الرجل إذا تطيب قبل الإحرام بطيب وبقيت رائحته بعد الإحرام، كُره ذلك عند محمد وجُعل البقاء عليه كابتدائه وعند أبي يوسف لا يكره. والمسألة مختلف فيها بين الفقهاء.
ومنها: إذا قال الرجل لامرأته إذا جامعتك فأنت طالق. فجامعها. قال أبو يوسف: إذا أولج وقع الطلاق. فإن أخرج ثم أولج صار مراجعاً - إذا كانت الطلقة رجعية.
وقال محمد: إذا أولج ومكث هنيهة على ذلك صار مراجعاً. فجعل البقاء عليه كابتدائه.
стр. 457
القاعدة الرابعة والتسعون بعد المائتين [المبدل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند الحنفية أن بالقدرة على الأصل أي المبدل قبل استيفاء المقصود بالبدل ينتقل الحكم إلى المبدل. - أي الأصل. وعند أبي عبد الله الشافعي لا ينتقل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأشياء لها أصول يجب أداؤها بوجودها وإذا لم يوجد الأصل ينتقل الطلب إلى بدله إذا كان له بدل. كالماء أصل في الطهارة فإذا عُدِم الماء أو لم يقدر على استعماله ينتقل إلى بدله وهو التيمم.
فتفيد هذه القاعدة أن المكلف إذا لم يجد الأصل - أي المبدل منه - وكان قادراً على البدل، ولكن قبل تمام العمل بالبدل عملاً تاماً كاملاً قدر على الأصل فهل يعود الحكم إلى الأصل - ولنُسَمِّه العزيمة - أو يبقى على البدل - ولنُسمِّه الرخصة؟.
فعند الحنفية يعود الأمر إلى أصله - ويبطل ما عمل بالبدل. وقالوا: إن عند الشافعي يبقى الحكم للبدل ولا يرجع إلى الأصل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
المتيمم إذا وجد الماء خلال صلاته وقبل تمامها فعند الحنفية، والحنابلة (٢) تفسد صلاته وعليه الوضوء واستئناف الصلاة، وأما عند الشافعي ﵁ فلا تبطل ولا ينتقل إلى الأصل (٣).
стр. 458
وعند المالكية قولان: الأول قول مالك وهو عدم البطلان، والثاني: قيل يبطل وعليه الوضوء واستئناف الصلاة وإليه مال سحنون (١).
ومنها إن المكفِّر عن يمينه إذا كفَّر بالصوم فوجد في اليوم الثاني أو في اليوم الثالث ما يكفر به من إطعام أو كسوة أو عتق. بطل حكم الصوم عند الحنفية. ولم يبطل عند الشافعي ﵀ (٢).
стр. 459
القاعدة الخامسة والتسعون بعد المائتين [البناء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن البناء لبانيه (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تفيد هذه القاعدة أنه عند الاختلاف في بناء بين صاحب أرض وباني بناء فيها أن يكون البناء للباني لا لصاحب الأرض. إذا كان صاحب الأرض قد أذن للباني في البناء.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
رجل تناول ارضاً بني فيها ثم إنه آجرها بعد ذلك، ثم اختلف مع رب الأرض، فقال رب الأرض أمرتك أن تبني فيها ثم تؤجرها. وقال الآخر أي الباني: غصبتها منك وبنيت وأجرت. فالقول للباني - مع يمينه - إذا لم تكن هناك بينة لرب الأرض - وتقسم الأجرة بين الأرض والبناء فما أصاب الأرض بلا بناء فهو لصاحب الأرض، وما أصاب البناء فهو لبانيه، والعلة في استحقاق الأجرة للباني أن بناءَه كان بإذن صاحب الأرض.
أما لو كان البناء بغير إذن صاحب الأرض فالبناء تبع للأرض وهي القاعدة التالية.
стр. 460
القاعدة السادسة والتسعون بعد المائتين [البناء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن البناء تابع للأرض (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة في الظاهر تخالف سابقتها, لأن الباني في الأرض هنا بنى بغير إذن صاحبها، فالباني غاصب للأرض بانٍ بغير إذن فالبناء هنا تابع للأرض وصاحب الأرض هنا يدعي الأرض والبناء، وقد ثبت استحقاقه في الأرض فيستحق البناء تبعاً، بخلاف السابقة لأنه وإن ثبت استحقاق الأرض لصاحبها فلم يثبت له استحقاق البناء لأن الباني إنما بنى بإذن صاحب الأرض.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
رجل في يده أرض استحقها آخر فقال الذي في يده الأرض: البناء لي لأني غصبتها منك وبنيتها، وقال رب الأرض: غصبتها مني مبنية، كان القول قول رب الأرض مع يمينه - عند عدم بينة من الغاصب على البناء - ويكون البناء لصاحب الأرض, لأن البناء تابع للأرض.
стр. 461
القاعدة السابعة والتسعون بعد المائتين [الكتاب - البيان - الخطاب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن البيان بالكتاب بمنزلة البيان باللسان (١) ".
وفي لفظ: "الكتاب كالخطاب (١) ".
تحت قاعدة "العادة مُحكّمة" هنا وتأتي في حرف الكاف إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إن العبارات الكتابية كالمخاطبات الشفهية في ترتب الأحكام عليها، فما يترتب على المكالمات الشفوية يترتب على المكالمة الكتابية.
وكما قيل "القلم أحد اللسانين، والكتابة ممن نأى بمنزلة الخطاب ممن دنا.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كان رجل في مكة وكتب إلى آخر في دمشق: بعتك داري الكائنة في دمشق أو في غيرها - وذكر أوصافها وموقعها وحدودها والمبلغ الذي سيبيعها به فيكتب إليه الآخر بعد وصول الكتاب اشتريت منك الدار المذكورة فينعقد البيع بينهما كالمشافهة.
стр. 462
القاعدة الثامنة والتسعون بعد المائتين [البيان - الاقرار]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن البيان يعتبر بالابتداء إن صح الابتداء وإلا فلا (١) ".
وفي لفظ: "من أخبر عن أمر يملك إنشاءه في الحال يصدق فيه ومَن لا فلا (٢) ". وتأتي في حرف الميم إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا ورد قول مبهم يحتاج إلى البيان - وكان ذلك القول وارداً في وقت لا يظهر فيه معناه فإنما يُحمل على أنه ابتداء قول، فإذا صح الابتداء بذلك القول أَو إنشاؤه في الحال صح بيانه وصدق فيه قائله وإلا لم يصح.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال رجل لامرأَتيه - وقد دخل بهما - أنتما طالقتان. ثم قال لهما - وهما في العدة - إحداكما طالق ثلاثاً، فعلى الرجل بيان المطلقة منهما ما دامتا في العدة، كما لو قال لهما هذا القول ابتداءً, لأنه الآن يملك إنشاء الطلاق الثلاث.
فإذا بيَّن المطلقة منهما صح ووقع عليها الطلاق البائن.
أما لو انقضت عدتهما ثم بيَّن المطلقة ثلاثاً فلا يصح طلاقه, لأنه لا يصح منه الآن بعد انقضاء العدة.
وأما إذا انقضت عدة إحداهما أولاً وبقيت الآخرى للثلاث فتقع عليها.
стр. 463
القاعدة التاسعة والتسعون بعد المائتين [تخصيص الصفة - مفهوم المخالفة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند جمهور الحنفية أن تخصيص الشيء بالذكر والصفة لا ينفي حكم ما عداه وعند الإمام الشافعي ينفي حكم ما عداه (١) ". [أصولية فقهية]
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه قاعدة أصولية تختص ببيان حكم ما يسميه الحنفية تخصيص الشيء بالذكر والصفة، وما يسميه غيرهم "مفهوم المخالفة".
فالقاعدة عند الحنفية أن تخصيص الشيء بالذكر والصفة لا ينفي حكم غيره مما لم يذكر أو يوصف بنفس الصفة. وإن ما ذكر أو خصص بصفة فله حكمه المذكور وما عداه فهو مسكوت عنه ولا يحكم عليه بحكم مخالف للمذكور أو موافق له.
وأما عند الإمام الشافعي وغيره من الأئمة رضوان الله عليهم فما خص بذكر أو صفة فما عداه فحكمه بخلافه. ولزيادة التفصيل في هذه المسألة يرجع إلي كتب أصول الفقه عند الحنفية وغيرهم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
أن نكاح الأمة الكتابية جائز عند الحنفية, لأنها مسكوت عنها. وعندهم غيرهم لا يجوز لقوله تعالى ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٢) حيث خص المؤمنات بالذكر فكان من عداهن حكمه خلاف حكمهن.
ومنها: أن المبتوتة لها النفقة والسكنى حاملاً كانت أو غير
стр. 464
حامل لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١) وهذا مذهب الحنفية (٢).
وعند الشافعي ﵁، لا نفقة لها إذا كانت غير حامل لأن الله تعالى قد خص الحامل (٣)، وهذا وصف لها فانتفى الحكم عن غيرها ولكن لها السكنى فقط، وهو مذهب مالك ﵀.
وعند أحمد ﵀ ثلاث روايات أشهرها أنها لا نفقة لها ولا سكنى (٤).
стр. 465
القاعدة الثلاثمائة [الترجيح]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل الترجيح بقوة السبب (١) ". [أصولية فقهية]
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا تعارض أمران ومع أحدهما سبب أقوى من الآخر فإنه يرجح بالسبب الأقوى. وبأخذ الفعل حكمه بناء على ذلك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اجتمع في مال ميت وصية وعتق بديء بالعتق، كما لو كان لإنسان مال أوصى ببعضه وعتق عبده، وكان عبده المعتق ثلث ماله - فيعتق العبد ويقدَّم على الوصية, لأن العتق لا يحتمل الفسخ. والرق بعد سقوطه لا يحتمل العود. ولذلك كان العتق أقوى سبباً من الوصية, لأنه يلزم بنفسه على وجه لا يحتمل الرد والرجوع عنه. بخلاف الوصية.
стр. 466
القاعدة الواحدة بعد الثلاثمئة [تعليق الأملاك]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن تعليق الأملاك بالأخطار باطل وتعليق زوالها بالأخطار جائز (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التعليق: هو ربط أو اشتراط حصول شيء بحصول شيء آخر. ومعنى الأخطار الأمور التي يمكن أن تقع وأن لا تقع.
فتفيد هذه القاعدة أن ربط حصول الأملاك بما يمكن أن يقع وألا يقع يمنع حصولها ويبطل عقودها (٢).
وأما زوال الأملاك فربطها وتعليقها بما يمكن أن يقع وألاَّ يقع فهو جائز وتترتب الأحكام تبعاً لحصول الشرط.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال رجل لآخر إذا دخلت هذه الدار فقد بعتك هذه السيارة بمبلغ كذا، فقال: قبلت. أو قال ذلك في الإجارة أو الهبة أو غيرها لم يصح العقد ولم يقع الملك عند حصول الشرط ووجوده.
ولكن إذا قال لامرأته: إذا دخلت الدار فأنت طالق، فعند وجود الشرط يقع الطلاق ويزول ملك النكاح.
стр. 467
القاعدة الثانية بعد الثلاثمئة [المراعاة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" أصل مالك ﵁ تقديم مراعاة ما لا بد منه على ما منه بد وإن كان دونه في الطلب (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأمور من حيث أهميتها مراتب فمنها الأهم ومنها المهم، ومنها ما دون ذلك، ومنها ما لا بد للإنسان منه، أو ما لا بد للعبادة من وجوده أو انتفائه، ومنها ما يمكن للإنسان أن يستغني عنه أو تصح العبادة بدونه، فعند التعارض يقدم الأهم على ما دونه، ويقدم ويراعى ما لا تتم العبادة على وجهها الصحيح إلا به يقدم على ما يمكن أن تتم بدونه أو أن وجوده يفسدها. ولو كان ما يقدم ويراعى دون غيره في الحاجة إليه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من مشى بخفه على ما لا يجزيء فيه الدلك من النجاسة - كالنجاسة السائلة - ولا يوجد ماء لكي يغسله أو يغسل قدميه يجب عليه خلع خفه ثم ينتقل إلى التيمم ولا يصلي على حاله. فهنا قدم صحة الصلاة بالتيمم - وهو الأمر الذي لا بد منه - على خلع الخف النجس - وإن كان لابسه متوضئاً.
ومنها: من رعف ورجا أن يتقطع الرعاف قبل خروج الوقت جاز له تأخير الصلاة إلي آخر الوقت الضروري، وقيل الاختياري - فهنا أيضاً قدم وروعي صحة الصلاة بطهارة تامة مع تأخيرها، على أدائها في أول وقتها مع النجاسة، وهي دم الرعاف السائل.
стр. 468
القاعدة الثالثة بعد الثلاثمئة [تعارض الأدلة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن التوفيقين إذا تلاقيا وتعارضا وفي أحدهما ترك اللفظين على الحقيقة فهو أولى (١) ". [أصولية فقهية]
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تشير إلى تعارض الدليلين وتبين إحدى طرق الجمع بين المتعارضين. فإذا وجد تعارض بين دليلين وكان في دلالة أحدهما ترك اللفظين في الحقيقة وفي الآخر عمل بأحدهما وإهمال الآخر كان الأول أولى. لأن إعمال اللفظين بجمل أحدهما على الآخر أولى من ترك وإهمال أحدهما. ويكون هذا من باب التوفيق بين الأدلة وهو أولى من ترجيح أحدهما وإهمال الآخر.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
قال ﷺ "المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة (٢) " مع قوله ﵊ "المستحاضة تتوضأ لكل صلاة (٣) " ففي الحديث الأول ذكر الوقت فيفيد أن الوضوء موقت بالصلاة.
والثاني: ليس فيه ذكر الوقت فيفيد أن المستحاضة تتوضأ لكل فريضة لا لوقت الصلاة.
стр. 469
فعمل الحنفية بالأول فأباحوا للمستحاضة إذا دخل الوقت وتوضأت أن طهارتها ممتدة فتصلي بوضوئها ما شاءت من الصلوات حتى يخرج وقت تلك الصلاة التي توضأت لها.
وعمل الشافعية بالثاني فأهملوا الوقت وأوجبوا على المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة ولم يحدد الطهارة بالوقت، وفي هذا إهمال للتوقيت، ومالك يستحب للمستحاضة الوضوء لكل صلاة ولا يوجبه (١). وعند أحمد تتوضأ لكل صلاة وتصلي ما شاءت من الصلوات (٢) وأما عند الشافعي فيوجب عليها الوضوء لكل فريضة (٣).
стр. 470
القاعدة الرابعة بعد الثلاثمئة [التيمم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل في باب التيمم أن يكون حكمه مأخوذاً من المسح على الخفين (١) ".
خلافاً للشافعي في بعض المسائل المبنية على هذا الأصل.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تشير هذه القاعدة إلى حكم نوعين من أنواع الطهارة بالمسح في أيهما أصل.
فعند الحنفية: أن المسح على الخفين أصل في المسح ويحمل عليه في الأحكام التيمم, لأنه مسح، وإن كان المسح على الخفين بالماء ومسح التيمم بالتراب.
وقد خالف الشافعي ﵁ في بعض المسائل المبنية على هذا الأصل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
عند الحنفية يجوز التيمم قبل وقت الصلاة, لأنه مسح أقيم مقام الغسل فأشبه المسح على الخفين، والمسح على الخفين يجوز قبل دخول وقت الصلاة.
وأما عند الشافعي (٢) ﵁ وعند مالك (٣) ﵁ ورواية عن أحمد (٤) ﵁، فإنه لا يجوز التيمم قبل دخول الوقت.
стр. 471
ومنها أن المتيمم إذا فرغ من الصلاة ثم وجد الماء قبل خروج الوقت لا تلزمه الإعادة عند الحنفية ولا عند الشافعي وأحمد ﵄، وأما عند الإمام مالك بن أنس فيلزمه الإعادة استحباباً (١)
стр. 472
القاعدة الخامسة بعد الثلاثمئة [الجمع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن الجماعة شرط في الجمع بين الصلاتين في عرفات (١) ". [ضابط]
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
السنة الجمع بين صلاتي الظهر والعصر في وقت الظهر في عرفات، جمع تقديم - يوم عرفه - ولكن هل يسن الجمع للمنفرد كما هو للجماعة؟ عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى: أن من شروط جواز الجمع بين الصلاتين في عرفات وجود الجماعة، فمن صلى منفرداً فلا يجمع، لأن الرسول ﷺ إنما جمع بالناس، وهو بمنزله الجمعة. وهناك رواية أخرى عن الإمام لا يشترط لها الجماعة.
стр. 473
القاعدة السادسة بعد الثلاثمئة [الجهالة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند ابن أبي ليلى (١) أن الجهالة إذا قلَّت لا تؤثر في فساد العقد، وإن كثرت توجب فساده.
وعند علماء الحنفية إن ما لا تقع المنازعة فيه إلى القاضي فلا أثر لعلة الجهالة وكثرتها في فساده (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تفيد هذه القاعدة بيان أثر الجهالة في أحد العوضين: فعند ابن أبي ليلى إن المؤثر في فساد العقد هي كثرة الجهالة، فإذا قلَّت الجهالة لم يفسد العقد، وإن كثرت فسد العقد، ولا حد لقلة الجهالة وكثرتها إلا العرف.
وأما عند الحنفية فإن الذي يؤثر في فساده العقد، إنما هو وقوع المنازعة عند القضاء فما تقع فيه االمنازعة التي توجب الرفع إلى القاضي فهذا الذي يوجب فساد العقد. وما لا فلا, ولا أثر لقلة الجهالة وكثرتها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال الرجل: كل امرأة أتزوجها فهي طالق. فتزوج يقع الطلاق على المنكوحة عم أو خص. عند الحنفية.
стр. 474
وقال ابن ليلى: إذا عمَّ لم يصح التعليق، وإن خص فالتعليق يصح., لأنه إذا عمَّ كثرت الجهالة وإذا خصَّ قلت الجهالة.
ففي هذا المثال يتضح أن المقصود بالعقد ليس - عقد البيع فقط، بل كل تصرف يمكن أن يتصرف به الإنسان أو كل عبادة يتلفظ بها الإنسان ليبني عليها حكماً شرعياً.
ومنها: إذا قال الرجل: كل عبد اشتريه فهو حر. ثم اشترى عبداً صح تعليقه ووقع العتق عمَّ أو خصّ عند الحنفية.
وأما عند ابن أبي ليلى: إذا عمَّ لا يقع كما لو قال: كل عبد اشتريه فهو حر. ثم اشترى عبداً فلا يقع العتق. وأما إذا قال: كل عبد رومي مثلاً، أو من بلدة كذا فهو حر. ثم اشترى عبداً بالصفة التي ذكرها وقع العتق, لأنه خصَّ.
стр. 475
القاعدة السابعة بعد الثلاثمئة [العرف والعادة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن جواب السؤال يجري على حسب ما تعارف كل قوم في مكانهم (١) ". تحت قاعدة "العادة محكَّمة".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة بمعنى تاليتها ولكنها أصرح منها من حيث أنها أشارت إلى العرف، وأن تصرفات المكلفين القولية والفعلية إنما تحمل على ما تعارفوه بينهم ما لم تكن هناك نيَّة بخلافه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كان من عادة قوم أن لا يأكلوا إلا خبز الأرز فحلف بعضهم أن لا يأكل خبزاً فلا يحنث إلا بأكل خبز الأرز. ولا يحنث إذا أكل خبز الشعير أو القمح, لأنه غير متعارف بينهم، وهذا عند الأكثرين، وإن قال آخرون إنه يحنث بأكل أي خبز كان حملاً على المعنى اللغوي.
стр. 476
القاعدة الثامنة بعد الثلاثمئة [العرف والعادة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن السؤال والجواب يمضي على ما عم وغلب لا على ما شذ وندر (١) ". تحت قاعدة "العادة محكَّمة".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تتعلق بأثر العرف في تصرفات المكلفين من أقوال وأفعال، وتفيد أن عبارات المكلفين إنما تحمل على الغالب المتعارف بين الناس والمشهور بينهم ما لم يصرحوا بخلافه، ولا تحمل على الشاذ أو النادر من المحامل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من حلف لا يأكل بيضاً، فهو على البيض المتعارف أكله بين الناس - وهو بيض الدجاج فلا يحنث إذا أكل بيض الحوت ما لم يكن له نيَّة.
стр. 477
القاعدتان التاسعة بعد الثلاثمئة والعاشرة بعد الثلاثمئة [جواز البيع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند الحنفية أن جواز البيع يتبع الضمان. فكل ما كان مضموناً بالإتلاف جاز بيعه، وما لا يضمن بالإتلاف لا يجوز بيعه".
وعند الإمام الشافعي ﵀: جواز البيع يتبع الطهارة فما كان طاهراً جاز بيعه وما لم يكن طاهراً لم يجز بيعه (١) ". وتأتي في حرف الجيم إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تفيد هذه القاعدة بيان ما يجوز بيعه وما لا يجوز. فالقاعدة المستمرة عند الحنفية أن جواز البيع يتبع الضمان فما كان مضموناً بالإتلاف جاز بيعه، وما لم يكن مضموناً لم يجز بيعه، فعند الحنفية إن الأشياء كلها مضمونة على متلفها ومقومة إلا ما حرم الشرع بيعه كالميتة والدم والخمر والخنزير بين المسلمين وأشباه ذلك. وقاعدة جواز البيع عند الإمام الشافعي ﵁ مبني على طهارة المبيع فما كان طاهراً جاز بيعه - أي ما حكم الشرع بطهارته فهو جائز البيع، وما لم يكن طاهراً فلا يجوز بيعه. هذا ما تفيده هذه القاعدة عن مذهب الإمام الشافعي في هذا الموضوع.
أقول: ولكن الذي ذكره الإمام الشافعي ﵁ في الأم:
стр. 478
أن ما لا يجوز بيعه هو كل ما ثبتت حرمته عن الله أو عن رسوله ﷺ قال: استدللنا على أن الله أراد بما أحل من البيوع ما لم يدل على تحريمه على لسان نبيه ﷺ دون ما حرم على لسانه، فأصل البيوع كلها مباح إذا كانت برضا المتبايعين الجائزي الأمر فيما تبايعا إلا ما نهى عنه رسول الله ﷺ منها وما كان في معنى ما نهى عنه رسول الله ﷺ محرم بإذنه داخل في المعنى المنهي عنه، وما فارق ذلك أبحنا بما وصفنا من إباحة البيع بكتاب الله تعالى (١).
وقد قال في موضع آخر: ولا يجوز لأحد أن يبيع ما لا يضمن (٢).
وعند مالك ﵁: كل ما لا يحل أكله ولا شربه من الميتات والدماء والنجاسات فلا يحل بيعه (٣).
وعند أحمد ﵁ ذكر من شروط صحة البيع أن يكون البيع مالاً - وهو ما فيه منفعة مباحة لغير ضرورة (٤)
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
جواز بيع السرقين النجس عند الحنفية، وأما عند مالك والشافعي وأحمد ﵃ فلا يجوز لأنه نجس.
ومنها: بيع الدهن الذي وقعت فيه فأرة وماتت جائز عند الحنفية، لأنه مضمون بالإتلاف فجاز أن يكون مضموناً بالعقد.
وعند الإمام الشافعي ﵁ غير مضمون لأنه نجس.
стр. 479
ومنها بيع كلب الصيد جائز عند الحنفية ومالك لأنه مضمون بالإتلاف فجاز أن يكون مضموناً بالعقد. وأما عند الإمام الشافعي ﵁ فلا يجوز بيعه لأنه غير مضمون ولأنه نجس. هكذا قال النسفي (١).
أقول: والذي عند الإمام الشافعي ﵁ إن عدم جواز بيع الكلب مستند إلى ما نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب وحلوان الكاهن ومهر البغي (٢). والأحاديث التي تنهى عن اقتناء الكلاب، والأحاديث التي تأمر بقتلها (٣)(٤).
стр. 480
القاعدة الحادية عشرة بعد الثلاثمئة [تعارض الأصلين - قياس الشبه]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن الحادثة مهما أخذت شبهاً من الأصلين وهي منقسمة على وجهين فإنها ترد إلى كل واحدٍ من القسمين توفيراً على الشبهين حظهما, ولا يرد القسمان جميعاً إلى أصل واحد, لأن في ذلك اعتبار أحد الأصلين وترك الآخر. واعتبار الأصلين أولى".
وهذا بخلاف الحادثة إذا كانت ذات وجهة واحدة ويتجاذبها أصلان ردت الحادثة إلى أحدهما, لأن ردها إلى الأصلين ممتنع يؤدي إلى التنازع. فإذا كانت الحادثة منقسمة إلى القسمين فردُّ كل واحد من القسمين إلى الأصل لم يوجب التناقض (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالحادثة هنا: العقد أو التصرف.
وتفيد هذه القاعدة أن العقد أو التصرف إذا أخذ شبهاً من أصلين وكان منقسماً على وجهين فيرد هذا العقد أو التصرف إلى القسمين أو الوجهين أو الأصلين ليوفر على الشبهين من الأصلين حظهما, ولا يجوز رد القسمين جميعاً إلى أصل واحد؛ لأن في ذلك اعتبار أحد الأصلين. وترك الآخر واعتبار الأصلين أولى. وهذا بخلاف ما إذا كانت الحادثة ذات وجهة واحدة وقد تجاذبها أصلان فهنا يجب رد هذه الحادثة ذات الوجهة
стр. 481
الواحدة إلى أصل واحد ولا يجوز ردها إلى الأصلين لأن ذلك ممتنع ويؤدي إلى التنازع بخلاف ما إذا كانت الحادثة منقسمة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إن الهبة بشرط العوض أخذت شبهاً من الهبات وشبهاً من البياعات، فهي ترد إلي الشبهين من وجهين: فحكمها في الابتداء حكم الهبات فلا تصح من غير قبض ولا يجبر على التسليم، والشيوع يبطلها، وهذه من أحكام الهبة، وحكمها في الانتهاء حكم البيع حتى إنها تجب فيها الشفعة وترد بالعيب .. إلخ. أحكام البيع.
وعند زُفر ﵀ حكمها حكم البيع من الابتداء.
стр. 482
القاعدتان: الثانية عشرة بعد الثلاثمئة والثالثة عشرة بعد الثلاثمئة [الحلف]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
" الأصل أن الحالف على فعل غيره يحلف على البت إن كان إثباتاً، وعلى نفي العلم إن كان نفياً (١) ".
وفي لفظ: "مَنْ حلف على فعل نفسه حلف على البت، وإن حلف على فعل غيره فإن كان على إثبات فكذلك، وإن كان على نفي حلف على نفي العلم (٢) ". وتأتي في حرف الميم إن شاء الله.
وفي لفظ: "اليمين على البت إلا أن يحلف على نفي فعل غيره (٣) ".
وفي لفظ: "إن الحالف على فعل نفسه يحلف على البت وعلى فعل غيره على نفي العلم (٤) ".
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
المراد بالبت القطع والجزم، فتفيد هذه القواعد أن الحالف إما أن يحلف على فعل نفسه إما مثبتاً وإما نافياً، وأما أن يحلف على فعل غيره إما
стр. 483
مثبتا أيضاً وإما نافياً، فمن حلف على فعل نفسه نفياً أو إثباتاً كان حلفه على البت والقطع والجزم بالفعل أو النفي، وأما من حلف على فعل غيره فإن كان على الإثبات كان على البت أيضاً، وأما إن كان الحلف على فعل غيره على النفي كان حلفه على نفي العلم لا على البت.
فمن أراد إثبات أمر بيمينه فهو يحلف على اليقين والقطع بصدور ذلك الفعل من فاعله، وأما إن كان يريد الحلف على عدم الفعل من غيره وأنه لم يحصل كان حلفه على عدم العلم بالحصول أو الوقوع، ولا يكون حلف على العلم بعدم الوقوع.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
منكر الرضاع يحلف على نفي العلم إذا كان ينكر رضع غيره، وأما المرأة إذا كانت تنكر الإرضاع فإنها تحلف على البت، ومن ادعى الرضاع يحلف على البت. يستوي في ذلك الرجل والمرأة (١).
стр. 484
القواعد: الرابعة عشرة بعد الثلاثمئة والخامسة عشرة بعد الثلاثمئة والسادسة عشرة بعد الثلاثمئة [دلالة الحال]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
" الأصل أن الحالة من الدلالة كما للمقالة (١) ".
ومثله: "الإذن دلالة بمنزلة الإذن إفصاحاً (٢) ".
وقريب منه: "السكوت في معرض الحاجة إلى البيان بيان (٣) ".
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
المراد بالحال أو الحالة غير اللفظ من عُرف أو إشارة أو علامة موضوعة بوضع خاص أو حال في الساكت تجعل سكوته بمنزلة نطقه.
والمراد بالدلالة: الإفادة والإذن.
والمراد بالمقالة: اللفظ الصريح.
فمعنى القاعدة أن لغير اللفظ من عرف أو إشارة أو علامة أو حال إفادة كما للفظ الصريح عند عدم وجوده.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
من أودع رجلاً مالاً فدفعه إلى من هو في عياله فهلك عنده لم يضمن، وإن لم يصرح له المودع بالإذن بالدفع إلى غيره: لأنه لما أودعه مع علمه بأنه لا يمكنه أن يحفظه بيده آناء الليل والنهار كان ذلك إذناً منه
стр. 485
دلالة أن يحفظه له كما يحفظ مال نفسه، وهو يحفظ مال نفسه تارة بيده وتارة بيد من عياله، وكان ذلك كالإذن به صريحاً.
ومنها: لو حلق الحلال رأس محرم وهو ساكت فلم يمنعه مع القدر على المنع فتلزمه الفدية كما لو حلق بأمره (١) في الأصح.
стр. 486
القاعدة السابعة بعد الثلاثمئة [الخصومة والحق المشترك]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن حق الحاضر إذا كان متصلاً بحق الغائب فإن الحاضر ينتصب خصماً عن الغائب (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
القاعدة المستقرة أنه إذا كان الحق مشتركاً بين حاضر وغائب فإن الحاضر ينتصب ويقف خصماً مطالباً بالحق عن نفسه وعن الغائب.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا جاء شاهدان قالا كنا عبدين فأُعتقنا وأقاما البينة على ذلك قبل القاضي شهادتهما وحكم بعتقهما.
وإذا جاء مولاهما وأنكر العتق لم يقبل قوله لأن المشهود عليه هو خصم لهما - ويعتبر كوكيل المولى فيلزم بشهادتهما حين إقامة البينة على عتقهما, لأن المشهود عليه بسكوته على شهادتهما اعتراف منه بحريتهما فيعتبر في هذه الحال كوكيل عن المولى فيُلزم بشهادتهما عليه.
كما أن أحد الورثة يقوم خصماً عن الميت وعن الورثة فيما يدعى على الميت كدعوى الدين.
стр. 487
القاعدة الثامنة عشرة بعد الثلاثمئة [الغنيمة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند جمهور الحنفية أن الحق في الغنيمة يتعلق بالأخذ ويستقر بالإحراز في الدار ويقع الملك بنفس القسمة". وعند الإِمام أبي عبد الله الشافعي يقع الملك بنفس الأخد (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تتعلق بحكم الغنائم ومتى يحكم بملكيتها للغانمين.
فمعنى الغنيمة: هي الأموال التي اغتنمتها المسلمون واكتسبوها من الكفار بالحرب.
وحكمها أنها تقسم خمسة أقسام: أربعة منها للغانمين لها والخمس الباقي للإمام يفعل به ما أمره الله بفعله.
فعند الحنفية أن الغنيمة لها ثلاثة أحوال: أولاً: أخذها من العدو. ففي هذه الحالة الأولى يتعلق بها الحق.
ثانياً: استقرار الأخذ بالإحراز في دار الإِسلام فهنا استقر الحق فيها.
وثالثها: إذا قسمت بين الغانمين وقع الملك فيها لهم. وقبل ذلك لا ملك لهم فيها (٢). ولا يجوز عند الحنفية قسمتها قبل الإحراز في دار الإِسلام وعند الإِمام الشافعي ﵁: يملك الغانمون الغنيمة بمجرد الإستيلاء عليها، فعلى ذلك يجوز قسمتها في دار الحرب قبل
стр. 488
الإحراز في دار الإِسلام (١) وهو كذلك عند الإِمام مالك بن أنس (٢). وعند الإِمام أحمد بن حنبل (٣) ﵄.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا فتح الإِمام بلدة عنوة - أي بقوة السلاح - جاز له أن يَمُنَّ على أهلها ولا يسترقهم لأن الغانمين لا يملكون الغنيمة بنفس الأخذ فلم يكن في المنَّ - أي العفو - إبطال حقهم.
وعند الآخرين لا يجوز أن يمن الإِمام عليهم لأنهم أصبحوا ملكاً للغانمين بنفس الأخذ وليس للإمام أن يبطل ملكهم إلا إذا رضوا هم بذلك.
стр. 489
القاعدة التاسعة عشرة بعد الثلاثمئة [الحق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند ابن أبي ليلى: أن الحق الواحد لا يجوز أن يثبت في محلين مختلفين, لأنه متى ثبت في محل خلا عنه المحل الأول (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحق الواحد قد يكون عيناً وقد يكون في الذمة، فما كان عيناً فلا يجوز عقلاً أن يوجد في محلين مختلفين في وقت واحد. وأما ما كان ديناً أو في الذمة فيحتمل التعدد في المحال، ولكن ابن أبي ليلى رحمه الله تعالى: يرى أن الحق الواحد سواءً كان عيناً أم ديناً في الذمة، لا يتعدد ولا يثبت في محلين مختلفين في وقت واحد, لأنه متى ثبت ووجد في محل خلا عنه المحل الآخر.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
عند ابن أبي ليلى رحمه الله تعالى: أن الكفالة تبريء ذمة المكفول عنه فهي عنده كالحوالة, لأن الحق واحد وهو هنا انشغال الذمة - فلا يجوز أن يكون في محلين مختلفين كالعين الواحدة. وعند الجمهور من الفقهاء الحنفية وغيرهم أن الكفالة لا تبريء ذمة الأصيل لأن معنى الكفالة: ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل، بخلاف الحوالة التي معناها نقل ذمة إلى ذمة أخرى.
стр. 490
القاعدة العشرون بعد الثلاثمئة [استيفاء الحقوق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند أبي حنيفة أن الحقوق إذا تعلقت بالذمة وجب استيفاؤها من العين، فإذا ازدحمت في العين وضاقت عن إيفائها قسمت العين على طريق العول، وكذلك كل عين إذا ازدحمت فيها حقوق لا في العين تقسم أيضاً على طريق العول، وإذا كنت الحقوق متعلقة بعينها قسمت بينهم على طريق المنازعة".
وعندهما - أي أبي يوسف ومحمد: - كل عين تضايقت عن الحقوق نظر فيها: فما كان منها لو انفرد صاحبه لا يستحق العين كلها فإن تقسم على طريق المنازعة، وما كان منها لو انفرد صاحبه استحق الكل وإنما ينقصه انضمام غيره إليه فإنه يقسم على طريق العول (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالذمة: أهلية المكلف إلى تحمل الحقوق، أو تحمل عهدة ما يجري بينه وبين غيره من العقود الشرعية أو التصرفات.
والذمة أمر معنوي يعتبر وعاءً لتحمل الحقوق.
والمراد بالعين: نفس الشيء (١) كالدار والأرض والمتاع.
стр. 491
والمراد بالعول: زيادة السهام على أصل المسألة وارتفاعها (١) من عال يعول إذا زاد، والمراد بالمنازعة: المقاسمة والمخاصمة.
فتفيد هذه القاعدة أن الحقوق إما أن تكون متعلقة بالذمة واستيفاؤها من عين، وإما أن تكون متعلقة بالعين نفسها.
فعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه إذا تعلقت الحقوق بالذمة، كالديون - وكانت هناك عين - من أرض أو عقاراً أو متاع أو حيوان - فإن هذه الحقوق تستوفى من العين -, لأن الذمة خربت بالموت أو الإفلاس - فإذا كانت الحقوق أكثر من ثمن العين وضاقت العين عن الوفاء بها فتقسم العين - أو قيمتها على الدائنين على طريق العول، بمعنى أن يقاسم الغرماء بالحصص. وكذلك كل عين ازدحمت عليها الحقوق لا في العين نفسها فتقسم على طريق العول.
وإما إذا كانت الحقوق متعلقة بالعين نفسها فتقسم بين الغرماء عن طريق المقاسمة.
وأما عند الصاحبين: فإن كل عين تضايقت عن الوفاء بالحقوق، ففي المسألة تفصيل: إذا كان الحق لو انفرد صاحبه لا يستحق العين كلها فإن العين تقسم على طريق المنازعة.
وأما إذا كان الحق لو انفرد به صاحبه استحق الكل وإنما ينقصه انضمام غيره إليه فإنه يقسم على طريق العول. فلا فرق عندهما بين تعلق الحقوق بالذمة أو بالعين ما دام في العين وفاء.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
стр. 492
إذا كانت دار في يد رجل فادعى رجل آخر نصفها وادعى رجل ثالث كلها وأقاما حميعاً البينة على ما يدعيانه، فعند أبي حنيفة ﵀ أنها تقسم بينهما على طريق المنازعة, لأن الحقوق هنا تعلقت بنفس العين - فلمدعي النصف ربعها ولمدعي الكل ثلاثة أرباعها., لأن المنازعة عند أبي حنيفة ﵀ في النصف خاصة (١) فيقسم بينهما. فنصف النصف الربع.
وأما عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى فتقسم بينهما على طريق العول فلمدعي النصف الثلث والثلثان لمدعي الكل, لأن المسألة فيها نصف وكل، فتعول من اثنين إلى ثلاثة.
стр. 493
القاعدة الحادية والعشرون بعد الثلاثمئة [الحقوق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى: أن حقوق الأشياء معتبرة بأصولها، وقد اعتبرها أبو حنيفة ﵀ ملحقة كذلك في كثير من المواضع (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تفيد أن الأشياء لها أصول تنبني عليها أحكامها, ولها حقوق مترتبة على هذه الأصول وناتجة عنها. فهل تعتبر الحقوق بأصولها وتقاس عليها أو لا تعتبر بها؟.
عند أبي يوسف ومحمد يعتبر على الإطلاق فكل حق معتبر بأصله فما يجب أو يجوز في الأصل يجب أو يجوز في الحق التابع له وما يمتنع يمتنع.
وعند أبي حنفية أنه يمنع إلحاق بعض الحقوق بأصولها في بعض المواضع، وفي بعض آخر يلحق الحق بأصله.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من دبَّر نصف عبده فعند أبي يوسف ومحمد لا يجوز ذلك لأن التدبير حق من حقوق العتق ولما كان العتق لا يتجزأ عندهما لم يتجزأ الذي هو حق من حقوقه وهو التدبير.
وأما عند أبي حنيفة والشافعي ﵄ فإن التدبير يتجزأ لأن العتق عندهما يتجزأ.
стр. 494
ومنها: إذا حجر المولى على عبده وفي يد العبد كسب ثم أقر هذا العبد بدين فلا يجوز إقرار العبد عندهما, لأنه لما أذن له في التجارة جاز إقراره في رقبته وفي كسبه فلما حجر عليه لم يجز إقراره في رقبته وفي كسبه لأن الكسب من توابع الرقبة.
وعند أبي حنيفة: لا يجوز إقرار العبد بعد الحجر في رقبته، ولكن يجوز إقراره في كسبه, لأن الإذن في التجارة، والتجارة باقية - أي أثر التجارة لا عينها - بدليل أنه يقضى ديونه التي للناس عليه بعد الحجر. ففي المثال الثاني خالف الفرع أصله عند أبي حنيفة.
стр. 495
القاعدة الثانية والعشرون بعد الثلاثمئة [دوران الحكم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند أبي حنيفة ﵁: أن حكم الشيء قد يدور مع خصائصه، فإذا ثبتت خصائصه ثبت حكمه، ومتى لم تثبت خصائصه لم يثبت حكمه (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
لكل شيء من تصرف أو عقد أو فعل خصائص وصفات تميزه عن غيره من التصرفات أو العقود أو الأفعال.
فعند أبي حنيفة ﵁ في الراجح عنده أن حكم كل شيء دائر مع خصائص هذا الشيء التي تميزه عما سواه فإذا ثبت لشيء ما خصائص فإن حكم هذا الشيء يثبت تبعاً لذلك، وإذا لم تثبت هذه الخصائص لا يثبت حكمه.
والخلاف في مسائل هذه القاعدة يدور على وجود هذه الخصائص في الشيء المراد إثبات حكمه أو عدم وجودها. فإذا غلب على ظن مجتهد وجود هذه الخصائص أعطى هذا الشيء حكمه المناسب له، وإذا غلب على ظن مجتهد آخر عدم وجود هذه الخصائص لم يعطه حكمه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال الرجل لإحدى أمتيه: أحداكما حرة. ثم وطيء إحداهما لم يكن وطؤه بياناً للمعتقة عند أبي حنيفة ﵀, لأن الواطيء لم يتصرف فيما هو من خصائص ملك اليمين, لأن الوطء مباح بنوعي الملك يعني ملك النكاح، وملك اليمين. فليس هو من خصائص ملك اليمين، التي لا