← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14596

موسوعة القواعد الفقهية

محمد صدقي آل بورنو

Полный текст (5 326 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

القاعدة الحادية والسّبعون بعد السّتمئة [العفو والأخذ] أولاً: لفظ ورود القاعدة: من لا يملك العفو، لا يملك الأخذ (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: العفو: هو إسقاط الحقّ بعد تقرّره، والعافي: هو التّارك والمسقط عقوبة من استحقّ المؤاخذة (٢). فمن لا يملك إسقاط الحقّ عمّن هو عليه، لا يملك أخذ الحقّ، إنّما يملك الأخذ من يملك الإسقاط والتّرك. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: من لا يملك حقّ القصاص، لا يملك أن يعفو عنه. ومنها: لا يملك إسقاط الدّين عن المدين إلا الدّائن، التّارك لأخذ الدّين. ومنها: حقّ الشّفعة لا يملك إسقاطه إلا من يملك حقّ المطالبة به. ومنها: عند ابن أبي ليلى في آخرين: إنّ الصّبي لا تثبت له الشّفعة - وليس للولي الأخذ؛ لأنّ الولي لا يملك العفو والإسقاط فلا

стр. 4622

يملك الأخذ. والصّبي لا تثبت له الشّفعة؛ لأنّه لا يمكنه الأخذ، ولا يمكن انتظاره حتى يبلغ لما فيه من الإضرار بالمشتري. وهذا كما قلنا عند ابن أبي ليلى في آخرين. ولكن عند الجمهور تثبت الشّفعة للصّبي ويطالب بها الولي إذا رأى فيها مصلحة للصّبي.

стр. 4623

القاعدة الثّانية والسّبعون بعد السّتمئة [الفطرة والنّفقة] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: مَن لزمته نفقته لزمته فطرته، وإلا فلا (١). وفي لفظ آت: من وجبت عليه فطرته، وجبت عليه فطرة كلّ من تلزمه نفقته إذا كانوا مسلمين (٢). وفي لفظ آت: من وجبت نفقته على غيره، وجبت عليه فطرته وإلا فلا. ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: من وجبت عليه صدقة الفطر، وكان تحت يده ورعايته من تجب نفقتهم عليه، فإنّ فطرتهم تلزمه، ويجب عليه إخراجها عنهم إذا كانوا مسلمين، وعند الحنفيّة يخرج عن أرقائه غير المسلمين أيضاً. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: يجب على الرّجل صدقة فطره وصدقة فطر أولاده الذين ينفق عليهم ذكوراً وإناثاً، وزوجته - في الأصحّ - وأمّه وأبيه وأخواته إذا كانوا تحت رعايته وينفق عليهم وهم مسلمون وكذلك صدقة عبيده المسلمين.

стр. 4624

رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القواعد: زوجة أبيه التي تلزمه نفقتها - في حال إعسار الأب - ومستولدة الأب - فلا يلزم الإبن فطرتها على الأصحّ. ومنها: زوجة الابن الفقير لا تجب فطرتها على الأب وإن أوجبنا نفقتها. ومنها: خادم الزّوجة - إذا كانت ممّن يخدم - لا تجب فطرتها على الزّوج وإن كانت نفقتها واجبة. ومنها: الأمة المزوّجة تجب فطرتها على سيّدها، ونفقتها على زوجها.

стр. 4625

القاعدة الثّالثة والسّبعون بعد السّتمئة [الحقّ المقصود، النّيابة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: مَن لزمه حقّ مقصود لا تجري النّيابة في إيفائه (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: إنّ مَن وجب عليه حقّ مقصود به نفس الشّخص، فلا يجوز أن ينوب عنه غيره في إيفائه أو القيام به. لأنّه حقّ متعلّق بنفس الشّخص. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا توجّهت اليمين على المدّعى عليه - عند عدم بيّنة المدّعي - فلا يجوز للمدّعَى عليه أن ينيب غيره أو يوكّله ليحلف عنه؛ لأنّ اليمين حقّ مقصود. ومنها: أيمان القسامة إذا وجبت على قوم، فإن نكلوا عن الحلف يحبسوا حتى يحلفوا، ولا يجور أن ينيبوا غيرهم في الحلف، ولا أن يعتبر نكولهم إقراراً؛ لأنّ الأيمان في القسامة حقّ مقصود لتعظيم أمر الدّم. فإن امتنعوا منه فإنّهم يحبسون حتى يحلفوا. ومنها: إذا قذف زوجته بالزّنا فعليه اللعان بألفاظه التي أوجبها القرآن ولا ينوب عنها غيرها من الكلمات لأنّها مقصودة بألفاظها. وكذلك الشّهادة. ومنها: الصّلاة والصّيام، لا يجوز النّيابة في أدائهما لأنّهما حقّان مقصودان في أنفسهما فلا تجري النّيابة في إيفائهما.

стр. 4626

القاعدة الرّابعة والسّبعون بعد السّتمئة [النّظر للنّفس] أولاً: لفظ ورود القاعدة: مَن لم ينظر لنفسه لا يُنظر له (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الأصل أنّ كلّ إنسان عليه أن يسعى في مصلحة نفسه، ويعمل لما ينفعه، ويحاول أن يجلب الخير لنفسه، ويدفع الشّرّ والضّرّ عنها بقدر استطاعته، لكن بشرط أن لا يضرّ غيره. فلا ينتظر إنسان أن يسعى غيره لما فيه مصلحته؛ لأنّ مَن لا يعمل لمصلحة نفسه ومنفعتها لا يعمل غيره له؛ لأنّ كلّ إنسان مشغول بنفسه وبالنّظر والعمل لها. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا لم يشترط المشتري الخيار لنفسه في مجلس العقد لزمه البيع وإن لم يتفرّقا، ولا ينتظر من البائع أن يمنحه الخيار. ومنها: إذا لم يطلب الشّفيع الشّفعة لنفسه وبنفسه لا يطلبها غيره له.

стр. 4627

القاعدة الخامسة والسّبعون بعد السّتمئة [الإنشاء والإقرار] أولاً: لفظ ورود القاعدة: مَن ملك الإنشاء ملك الإقرار، وما لا فلا (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق مثل هذه القاعدة بمعناها قريباً بلفظ (مَن قدر على الإئشاء برقم ٦٥٤). وينظر من قواعد حرف الهمزة القاعدتان ٣٩٨، ٥٣٥.

стр. 4628

القاعدة السّادسة والسّبعون بعد السّتمئة [المالك] أولاً: لفظ ورود القاعدة: مَن مَلَك أن يملك هل يُعدُّ مالكاً أم لا (١)؟ ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق مثل هذه القاعدة بمعناها قريباً بلفظ (من جرى له سبب يقتضي المطالبة بالتّمليك) (٢) برقم ٦١١. فمن ملك أن يملك: أي أنّ من ثبت له حقّ في ملكيّة شيء ما فهل يعتبر مالكاً في الحقيقة والواقع أو لا يعتبر مالكاً إلا إذا ثبت ذلك الشّيء تحت يده وتصرّفه؟ خلاف.

стр. 4629

القاعدة السّابعة والسّبعون بعد السّتمئة [ملك العوض] أولاً: لفظ ورود القاعدة: مَن ملك شيئاً بعوض مُلِك عليه عِوَضه في آن واحد (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: إذا ملك شخص شيئاً مقابل عِوض - كالثّمن - كاشتراء شيء، فإنّ عوض هذا الشّيء المشترى - أي ثمنه أو بدله - يُملك عليه في نفس الوقت الذي ملك فيه ذلك الشّيء. وذلك من باب المقابلة والمساواة، وذلك في العقود التي لها عوض كلّها. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: من استأجر داراً أو أرضاً فإنّ المستأجر يملك المنافع والمؤجّر يملك الأجرة بنفس العقد والوقت. ومنها: إذا اشترى سلعة فإنّه يملكها بالعقد ويملك البائع الثّمن بنفس العقد والوقت وله حبس السّلعة حتى يستوفي الثّمن إذا كان الثّمن حالاً. ومنها: إذا عقد على امرأة عقد نكاح فإنّها تملك المهر بنفس العقد وهو يملك منافع بضعها في نفس العقد والوقت.

стр. 4630

القاعدة الثّامنة والسّبعون بعد السّتمئة [الملك والإقرار] أولاً: لفظ ورود القاعدة: من ملك شيئاً ملك الإقرار به (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الإقرار هو الاعتراف، وقد يكون اعترافاً بحقّ للغير على نفسه، وقد يكون إقراراً بما يملكه وما تحت يده، وهو موضوع القاعدة، فإنّ من ملك شيئاً فإنّه يملك تبعاً لذلك الإقرار والاعتراف بذلك الشّيء. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أقرّ مريض - مرض الموت - بإحبال أمته، قُبل إقراره وصحّ, لأنّه يملكها، فيملك الإقرار بإحبالها وحملها. فإن مات بعد إقراره وبيَّن أنّه استولدها في ملكه، فولده حرّ الأصل، وأمّه أمّ ولد تعتق من رأس المال. ومنها: إذا أقرّ المفلس أنّه أعتق عبده، فإن صحّ عتقه صحّ إقراره وعتق العبد.

стр. 4631

القاعدة التّاسعة والسّبعون بعد السّتمئة [الملك والضّرورات] أولاً: لفظ ورود القاعدة: من ملك شيئاً ملك ما هو من ضروراته (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بالضّرورة هنا: اللزوم، أي أنّ من ملك شيئاً ملك ما هو من لوازمه وتوابعه ومتمّماته، وليس المراد بالضّرورة هنا الاضطرار. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا اشترى داراً - في سكّة غير نافذة - فقد ملك الطّريق الموصل إليها، بدون تنصيص عليها، ما لم يكن في ملك خاصّ فلا بدّ من التنصيص. ومنها: إذا اشترى قفلاً دخل في البيع مفتاحه ضرورة. ومنها: إذا اشترى سيّارة ملك مفاتيحها ضرورة ولزوماً.

стр. 4632

القاعدتان الثّمانون والحادية والثّمانون بعد السّتمئة [ملك الكلّ والجزء] أولاً: لفظ ورود القاعدة: مَن ملك الكلّ ملك البعض (١). وفي لفظ: مَن ملك شيئاً ملك كلّ جزء من أجزائه (٢). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: ملك الشّيء - إذا لم يكن شركة - فهو ملك كامل للمالك، فإنّ مالكه يملك كلّ جزء من أجزائه، ولا يعقل أن يملك شخص شيئاً ملكاً كاملاً ثم لا يملك جزءاً منه أو بعضه؛ لأنّ خروج الجزء أو البعض عن ملكه ينافي كمال الملك، ولذلك فللمالك حقّ التّصرّف في كلّ جزء من أجزاء ملكه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا مَلَك الإنسان داراً ملك أرضها وغرفها وما تحتها وما فوقها. ومنها: إذا ملك الإنسان كتاباً ملك كلّ ورقة منه. ومنها: إذا ملك الزّوج الحرّ ثلاث تطليقات ملك تطليقة واحدة بطريق الأولى.

стр. 4633

القاعدة الثّانية والثّمانون بعد السّتمئة [ملك المباشرة والإقرار] أولاً: لفظ ورود القاعدة: من ملك مباشرة الشّيء يملك الإقرار به (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة قريبة المعنى من قاعدة سبقت بلفظ (من ملك الإنشاء ملك الإقرار) ولكنّها تفيد فائدة أخرى وهي: أنّ من ملك أن يباشر الشّيء ويقوم به فإنّه يملك الإقرار به. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا وكَّله بقبض دين على أبي الوكيل أو ولده أو مكاتبه، فقال الوكيل: قد قبضته وهلك في يدي، وكذّبه الآمر، فالقول قول الوكيل مع يمينه؛ لأنّ الوكالة لمّا صحّت بالقبض من هؤلاء صار هو - أي الوكيل - مسلطاً من جهة الآمر على الإقرار بالقبض، والمال بيده أمانة. فهو يدَّعي براءة ذمّته عند هلاك المال في يده بغير عمل منه. والقول قول الأمين.

стр. 4634

القاعدة الثّالثة والثّمانون بعد السّتمئة [ملك المنفعة والعين] أولاً: لفظ ورود القاعدة: مَن ملك منفعة عين بعقد، ثم مَلَك العين بسبب آخر، هل ينفسخ العقد الأوّل أم لا (١)؟ ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: إذا استأجر إنسان داراً أو أرضاً بعقد الإجارة فقد ملك منفعتها دون عينها، ثم إنّ هذا المستأجر للعين ملك تلك العين نفسها بعقد آخر كالبيع أو الهبة أو الميراث أو غير ذلك من الأسباب فهل ينفسخ عقد الإجارة الذي ملك بموجبه منفعة العين أو لا ينفسخ؟ خلاف في المسألة، والأصحّ أنّه ينفسخ لأنّه ملك العين وملك منفعتها تبعاً. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا تزوّج أمَةً ثم ملكها بعقد بيع أو هبة أو إرث، فإنّ عقد النّكاح ينفسخ بملك الرّقبة. فقد ملك الرّقبة ومنفعة البضع تبعاً. وهذا أمر متّفق عليه. ومنها: إذا اشترى المستأجر العين المستأجرة من مؤجّرها، ففي انفساخ الإجارة وجهان أو روايتان عند الحنابلة. الأولى: ينفسخ عقد الإجارة؛ لأنّه ملك الرّقبة فبطل ملك المنفعة المنفصل عن الرّقبة - كما

стр. 4635

لو اشترى زوجته الأمَةَ. والثّانية: أنّه لا ينفسخ - قال: وهو الصّحيح - لأنّ المنافع ملكها أوّلاً بجهة الإجارة وخرجت عن ملك المؤجّر، والبيع بعد ذلك يقع على ما يملكه البائع وهو العين المسلوبة النّفع، فصار كما لو اشترى العين الموصى بمنافعها من الورثة. وأقول وبالله التّوفيق: هذا قياس مع الفارق؛ لأنّ العين الموصَى بمنافعها تكون منافعها لغير مشتري رقبتها إلا إذا قلنا: إنّ الموصَى له بالمنافع هو نفسه المشتري للرّقبة. وأيضاً هناك فرق آخر وهو أنّ الموصَى له بالمنافع قد تكون الوصيّة مؤبّدة وأمّا الإجارة فهي محدّدة المدّة، وهذه فإنّ المشتري للرّقبة هو المستأجر لمنافعها، ولا يترتّب على هذا الخلاف ثمرة. ومنها: إذا وهب العين المستعارة من المستعير فإنّه تبطل العارية؛ لأنّ عقد الإعارة عقد غير لازم.

стр. 4636

القاعدة الرّابعة والثّمانون بعد السّتمئة [النيَّة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: من نوى حقيقة كلامه عومل بنيّته (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة تتعلّق أكثر ما تتعلّق بالأيمان. ولها ارتباط بقاعدة (النّيَّة) فإن المتكلّم إمّا أن يريد بكلامه معناه الحقيقي في اللغة، وإمّا أن يريد به معنى آخر عُرفيّاً أو شرعيّاً. فمن أراد ونوى وقصد بكلامه معناه الحقيقي اللغوي فإنّه يعامل بنيّته هذه؛ لأنّ (الأعمال بالنّيات). ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: مَن حلف لا يأكل لحماً، ونوى باللحم المعنى اللغوي الحقيقي فإنّه يحنث بأكل أي نوع من اللحم. بخلاف ما لو لم ينو الحقيقة اللغوية، فإنّما يحمل على المعنى العرفي لكلمة اللحم وهو لحم الإبل والضّأن والبقر. ممّا يسمى لحماً عند الإطلاق في العرف. ومنها: من حلف أن لا يأكل بيضاً - ونوى كلّ أنواع البيض - فهو يحنث ولو أكل بيض السّمك أو بيض الأفاعي. ومنها: إذا حلف لا يطأ منزل فلان بقدمه - يعنى بذلك أن لا يضع قدمه على أرض منزله - فدخله وعليه خفّان أو نعلان أو راكباً لم

стр. 4637

يحنث. وإن لم يكن له نيّة حنث؛ لأنّ المراد من هذا اللفظ في العرف دخول منزله. فعند الإطلاق يحمل على ذلك وهو يسمى داخلاً، سواء أكان راكباً أم ماشياً حافياً أم منتعلاً. وأمّا إن نوى حقيقة وضع القدم فلا يحنث إلا بوضع القدم لأنّه نوى حقيقة كلامه.

стр. 4638

القاعدة الخامسة والثّمانون بعد السّتمئة [المنهي عنه] أولاً: لفظ ورود القاعدة: المنهي عنه يحرم فعل بعضه (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المنهي عنه: هو ما نهى الله ورسوله عنه، والنّهي: هو طلب ترك الفعل تركاً جازماً. وإذا كان النّهي مقطوعاً به أفاد تحريم المنهي عنه. وما نُهِي عنه وحُرَّم فعله جملة فإنَّ فعل بعضه محرّم أيضاً؛ لأنّ فعل بعضه يحرم تحريم فعل كلّه. ولا يجوز أن يكون الشّيء الواحد بعضه محرّماً وبعضه غير محرّم، بل ما حرِّم كلّه حُرَّم بعضه. ومَن فعل بعض المحرَّم لا يكون منتهياً عمّا حُرِّم. بل إنّ الشّارع الحكيم إذا حرّم شيئاً حرَّم الطّرق والوسائل المؤدّية إليه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: نهى الله عن الرّبا - نسيئة وفضلاً - فالرّبا محرَّم بكلّ أنواعه، فلا يجوز أن يكون الرّبا محرّماً على قوم وحلالاً لآخرين، ولا يجوز أن يكون بعضه محرّماً وبعض آخر حلالاً. ومنها: نهى الله عن أكل أموال الناس بالباطل قليلها

стр. 4639

وكثيرها، فالميسر - مثلاً - محرّم فعله جملة وأجزاء. والغصب محرّم كلّه ولو كان مزاحاً، كما ورد في الخبر. ومنها: كما حرَّم الله على المحرم أن يحلق رأسه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ (١). حرَّم حلق بعضه - إلا لضرورة مع الفدية - وكذلك حرَّم ستر بعضه.

стр. 4640

القاعدة السّادسة والثّمانون بعد السّتمئة [قضاء الفائت] أولاً: لفظ ورود القاعدة: من وجب عليه شيء ففات وقته لزمه قضاؤه، وسقط بفعله (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق مثل هذه القاعدة ضمن قواعد حرف الكاف تحت الرّقم ٢٥٢. ومفادها: أنّ من وجب عليه شيء من العبادات المؤقّتة بوقت بدء ووقت انتهاء، ففات وقتها بسبب كالنّسيان والنّوم وما أشبه ذلك فإنّه يجب عليه قضاؤها - أي الإتيان بها خارج وقتها المقدّر لها شرعاً -؛ لأنّ تلك العبادة تعلّقت بذمّته، فلا تبرأ ذمّته إلا بالفعل، فإذا قضى ما فاته برئت ذمّته وسقطت المطالبة بالعبادة بفعله. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: من شُغِل بإنقاذ غريق أو إطفاء حريق فلم يصل الصّلاة في وقتها، فيجب عليه أداؤها في الوقت الذي يفرغ فيه سواء في ذلك وقتها المحدّد أو خارجه.

стр. 4641

ومنها: مَن ملك النّصاب وحال عليه الحول فلم يخرج زكاته، فإنّ ذمّته أصبحت مشغولة بتلك الزّكاة، فإذا مضت عليه سنوات ولم يخرجها، ثم أراد إخراجها فعليه إخراج زكاة جميع السّنوات التي لم يخرج زكاتها في وقتها، فإذا فعل برئت ذمّته، وسقطت المطالبة بفعله.

стр. 4642

القاعدة السّابعة والثّمانون بعد السّتمئة [الفطرة والنّفقة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: من وجب عليه فطرته وجبت عليه فطرة كلّ مَن تلزمه نفقته - إذا كانوا مسلمين - ووجد ما يؤدّي عنهم (١). ومن وجبت نفقته على غيره وجبت عليه فطرته، وإلا فلا (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق معنى هاتين القاعدتين وأمثلتهما قريباً فلتنظر هناك تحت الرّقم ٦٧٥.

стр. 4643

القاعدة الثّامنة والثّمانون بعد السّتمئة [الأداء عن الغير] أولاً: لفظ ورود القاعدة: مَن وجب عليه أداء عين مال، فأدّاه عنه غيره بغير إذنه، هل يقع موقعه، وينتفى الضّمان (١)؟ ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الأصل أنّ مَن عليه دين فعليه وفاؤه وأداؤه. والدّين إمّا أن يكون عيناً وإمّا أن يكون ديناً في الذّمّة. فإذا أدّى الدَّين عن المدين شخص آخر أجنبي عنه بغير إذنه، فهل يقع الأداء موقعه وتبرأ ذمّة المدين وينتفي الضّمان عن المؤدّى إذا كان المؤدّى عيناً؟ هذا على قسمين: القسم الأوّل: أن تكون العين ملكاً لمن وجب عليه الأداء وقد تعلّق بها حقّ للغير. فإن كان المتصرّف له ولاية التّصرّف وقع الموقع ولا ضمان وبرئت ذمّة المدين. وإن كان الواجب ديناً، فإن كانت العين متميّزة بنفسها فلا ضمان ويجزئ. وإن لم تكر متميّزة من بقيّة مال المدين ضمن المتصرّف ولم يجزئ إلا أن يجيز المالك التّصرّف. القسم الثّاني: أن يكون الواجب أداؤه غير مملوك للمدين، فأدّاه الغير إلى مستحقّه، فإن كان مستحقّه معيّناً، فإنّه يجزئ ولا ضمان.

стр. 4644

وإن لم يكن معيناً ففي الإجزاء خلاف. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: ١ - من أمثلة القسم الأوّل: إذا امتنع عن وفاء دينه وله مال، فباع الحاكم ماله، ووفاه عنه، صحّ وبرئ منه ولا ضمان. ومنها: إذا امتنع من أداء الزّكاة فأخذها الإمام منه قهراً، تجزئ عنه ظاهراً وباطناً. ومنها: ولي الصّبي والمجنون يخرج عنهما الزّكاة ويجزئ، كما يؤدّي عنهما سائر الواجبات الماليّة. ومنها: إذا أدّى غيره زكاته الواجبة من ماله، أو نذره الواجب في الذّمّة أو كفّارته من ماله بغير إذنه - حيث لا ولاية له عليه - فإنّه يضمن في المشهور. ويجوز نفوذه إذا أجازه المالك كالعقد الموقوف. ومن أمثلة القسم الثّاني: المغصوب والودائع إذا أدّاها أجنبي إلى المالك، أجزأت ولا ضمان. ومنها: إذا اصطاد المحرم صيداً في إحرامه فأرسله غيره من يده فلا ضمان. ومنها: إذا دفع أجنبي عيناً موصَى بها إلى مستحقّ معيّن لم يضمن ووقعت موقعها، وإن كان الوصيّة لغير معيّن ففي الضّمان وجهان.

стр. 4645

القاعدة التّاسعة والثّمانون بعد السّتمئة [الزّيادة على الواجب] أولاً: لفظ ورود القاعدة: من وجب عليه عبادة فأتى بما لو اقتصر على ما دونه لأجزأه، هل يوصف الكلّ بالوجوب (١)؟ ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة من مسائل الواجب عند الأصوليّين، وقد سبق بيان معناها وأمثلتها في القاعدة ذات الرّقم ٥٦٤. ومفادها: أنّ الواجبات غير المقدرة إذا أتى المكلّف بأدنى الواجب وزاد عليه فهل يعتبر كلّ ما أدّاه واجباً، أو أنّ الواجب هو الأدنى وما زاد يعتبر تطوّعاً ونفلاً. خلاف. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا ركع وسبّح في ركوعه عشر تسبيحات فهل يعتبر الكلّ واجباً، أو أنّ الواجب هو الواحدة أو الثّلاث، وما عداها فهو تطوّع؟ خلاف.

стр. 4646

القاعدة التّسعون بعد السّتمئة [عين المال] أولاً: لفظ ورود القاعدة: من وجد عين ماله فهو أحقُّ به (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: دليل هذه القاعدة قوله ﷺ : "مَن وجد متاعه عند مفلس بعينه فهو أحقّ به" (٢). وفي رواية: "من أدرك ماله بعينه عند رجل أفلس، أو إنسان قد أفلس فهو أحقّ به من غيره" (٣). وقد ورد بروايات أخر (٤). ومفاد القاعدة: أنّ الإنسان إذا أفلس وقد اشتري متاعاً ولم يدفع من ثمنه شيئاً، فإنّ البائع أحقّ بهذا المال من باقي غرماء المفلس. لكن إذا كان المشتري قبل إفلاسه قد دفع جزءاً من ثمن السّلعة المشتراة ثم أفلس أو مات فإنّ البائع يكون أسوة الغرماء - أي يشترك معهم في استيفاء حقّه أو بعضه، بحسب ما يوجد من مال للمفلس أو الميّت.

стр. 4647

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: اشترى شخص سيّارة من أحد المعارض بثمن آجل، وعند حلول الأجل أفلس المشتري وعليه ديون - ولم يكن دفع من ثمن السّيّارة شيئاً - فبائع السّيّارة له حقّ أخذها واستردادها، ولا حقَّ للغرماء الآخرين فيها. بل حقّهم في غيرها من مال المفلس. ومنها: إذا سرق سارق متاعاً لشخص، ثم وجد صاحب المتاع متاعه بعد إقامة الحدّ على السّارق أو قبله، فله استرداد المتاع وهو أحقّ به. ومنها: إذا مات مضارب وعليه دين - ومال المضاربة في يده معروف وهو دراهم - وكان رأس المال دراهم - بدئ بربّ المال قبل الغرماء فأخذ رأس ماله وحصّته من الرّبح؛ لأنّه وجد عين ماله؛ ولأنّ دين المضارب يتعلّق بتركته بعد موته، وتركته ما كان مملوكاً له عند موته، وهو حصّته من الرّبح. وأمّا مقدار رأس المال وحصّة ربّ المال من الرّبح فهو ملك ربّ المال ليس من تركة المضارب في شيء. ومنها: إذا وجد مسلم عبداً له أو فرساً أو متاعاً - كان قد غنمه العدو - فوجده في الغنيمة قبل أن تقسم فهو أحقّ به بغير شيء.

стр. 4648

القاعدتان الحادية والثّانية والتّسعون بعد السّتمئة [المنوي المحتمل] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: المنوي إذا كان من محتملات كلام النّاوي فهو كالمصرّح به (١). وفي لفظ: المنوي إذا كان من محتملات لفطه جعل كالملفوظ (٢). ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما: اللفظ إمّا أن يراد به حقيقته اللغويّة أو الشّرعيّة أو العرفيّة، وقد يطلق فيحمل على أحد معانيه إن كان يحتملها، فإن كان المتكلّم تكلّم بكلام أو تلفّظ بلفظ ونوى به معنى غير ما يدل عليه اللفظ بإطلاقه، فإن كان المنوي ممّا يحتمله اللفظ أو الكلام فإنّ النّيّة هنا تعتبر، ويكون المعنى المراد والمنوي كأنّ المتكلّم صرّح به. وإلا يكن المنوي ممّا يحتمله اللفظ فلا تعتبر نيّته بل يعامل بدلالة لفظه اللغويّة أو الشّرعيّة. ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما: إذا نذر رجل أن يصوم لله شهراً مُنَكَّراً، فله أن يصومه متفرّقاً؛ لأنّ صوم الشّهر عبادات متفرّقة؛ لأنّه يتخلّل بين الأيّام وقت لا يقبل

стр. 4649

الصّوم، فلا يلزمه التّتابع فيه. إلا أن ينصّ على التّتابع أو ينويه، فإنّ المنوي كالملفوظ، فلا يجزئه إلا متتابعاً. ومنها: إذا قال شخص: إن فعلت كذا فعليَّ هَدْي. ففعله، كان عليه ما استيسر من الهدي وهو شاة؛ لأنّ اسم الهَدْي، عند الإطلاق يتناول الإبل والبقر والغنم. والمتيقّن عند الإطلاق هو الشّاة. أمّا إن نوى الإبل أو البقر كان عليه ما نوى؛ لأنّه شدّد الأمر على نفسه ونوى التّشديد فيما التزمه من الهدي فوجب عليه. وإن قال: عليَّ بدنه - فإن كان نوى شيئاً من البدن بعينه فعليه ما نوى. وإن لم يكن له نيَّة فعليه بقرة أو جزور.

стр. 4650

القاعدة الثّالثة والتّسعون بعد السّتمئة [مراعاة الأمر والصّفة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: مَن يُرَاع أمره في شيء يراع صفة أمره (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: يراعى: أن يعتنى ويحافظ. من المراعاة، وأصل المادة: من رعى يرعى وراعى يراعي. فمن يعتني بأمره في شيء ويُحرص على تنفيذ أمره وطاعته في شيء ما فيجب أن يعتنى ويحرص على صفة ذلك الأمر كما أراد الآمر، وتنفيذه على الوجه الذي أراده. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: أمرنا الله بالصّلاة والزّكاة والصّيام والحجّ، وغير ذلك من العبادات وشرائع الإسلام، فيجب علينا أداء ما أمر على الصّفة التي أمر الله بها رسوله ﷺ ، وبلّغها ﵊ إلينا. فقال ﵊: "صلّوا كما رأيتموني أصلّي" (٢). فلذلك لا يجوز لنا أن نبتدع صفة أخرى للصّلاة غير ما صلّى رسول الله ﷺ . وكذلك الصّيام والزّكاة والحجّ وغير ذلك.

стр. 4651

ومنها: إذا قال الإمام لجنوده: لا تخرجوا إلا تحت لواء فلان - للقائد المعيّن - فينبغي لهم أن يراعوا شرطه فلا يخرجوا إلا تحت لوائه، وأن يكونوا تحت لوائه حتى يرجعوا.

стр. 4652

القاعدة الرّابعة والتّسعون بعد السّتمئة [إنشاء العقد وإجازته] أولاً: لفظ ورود القاعدة: مَن يملك إنشاء العقد يملك إجازته (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق لهذه القاعدة ما يقرب من معناها ومدلولها، فإنّ مَن يملك إنشاء العقد والتّصرّف القولي، يملك إجازته إذا عقده فضولي. ومفهوم ذلك: أنّ من لا يملك إنشاء العقد كالصّغير والمجنون والمحجور لا يملكون إجازته إذا عقده فضولي. والمجيز: هو من يتمّ العقد بإجازته. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: باع فضولي متاعاً لشخص بيعاً موقوفاً على إجازة المالك. فإذا كان مالك المتاع حرّاً بالغاً عاقلاً غير محجور فإنّه إن أجاز العقد هذا جاز وتمّ. وإن لم يجزه بطل؛ لأنّه قادر في الحال على إنشاء العقد واعتباره. أمّا إذا كان مالك المتاع صبياً أو مجنوناً أو عبداً غير مأذون أو محجوراً، فإنّ العقد يبطل ولو أجاز هؤلاء؛ لأنّ هؤلاء محجورون

стр. 4653

وممنوعون من التّصرّفات القوليّة، ولا يمكنهم إنشاء العقد في حال الصّغر والجنون والحجر. ومنها: أنّ الوكيل أو الوصي يملك إجازة العقد كالمالك؛ لأنّه يملك إنشاء العقد.

стр. 4654

القاعدة الخامسة والتّسعون بعد السّتمئة [حمل الكلام] أولاً: لفظ ورود القاعدة: مهما أمكن حمل الكلام على وجه صحيح لم يجز إلغاؤه (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق لهذه القاعدة أمثال قريبة المعنى منها - وينظر من قواعد حرف الكاف القاعدة ٢١. فإنّ كلام العاقل يجب حمله على الصّحّة - ما أمكن ذلك - وعلى ذلك فكلّ كلام صدر على عاقل فإنّه يحمل على وجه صحيح مهما أمكن، فإذا وجد وجه صحيح يحمل عليه فلا يجوز إلغاؤه وإبطاله؛ ولأنّ (إعمال الكلام أولى من إهماله) - كما سبق بيانه وينظر القاعدة رقم ٥١٨ من قواعد حرف الهمزة، والوجيز ص ٣١٤ فما بعدها. وذلك لأنّ كلام العاقل محسوب عليه فهو حريص أن لا يخرج منه إلا كلام يحمل على وجه صحيح. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أقرّ شخص وقال: لفلان عليّ ألف درهم إلا عشرة دنانير. فهل استثناء الذّهب - وهو الدّنانير - من الفضّة - وهي الدّراهم -

стр. 4655

استثناء صحيح؟ اختلف في ذلك. والأصحّ الصّحّة والجواز؛ لأنّ قَدْر أحدِهما معلوم عن الآخر، ويعبّر بأحدهما عن الآخر. فيكون الإقرار بألف درهم إلا قيمة العشرة الدّنانير من الدّراهم.

стр. 4656

القاعدتان السّادسة والسّابعة والتّسعون بعد السّتمئة [المواعيد] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: المواعيد بصورة التّعاليق تكون لازمة (١). وبالمقابل: المواعيد لا يتعلّق بها اللزوم إلا أن يكون شرطاً في عقد لازم (٢). ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما: المواعيد: جمع موعد، وهو مصدر ميمي بمعنى الوعد. التّعاليق: جمع تعليق، وهو ربط حصول مضمون جملة بحصول مضمون جملة أخرى. كما سبق بيانه والمراد التّعليق اللغوي بأداة من أدوات الشّرط. هاتان القاعدتان متضادتان في الظّاهر من حيث إنّ القاعدة الأولى مفادها: أنّه إذا صدرت مواعيد من إنسان فيما يمكن ويصحّ التزامه شرعاً - وصدرت منه بصورة تعليق على شرط فإنّ هذه المواعيد تكون لازمة، ويجب على الملتزم بها أداء ما وعد به. وأمّا القاعدة الثّانية فمفادها: أنّ المواعيد لا يتعلّق بها لزوم، فمن وعد لا يلزمه الوفاء بوعده ولا يجب عليه، إلا على سبيل

стр. 4657

الاستحباب ومن مكارم الأخلاق. لكن هذه القاعدة استثنت حالة يجب فيها الوفاء بالوعد وذلك إذا كانت المواعيد شروطاً في عقد لازم. وبهذا الاستثناء يزول التّضادّ الظّاهري بين القاعدتين ويكون المراد أنّ المواعيد لا يتعلّق بها اللزوم إذا كانت مطلقة عن الشّرطيّة في العقود اللازمة. ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما: إذا قال رجل لآخر: بع بيتك هذا لفلان، فإن لم يعطك ثمنه فأنا أعطيكه، فباعه منه، ثم طالبه بالثّمن فلم يعطه المشتري للبائع بعد مطالبته إيّاه، بأن امتنع من الدّفع والأداء، فهنا يلزم الرّجل المُوعِد أداء الثمن المذكور للبائع بناء على وعده المعلّق. ومنها: إذا قال الكفيل بالنّفس: إن لم أوافك بمديونك فلان غداً، فأَنا أدفع له دَينه. فَلَم يوافه في الغد لزمه الدّين. ومنها: إذا كفل رجل عن رجل بألف درهم بأمره على أن يعطيه بها هذا الحيوان رهناً - لحيوان موجود - فوقعت الكفالة بهذا بغير شرط من الكفيل على المكفول - أي لم يشترط الكفيل على الطّالب بأن يقول: أكفل لك بهذا المال عن فلان إن رهن فلان هذا الحيوان، فإن لم يدفعه فأنا بريء من الكفالة - ثم إنّ المكفول عنه أبى أن يدفع إليه الحيوان، فإنّ الحيوان لا يكون رهناً؛ لأنّ الكفيل لم يقبضه، (والرّهن لا يتمّ إلا بالقبض)، ولا يجبر المكفول عنه على دفعه؛ لأنّ ذلك كان وعداً من جهته، والكفالة لازمة للكفيل؛ لأنّه التزم المال للطّالب بالكفالة المطلقة.

стр. 4658

وأقول: ولكن من حسن الخلق وتمام الإيمان أن يفي المكفول بوعده، وأن يعطي الحيوان رهناً للكفيل وإن لم يشترط؛ لأنّ (المؤمن إذا وعد وفى، والمنافق إذا وعد أخلف). ومنها: إذا دفع ربّ مال ألف درهم للمضارب مضاربة على أنّ ثلث الرّبح للمضارب، وثلثه يقضى به دين المضارب الذي عليه للناس، وثلث الرّبح لربّ المال. فالمضاربة جائزة، وللمضارب ثُلث الرّبح؛ لأنّ المديون إنّما يقضى الدّين من مال نفسه، فما شرط لقضاء دين المضارب يكون مشروطاً للمضارب، ولا يجبر على قضاء الدّين منه؛ لأنّ الاختيار له في الدفع الدّين. والذي سبق من ربّ المال وعد بقضاء الدّين من بعض الرّبح الذي يستحقّه. والمواعيد لا يتعلّق بها اللزوم. ومنها: إذا كان لرجل على رجل مال من ثمن مبيع مؤجّل، قد حلَّ أجله، فأخّره عنه إلى أجل، فإنّ هذا التّأخير غير لازم فللبائع أن يرجع في الأجل، إلا أن يكون ذلك على وجه الصّلح بينهما. ومنها: إذا قال المشتري للشّفيع: أنا أبيعك الدّار التيَ تشفع فيها بما اشتريتها به. فقال الشّفيع: قد قبلت. ثم إنّ المشتري أبى بعد ذلك أن يعطيه، فلا شفعة للشّفيع بعد ذلك؛ لأنّه أظهر الرّغبة في شراء مستقبل، وذلك يتضمّن إسقاط حقّه في الشّفعة، ولا يتمّ البيع بينهما بما جرى من اللفظ؛ لأنّ ذلك عبارة عن وعد لا إيجاب.

стр. 4659

القاعدتان الثّامنة والتّاسعة والتّسعون بعد السّتمئة [الموت] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: الموت محوِّل للملك لا مبطل (١). وفي لفظ: الموت ينافي الموجب لا المبطل (٢). ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما: الموت وهو نهاية حياة الإنسان على هذه الأرض لا يبطل ملك الميّت عمّا كان يملكه حال الحياة - لكنّه محوّل للملك من الميّت إلى وارثه الحي؛ لأنّ ملك الوارث بطريق الخلافة عن الميّت فهو قائم مقامه، ولو قلنا: إنّ الموت مبطل للملكِ لما صحّت خلافة الوارث عن الميّت، لأنّ الإبطال يزيل ملكيّة الميّت عن أمواله، وإذا زالت ملكيّته عن أمواله لا يستحقّها الوارث بعده. وكذلك فإنّ الموت لا يضادّ ولا ينافي الإبطال إنّما ينافي الإيجاب، فالميّت لا يجب عليه شيء بعد موته؛ لأنّه سقط عنه التّكليف بالموت. ولا يبطل بالموت ما كان للميّت حال حياته بل ما كان له يحوَّل إلى ملك الوارث كما أفادته القاعدة الأولى.

стр. 4660

ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما: للوارث أن يردّ المبيع بالعيب ويُرَدُّ عليه. ومنها: إذا اشترى شخص امرأة على أنّها جارية، ثم مات وظهر أنّ الجارية حرّة، فإنّ الوارث يرجع على المُغرَّ بالثّمن. ومنها: صحّة إثبات دين الميّت على الوارث الحيّ. ومنها: إذا مات رجل في سفر وليس معه سوى نسوة فإنّ امرأته تقوم بتغسيله؛ لأنّ علاقة الزّوجية بينهما لم تبطل بموته - وإنّما بطل بموته ما يجب عليه تجاهها - وتحوّل العلاقة إلى العدّة لأنّ العدّة من مقتضيات النّكاح. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هاتين القاعدتين: إذا نصب إنسان شبكة ثم مات، فوقع فيها صيد بعد موته، فإنّه يملكه، ويورث عنه (١). ومنها: إذا حفر بئراً تعدّياً - كما لو حفره في الطّريق - ثم مات فوقع فيها إنسان بعد موته، كانت الدّية على عاقلته (٢).
следующие страницы →