القاعدة الثّامنة والعشرون بعد السّتمئة [شرط المخصّص]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
من شرط المخصَّص أن يكون منافياً للمخصَّص (١). أصوليّة فقهيّة
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المخصِّص: هو ما يرد على العام فيخرج منه بعض أفراده.
وشرط هذا المخصِّص أن يكون بخلاف العام المخصَّص، أي منافياً له ليمكن إخراج البعض من العموم. وإلا لو لم يكن منافياً لا يصلح مخصِّصاً، وإذا لم يكن منافياً كان مؤكّداً.
والمخصِّصات كثيرة، ومن أشهرها الاستثناء.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حلف لا يأكل لحماً، ونوى لحم الإبل مثلاً، لم يحنث بأكل لحم البقر أو الغنم؛ لأنّ نيّته خصَّصت عموم لفظ اللحم وقيّدت إطلاقه.
ومنها: إذا قال: اقتلوا المشركين، ولا تقتلوا أهل الذّمّة، كان قوله: ولا تقتلوا أهل الذّمّة مخصّصاً لعموم قوله: اقتلوا المشركين.
ومنها: إذا قال: له عندي عشرة إلا اثنين. ألزمناه ثمانية؛ لأنّ الاستثناء لا يستقلّ بنفسه.
стр. 4552
القاعدة التّاسعة والعشرون بعد السّتمئة [الشّروع الملزم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مَن شرع في عبادة تلزم بالشّروع ثم فسدت فعليه قضاؤها على صفة التي أفسدها، سواء كانت واجبة في الذّمّة على تلك الصّفة أو دونها (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
العبادات إمّا تلزم بالشّروع والدّخول فيها كالواجبات والمنذورات، وإمّا لا تلزم بالشّروع فيها كالمندوبات والمستحبّات - عند بعض الفقهاء - فمن شرع ودخل في عبادة واجبة ثم أفسدها أو فسدت، وجب عليه قضاؤها على صفة التي أفسدها ومثلها. ويستوي في ذلك أن تكون تلك العبادة واجبة في الذّمّة على تلك الصّفة التي أفسدها أو دونها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا شرع في صلاة قصر ثم فسدت، فإذا أقام قبل قضائها في السّفر فعليه قضاؤها في الحضر قصراً كما أفسَدها.
وإذا شرع في صلاة في الحضر ثم فسدت؛ فإذا سافر قبل قضائها فعليه قضاؤها في السّفر تامّة لا قصراً.
ومنها: إذا صلّى مسافر خلف مقيم وفسدت صلاته، فإنّه يجب
стр. 4553
عليه قضاؤها تامّة.
ومنها: إذا أحرم من بلده - وهذا مخالف للمسنون - وهو الإحرام من الميقات - ثم أفسد نسكه بجماع وجب عليه قضاؤه، والإحرام من موضع إحرامه أولاً.
ومنها: إذا عيَّن ما في ذمّتّه من الهدي والأضحية ما هو أزيد صفة من الواجب ثم تلف، فإدا كان تلفه بتفريطه فعليه إبداله بمثله، وإن كان بغير تفريط فإنّه لا يلزمه أكثر ممّا كان في ذمّتّه. ومنها: إذا نذر اعتكاف عشرة أيّام، فشرع في اعتكافها في أوّل العشر الأواخر من رمضان، ثم أفسد اعتكافه، لزمه قضاؤها في العشر من العام المقبل؛ لأنّ اعتكافه العشر لزمه بالشّروع عن نذره، فإذا أفسده لزمه قضاؤه على صفة ما أفسده.
стр. 4554
القاعدة الثّلاثون بعد السّتمئة [الشّكّ في الفعل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مَن شكّ هل فعل شيئاً أو لا، فالأصل أنّه لم يفعل (١). أو لم يفعله.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تندرج تحت القاعدة الكلّيّة الكبرى (اليقين لا يزول بالشّك) وتتفرّع عليها.
وهذه القاعدة تؤكّد على أنّ براءة الذّمّة أصل مقرّر. فإنّ مَن شكّ هل فعل شيئاً أو لم يفعله، فالأصل عدم الفعل، فلذلك يبني على عدم الفعل، إلا إذا غلب على ظنّه الفعل فيأخذ حكمه؛ لأنّ غلبة الظّنّ قريب من اليقين وبعيد من الشّكّ.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا شكّ في ارتكاب فعل منهي عنه - وهو في الصّلاة - فلا يسجد للسّهو؛ لأنّ الأصل عدم الفعل.
ومنها: إذا شكّ هل طلّق زوجته أو لم يطلقها. قالوا: لا يقع الطّلاق؛ لأنّ الإباحة متيقّنة بعقد النّكاح، والطّلاق المحرِّم مشكوك فيه.
ومنها: شكّ هل حلف بالله أو بالطّلاق أو بالعتاق فحلفه باطل.
стр. 4555
القاعدة الحادية والثّلاثون بعد الستمئة [المقضي عليه - المقضي له]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مَن صار مقضيّاً عليه في حادثة لا يصير مقضياً له في تلك الحادثة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المقضي عليه: هو المدّعَى عليه.
المقضي له: هو المدّعِي.
المدّعى أمام القضاء في حادثة أو قضيّة لا يكون مدَّعى عليه في نفس الحادثة أو القضيّة، وكذلك المدّعى عليه - وهو المقضي عليه - لا يكون مدعيّاً - أي مقضيّاً له - في نفس القضيّة أو الحادثة.
فإنّ القضاء على المدّعى عليه في حادثة أو قضيّة معناه أنّ عليه حقّاً يجب عليه أداؤه للمدَّعي. ولذلك لا يمكن أن يصبح من عليه الحقّ صاحب حقًّ في نفس القضيّة؛ لأنّ هذا متعذّر وخلاف المعهود، فإنّ القضاء إنّما جعل لإثبات حقّ للمدعي وإيجاب حقّ على المدّعى عليه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ادّعى شخص على آخر ديناً بمئة ألف، وأثبته بالبيِّنة فحكم له القاضي بالمبلغ وأمر المدّعَى عليه بأدائه. فلا يصحّ أن يطالب المدّعَى
стр. 4556
عليه المدّعِي برد المبلغ المأخوذ منه ويطلب من القاضي الحكم له بذلك.
ومنها: ادّعى شخص على آخر أمام القضاء بأنّه ضربه فشجّه، وأثبت دعواه بالبيَّنة وحكم القاضي بالقصاص أو التّعويض فلا يصحّ للمدّعَى عليه بعد ذلك أو يطلب من القاضي الحكم له بالشّجّة المقضي بها.
стр. 4557
القاعدتان الثّانية والثّالثة والثّلاثون بعد السّتمئة [صحّة التّصرّف والتّوكيل]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
من صحّ تصرّفه في شيء تدخله النّيابة صحّت وكالته فيه (١).
وفي لفظ: من صحّت منه مباشرة الشّيء صحّ توكيله فيه غيره، وتوكّله فيه عن غيره، وما لا فلا؟ (٢).
وفي لفظ: من لا يجوز تصرّفه لا يجوز توكيله ولا وكالته (٣). وتأتي قريباً.
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
التّصرّفات منها ما تدخله النّيابة - أي يصحّ أن ينيب الشّخص عنه من يقوم بذلك التّصرف، ومنها ما لا تدخله النّيابة فلا يصحّ التّوكيل فيه كالصّلاة والصّوم وقراءة القرآن.
فمن صحّ تصرّفه في شيء ممّا يجوز دخول النّيابة فيه - كالبيع والشّراء والنّكاح وتفرقة زكاة وذبح أضحية - ويمكنه مباشرته بنفسه،
стр. 4558
صحّ وجاز أن يوكّل فيه غيره وينيبه عنه، كما يصحّ ويجوز له أن يكون وكيلاً ونائباً عن غيره فيه.
وشرط صحّة التّصرّف أن يكون المتّصرّف مستوفياً للشّروط المعتبرة من البلوغ والعقل والحرّيّة وعدم الحجر، والإذن للعبد الصّغير والمميّز.
فمن كان كذلك جاز تصرّفه وتوكّله عن غيره، وتوكيل غيره عنه في كلّ ما تدخله النّيابة ومن لا فلا. وينظر من قواعد حرف الكاف القاعدة رقم ٢٣٤.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
البالغ العاقل الحرّ يجوز أن يعقد عقد النّكاح أو البيع لنفسه، فيجوز أن يوكّل فيه غيره، أو يتوكّل هو عن غيره في ذلك.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة، أو اختلف فيه:
السّفيه يجوز أن يكون وكيلاً عن المرأة في اختلاعها من زوجها ويصحّ. مع أنّ السّفيه محجور عن التّصرّفات القوليّة - لكن هنا لا ضرر عليه لأنّه يضيف المال إلى المرأة.
ومنها: إذا اصطرف رجلان، وأراد أحدهما أن يفارق المجلس قبل القبض، ووكّل رجلاً في ملازمة المجلس إلى القبض، لم يصحّ وينفسخ العقد.
ومنها: من طلّق إحدى زوجتيه أو أعتق أحد عبديه - دون تعيين - لا يجوز ولا يصحّ أن يوكّل غيره في تعيين المطلّقة أو المعتَق.
стр. 4559
ومنها: يجوز توكيل الكافر في شراء العبد المسلم، والمصحف للمسلم، ولا يجوز له أن يشتريه لنفسه.
ومنها: السّفيه المأذون له في النّكاح لا يصحّ له التّوكيل فيه.
ومنها: المحرم يوكّل في النّكاح من يعقد له بعد التّحلّل.
ومنها: المرأة تُوكَّل في الطّلاق في الأصحّ، ولا تباشره بنفسها.
ومنها: توكيل الكافر في طلاق المسلمة يصحّ في الأصحّ.
ومنها: توكيل معسر موسراً في نكاح أمَةٍ يجوز مع أنّه لا يجوز للموسر مباشرته لنفسه.
ومنها: الوصيّة لا يصحّ التّوكيل فيها في الأصحّ.
стр. 4560
القاعدة الرّابعة والثّلاثون بعد السّتمئة [الأمان]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
من ضرورة الأمان ثبوت العصمة عن الاسترقاق والقتل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
معنى الضّرورة هنا: اللزوم، أي من حقوق الأمان المترتّبة عليه للمستأمَن، وليس معنى الضّرورة هنا الاضطرار.
فمن لوازم الأمان ومن حقوقه المترتّبة عليه المستأمَن ثبوت عصمة المستأمن عن العبوديّة والاسترقاق - أي لا يصبح عبداً رقيقاً - وكذلك ثبوت عصمة وامتناع دمه أن يراق - أي فلا يقتل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حاصر المسلمون حصناً، فنادى أصحاب الحصن بالأمان - أي طلبوا الأمان من القائد المسلم - ثم نزلوا من حصنهم بناءً على موافقة القائد المسلم على طلب تأمينهم فليس له ولا لأحد من جنده استرقاق واحد منهم ولا قتله؛ لأنّ الأمان عاصم ومانع عن القتل والاسترقاق.
ومنها: إذا جاء كافر من دار الحرب، وطلب دخول دار الإسلام
стр. 4561
بأمان ليتاجر أو يزور بعض أقاربه من أهل الذّمّة، فأعطي الأمان ودخل دار الإسلام، فهو معصوم الدّم ولا يسترقّ ويخرج متى شاء أو في الوقت المحدّد لخروجه إن حُدّد له وقت خروج.
وإن لم يخرج في الوقت المحدّد بعد الإنذار فإنّه يعتبر ذمّة ويمنع من الرّجوع إلى دار الحرب.
стр. 4562
القواعد الخامسة والسّادسة والسّابعة والثّلاثون بعد السّتمئة [الضّمان والقضاء والأداء والإذن]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
من ضمن بالإذن رجع وإن أدَّى بلا إذن، ومن لا فلا وإن أدى بإذن (١).
وفي لفظ: من قضى دين غيره بأمره وكان له أن يرجع عليه (٢).
وفي لفظ: من قضى دين غيره بغير أمره، وهو مجبر عليه أو مضطر فيه - يرجع عليه (٣).
وفي لفظ آخر: من قضى دين غيره بغير أمره وهو مضطر فيه لا يجعل متبرعاً (٤).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
هذه القواعد - وإن اختلفت ألفاظها - تدور حول مغزى ومفهوم واحد وهو: الضّمان والأداء على الغير بالإذن، وبغير الأمر، اختياراً واضطراراً. فمن ضمن عن غيره شيئاً فأدّاه بإذنه أو بغير إذنه فله حقّ الرّجوع بالمؤدّى على الأصيل. وأمّا إن لم يضمن، وأدّى ولو بالإذن
стр. 4563
فلا حقّ له بالرّجوع على الأصيل ويعتبر متبرّعاً. ومن قضى دين غيره بأمره وطلب منه فله حقّ الرّجوع عليه؛ لأنّه كالوكيل في أداء الدّين للدّائن. ولكن إذا قضى الدّين بغير أمر المدين فإمّا أن يكون مضطراً للأداء ومجبراً عليه أو لا. فإن كان مجبراً على الأداء ومضطرّاً فيه فله الرّجوع على الدّائن ولا يجعل متبرّعاً، وإن كان غير مجبر ولا مضطر وأدّى وقضى الدّين بغير الأمر فلا حقّ له في الرّجوع ويجعل متبرعاً بما أدّى.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ضمن بما على زيد لعمرو بإذن من زيد وطلب منه، ثم أدّى المبلغ أو المقدار الذي ضمنه فله حقّ الرّجوع على زيد بما أدّى لعمرو سواء أذن له زيد أم لم يأذن. لأنّه إنّما أدّى بناء على ضمانه المأذون فيه.
ومنها: علم أنّ لزيد على عمرو ألفاً، فأدّاها لزيد بدون إذن عمرو فلا حقّ له في الرّجوع على عمرو لعدم الضّمان، ولو أذن عمرو له بالأداء فإنّه لا حقّ له أيضاً في الرّجوع لعدم الضّمان المسبق ويعتبر في الصّورتين متبرّعاً.
ومنها: أَمر زيد عمراً أن يقضي دينه لخالد، فأدّاه وقضاه بناء على الأمر فله حقّ الرّجوع على زيد بما أدّى.
ومنها: إذا أكره شخص أن يؤدّي ويقضي الدّين الذي على سالم لسلاَّم فأدّاه بالإكراه والإجبار، فله الرّجوع على سالم بما أدّى إلى سلاَّم.
стр. 4564
القاعدة الثّامنة والثّلاثون بعد السّتمئة [المظلوم لا يَظلم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مَن ظُلِم ليس له أن يظلم غيره (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبقت هذه القاعدة بلفظ (المظلوم لا يظلم غيره).
الظّلم ظلمات يوم القيامة فمن ظُلِم له الحقّ في الانتقام والانتصار من ظالمه، إن استطاع إلى ذلك سبيلاً. وهذا أمر وحقّ مشروع. لكن ان يوقع ظلمه على غير ذلك، فهذا الممنوع وهو موضوع القاعدة؛ لأنّه إذا ظلم مَن لم يظلمه صار ظالماً بعد أن كان مظلوماً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قتل شخص من قبيلة رجلاً آخر من قبيلة أخرى، أو من عشيرة غير عشيرته، فلا يجوز لأفراد قبيلة القتيل أو أوليائه من عشيرته أن يقتلوا من أفراد قبيلة القاتل أو عشيرته أحداً غير القاتل. وإلا صاروا ظالمين بعد أن كانوا مظلومين.
ومنها: إذا ضرب شخص آخر، فلا يجوز للمضروب أن ينتقم لنفسه بضرب شخص بريء غير الضّارب.
ومنها: من سُرِق له شيء، فلا يجوز أن يقوم بسرقة شيء من
стр. 4565
شخص آخر انتقاماً ممّن سرقه، أو انتقاماً لسرقته، كمن يسرق له حذاء من باب المسجد، فيغضب ويأخذ حذاءً لشخص ما زال في داخل المسجد بدلاً من حذائه المسروق، فقد أصبح سارقاً بعد أن كان مسروقاً.
стр. 4566
القاعدة التّاسعة والثّلاثون بعد السّتمئة [المنع والرفع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المنع أسهل من الرّفع (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق أمثال هذه القاعدة ضمن قواعد حرف الدّال تحت الرّقم ٢٢ بلفظ (الدّفع)، والمراد بالدّفع هو المراد بالمنع، أي أنّ أخذ الاحتياطات اللازمة قبل وقوع المحذور أسهل وأيسر وأقلّ كلفة وضرراً من رفع المحذور بعد وقوعه.
وهذا بمعنى القول المأثور (الوقاية خير من العلاج).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
تخليل الخلّ ابتداء بأن يوضع في عصير العنب ما يمنع تخمّره مشروع وجائز. لكن تخليلها بعد تخميرها ممنوع.
ومنها: السّفر قبل الشّروع في الصّيام يبيح الفطر، وإن سافر في أثناء يوم رمضان ففي استباحة فطره روايتان.
ومنها: وجود الماء بعد التّيمّم وقبل الشّروع في الصّلاة يمنع الدّخول فيها بالتّيمّم، ولو دخل فيها بالتّيمّم ووجد الماء، فهل تبطل الصّلاة أم لا؟ على روايتين.
стр. 4567
ومنها: أخذ الاحتياطات اللازمة قبل وصول المرض أو الوباء - بالتّطعيم وغيره - أيسر وأسهل جداً من محاولة رفع المرض أو الوباء بعد نزوله.
ومنها: الاستعداد والإعداد وتهيئة الأمّة مادّيّاً ومعنويّاً وعسكريّاً أيسر وأسهل في دفع الأعداء عن الدّين والبلاد والعباد؛ لأنّ العدوّ إذا علم أنّ الأمّة معدّة ومستعدّة لمجابهته لو هجم عليها يمنعه ذلك من الهجوم بخلاف ما لو علم أنّ الأمّة وقادتها لم يعدّوا ويستعدّوا للدّفاع فيغتنم الفرصة فيهجم على البلاد والعباد، وبعد ذلك دفعه مكلّف وقد يتعذّر.
ومنها: الإسلام يمنع الرّقّ ابتداءً ولا يرفعه بعد حصوله.
стр. 4568
القاعدة الأربعون بعد السّتمئة [الجهل بوجوب الحدّ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
من علم حرمة شيء ممّا يجب فيه الحدّ وجهل وجوب الحدّ لم ينفعه جهله بالحدّ، بخلاف جهله بالحرمة (١).
وفي لفظ: من علم حرمة شيء وجهل وجوب الحدّ لم يسقط عنه الحدّ بذلك الجهل لانتهاكه حرمة الله تعالى (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق مثال لهذه القاعدة قريباً بلفظ (من جهل حرمة شيء) تحت الرّقم ٦١٦.
стр. 4569
القاعدة الحادية والأربعون بعد الستمئة [منع الحقّ والضّرب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مَن عليه حقّ إذا مَنَع عن قضائه لا يُضرب (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تمثّل حكماً مبنيّاً على احترام وحفظ كرامة الإنسان ولو كان عليه حقّ لغيره، فإنّ الضرب عمل يحط من كرامة المضروب، ويهين نفسه، ويضع من شرفه.
ولذلك فإنّ مَن عليه حقّ لغيره من دين أو غيره فإنّه يحبس أو يلازَم، ولا يضرب ولا يقيّد ولا يُغَلّ في حبسه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كان على شخص دين وحان وقت أدائه، فامتنع عن قضائه - مع قدرته على الأداء والقضاء - فإنّ القاضي يحبسه حتى يؤدّي دينه أو يبرأه الدّائن، أو يسقط الحقّ عنه. ولا يجوز ضربه ليؤدّى ما عليه.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا امتنع شخص على الإنفاق على قريبه الذي تجب عليه نفقته من فروعه أو أصوله - فيحبس حينئذ ويجوز ضربه؛ لأنّ الحقّ يفوت بالتّأخير. هذا إن كان قادراً على الإنفاق وامتنع.
стр. 4570
ومنها: إذا لم يقسم بين نسائه، ووُعِظ فلم يرجع، فإنّه يضرب؛ لأنّ حقّ من لم يقسم لها يفوت بالتّأخير؛ لأنّ القَسْمَ لا يقضى.
ومنها: إذا امتنع من كفّارة الظّهار - مع قدرته - فيضرب؛ لأنّ حقّ زوجته في الجماع يفوت بالتّأخير لا إلى خَلَف.
стр. 4571
القاعدة الثّانية والأربعون بعد الستمئة [الإقرار والبيَّنة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
من عمل إقراره قبلت بَيِّنته وإلا فلا (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تتعلّق ببعض الصّلات الأسريّة، فمن قبل إقراره في والديه أو ولده أو زوجته أو وليّه، فإنّ بيِّنته وشهوده فيه تقبل، وأمّا إذا لم يقبل إقراره - بأن أقرّ بغير مَن سبق ذكره فلا تقبل بيَّنته فيه. كما لو أقرّ بعمّ أو أخ أو جد أو ابن ابن؛ لأنّ مدار قبول البيَّنة على وجود الخصم، وهؤلاء لا يكون المُقرُّ خصماً فيهم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أقرّ بأن هذا أبوه، أو هذه أمّه، أو هذا ولده، أو هذه زوجته، أو هذا مولاه، فإذا صدقه المدّعَى عليه عمل إقراره، وإذا أنكر المدّعَى عليه وأقام المدّعي البيَّنة على دعواه قبلت بيِّنته.
ومنها: إذا أقرّ أنّ هذا معتَق أبيه - وهو من مواليه - قبل إقراره فيه وكذا بيِّنته.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا ادّعى إرثاً فإنّه تقبل بيِّنته ولا يقبل إقراره. وكذا إذا ادّعى نفقة أو حضانة.
стр. 4572
القاعدة الثّالثة والأربعون بعد السّتمئة [العمل والضّمان]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
من عمل لغيره عملاً ولحقه ضمان يرجع على مَن وقع له العمل (١).
وفي لفظ: من عمل لغيره عملاً ولحقه ضمان، كان قرار الضّمان على من عمل له (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا عمل شخص عملاً لغيره - بأجر أو بغير أجر - والعمل كان بإذن ذلك الغير، فإذا لحق العامل ضمان أو غرم بسبب ذلك العمل فإنّه يرجع على صاحب العمل بما غرم وضمن؛ لأنه إنّما عمل لغيره بإذنه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا استأجر شخص عاملاً يحفر له في أرضه أو داره بئراً أو حفرة، فتضرّر من الحفر بيت جاره أو أرضه، فضمَّن المتضرّر العامل غُرم ما تضرّر، فإنّ العامل يعود على صاحب العمل ويطالبه بما غرم.
ومنها: إذا قال لعامل: اهدم جداري هذا، فهدمه العامل، ثم
стр. 4573
تبيّن أنّ الجدار كان لغير الآمر، فغرَّم صاحبه العامل، فإنّ العامل يعود على الآمر بما ضمن؛ لأنّه غرَّه بقوله: اهدم جداري هذا.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا قال شخص لعامل اهدم هذا الجدار، أو اقطع هذه الشّجرة. فهدم العامل الجدار وقطع الشّجرة، ثم تبيّن أنّ الجدار لغير الآمر، والشّجرة كذلك، فإنّ العامل هو الذي يغرم لا الآمر. لأنّ الضّمان هنا على المباشر. والعامل كان غير مضطر للعمل بقول الآمر: اهدم هذا الجدار أو اقطع هذه الشجرة، ولم يضفهما إلى نفسه.
стр. 4574
القاعدة الرّابعة والأربعون بعد السّتمئة [المنعُ والجمع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المنع من واحد مبهم من أعيان، أو معين مشتبه بأعيان يؤثر الاشتباه فيها المنع يمنع التّصرّف في تلك الأعيان قبل تمييزه.
والمنع من الجمع يمنع من التّصرّف في القدر الذي يحصل به الجمع خاصّة.
فإن حصل الجمع دفعة واحدة منع من الجميع مع التّساوي، فإن كان لواحد منهما مزيّة على غيره بأن يصحّ وروده على غيره ولا عكس اختصّ الفساد به على الصّحيح، والمنع من القدر المشترك كالمنع من الجميع يقتضي العموم (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة ذات جوانب متعدّدة يجمعها كلّها المنع من التّصرّف إمّا بسبب الإبهام وإمّا بسبب الجمع والعموم.
فإذا وجد واحد مبهم مجهول بين أعيان كثيرة، أو كان معيناً لكنّه اشتبه بأعيان يؤثّر فيها الاشتباه. فإنّ تصرّف المكلّف بشيء من تلك الأعيان ممنوع وغير جائز قبل تمييز وفصل المبهم أو المشتبه أو ما
стр. 4575
يراد التّصرّف فيه.
وإذا منع شخص من الجمع، فإنّ المنع ينصبُّ على القدر الذي يحصل به الجمع خاصّة - لا ما قبله - ولكن إن حصل الجمع دفعة واحدة فإنّه يمنع من التّصرّف في الجميع إذا كانت متساوية، أمّا إذا كان أحدها مميّزاً عن غيره بسبب صحّة وروده على غيره ولا يصحّ ورود غيره عليه فإنّ الفساد يختصّ به على الصّحيح.
وأخيراً: فإنّ المنع من القدر المشترك بين أشياء كالمنع من الجميع لإفادته العموم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا طلّق رجل واحدة مبهمة من زوجاته، مُنِع من وطء زوجاته كلَّهن حتى يبيّن المطلَّقة. أو يميّز بالقرعة على الصّحيح عند الحنابلة.
ومنها: إذا أعتق واحدة من إمائه مبهمة مُنع من وطء أي واحدة منهنّ، أو بيعها حتى يعيّن أو يميّز بالقرعة.
ومنها: إذا اشتبهت أخته نسباً أو رضاعاً بعدد محصور من الأجنبيات مُنِع من التّزوّج بكلّ واحدة منهنّ حتى يعلم أخته من غيرها.
ومنها: إذا اشتبهت ميتة بمذكاة - وكلاهما مسلوخة - فإنّه يمنع من الأكل من أيّ منهما حتى يعلم المذكاة.
ومنها: إذا أعطينا الأمان لواحد من أهل حصن، أو أسلم واحد منهم، ثم ادّعى كلّ واحد منهم أنّه المستأمن أو أنّه المسلم حَرُم قتلهم أو استرقاقهم جميعاً بغير خلاف.
стр. 4576
ومن أمثلة الصّورة الثّانية:
إذا ملك أختين أو أمَّاً وبنتها فالمشهور عند الحنابلة أنّ له الإقدام على وطء واحدة منهما ابتداء، فإذا فعل حَرُمت عليه الأخرى. لأنّه لا يجوز الجمع بينهما.
ومنها: إذا أسلم على خمس نسوة ففارق واحدة، فإنّه يمسك عن وطء واحدة منهنّ حتى تستبرئ المفارقة، أي له وطء ثلاث دون الرّابعة حتى تنتهي عدّة المفارقة.
ومنها: إذا تزوّج خمساً أو أختين في عقد واحد فالنّكاح باطل في الجميع؛ لأنّ الجمع حصل به دفعة واحدة ولا مزيّة للبعض على البعض فيبطل. بخلاف ما إذا تزوجهنّ بعقود متفرّقة فإنّما يبطل عقد الأخيرة فقط.
ومنها: إذا تزوّج أمَّاً وبنتاً في عقد واحد ففيه وجهان: أحدهما: يبطل النّكاحان معاً. كالمثال السّابق. والثّاني يبطل نكاح الأم إذا عري عن الدّخول بخلاف العكس, لأنّ العقد على البنت يحرّم الأم، والدّخول بالأمّ يحرّم البنت.
ومنها: إذا تزوّج حرّة وأمَةً في عقد واحد وهو فاقد لشرط نكاح الإماء، فإنّه يبطل نكاح الأمَة وحدها على الأصحّ. وذلك لأنّ الحرّة تمتاز عليها بصحّة ورود نكاحها عليها في مثل هذه الحال ولا عكس.
ومن أمثلة الصّورة الثّالثة: وهو المنع من القدر المشترك:
стр. 4577
إذا قال لزوجاته: لا وطئت إحداكن، ناوياً بذلك الامتناع عن وطء مسمّى إحداهنّ وهو القدر المشترك بين الجميع - لأنّ كلّ واحدة منهنّ هي إحداهن - فيكون مولياً من الجميع - مع أنّ العموم يستفاد أيضاً من كونه مفرداً مضافاً. أمّا لو قال: لا وطئت واحدة منكنّ. فالمذهب الصّحيح أنّه يعمّ الجميع أيضاً؛ لأنّ النّكرة في سياق النّفي للعموم.
وقيل: يكون مولياً من واحدة غير مُعَيَّنة فتخرج بالقرعة. وهذا قول لا يصحّ.
стр. 4578
القاعدة الخامسة والأربعون بعد السّتمئة [المنفعة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المنفعة إنّما تملك بملك الأصل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة واضحة المعنى، فإنّ المنفعة النّاتجة عن أصل هي مملوكة لمن ملك الأصل، لأنّ مَن ملك الأصل ملك منفعته. فله الانتفاع بها أو نقل هذه المنفعة وبيعها إلى غيره بعقد الإجارة أو الهبة أو الإعارة أو غير ذلك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى داراً أو سيّارة فقد ملك منفعة الدّار بسكناها أو تأجيرها، وله الانتفاع بالسّيّارة بنفسه أو وكيله أو غير ذلك من أنواع التّصرّفات.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا أوصى برقبة عبد أو دار أو دابّة لشخص، وأوصى بمنفعة العبد أو الدّار أو الدّابّة لغيره، فذلك جائز، فهنا من يملك الرّقبة لا يملك المنفعة.
ومنها: الأمَة يزوّجها سيّدها - فإنّه يملك رقبتها ولا يملك منفعة
стр. 4579
بضعها ما دامت مزوّجة.
ومنها: المرهون يملكه الرّاهن، وفي ملك منفعته أثناء الرّهن خلاف.
ومنها: المبيع إذا كان ثمنه حالاً. فإنّ للبائع أن يمنع المشتري من الانتفاع به حتى يسلّم الثّمن.
أمّا إذا كان الثّمن مؤجّلاً فلا يحقّ له منعه من الانتفاع به.
стр. 4580
القاعدة السّادسة والأربعون بعد الستمئة [فعل المحرّم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
من فعل ما يعتقد تحريمه لم يقع مجزئاً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا فعل شخص فعلاً معتقداً أنّه محرّم، فإنّ هذا الفعل لا يقع مجزّئاً أو مبرئاً للذّمّة، ولو كان الفعل في الواقع غير محرم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا صلّى لغير القبلة مع العلم والقدرة فإنّ صلاته باطلة غير مجزئة؛ لأن التّوجّه إلى غير القبلة - مع العلم والقدرة - محرّم.
منها: إذا قصر المسافر معتقداً تحريم القصر، لم تصحّ صلاته؛ لأنّ نيّة التّقرّب بالصّلاة شرط، وهذا يعتقد أنّه عاص، فلم تحصل نيَّة التّقرّب.
ومنها: إذا صلّى وهو يعتقد أنّه محدث - وهو قادر على إزالة حدثه - أو كان غير محدث حقيقة - فصلاته باطلة وهو آثم.
ومنها: إذا صام في حال سفره وهو يعتقد أن صومه محرّم في السّفر.
ومنها: إذا حجّ بمال مسروق - وهو يعتقد أنّ حجه بالمال المسروق حرام - لا يصحّ حجّه ولا تسقط عنه حجّة الإسلام.
стр. 4581
القاعدة السّابعة والأربعون بعد السّتمئة [صلة مَن هو في دار الحرب بمن هو في دار الإسلام]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
من في دار الحرب في حقّ من هو في دار الإسلام كالميّت (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
دار الحرب - هي دار الكفر والشّرك - ودار الإسلام داران متقابلان لكلّ منهما حكم يخالف حكم الآخر، ولكلّ منهما أحكام تخصّه.
ولذلك فإنّ بين الدّارين قطيعة وانفصال - كانفصال وقطيعة وبعد الكفر عن الإيمان والإِسلام -. ولذلك فإن مَن في دار الحرب لا يرث من هو في دار الإسلام، ولذلك فإنّ السّاكن والمقيم في دار الحرب يعتبر في حقّ من هو في دار الإسلام كالميّت في أحكامه.
وأمّا المسلم حيثما كان في ديار الإسلام - وإن قُسَّمت الآن دولاً وشعوباً وجنسيات مختلفة - أقول رغم ذلك الاختلاف والانفصال فالمسلم في كلّ دار من دور الإسلام يرث أخاه المسلم ويورّثه حيثما كان.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا وُجد حربي مستأمن في دار الإسلام، وأوصى بماله كلِّه لمسلم أو ذمّي، فهو جائز؛ لأنّ حكم الإسلام لا يجري على ورثته؛ لأنّ
стр. 4582
امتناع نفوذ الوصيّة فيما زاد على الثّلث لحقّ الورثة، وليس لورثة الحربي حقّ مرعي في دار الإسلام.
ومنها: إذا أعتق المستأمن عبداً له عند الموت أو دبَّره - وهو في دار الإسلام - فذلك صحيح منه، من غير اعتبار الثّلث كذلك.
ومنها: إذا أوصى ذمّي لحربي في دار الحرب لم تجز الوصيّة؛ لتباين الدّارين بينهما حقيقة وحكماً، ولذلك لا يجري التّوارث بينهما.
стр. 4583
القاعدة الثّامنة والأربعون بعد السّتمئة [قول ذي اليد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
من في يده شيء فقوله مقبول فيه ما لم يحضر خصم ينازعه في ذلك (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة بمعنى قاعدة سبقت في حرف الألف تحت الرّقم ٦٠١ ولفظها (الأموال باقية على ملك أربابها) (٢).
فمن كان في يده أو تحت يده وتصرّفه شيء فقوله بأنّه ملكه قول مقبول منه بغير يمين بشرط أن لا يحضر خصم ينازعه في ذلك؛ لأنّه إذا حضر خصم أو وجد خصم ينازعه في ملكيّة ما في يده، أو ما تحت يده فإنّ مجردّ قوله غير مقبول، فإذا رفع الأمر للقضاء فعلى خصمه البيَّنة، وإلا فعليه اليمين.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حضر إنسان إلى السّوق ومعه شيء يريد بيعه كسّيّارة أو شاة أو ملابس أو سلعة غير ذلك، فإنّ مَن يريد الشّراء له الحقّ في شراء تلك السّلعة، ولا يجب عليه أن يستفسر من البائع إن كانت هذه السّلعة
стр. 4584
ملكه أو غير ملكه، إلا عند الشّكّ في أمانة البائع - بأن عُرِف عنه الخيانة أو السّرقة مثلاً -. لكن إذا جاء خصم وقال. لا تشتر هذه السّلعة منه؛ لأنّها ملكي أو لأنّها ليست ملكه، فهنا يجب على المشتري أن يتوقّف عن الشّراء، وعلى الخصم المدّعي إثبات دعواه أمام القضاء بالبيِّنة أنّ هذه السّلعة ليست ملك مَن هي في يده أو تحت يده. وإن لم يأت بالبيَّنة فإنّ القاضي يوجّه اليمين على المدّعَى عليه، فإن حلف ثبتت يده وصحّ قوله لما في يده.
ومنها: إذا كانت دار ميراثاً بين قوم حضور تصادقوا عند القاضي عليها وأرادوا القسمة، وسألوا القاضي أن يقسمها بينهم، فإنّ القاضي يقسمها بينهم ويشهد عليهم أنّه قسمّها بإقرارهم، وقضى بذلك عليهم دون غيرهم؛ لأنّ اليد فيها لهم، وهذا عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى.
وأمّا عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى فلا يقسم القاضي العقار بإقرار الورثة حتى تقوم البيَّنة على أصل الميراث.
стр. 4585
القاعدة التّاسعة والأربعون بعد السّتمئة [مقبول الرّواية والشّهادة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
مَن قُبِلت روايته أو شهادته في شيء فهل يكتفى بإطلاقه القول في ذلك أو يكلّف بيان السّبب (١)؟ يختلف الأمر باختلاف الصّور.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
من تقبل روايته - أي في نقل الأحاديث والأخبار - أو تقبل شهادته في شيء أو على شيء أمام القاضي - ولا يكون كذلك إلا وهو عدل مقبول - فإذا روى أو شهد في شيء ما وأطلق القول فهل يكتفي بذلك، أو لا بدّ من بيان السّبب؟
قالوا: إذا كان الشّيء لا تشتبه طرقه، ولا يختلف فيه المجتهدون فلا يكلّف بيان السّبب. لكن فيما اشتبهت طرقه، واختلف المجتهدون فيه ففي تكليفه بيان السّبب خلاف، هل يكلّف طلباً للاحتياط ودرءاً للاحتمال، أو لا يكلّف إذا كان جاهلاً حيث لا يقبل خبره ولا شهادته في ذلك - والكلام في العالم مقبول الرّواية والشّهادة لا الجاهل - وإذا كان عالماً فهو يدري أين يضع قوله.
أو يكلّف عدم ذكره لئلا يورث ذكره إيّاه ريبة؟ خلاف باختلاف
стр. 4586
الصّور.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الشّهادة بالجرح والتّعديل، الصّحيح لا بدّ من بيان سبب الجرح دون التّعديل.
ومنها: إذا أخبره ثقة بنجاسة الماء، أو شهد به شاهدان، لم يقبل ما لم يبيّن سبب االنّجاسة، لكن إذا كان المخبر فقيهاً موافقاً في المذهب، فلا يكلّف بيان السّبب.
ومنها: إذا شهد باستحقاقه الشّفعة، فلا بدّ من بيان السّبب.
ومنها: إذا شهد بأنّ هذا وارث هذا الميّت، لا بدّ من بيان السّبب الذي يستحقّ به الميراث.
стр. 4587
القاعدة الخمسون بعد السّتمئة [القول في الأصل والصّفة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
من قُبِل قوله في أصل الشّيء كان القول قوله في صفته (١). أو قبل القول في فرعه (١)، لأنّه تابعه.
وفي لفظ: من كان القول قوله في أصل الشّيء كان القول قوله في صفته (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق القول بأنّ من في يده شيء فقوله مقبول فيه، فمن قبل قوله في ملكيّة شيء يخصّه، كان القول قوله أيضاً في صفته؛ لأنّ الصّفة تتبع الموصوف، وصاحب الشّيء ومالكه أعلم بصفته من غيره، وكذلك يكون القول قوله في فرعه؛ لأنّ الفرع تابع لأصله.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا جاء شخص بقماش لخيّاط، وقال له: اقطع لي من هذا القماش قميصاً، ثم إنّ الخيّاط قطعه قباء، فاختلفا. فقال صاحب الثّوب: أذنت في قطع الثّوب أو القماش قميصاً. وقال الخيّاط: بل أذنت في قطعه قباءً. فالقول قول صاحب القماش مع يمينه.
стр. 4588
أمّا إذا كان القماش للخيّاط فالقول قوله مع اليمين.
ومنها: إذا قال: بعتك هذه النّخلة بعد التّأبير - أي التّلقيح - فالثّمرة لي.
وقال: المشتري بل بعتني قبل التّأبير. فالقول قول البائع. لأنّه مالك الأصل.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
غاب الزّوج سنة، ثم ادّعى أنّه طلَّق بائناً في صدر مدّة الغيبة - أي في أوّل سنة غيابه - فكذّبته الزّوجة وطالبت بالنّفقة. قالوا: القول قولها في حقّها. والقول قوله في أصل الطّلاق.
ومنها: الأصحّ أنّ القول قول مدّعي صحّة البيع دون فساده، مع أنّهما لو اختلفا في أصل البيع فالقول قول البائع.
стр. 4589
القاعدتان الحادية والثّانية والخمسون بعد السّتمئة [المماثلة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
من قُتِل بشخص قُطع به ومن لا فلا (١).
ومن قُتِل بشيء قُتِل بمثله (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هاتان قاعدتان تتعلّقان بوجوب المماثلة، فأولاهما: تتعلّق بوجوب المماثلة في الأشخاص والمساواة بينهم، فإنّ مَن قتل مساويه عمداً عدواناً قتل به، ومن قُتِل بمن قتل - أي مَن اقتُصّ منه لقتل مساويه ومكافئه - اقتُصّ منه لقطع طرف من أطرافه عمداً. ومن لم يقتل بالشّخص لعدم المساواة لا يقطع طرف بقطع طرف منه.
وثانيتهما: تتعلّق بوجوب المساواة بآلة القتل، فمن قَتَل بالسّيف قُتِل به. إلا فيما استثني.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا قطع حرّ يد مسلم حرٍّ مسلم مثله قطع به؛ لأنّ الحرّ المسلم يقتل بالحرّ المسلم.
ومنها: من قتل غيره بالسّيف قُتِل به. ومن قتل غيره
стр. 4590
بالرّصاص قُتِل به.
رابعاً: مما استثني من مسائل هاتين القاعدتين:
لا تقطع اليد الشّلاء بالصّحيحة ولا الصّحيحة بالشّلاء؛ لأنّ شرط قطع اليد أن تكون نصفاً من صاحبها وليست الشّلاء كذلك. مع أنّ صاحب اليد الصّحيحة يقتل بصاحب اليد الشّلاء والعكس.
ومنها: إذا جنى المكاتب على عبده في الطّرف فله القصاص منه، مع أنّه لا يقتل به على الأصحّ.
ومنها: من قتل غيره بمحرّم كإيجار الخمر حتى قتله، أو لاط به حتى قتله لا يقتل بالمثل وإنّما يقتل بالسّيف.
وممّا اختلف فيه: هل إذا قتله بالسّمّ يقتل به أو بالسّيف؟
ومنها: إذا أنهشه أفعى أو حبسه مع سبع في مضيق، فهل يتعيّن السّيف أو يقتل بمثل ما فعل؟ ورجّح بعضهم الثّاني.