والمراد بالعول: زيادة السهام على أصل المسألة وارتفاعها (١) من عال يعول إذا زاد، والمراد بالمنازعة: المقاسمة والمخاصمة.
فتفيد هذه القاعدة أن الحقوق إما أن تكون متعلقة بالذمة واستيفاؤها من عين، وإما أن تكون متعلقة بالعين نفسها.
فعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه إذا تعلقت الحقوق بالذمة، كالديون - وكانت هناك عين - من أرض أو عقاراً أو متاع أو حيوان - فإن هذه الحقوق تستوفى من العين -, لأن الذمة خربت بالموت أو الإفلاس - فإذا كانت الحقوق أكثر من ثمن العين وضاقت العين عن الوفاء بها فتقسم العين - أو قيمتها على الدائنين على طريق العول، بمعنى أن يقاسم الغرماء بالحصص. وكذلك كل عين ازدحمت عليها الحقوق لا في العين نفسها فتقسم على طريق العول.
وإما إذا كانت الحقوق متعلقة بالعين نفسها فتقسم بين الغرماء عن طريق المقاسمة.
وأما عند الصاحبين: فإن كل عين تضايقت عن الوفاء بالحقوق، ففي المسألة تفصيل: إذا كان الحق لو انفرد صاحبه لا يستحق العين كلها فإن العين تقسم على طريق المنازعة.
وأما إذا كان الحق لو انفرد به صاحبه استحق الكل وإنما ينقصه انضمام غيره إليه فإنه يقسم على طريق العول. فلا فرق عندهما بين تعلق الحقوق بالذمة أو بالعين ما دام في العين وفاء.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
стр. 492
إذا كانت دار في يد رجل فادعى رجل آخر نصفها وادعى رجل ثالث كلها وأقاما حميعاً البينة على ما يدعيانه، فعند أبي حنيفة ﵀ أنها تقسم بينهما على طريق المنازعة, لأن الحقوق هنا تعلقت بنفس العين - فلمدعي النصف ربعها ولمدعي الكل ثلاثة أرباعها., لأن المنازعة عند أبي حنيفة ﵀ في النصف خاصة (١) فيقسم بينهما. فنصف النصف الربع.
وأما عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى فتقسم بينهما على طريق العول فلمدعي النصف الثلث والثلثان لمدعي الكل, لأن المسألة فيها نصف وكل، فتعول من اثنين إلى ثلاثة.
стр. 493
القاعدة الحادية والعشرون بعد الثلاثمئة [الحقوق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى: أن حقوق الأشياء معتبرة بأصولها، وقد اعتبرها أبو حنيفة ﵀ ملحقة كذلك في كثير من المواضع (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تفيد أن الأشياء لها أصول تنبني عليها أحكامها, ولها حقوق مترتبة على هذه الأصول وناتجة عنها. فهل تعتبر الحقوق بأصولها وتقاس عليها أو لا تعتبر بها؟.
عند أبي يوسف ومحمد يعتبر على الإطلاق فكل حق معتبر بأصله فما يجب أو يجوز في الأصل يجب أو يجوز في الحق التابع له وما يمتنع يمتنع.
وعند أبي حنفية أنه يمنع إلحاق بعض الحقوق بأصولها في بعض المواضع، وفي بعض آخر يلحق الحق بأصله.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من دبَّر نصف عبده فعند أبي يوسف ومحمد لا يجوز ذلك لأن التدبير حق من حقوق العتق ولما كان العتق لا يتجزأ عندهما لم يتجزأ الذي هو حق من حقوقه وهو التدبير.
وأما عند أبي حنيفة والشافعي ﵄ فإن التدبير يتجزأ لأن العتق عندهما يتجزأ.
стр. 494
ومنها: إذا حجر المولى على عبده وفي يد العبد كسب ثم أقر هذا العبد بدين فلا يجوز إقرار العبد عندهما, لأنه لما أذن له في التجارة جاز إقراره في رقبته وفي كسبه فلما حجر عليه لم يجز إقراره في رقبته وفي كسبه لأن الكسب من توابع الرقبة.
وعند أبي حنيفة: لا يجوز إقرار العبد بعد الحجر في رقبته، ولكن يجوز إقراره في كسبه, لأن الإذن في التجارة، والتجارة باقية - أي أثر التجارة لا عينها - بدليل أنه يقضى ديونه التي للناس عليه بعد الحجر. ففي المثال الثاني خالف الفرع أصله عند أبي حنيفة.
стр. 495
القاعدة الثانية والعشرون بعد الثلاثمئة [دوران الحكم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند أبي حنيفة ﵁: أن حكم الشيء قد يدور مع خصائصه، فإذا ثبتت خصائصه ثبت حكمه، ومتى لم تثبت خصائصه لم يثبت حكمه (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
لكل شيء من تصرف أو عقد أو فعل خصائص وصفات تميزه عن غيره من التصرفات أو العقود أو الأفعال.
فعند أبي حنيفة ﵁ في الراجح عنده أن حكم كل شيء دائر مع خصائص هذا الشيء التي تميزه عما سواه فإذا ثبت لشيء ما خصائص فإن حكم هذا الشيء يثبت تبعاً لذلك، وإذا لم تثبت هذه الخصائص لا يثبت حكمه.
والخلاف في مسائل هذه القاعدة يدور على وجود هذه الخصائص في الشيء المراد إثبات حكمه أو عدم وجودها. فإذا غلب على ظن مجتهد وجود هذه الخصائص أعطى هذا الشيء حكمه المناسب له، وإذا غلب على ظن مجتهد آخر عدم وجود هذه الخصائص لم يعطه حكمه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال الرجل لإحدى أمتيه: أحداكما حرة. ثم وطيء إحداهما لم يكن وطؤه بياناً للمعتقة عند أبي حنيفة ﵀, لأن الواطيء لم يتصرف فيما هو من خصائص ملك اليمين, لأن الوطء مباح بنوعي الملك يعني ملك النكاح، وملك اليمين. فليس هو من خصائص ملك اليمين، التي لا
стр. 496
يشاركه فيها غيره بخلاف ما لو باع إحداهما إذ يكون بيعه بياناً للمعتقة وهي غير المبيعة لأن البيع من خصائص ملك اليمين خلافاً للوطء.
أما إذا قال لزوجتيه: إحداكما طالق. ثم وطيء إحداهما فيكون ذلك بياناً للمطلقة منهما وهي غير الموطوءة, لأن وطء الحرة من خصائص ملك النكاح، فقد تصرف فيما هو من خصائص ملك النكاح فثبت حكم البيان.
وأما عند أبي يوسف ومحمد فيعتبر بياناً فيهما.
ومنها: أن المصلي إذا قرأ من المصحف لا تجوز صلاته عند أبي حنيفة ﵁, لأن كراهية النظر في المصحف من خصائص هذه العبادة فلما أتى بما هو من محظورات هذه العبادة فسدت صلاته. وعند أبي يوسف ومحمد لا تفسد صلاته.
стр. 497
القاعدة الثالثة والعشرون بعد الثلاثمئة [سبب الحكم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن الحكم متى ظهر عقيب سبب يحال على ذلك السبب (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
السبب في اللغة: الحبل وما يتوصل به إلى غيره (٢) كالطريق والسلَّم. وفي العرف العام: هو كل شيء يتوسل به إلى مطلوب (٣). وعند الأصوليين: هو ما يكون طريقاً إلى الحكم من غير تأثير ولا توقف للحكم عليه (٣).
والمراد بالسبب في القاعدة هو السبب بمعنى العلة لظهور الحكم عقيب وجوده والحكم يدور مع علته يوجد بوجودها وينعدم بانعدامها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
كما ذكره السرخسي عند تعليله بهذه القاعدة وسوقه لها حيث قال: إن وجد في المعركة شخص ميت ليس به أثر - أي من جراحة - غسِّل، لأن المقتول يفارق الميت بالأثر، فإن لم يكن به أثر فالظاهر أنه لم يكن بانزهاق روحه بقتل مضاف إلى العدو. إلى أن قال: وإن كان به أثر لم يُغسَّل لأن الظاهر أن موته كان بذلك الجرح وأنه كان من العدو، فاجتماع الصفين كان لها - أي للمعركة، والأصل أن الحكم متى ظهر .. إلخ القاعدة.
стр. 498
القاعدة الرابعة والعشرون بعد الثلاثمئة [حكاية الحليم عن غيره - التقرير]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن الحكيم متى حكى عن غير الحكيم ولم يعقبه بالنكير فذلك دليل على أنه صواب (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تشير هذه القاعدة إلى أحكام ما يرد في القرآن الكريم أو السنة المطهرة من حكاية ما ورد عن بعض الماضيين من ألفاظ أو تصرفات أو أحكام ولم يرد في القرآن الكريم أو السنة المطهرة تعقيب عليها الإنكار أو التأييد بل سكت عنها، فيدل ذلك على صوابها ويكون السكوت عنها إقراراً لها؛ لأنه لو كان خطأ لما جاز السكوت عليه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
حديث رسول الله ﷺ القائل "إذا تلا ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي فيقول يا ويله - أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمرت بالسجود فلم أسجد فلي النار (٢) "
حيث استدل الحنفية على وجوب السجود عند تلاوة آيات السجدة في القرآن الكريم؛ بناء على أن الحديث ورد فيه لفظ الأمر والأمر للوجوب وفي سكوت الرسول ﷺ بعد إيراد الخبر دليل على إقراره أن السجدة مأمور بها.
стр. 499
القاعدة الخامسة والعشرون بعد الثلاثمئة [خبر الآحاد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند أصحابنا أن خبر الآحاد متى ورد مخالفاً لنفس الأصول لم يقبل أصحابنا هذا الخبر, لأنه ورد مخالفاً للأصول (١) ". [أصولية فقهية].
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بخبر الآحاد الحديث الذي لم يصل إلى درجة التواتر ولا الشهرة، وإن كان صحيحاً.
المراد بالأصول: القواعد الشرعية العامة كتحريم الربا ومنع بيع المعدوم: وبموجب هذه القاعدة رد الحنفية كثيراً من الأخبار والسنة الصحيحة بدعوى مخالفة الأصول أو القياس. فبدلاً من أن يعتذروا للإمام أبي حنيفة ﵁ لعدم أخذه ببعض الآثار إما لعدم وصولها إليه - حيث لم تكن السنة قد دونت في عصره ولم تظهر المسانيد ولا الصحاح ولا السنن والمصنفات والجوامع إلا في أواخر القرن الثاني الهجري وخلال القرن الثالث وما بعد ذلك.
وإما لعدم صحتها عنده لورودها عن طريق غير موثوق لديه - حيث لم تكن قواعد التحديث وعلل الرجال مقررة مدونة، وكان لكل إمام ميزانه الخاص في قبول الأخبار وردها.
أقول: إن الحنفية لم يعتذروا لإمامهم بمثل ذلك ولم يأخذوا بتلك الأخبار وقد ثبتت صحتها، وإنما أخذوا يتلمسون العلل والمعاذير لرد الأحاديث التي ثبتت صحتها بمثل هذه العلة - وهي مخالفة الخبر للأصول -
стр. 500
أي القواعد العامة أو غير ذلك من التعليلات. واعتقد جازماً أن لو كان أبو حنيفة ﵀ حياً وصحت عنده هذه الأحاديث التي ردها مقلدوه بهذه العلل لضرب بقوله عرض الحائط وعمل بتلك الأحاديث, لأنه وغيره من الأئمة المجتهدين رضوان الله عليهم يعتقدون يقيناً أنه لا يجوز لهم مخالفة حديث صحيح ورد عن رسول الله ﷺ بحجة مخالفة الأصول, لأن قول الرسول ﷺ وفعله وتقريره تشريع واجب الأتباع وهو أصل بذاته (١).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ما روى عن النبي ﷺ : "أنه أوجب الوضوء من مس الذكر (٢) "
فهذا الخبر لم يقبله الحنفية لأنه ورد مخالفاً للأصول في نظرهم، لأنه ليس في الأصول انتقاض الطهارة بمس بعض أعضائه، أما لو رُدَّ الخبر
стр. 501
بورود الخبر بورود أخبار معارضة لكان لذلك وجه من باب تعارض الأخبار فيحتاج إلى الترجيح.
ولكن يؤخذ على الحنفية هنا أنهم أوجبوا نقض الطهارة بالقهقهة في الصلاة مع أنه ليس في الأصول انتقاض الطهارة بمثل ذلك خارج الصلاة.
стр. 502
القاعدة السادسة والعشرون بعد الثلاثمئة [خبر الآحاد مقدم على القياس]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند علماء الحنفية: أن الخبر المروي عن النبي ﷺ من طريق الآحاد مقدم على القياس الصحيح". وعند مالك ﵁: القياس الصحيح مقدم على خبر الآحاد (١) [أصولية فقهية]
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه قاعدة أصولية تتعلق بترتيب الأدلة عند البحث عن أحكام المسائل وعند تعارض الأدلة والترجيح بينها. فتفيد أن القاعدة الأصولية المعتبرة عند الحنفية أن الخبر المروي - أي الحديث المنقول آحاداً - أي غير المتواتر والمشهور مقدم عند النظر - أي البحث عن أحكام المسائل - على القياس الصحيح، وتشير هذه القاعدة أن عند مالك بن أنس ﵁ أن القياس الصحيح مقدم على خبر الآحاد، ونسبة هذا القول لمالك ﵁ محل نظر - بل هو قول مكذوب - وإن ذكر هذا أكثر من كتاب من كتب الأصول بل ذكره بعض الأصوليين من المالكية كالقرافي حيث قال في تنقيح الفصول ما نصه: "إن القياس مقدم على خبر الواحد عند مالك ﵀. قال: لأن الخبر إنما ورد لتحصيل الحكم والقياس متضمن للحكمة فيُقدم على الخبر (٢). ومع ذلك أقول أن نسبة هذا الخبر إلى مالك غير صحيحة، فمالك المعروف بحرصه على العمل بالسنة
стр. 503
الصحيحة واعتبار عمل أهل المدينة حجة يقدم على خبر الآحاد الذي يخالفه، والمعروف عن مالك ﵁ أنه يعمل بالمرسل والمنقطع عدا عن المتصل والمرفوع فكيف يعقل أن يقدم القياس على الآحاد الصحيح (١) والعمل بالمرسل أصل من أصول المالكية (٢).
فلا يصح عن مالك ﵁ ولا عن غيره من الأئمة المجتهدين رضوان الله عليهم ذلك فهم أتقى وأورع أن يقدموا على قول الرسول ﷺ الصحيح قياساً أو رأياً اجتهادياً مهما كان صحيحاً في النظر.
ولكن ذكر ابن حزم: أن أبا الفرج القاضي (٣) وأبا بكر الأبهري (٤) المالكيين يقولان: القياس أولى من خبر الواحد المسند والمرسل. وهذه نسبة أيضاً تحتاج إلى نظر وبحث.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
عند الحنفية أن المني نجس يطهر بالفرك عن الثوب إذا كان يابساً
стр. 504
وأَخذوا في ذلك بالخبر (١)
وعند الإمام مالك ﵁: لا يطهر إلا بالغسل بالماء كالبول ولو كان جافاً. قاله في المدونة: وقال مالك في المني يصيب الثوب فيجف فيحته، قال: لا يجزيه ذلك حتى يغسله (٢). وليس هذا الرأي عند مالك من باب القياس على البول بل ذكر سحنون (٣) في المدونة آثاراً عن الصحابة رواها مالك ﵀ (٢).
стр. 505
القاعدة السابعة والعشرون بعد الثلاثمئة [الخلاف في الصفة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند علماء الحنفية الثلاثة: أن الخلاف في الصفة غير معتبر، وعند زفر معتبر (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالصفة هنا: مطلق القيد لا الصفة النحوية. فعند الأئمة الثلاثة الحنفية رحمهم الله تعالى أنه إذا وقع التصرف بخلاف قيده أن القيد يلغي ويعتبر التصرف صحيحاً.
وأما عند زفر فيعتبر التصرف بخلاف الصفة مبطلاً لذلك التصرف
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال لغيره طلق امرأتي تطليقة رجعية فطلقها تطليقة بائنة أنه يقع عند الثلاثة تطليقة رجعية, لأنه خالف في الصفة فلم يعتبر خلافه إنما اعتبر أصل التوكيل.
وعند زفر لا يقع شيء لأنه خالف ما أمر به فصار كأنه طلقهما بغير أمره.
ومنها: إذا شهد أحد الشاهدين أنه طلق امرأته تطليقة رجعية، وشهد الآخر أنه طلقها تطليقة بائنة، فإنه شهادتهما على تطليقة رجعية عندهم.
وقال زفر: لا تقبل شهادتهما.
стр. 506
القاعدة الثامنة والعشرون بعد الثلاثمئة [دار الإسلام]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند الحنفية أن الدنيا كلها داران: دار الإسلام ودار الحرب. وعند الإمام الشافعي الدنيا كلها دار واحدة (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
القاعدة المستقرة عند الحنفية أن الدنيا تقسم إلى قسمين متميزين أو إلى دارين مختلفتين:
الدار الأولى: الدار التي يسود فيها شرع الله ويحكم فيها الإسلام، ويعيش فيها المسلمون آمنين بإسلامهم وإيمانهم، ويعيش فيها الذميون آمنين بعهدهم وأمانهم وهذه يطلق عليها دار الإسلام.
والدار الثانية: تلك الدار التي لا يسود فيها شرع الله ويحكمها الكفر ولا يأمن فيها المسلم ولا الذمي. وهذه يطلق عليها دار الحرب (٢). أو دار الشرك. وهو كذلك عند مالك وأحمد ﵄.
وأما عند الإمام الشافعي فالدار واحدة على قول الدبوسي.
ولكني لم أجد هذا عند الشافعي ﵁ بل هو يذكر دار أهل الحرب ودار الإسلام (٣).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
стр. 507
إذا خرج أحد الزوجين إلى دار الإسلام مسلماً مهاجراً أو ذمياً وتخلف الآخر في دار الحرب وقعت الفرقة بينهما عند الحنفية.
أما عند الإمام الشافعي ﵁ فلا تقع الفرقة بنفس الخروج بل حتى تنقضي عدتها قبل إسلام الآخر.
ولم يستند الشافعي ﵁ في ذلك إلى عدم تعدد الدار بل هو قائل بتعدد الدار ولكنه بنى رأيه على الآثار التي وردت عن رسول الله ﷺ في ذلك.
وهكذا كل المسائل التي ذكر النسفي الخلاف فيها.
стр. 508
القاعدة التاسعة والعشرون بعد الثلاثمئة [الزيادة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن الزيادة إذا حدثت في محل النقصان كانت جابرة للنقصان وينعدم بها النقصان معنى (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا حدث نقصان قبل تمام الحول في نصاب المال الذي يراد تزكيته إذا حال عليه الحول، وهذا النقصان يؤثر في مقدار المال الذي يجب إخراجه أو أن النقصان أنقص النصاب ولكن قبل تمام الحول حدثت زيادة في المال تمَّ بها النصاب فتعتبر هذه الزيادة جابرة لذلك النقصان ومزيلة له فكأن النقصان لم يوجد.
فتجب في المال الزكاة كما لو بقي المال كما هو ولم يطرأ عليه النقصان.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
رجل يملك ألف دينار وقبل تمام الحول - بأربعة أشهر مثلاً - فقد منها مائتا دينار فلو حال عليه الحول في هذه الحالة لوجب عليه زكاة ثمانمائة دينار، ولكنه إذا ربح قبل تمام الحول مائتي دينار فتعتبر هذه الزيادة جابرة للنقصان الحاصل بفقد المائتين فتضم إلى الثمانمائة، فإذا تم الحول وجب عليه زكاة ألف دينار.
стр. 509
القاعدة الثلاثون بعد الثلاثمائة [زيادة اللفظ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن زيادة اللفظ لزيادة المعنى (١) ". [فقهية أصولية]
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تفيد هذه القاعدة أنه إذا روى أثر أو خبر بروايتين مختلفتين وفي إحدى الروايتين زيادة لفظ. فعند التعارض ترجح الرواية التي بها الزيادة على الرواية الأخرى, لأن زيادة اللفظ تفيد زيادة المعنى. وهذا كله إذا كانت الروايتان متساويتين متعادلتين وإلا ترجحت الرواية الأقوى ولو كانت بدون زيادة إذا كان الرواية بالزيادة ضعيفة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ورد في التسميع قوله: "ولك الحمد" (٢) وقوله "لك الحمد" (٣) بدون واو فترجح رواية "ولك الحمد" لزيادة المعنى على كذلك ترجح رواية "وعليكم السلام" بالواو على رواية "عليكم السلام" بدون واو، مع جواز الروايتين.
стр. 510
القاعدة الحادية والثلاثون بعد الثلاثمئة [سبب الإتلاف - الضمان]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند أبي حنيفة ﵀: أن سبب الإتلاف متى سبق ملك المالك فإنه لا يوجب الضمان على المتلف لمن حدث الملك له (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تفيد هذه القاعدة أن تبدل الملك ينفي الضمان ويسقطه عن المتلف إذا كان الملك حادثاً بعد الإتلاف, لأن تبدل الملك قائم مقام تبدل الذات، وتشير هذه القاعدة إلى عدم جواز الحكم بأثر رجعي بناء على تعد سابق على ملك حادث.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قطع إنسان يد عبد في ملك إنسان ثم إن المالك باع العبد المقطوع لآخر فسرى أثر القطع إلى نفس العبد فمات في يد المشتري، فلا ضمان على الجاني لا للبائع ولا للمشتري، فلا ضمان للبائع لأن العبد مات وهو لا يملكه، ولا ضمان للمشتري لأن الإتلاف سابق على ملكه العبد.
منها: إذا اشترى رجلان ابن أحدهما فإن هذا الابن يعتق على الأب، ولا يضمن الأب لشريكه شيئاً لأن سبب الاتلاف سابق على ملك المشتري فيه وهو القرابة. وعند الصاحبين والشافعي ﵏ يعتق الابن ويضمن الأب إن كان موسراً.
стр. 511
القاعدة الثانية والثلاثون بعد الثلاثمئة [أدب السؤال والجواب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن السائل إذا سأل سؤالاً ينبغي للمسؤول أن لا يجيب على الإطلاق والإرسال، لكن بنظر فيه ويتفكر أنه ينقسم إلى قسم واحد أو إلى قسمين أو أقسام، ثم يقابل في كل قسم حرفا فحرفاً ثم يعدل جوابه على ما يخرج إليه السؤال، وهذا الأصل تكثر منفعته , لأنه إذا أطلق الكلام كان سريع الانتقاض لأن اللفظ قلما يجري على عمومه (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه قاعدة توجيهية للمفتين والحكام أن لا يتسرعوا في الحكم على الأشياء بمجرد سماع لفظ السائل، بل لا بد من الإستفسار وطلب التفصيل ليكون الحكم مبنياً على أمر واضح لا لبس فيه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قيل: قتل رجل رجلاً ماذا عليه؟ فيجب على المسؤول أن يستفصل من السائل أعمداً كان القتل أم خطأ، أو شبه عمد، وبأي آلة، وإذا كان عمداً فهل قتله بحق أو بغير حق، ثم بعد ذلك يصدر حكمه ليطابق المسألة.
стр. 512
القاعدة الثالثة والثلاثون بعد الثلاثمئة [الاستثناء والشرط]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن الشرط والاستثناء إذا تعقب كلمات منسوقة بعضها على بعض ينصرف إلى جميع ما سبق ذكره (١) ". وهذا عند بشر المريسي (٢) وابن شجاع (٣) وأحد قولي الشافعي (٤). [فقهية أصولية].
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الشرط سبق بيان معناه، والاستثناء: هو الإخراج بإلا أو أحدى أخواتها لما هو داخل أو كالداخل" أو هو "إخراج الشيء من الشيء لولا الإخراج لوجب دخوله فيه (٥) والمراد بالنسق العطف بالواو أو غيرها من أدوات العطف فمعنى القاعدة أنه إذا وجدت كلمات أو جمل معطوف بعضها على بعض وجاء بعدها شرط أو استثناء فيكون الشرط شرطاً في
стр. 513
جميع ما سبق ذكره، ويكون الاستثناء استثناء من جميع ما سبق ذكره. وقد سبق مثل هذه القاعدة في الاستثناء فقط.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من قال لزوجته: "إن أكلت وشربت وخرجت فأنت طالق" فهي لا تطلق حتى تأكل وتشرب، وتخرج، ولا تطلق إذا فعلت واحداً أو أثنين مما هو مشروط.
ومثال الاستثناء: قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا﴾ بعد قوله سبحانه ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١) فبناء على هذه القاعدة يعود الاستثناء لي كل ما سبق، فالقاذف التائب يسقط عنه حد القذف وتقبل شهادته ويمحى عنه اسم الفسق إذا تاب قبل الحد - وإن تاب بعد الحد قبلت شهادته ومحي عنه اسم الفسق. وهذا خلاف رأي جمهور الحنفية.
стр. 514
القاعدة الرابعة والثلاثون بعد الثلاثمائة [الشرط بعد العقد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند أبي يوسف: أن الشروط المتعلقة بالعقد بعد العقد كالموجود لدى العقد وعند أبي حنيفة ومحمد لا يجعل كالموجود (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
العقد وهو ارتباط الإيجاب بالقبول قد يشترط فيه العاقدان شروطاً، فما كان من الشروط لدى انعقاد العقد فهذه يجب مراعاتها والعمل بها إذا لم يكن في أحدها مخالفة لكتاب الله . ولكن إذا تم العقد وأراد أحد المتعاقدين إضافة شروط جديدة، فهل تلحق هذه بالعقد وتعتبر كالموجود حين التعاقد؟ بهذا قال أبو يوسف ﵀.
وأما عند أبي حنيفة، محمَّد بن الحسن وأحمد بن حنبل (٢) ﵏ جميعاً فلا تلحق هذه الشروط بالعقد ولا تلزم ولا تجعل كالموجود وقت التعاقد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا تزوج رجل امرأة ولم يفرض لها مهراً ثم بعد تمام العقد فرض لها مهراً، ثم طلقها قبل الدخول بها. فعند أبي يوسف لها نصف المفروض بعد العقد، وعند أبي حنيفة ومن معه لها المتعة لأن فرض المهر كان بعد تمام العقد.
стр. 515
القاعدة الخامسة والثلاثون بعد الثلاثمئة [النيابة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند أئمة الحنفية، أن الشيء إذا أُقيم مقام غيره في حكم فإنه لا يقوم مقامه في جميع الأحكام. وعند زُفر يقوم مقامه في جميع الأحكام (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تفيد هذه القاعدة أنه إذا أقيم شيء مقام غيره في حكم من الأحكام فأنه يقتصر مقامه عنه في ذلك الحكم، دون غيره من الأحكام وهذا عند أئمة الحنفية الثلاثة.
ولكن زفر بن الهذيل ﵀ يرى أن الشيء الذي يقوم مقام غيره في حكم يقوم مقامه وينوب عنه في جميع الأحكام.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الرجل إذا كان قادراً على الركوع والسجود لا يجوز له أن يقتدي بالموميء برأسه عندهم, لأن الإيماء له حكم القيام فقط في حق جواز صلاة الموميء. فلا يقوم مقامه في جميع الأحكام. وأما عند زفر فإنه لما أقيم الإيماء مقام القيام في جواز صلاته أقيم أيضا مقام القيام في جواز صلاة غيره. ومنها: أن إمامه المستحاضة بالطاهرات لا تجوز عندهم وعنده تجوز, لأن طهارتها قامت مقام طهارة الطاهرات في حق جواز صلاتها فقامت مقام طهارة الطاهرات في حق جواز الإمامة. وعند الأئمة الثلاثة - أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد - إن طهارة المستحاضة إنما قامت مقام طهارة الطاهرات في حق جواز صلاتها فقط.
стр. 516
القواعد: السادسة والثلاثون بعد الثلاثمئة والسابعة والثلاثون بعد الثلاثمائة والثامنة والثلاثون بعد الثلاثمائة [المقدرات الشرعية]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
" الأصل عند محمَّد بن الحسن رحمه الله تعالى أن الشيء إذا ثبت مقدراً في الشرع فإنه لا يجوز تغييره إلى تقدير آخر (١) ". وعند أبي يوسف يجوز.
وفي لفظ: "الأصل أن ما عُرِف كونه مكيلاً على عهد رسول الله ﷺ فهو مكيل أبداً، وإن اعتاد الناس بيعه وزناً، وما عُرف كونه موزوناً في ذلك الوقت فهو موزون أبداً، وما لم يعلم كيف كان يعتبر فيه عرف الناس في كل موضع (٢) ".
وفي لفظ: "إن الاعتبار في التقدير المقدر في باب الربا بعصر رسول الله ﷺ فما كان يكال فيتعين كيله، وما كان يوزن فيتعين وزنه، وما جهل أمره فالاعتبار فيه بالعرف (٣).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
стр. 517
هذه القواعد وإن اختلفت ألفاظها فالمراد منها متحد حيث تتعلق هذه القواعد بتلك التقديرات الشرعية التي جرى عليها عمل الرسول ﷺ وخلفاؤه رضى الله عنهم من بعده، والنظر فيها من حيث إن هذه التقديرات هل هي ثابتة في كل حال ولا تقبل التغيير مهما تغيرت الأحوال، أو هل هي تقديرات قدرها من قدرها تبعاً لظرف موجود أو عرف سائد؟. ولو كان الظرف غير الظرف أو العرف غير العرف لقدر غيرها فيجوز لمن يأتي بعدهم أن يغيرها تبعاً لتغير الظروف والأحوال واختلاف الأعراف؟.
بالأول أخذ محمَّد بن الحسن وجمهور الفقهاء رحمهم الله تعالى، وبالثاني أخذ أبو يوسف رحمه الله تعالى، ولكل من الرأيين مؤيدون من المجتهدين والعلماء.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
الأموال الربوية التي لا يجوز بيع بعضها ببعض متفاضلاً وهي الأصناف الستة التي ذكرها رسول الله ﷺ ، وما يقاس عليها، فما كان منها مكيلاً في عهد رسول الله ﷺ فلا يجوز بيعه إلا مكيلاً ولو تغير تعامل الناس به فأصبح موزوناً فلا يجوز بيع صنف منها بجنسه إلا مكيلاً وكذلك ما كان موزوناً. وخالف في ذلك أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة وصاحب رحمة الله عليهما وتبعه في ذلك ابن تيمية رحمة الله عليه (١) فأجازا بيع ما كان مكيلاً وتغير عرف الناس في التعامل به فصار أن يباع بالوزن، وما كان موزوناً وتغير عرف الناس في التعامل فصار معدوداً - مثلاً - أن يباع معدوداً ويجري فيه الربا كما كان
стр. 518
يجري فيما كان مكيلاً أو موزوناً على عهد رسول الله ﷺ دفعاً للحرج عن الناس وعملاً بالعرف السائد.
وأما ما لم ينص عليه على عهد رسول الله ﷺ وجهل أمره هل هو مكيل أو موزون، فيعتبر فيه العرف السائد بين الناس في كل موضع بحسبه.
ومنها: فرض رسول الله ﷺ على نصارى ويهود اليمن على كل حالم ديناراً (١) وفرض عمر ﵁ الخراج على أرض العراق والشام ومصر، فهل لمن جاء بعد ذلك ووجد أن الحال قد تغير إلى أحسن أو إلى أسوأ فهل له أن يزيد على الخراج المفروض سابقاً أو ينقص منه أو يجب عليه أن يبقيه على ما كان؟ خلاف في المسألة (٢).
стр. 519
القاعدة التاسعة والثلاثون بعد الثلاثمئة [الغلبة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند أبي حنيفة أن الشيء إذا غلب عليه وجوده يجعل كالموجود حقيقة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تفيد هذه القاعدة أن مظنة الشيء تقوم مقامه، فإذا غلب على ظن إنسان أن شيئاً موجوداً ولم يستيقن وجوده فهو يجعل كالموجود حقيقة ويقيناً فإن غلبة الظن كاليقين في الحكم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
النوم ناقض للوضوء لأنه مظنة الحدث، فيجعل النائم كأنه أحدث حقيقة وإن لم يحدث.
ومنها: أن الغلام إذا بلغ خمساً وعشرين سنة ولم يؤنس منه الرشد فإنه يدفع إليه ماله حتى يتصرف فيه كأنه راشد حقيقة، عند أبي حنيفة. وعند صاحبيه لا يدفع إليه حتى يتحقق رشده.
стр. 520
القاعدة الأربعون بعد الثلاثمئة [التابع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند أبي يوسف أن الشيء يجوز أن يصير تابعاً لغيره وإن كان له حكم نفسه بانفراده.
وعند محمَّد إذا كان له حكم نفسه لا يصير تابعاً لغيره.
وأبو حنيفة مع أبي يوسف في أكثر هذه المسائل (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تفيد هذه القاعدة أن الشيء يكون له حكم نفسه - أي مستقلاً بالحكم - بانفراده، ولكن مع ذلك يجوز أن يصير تابعاً لغيره.
وهذا عند أبي يوسف وشاركه أبو حنيفة في كثير من مسائل هذه القاعدة، وأما عند محمَّد بن الحسن فما كان له حكم نفسه لا يصير تابعاً لغيره بل يبقى مستقلاً بحكمه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ذبح إنسان شاة وقطع بعض العروق التي يجب أن تقطع لتحل الذبيحة وترك بعضاً منها - وهذه العروق هي الحلقوم (٢) والمريء (٣)، والودجان (٤). فعند محمَّد بن الحسن لا تحل الذبيحة ما لم يقطع أكثر كل عرق منها - فكل عرق له حكم نفسه استقلالاً.
وعند أبي يوسف إذا قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين حلت
стр. 521
الذبيحة، إذ جعل أحد الودجين تابعاً في حكمه للأخر.
وعند أبي حنيفة تحل الذبيحة إذا قطع الثلاثة أي ثلاثة كانت، فقد جعل بعضها تابعاً لبعض وجعل للأكثر منها حكم الكل.
وعند الشافعي يجب قطع الحلقوم والمريء، ويستحب قطع الودجين (١) فلو تركا أو أحدهما جازت الدبيحة.
وعند مالك يجب قطع الحلقوم والودجين (٢) وجعل المريء تابعاً للحلقوم. وعند أحمد كالشافعي في رواية وفي أخرى يجب قطع الودجين (٣) أيضاً.
стр. 522
القاعدة: الحادية والأربعون بعد الثلاثمئة [النقض والإبطال]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن الشيء يعتبر ما لم يعد على موضوعه بالنقض والإبطال (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تفيد هذه القاعدة أن تصرفات المكلفين وأحكامهم تترتب عليها نتائجها تبعاً لنوعية هذه التصرفات والأحكام، ولكن إذا ترتب على اعتبار تصرف ما ضرر أو أبطل حقاً فإن هذا التصرف أو الحكم لا يعتد به دفعاً للضرر وإبطال الحق.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
المحجور عليه لا يجوز له التصرف فيما حجر عنه، ولكنه إذا تصرف وتم تصرفه ترتبت عليه نتائجه كما لو لم يكن محجوراً, دفعاً للضرر الواقع فيما لو أخذ بأحكام الحجر أو المنع.
فلو أن عبداً محجوراً أجر نفسه مدة معلومة للعمل، لم تصح الإجارة دفعاً للضرر عن المولى، ولكن لو قضينا بفساد الإجارة بعد مضي المدة وتمام العمل كان إضراراً بالمولى لتعطل منافع عبده بغير بدل.
فكان دفع الضرر هنا في تصحيح هذه الإجارة واستحقاق الأجرة دفعاً للضرر عن المولى.
стр. 523
القاعدة: الثانية والأربعون بعد الثلاثمئة [الطلاق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند جمهور الحنفية: أن الطلاق الصريح يتعلق الحكم بلفظه لا بمعناه، وغير الصريح يتعلق الحكم بمعناه لا بلفظه".
"وعند الإمام الشافعي الكنايات كلها رواجع (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تتعلق بألفاظ الطلاق وتفيد فرقاً واضحاً بين الحنفية ومن وافقهم وبين الشافعي ومن وافقه. من حيث إن الحنفية ومن معهم يفرقون بين صريح الطلاق وكنايته في الحكم، فالصريح يتعلق الحكم بلفظه - أي لا ينظر إلى نية المطلق - فيمكن أن يقع واحدة رجعية إذا دل اللفظ عليها ويمكن أن يقع ثنتين أو ثلاثاً إذا تلفظ بالعدد، ولا اعتداد بالنية فيه عند الأكثرين. وأما المالكية فيقع بها طلاق بائن إذا نواه.
وأما الطلاق بالألفاظ الكنائية - وهي الألفاظ التي لم توضع في الأصل للدلالة على الطلاق.
فعند الشافعي ﵀ إنها طلاق رجعي إذا لم ينو شيئاً وإلا وقع ما نواه.
стр. 524
القاعدة: الثالثة والأربعون بعد الثلاثمئة [تعارض ظاهرين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن الظاهرين إذا كان أحدهما أظهر من الآخر فالأظهر أولى لفضل ظهوره (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المقصود بالظاهر هنا الأصل أو المستصحب.
فهذه القاعدة تشير إلى سبب من أسباب الترجيح عند التعارض، فإذا تعارض أصلان وأحدهما أظهر من الآخر فالعمل بالأظهر متعين، وهو أولى مما هو أقل ظهوراً، وهذا مجال اختلاف بين الأئمة في أيهما أظهر.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أقر بدين لجنين، اختُلِف في صحة إقراره، من حيث إن المرء مؤاخذ باقراره وهذا أصل، ثم من حيث إن العقد مع الجنين لا يصح, وهذا أصل.
فمحمد بن الحسن رجح الأول فصحع إقراره، وأبو يوسف رجح الثاني فلم يصحح هذا الإقرار.
ومنها: إذا شك وهو في الجمعة هل خرج الوقت أو لم يخرج. أتم الجمعة على الصحيح, لأن الأصل بقاء الوقت، والأصل الآخر وجوب الظهر وهو بعيد (٢).
стр. 525
القاعدة: الرابعة والأربعون بعد الثلاثمائة [العارض]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن العارض إذا ارتفع مع بقاء حكم الأصل جُعل كأن لم يكن (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالعارض: الأمر الطاريء يعرض ثم يزول.
تشير هذه القاعدة إلى أنه إذا ثبت حكم لأمر ما ثم وجد عارض يمنع الحكم ولكنه لم يستمر إذ ارتفع قبل ارتفاع الحكم اعتبر هذه العارض كأنه لم يوجد وأخذ الحكم طريقه للتنفيذ.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا بلغ مال الزكاة نصاباً في أول الحول أو وسطه، ثم نقص هذا النصاب في وسط الحول أو قبيل آخره. ثم كمل قبل نهاية الحول فحال عليه الحول وهو نصاب كامل، فهذا المال تجب فيه الزكاة عند الحنفية ولا اعتداد بالنقصان الحاصل خلال الحول.
وأما عند غير الحنفية فإن النقصان العارض أثناء الحول يمنع وجوب الزكاة ولو كمل النصاب قبل حولان الحول، بل يستأنف حولاً جديداً بعد زوال النقصان (٢).
стр. 526
القاعدة: الخامسة والأربعون بعد الثلاثمئة [عارض العقد الموقوف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند أبي حنيفة ومحمد أن العارض في العقد الموقوف قبل تمامه كالموجود لدى العقد" خلافاً لأبي يوسف (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
العقد الموقوف: هو العقد الذي تولاه غير صاحب العلاقة فيتوقف نفوذه ولزومه على موافقة ورضا صاحب العلاقة، فإذا وجد عقد موقوف ثم اعترض عارض قبل نفاذه ولزومه فيعتبر هذا العارض أو الطاريء كالموجود حين انعقاد العقد فيبطله. ويمنع نفاذه ولزومه. وعند أبي يوسف لا يمنع.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من تزوج امرأة بغير إذنها فاعترضها عدة (٢) قبل أن تجيز العقد بطل العقد فلا تعمل إجازتها بعد ذلك في تصحيحه. ومنها: إذا باع مال ولده الصغير على أنه بالخيار ثلاثة أيام فأدرك الابن - أي بلغ - قبل الثلاثة الأيام فالإجازة للابن الذي بلغ - عند محمَّد - ويجعل العارض كالموجود لدى العقد فصار كأنه باع ملك ولد بالغ فيتوقف على إجازته وكذلك هذه. وعند أبي يوسف يسقط خيار الأب ويتم البيع لأنه سقطت ولايته فأشبه موت الأب. والعقد الموقوف عند الشافعي ﵀ في الجديد أنه عقد باطل. وفي القديم ينعقد موقوفاً على إجازة المالك فإن أجاز نفذ وإلا لغا (٣).
стр. 527
القاعدة: السادسة والأربعون بعد الثلاثمئة [تعلق الحكم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ﵏ أن العبرة بما يتعلق به الحكم لا بما يظهر به الحكم. وعند زُفر: الذي يتعلق به الحكم كالذي يظهر به الحكم (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
في نسبة هذه القاعدة ارتباك حيث إن الموجود في الطبعتين: محمَّد بن الحسن والحسن بن زياد وزُفر.
والمخالف زُفر. فكيف يكون الموافق زُفر والمخالف زُفر؟ وفي كلا الطبعتين لم يلاحظ المحقق ولا الناشر هذا الخلط. ولكن لعل الصواب أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وأبو يوسف. لأن قولهم هو المعمول به في هذه المسائل (٢).
وتفيد هذه القاعدة أن المعتد به في الأحكام هو الشرط الذي يتعلق به الحكم ويبنى عليه ولا اعتداد بما يظهر به الحكم. وأما عند زُفر فهما سواء.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا شهد شاهدان أنه قال لعبده: إن دخلت هذه الدار فأنت حر. فهذان شاهدا يمين، وقد شهدا بما يتعلق به الحكم وهو الشرط. وشهد آخران أنه قد دخل الدار - وهذان شاهدان بما يظهر الحكم - فحكم
стр. 528
الحاكم بعتق العبد. ثم رجع الشهود جميعاً عن شهادتهم، فضمان قيمة العبد على شهود اليمين أو الشرط؛ لأنهم أثبتوا العلة - وهو قوله: أنت حر. ولا يضمن شهود تحقق الشرط لأن الشرط كان مانعاً، وهم أثبتوا زوال المانع (١).
وعند زُفر يضمن الفريقان لأن وجوب العتق ظهر بشهادتهم.
ومنها: إذا رجع شهود شهدوا بإحصان زان فرجم. لا يضمنون عند الأئمة الثلاثة قالوا: لأن الإحصان شرط محض والشهود شهود الشرط والشرط لا يضاف إليه الحكم.
وعند زُفر يضمنون, لأن وجوب الرجم ظهر بشهادتهم.
стр. 529
القاعدة: السابعة والأربعون بعدالثلاثمئة [ثبوت النسب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند الحنفية أن العبرة في ثبوت النسب بصحة الفراش وكون الزوج من أهله لا بالتمكن من الوطء.
وعند أبي عبد الله الشافعي ﵁: العبرة في النسب للتمكن من الوطء حقيقة (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تعبر عن مسألة من مسائل الخلاف بين الحنفية وغيرهم الشافعي وغيره. فعند الحنفية: أن الاعتداد بثبوت النسب بشرطين:
الأول: صحة الفراش بنكاح صحيح أو ملك يمين.
والثاني: أن يكون الزوج من أهل النكاح، سواء تمكن الزوج من الوطء أم لم يتمكن, لأن التمكن من الوطء لا يعتد به في ثبوت النسب عندهم. وأما عند الإمام الشافعي ﵁، وعند غيره من الأئمة (٢) فالعبرة والاعتداد في ثبوت النسب بالتمكن من الوطء حقيقة لا بمجرد صحة الفراش، وهو المعقول.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من تزوج امرأة زواجاً صحيحاً وغاب سنين ثم جاءت بولد ثبت النسب منه - إلا أن ينفيه - لأن الفراش له وهو من أهل ثبوت النسب. وأما غير الحنفية فلا يثبت النسب منه، إذ لا يتمكن من حقيقة الوطء.
стр. 530
القاعدة: الثامنة والأربعون بعد الثلاثمائة [الجزاء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند الشافعي أن العبرة في وجوب الجزاء للمحل دون الفعل (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
يشير هذا الأصل عند الشافعي رحمه الله تعالى أن المعتد به في وجوب جزاء الصيد من الحرم أو حالة الإحرام هو محل الجزاء لا الفعل الموجب للجزاء وهو قتل الصيد في الحرم أو حالة الإحرام، والمراد بمحل الجزاء هو الصيد المقتول.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
محرم أراد رفض إحرامه - وظن أن فعل المحظور يبطل إحرامه - فقتل صيداً كثيراً فعند الشافعي رحمه الله تعالى عليه جزاءٌ لكل صيد صاده، ولا عبرة بنيته, لأنه - أي الجزاء - بدل متلفٍ فتكرر بتكرر الإتلاف.
وعند الحنفية عليه جزاء واحد فقط اعتداداً بنيته، وإن كان لا يبطل إحرامه عند الجميع لأن الإحرام لازم لا يخرج منه إلا بأداء الأعمال. وعند أحمد ﵀ يتعدد الجزاء في الراجح (٢).