترتّب أحكامه عليه وجود النّيَّة من المتكلّم؛ لأنّ لفظه يدلّ على معناه، وموجّب اللفظ

стр. 4505

معناه الذي يدلّ عليه لغة واصطلاحاً. وأمّا إذا كان اللفظ كناية يحتمل معنيين أو أكثر أو كان مشتركاً فلا بدّ من ثبوت أحكامه إلى نيّة المتكلّم وقصده منه. ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما: إذا قال: بعت أو اشتريت، فهذا لفظ يدلّ على معناه مطابقة فلا يحتاج إلى نيّة. ومنها: إذا قال لزوجته: أنت طالق، أو طلقتك، فهي تحرم عليه بمجرّد تلفّظه ولا يفتقر إلى النّيَّة, لأنّ هذا اللفظ صريح في حلّ عقدة الزّوجية شرعاً. ومنها: إذا قال لعبده: لا يد لي عليك، أو اذهب حيث شئت، فهذا كلام محتمل لا بدّ من النّيَّة معه إذا أراد تحريره أو عتقه. ومنها: إذا قال لزوجته: اذهبي لأهلك، أو اخرجي من البيت، فالكلام محتمل ولا يحمل على إرادة الطّلاق المحرّم إلا بالنّيَّة.

стр. 4506

القاعدة الثّالثة بعد السّتمئة [إسقاط العوض] أولاً: لفظ ورود القاعدة: مَن تملّك إسقاط العوض بعد ثبوته له, إذا سُلِّط على إتلاف المعوض كان تسليطه عليه متضمّناً إسقاط العوض (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: العِوَّض: هو البدل عن المعوَّض المتلف أو المستهلك أو المغصوب الهالك. ولمّا كان العوض من حقّ صاحب المبدل منه المعوَّض فله إسقاطه عمّن وجب عليه. وبناء على ذلك فمن سلّط غيره على إتلاف المعوَّض - أي الأصل المملوك لصاحبه - فإنّ تسليط غيره على إتلاف ذلك الأصل يكون متضمّناً لإسقاط العوض؛ لأنّه بتسليط غيره على إتلاف ما يملكه أو جزئه فهذا يعتبر إذناً بالفعل. ومن كان مأذوناً له بفعل شيء لا يجب عليه ضمانه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال مالك العبد لإنسان: اقتله. فقتله. لم يلزم القاتل للمالك

стр. 4507

عوضاً؛ لأنّ المالك أذن له، لكن القاتل هنا بغير حقّ ألا يستحقّ العقوبة، وإن كان لا يجب عليه تعويض العبد للإذن. ومنها: إذا قال شخص لآخر: اقطع يدي. فإذا قطعها لم يلزمه عوضها. ولكن للإمام تعزير الاثنين. وفي مثل هذه المسائل خلاف بين المذاهب في لزوم التّعويض والعقوبة وعدمها؛ لأنّه هل الإنسان يملك دمه أو نفسه حتى يسمح ويأذن لغيره باستباحة دمه وقتله؟ وكذلك بالنّسبة لأعضائه. ومنها: إذا قال شخص لآخر، اذبح بقرتي فذبحها، فالذّابح غير ضامن للعوض للإذن. ومنها: إذا قال شخص لآخر اهدم حائطي هذا، فهدمه، فلا حقّ لصاحبه في التّعويض للإذن.

стр. 4508

القاعدة الرّابعة بعد السّتّمئة [المنتهي، المنهى] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: المنتهي متقرّر في تعيُّنه (١). وفي لفظ: المنتهي متقرّر في نفسه (٢). وفي لفظ: المنهى يكون متقرّراً (٣). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المنتهي: هو الفعل أو التّصرّف التي تمّ وانتهى بشروطه. فإذا تمّ الفعل أو التّصرّف وانتهى بشروطه، فإنّ ذلك يعتبر دليلاً وبرهاناً على تأكّده وثبوته وتعيُّنه؛ لأنّه بعد انتهائه صحيحاً لا يمكن إبطاله أو إلغائه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أقرّت المرأة في صحّة أو مرض أنّها تزوّجت فلاناً بكذا - ثم جحدته - أي الزّواج الذي أقرّت به سابقاً - فإن صدّقها الزّوج في حياتها يثبت النّكاح بينهما؛ لأنّ جحودها بعد الإقرار باطل؛ لأنّ الإقرار لا يقبل الرّجوع في حقوق العباد، وأمّا إن صدقها بعد موتها: فعند أبي

стр. 4509

يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يثبت النّكاح اعتباراً لجانبها بعلّة أنّ النّكاح ينتهي بالموت. فمضي المدّة ينهيه، ولهذا يستحقّ المهر والميراث - إن لم يوجد الدّخول. فيصحّ تصديق الزّوج في حال تقرّر وتأكّد المقرّ به. كما يصحّ قبل تقرّره. أي قبل الوفاة. ومنها: إذا مات المرهون - وكان دابّة - فقد سقط الدّين؛ لأنّ عقد الرّهن انتهى بموت المرهون - لحصول المقصود به - والمنتهي يكون متقرّراً في تعيّنه. وهذا عند الحنفيّة، وعند غيرهم لا يسقط الدّين إذا مات الرّهن بغير تعدّ من المرتهن. ومنها: عقد الإجارة ينتهي بمضيّ المدّة. ومنها: إذا اشترى عبداً فأعتقه، فإنّ العتق مُنْهٍ للملك المتقرّر؛ لأنّه لولا تقرّر الملك لما لجاز العتق.

стр. 4510

القاعدة الخامسة بعد السّتّمئة [التّصرّف قبل العلم بالإذن] أولاً: لفظ ورود القاعدة: من توقّف نفوذ تصرّفه أو سقوط الضّمان أو الحنث على الإذن، فتصرّف قبل العلم به - أي بالإذن - ثم تبيّن أنّ الإذن كان موجوداً، هل يكون كتصرّف المأذون له، أو لا (١)؟ ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هناك أمور لا يجوز التّصرّف فيها بغير إذن من له الإذن، ومن تصرّف بشيء منها قبل الإذن فتصرّفه باطل لا يصحّ. لكن إذا تصرّف بأمر ما قبل العلم بالإذن، ثم تبيّن أنّ الإذن كان موجوداً قبل التّصرّف، فهل يكون تصرّفه تصرّف المأذون له العالم بالإذن فيصحّ. أو لا فلا يصحّ؟ خلاف. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا تصرّف في مال غيره بعقد أو غيره، ثم تبيّن أنّه كان قد أذن له في التّصرّف، هل يصحّ أم لا؟ فيه وجهان. بالصّحّة وعدمها. ومنها: إذا قال لزوجته: إن خرجت بغير إذني فأنت طالق. ثم أذن لها - ولم تعلم بإذنه - فخرجت. فهل تطلق؟ وجهان أشهرها -

стр. 4511

وهو المنصوص - أنّها تطلق؛ لأنّ المحلوف عليه قد وجد وهو خروجها على وجه المشاقة والمخالفة؛ ولأنّ الإذن هنا إباحة بعد حظر فلا يثبت في حقّها بدون علمها كإباحة الشّرع. ومنها: إذا أذن البائع للمشتري في مدّة الخيار في التّصرّف، فتصرّف المشتري - بعد الإذن - وقبل العلم به - فهل ينفذ أم لا؟ يتخرّج على الوجهين في التّوكيل وأولى. ومنها: من وكّل وكيلاً في أمر - وقبل أن يعلم الوكيل بالتّوكيل تصرّف في ذلك الأمر - فهل يعتبر تصرّفه صحيحاً. خلاف على وجهين. ومنها: إذا غصب طعاماً من إنسان، ثم أباحه له المالك، ثم أكله الغاصب غير عالم بالإذن، فلا ضمان عليه في الأصحّ.

стр. 4512

القاعدة السّادسة بعد السّتّمئة [الشّكّ] أولاً: لفظ ورود القاعدة: مَن تيقّن بالفعل وشكّ في القليل أو الكثير حُمِل على القليل؛ لأنّه المتيقّن (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة تندرج تحت قاعدة (اليقين لا يزول بالشّكّ) وتتفرّع عليها. فمن فعل فعلاً متيقّناً منه، ثم شكّ فيما فعله هل هو الأقلّ أو الأكثر فيجب حمله على الأقلّ لأنّه المتيقّن. بخلاف إذا شكّ فيما عليه فيجب حمله على الأكثر؛ لأنّه الذي تبرأ به الذّمّة. ودليل هذه القاعدة الحديث الذي رواه الصّحابي الجليل عبد الرّحمن بن عوف ﵁ عن رسول الله ﷺ حيث قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا سها أحدكم في صلاته فلم يدر أواحدة صلّى أم اثنتين، فليجعلها واحدة، وإذا لم يدر أصلّى اثنتين أم ثلاثاً فليجعلها اثنتين، وإذا لم يدر ثلاثاً صلّى أم أربعاً فليجعلها ثلاثاً، ثم يسجد إذا فرَغَ من صلاته، وهو

стр. 4513

جالس قبل أن يسلّم سجدتين" (١). ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: الشّكّ في الصّلاة، كما ورد في الحديث أعلاه. ومنها: مَن شكّ في طوافه هل هذا الشّوط السّادس أو السّابع فليجعله السّادس ثم يأتي بالسّابع. ومنها: من شكّ أو شكت فيما عليه أو عليها من صيام فليأت بالأكثر الذي تبرأ به الذّمّة بيقين. ومنها: إذا كان عليه دين وشكّ في قدره، ينبغي لزوم إخراج القدر المتيقّن به براءة الذّمّة.

стр. 4514

القاعدة السّابعة بعد السّتمئة [التّخيير] أولاً: لفظ ورود القاعدة: من ثبت له التّخيير بين حقّين، فإن اختار أحدهما سقط الآخر، وإن سقط أحدهما ثبت الآخر (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: التّخيير: معناه التّسوية. فمن خيَّر بين حقّين فله اختيار أحدهما، وإسقاط الآخر. فإن اختار أحدهما سقط الآخر، وليس له المطالبة به بعد اختياره. وإذا أسقط أحدهما ثبت له الآخر، وليس له بعد ذلك اختيار السّاقط. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا عفا مستحقّ القصاص عن القصاص تعيَّن المال - إذا قيل: إنّ الواجب أحد الأمرين. وإذا عفا عن المال ثبت له القود. ومنها: إذا اشترى سيّارة وظهرت معيبة - عيباً يوجب الرّدّ - فاستعملها، فاستعماله لها دلّ على رضاه بها فسقط حقّه في الرّدّ والأرش. ومنها: لو تحجّر مواتاً وطالت مدّته، ولم يحيه، ولم يرفع يده

стр. 4515

عنه، قال له السّلطان: أحي أو اترك. ومنها: إذا ادّعى عليه فأنكر، فطلب منه اليمين فنكل قضي عليه بالنّكول، وجعل مُقِراً؛ لأنّ اليمين بدل من الإقرار، فإذا امتنع من البدل حكم عليه بالأصل. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: من عليه كفّارة يمين فهو مخيّر بين العتق والإطعام والكسوة، فإذا اختار أحدها، جاز له قبل التّكفير أن يختار غيره. ومنها: إذا اختار عامل الزّكاة أربع حقاق في المئتين من الإبل، ثم رجع واختار خمس بنات لبون جاز. ومنها: إذا اختار المميّز أحد الأبوين دفع إليه، فلو رجع واختار الآخر حوَّل إليه.

стр. 4516

القاعدة الثّامنة بعد السّتمئة [التّخيير] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: مَن ثبت له التّخيير بين حقّين فإن اختار أحدهما سقط الآخر، وإن أسقط أحدهما أثبت الآخر. وإن امتنع منهما - فإن كان امتناعه ضرراً على غيره استوفي له الحقّ الأصلي الثّابت له إن كان ماليّاً - وإن لم يكن حقّاً ثابتاً سقط. وإن كان الحقّ غير ماليّ ألزم بالاختيار. وإن كان حقّاً واجباً له وعليه - فإن كان مستحقّه غير معيّن حُبس حتى يعيِّنه ويوفيه. وإن كان مستحقّه معيّناً فهل يحبس ويستوفى منه الحقّ الذي عليه؟ فيه خلاف. وإن كان حقّاً عليه وأمكن استيفاؤه منه استوفي. وإن كان عليه حقّان أصلي وبدل فامتنع من البدل حكم عليه بالأصل (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة بمعنى سابقتها ولكنّها تزيد عليها تفصيلاً فلزم إفرادها.

стр. 4517

والتّفصيل فيما يلي: المخيَّر إن امتنعَ عن الاختيار فإنّ له حالات: الحال الأولى: أن يكون في امتناعه ضرر على غيره. ففي هذه الحال إمّا أن يكون الحقّ ماليّاً ثابتاً، أو غير ثابت، فإن كان الحقّ ماليّاً ثابتاً استوفي له الحق الأصلي. وإن كان الحقّ غير ثابت سقط بامتناعه، وإن كان الحقّ غير مالي ألزم بالاختيار. والحال الثّانية: أن يكون الحقّ واجباً له وعليه، فإن كان مستحقّ الحقّ غير معين. حُبس حتى يعيِّنه ويوفيه. وأمّا إن كان مستحقّه معيّناً، فهل يحبس ويستوفى من الحقّ الذي عليه؟ خلاف. والحقّ الذي على المخيَّر إن أمكن استيفاؤه منه استوفي. وأمّا إن كان عليه حقّان أصلي وبدل فامتنع من البدل حكم عليه بالأصل. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: لو أتاه الغريم بدَيْنه في محله ولا ضرر عليه في قبضه؛ فإنّه يؤمر بقبضه أو إبرائه، فإن امتنع قبضه له الحاكم وبرئ غريمه. ومنها: لو امتنع الموصى له من القبول والرّدّ حكم عليه بالرّدّ وسقط حقّه من الوصيّة. ومنها: لو أسلم على أختين أو أكثر من أربع نسوة وامتنع من الاختيار حبس وعزّر حتى يختار. ومنها: لو أخرت المعتقة - تحت العبد - الاختيار حتى طالت المدّة أجبرها الحاكم على اختيار الفسخ أو الإقامة بالتّمكين من

стр. 4518

الاستمتاع. ومنها: لو أبى المُوْلي بعد المدّة أن يفيء أو يطلّق فروايتان: إحداهما يحبس حتى يفيء أو يطلق، والثّانية يفرّق الحاكم بينهما. ومنها: لو حلّ دين الرّهن، وامتنع الرّاهن من توفيته - وليس ثم وكيل في البيع - باع الحاكم الرّهن ووفَّى الدّين منه.

стр. 4519

القاعدة التّاسعة بعد السّتمئة [التّصرّف] أولاً: لفظ ورود القاعدة: من ثبت له حقّ التّملّك بفسخ أو عقد هل يكون تصرّفه فسخاً أم لا؟ وهل ينفذ تصرّفه أم لا؟ (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: إذا تصرّف من له حقّ التّملّك - فيما يملك - فلا يكون تصرّفه في المبيع أو المتعاقد عليه فسخاً أو لا يكون فسخاً؟ فإن كان تصرّفه يفيد فسخ العقد فإنّ المتعاقد عليه يصبح ملكاً له أو يعود إلى ملكه وينفذ تصرّفه فيه. وإن قيل: إنّ تصرّفه لا يكون فسخاً، فلا ينفذ تصرّفه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: البائع - إن كان له الخيار فيما باعه - إذا تصرّف في المبيع - والمراد التّصرّف الفردي دون علم المشتري - وتصرّفه واقع بناء على شرط الخيار له - فإنّ تصرّف البائع في هذه الصّورة لا يكون فسخاً للعقد ولا ينفذ. فلو كان المبيع عبداً فأعتقه البائع لا يجوز عتقه في هذه الحال؛ لأنّه غير مالك له في ذلك الوقت إنّما له فيه خيار. أمّا إذا اختاره ثم أعتقه جاز، فأمّا دون أن يردّ البيع بغير علم

стр. 4520

المشتري فلا. ومنها: إذا باع عبداً بأمَةٍ أو أمَةٍ بعبد، ثم وجد بالأمَةِ أو العبد عيباً يوجب الرّدّ فله الفسخ واسترجاع البدل أو المبيع. وكذلك كلّ السّلع المبيعة إذا علم بعيبها بعد العقد، وليس له التّصرّف في عوضه الذي أدّاه؛ لأنّ ملك الآخر عليه تامّ مستقر. فإذا أقدم وأعتق الأمَةَ أو وطئها، أو أعتق العبد لم يكن ذلك فسخاً ولم ينفذ عتقه لأنّه أعتق ما هو في ملك غيره. ومنها: إذا تصرّف الشّفيع في الشّقص المشفوع قبل التّملّك، هل يكون تملّكاً ويقوم ذلك مقام قوله أو تملّكه أو مقام المطالبة عند من أثبت بها الملك، أو مقام الأخذ باليد عند من أثبت الملك بالتّصرّف؟ خلاف.
следующие страницы →