القاعدتان السّادسة والسّابعة والتّسعون بعد السّتمئة [المواعيد]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
المواعيد بصورة التّعاليق تكون لازمة (١).
وبالمقابل: المواعيد لا يتعلّق بها اللزوم إلا أن يكون شرطاً في عقد لازم (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
المواعيد: جمع موعد، وهو مصدر ميمي بمعنى الوعد.
التّعاليق: جمع تعليق، وهو ربط حصول مضمون جملة بحصول مضمون جملة أخرى. كما سبق بيانه والمراد التّعليق اللغوي بأداة من أدوات الشّرط.
هاتان القاعدتان متضادتان في الظّاهر من حيث إنّ القاعدة الأولى مفادها: أنّه إذا صدرت مواعيد من إنسان فيما يمكن ويصحّ التزامه شرعاً - وصدرت منه بصورة تعليق على شرط فإنّ هذه المواعيد تكون لازمة، ويجب على الملتزم بها أداء ما وعد به.
وأمّا القاعدة الثّانية فمفادها: أنّ المواعيد لا يتعلّق بها لزوم، فمن وعد لا يلزمه الوفاء بوعده ولا يجب عليه، إلا على سبيل
стр. 4657
الاستحباب ومن مكارم الأخلاق.
لكن هذه القاعدة استثنت حالة يجب فيها الوفاء بالوعد وذلك إذا كانت المواعيد شروطاً في عقد لازم. وبهذا الاستثناء يزول التّضادّ الظّاهري بين القاعدتين ويكون المراد أنّ المواعيد لا يتعلّق بها اللزوم إذا كانت مطلقة عن الشّرطيّة في العقود اللازمة.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا قال رجل لآخر: بع بيتك هذا لفلان، فإن لم يعطك ثمنه فأنا أعطيكه، فباعه منه، ثم طالبه بالثّمن فلم يعطه المشتري للبائع بعد مطالبته إيّاه، بأن امتنع من الدّفع والأداء، فهنا يلزم الرّجل المُوعِد أداء الثمن المذكور للبائع بناء على وعده المعلّق.
ومنها: إذا قال الكفيل بالنّفس: إن لم أوافك بمديونك فلان غداً، فأَنا أدفع له دَينه. فَلَم يوافه في الغد لزمه الدّين.
ومنها: إذا كفل رجل عن رجل بألف درهم بأمره على أن يعطيه بها هذا الحيوان رهناً - لحيوان موجود - فوقعت الكفالة بهذا بغير شرط من الكفيل على المكفول - أي لم يشترط الكفيل على الطّالب بأن يقول: أكفل لك بهذا المال عن فلان إن رهن فلان هذا الحيوان، فإن لم يدفعه فأنا بريء من الكفالة - ثم إنّ المكفول عنه أبى أن يدفع إليه الحيوان، فإنّ الحيوان لا يكون رهناً؛ لأنّ الكفيل لم يقبضه، (والرّهن لا يتمّ إلا بالقبض)، ولا يجبر المكفول عنه على دفعه؛ لأنّ ذلك كان وعداً من جهته، والكفالة لازمة للكفيل؛ لأنّه التزم المال للطّالب بالكفالة المطلقة.
стр. 4658
وأقول: ولكن من حسن الخلق وتمام الإيمان أن يفي المكفول بوعده، وأن يعطي الحيوان رهناً للكفيل وإن لم يشترط؛ لأنّ (المؤمن إذا وعد وفى، والمنافق إذا وعد أخلف).
ومنها: إذا دفع ربّ مال ألف درهم للمضارب مضاربة على أنّ ثلث الرّبح للمضارب، وثلثه يقضى به دين المضارب الذي عليه للناس، وثلث الرّبح لربّ المال. فالمضاربة جائزة، وللمضارب ثُلث الرّبح؛ لأنّ المديون إنّما يقضى الدّين من مال نفسه، فما شرط لقضاء دين المضارب يكون مشروطاً للمضارب، ولا يجبر على قضاء الدّين منه؛ لأنّ الاختيار له في الدفع الدّين. والذي سبق من ربّ المال وعد بقضاء الدّين من بعض الرّبح الذي يستحقّه. والمواعيد لا يتعلّق بها اللزوم.
ومنها: إذا كان لرجل على رجل مال من ثمن مبيع مؤجّل، قد حلَّ أجله، فأخّره عنه إلى أجل، فإنّ هذا التّأخير غير لازم فللبائع أن يرجع في الأجل، إلا أن يكون ذلك على وجه الصّلح بينهما.
ومنها: إذا قال المشتري للشّفيع: أنا أبيعك الدّار التيَ تشفع فيها بما اشتريتها به. فقال الشّفيع: قد قبلت. ثم إنّ المشتري أبى بعد ذلك أن يعطيه، فلا شفعة للشّفيع بعد ذلك؛ لأنّه أظهر الرّغبة في شراء مستقبل، وذلك يتضمّن إسقاط حقّه في الشّفعة، ولا يتمّ البيع بينهما بما جرى من اللفظ؛ لأنّ ذلك عبارة عن وعد لا إيجاب.
стр. 4659
القاعدتان الثّامنة والتّاسعة والتّسعون بعد السّتمئة [الموت]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الموت محوِّل للملك لا مبطل (١).
وفي لفظ: الموت ينافي الموجب لا المبطل (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
الموت وهو نهاية حياة الإنسان على هذه الأرض لا يبطل ملك الميّت عمّا كان يملكه حال الحياة - لكنّه محوّل للملك من الميّت إلى وارثه الحي؛ لأنّ ملك الوارث بطريق الخلافة عن الميّت فهو قائم مقامه، ولو قلنا: إنّ الموت مبطل للملكِ لما صحّت خلافة الوارث عن الميّت، لأنّ الإبطال يزيل ملكيّة الميّت عن أمواله، وإذا زالت ملكيّته عن أمواله لا يستحقّها الوارث بعده.
وكذلك فإنّ الموت لا يضادّ ولا ينافي الإبطال إنّما ينافي الإيجاب، فالميّت لا يجب عليه شيء بعد موته؛ لأنّه سقط عنه التّكليف بالموت. ولا يبطل بالموت ما كان للميّت حال حياته بل ما كان له يحوَّل إلى ملك الوارث كما أفادته القاعدة الأولى.
стр. 4660
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
للوارث أن يردّ المبيع بالعيب ويُرَدُّ عليه.
ومنها: إذا اشترى شخص امرأة على أنّها جارية، ثم مات وظهر أنّ الجارية حرّة، فإنّ الوارث يرجع على المُغرَّ بالثّمن.
ومنها: صحّة إثبات دين الميّت على الوارث الحيّ.
ومنها: إذا مات رجل في سفر وليس معه سوى نسوة فإنّ امرأته تقوم بتغسيله؛ لأنّ علاقة الزّوجية بينهما لم تبطل بموته - وإنّما بطل بموته ما يجب عليه تجاهها - وتحوّل العلاقة إلى العدّة لأنّ العدّة من مقتضيات النّكاح.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هاتين القاعدتين:
إذا نصب إنسان شبكة ثم مات، فوقع فيها صيد بعد موته، فإنّه يملكه، ويورث عنه (١).
ومنها: إذا حفر بئراً تعدّياً - كما لو حفره في الطّريق - ثم مات فوقع فيها إنسان بعد موته، كانت الدّية على عاقلته (٢).
стр. 4661
القاعدة المتمّمة للسّبعمئة [ما يتناهى، وما لا يتناهى]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
موجَب تفاصيل الشّريعة النّظر إلى ما لا يتناهى ولا يتغيّر الحكم فيه، بأن يختلط به ما يتناهى (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بما لا يتناهى: هو ما لا حرج - أي لا إثم في فعله - ولا حجر - أي لا منع من ارتكابه - وهو المباح.
وما يتناهى: هو المعدود المحدود الذي يحرم فعله وارتكابه.
فمفاد القاعدة: أنّ تفاصيل الأحكام الشّرعيّة إنّما يعتمد النّظر فيها على حكم الإباحة، ولو اختلط به بعض ما يحرم ولا يمكن فصله ولا تمييزه منه، فلا يتغيّر فيه حكم الإباحة؛ دفعاً للحرج والمشقّة عن المكلّفين.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الصّيود: جمع صيد - وهي الحيوانات والطّيور البريّة والوحشيّة - مباحة، وليس لها نهاية. فلو اختلط بها صيود مملوكة - والتبس الأمر - لأنّه ما من صيد يقتنصه المرء إلا ويجوز أن يكون مملوكاً، ولكن المتّفق عليه بين العلماء أنّ الاصطياد لا يحرم لأنّ ما يحلّ من
стр. 4662
الصّيود غير مُتَنَاهٍ، والمختلط به محصور متناه.
ومنها: إذا كان لإنسان أخت محرّمة من الرّضاع - مثلاً - وقد اختلط بنسوة لا ينحصرن، فللرّجل أن ينكح منهن من يشاء. مع أنّ التّحريم مغلّب في الأبضاع.
ومنها: إذا انتقلت حَمَامات بلدة وهو مملوكة إلى بلدة أخرى واختلطت بحمام مباح، فالذي اتّفق عليه أنّه لا يحرم الاصطياد بسبب هذا الاختلاط.
стр. 4663
القاعدة الحادية بعد السّبعمئة [موجَب العام]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
موجَب العام ثبوت الحكم في كلّ ما يتناوله على سبيل الإحاطة بمنزلة الخاصّ. عند الحنفيّة. [أصوليّة فقهيّة]
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق مثيل لهذه القاعدة ضمن قواعد حرف العين القاعدتان ١٤, ١٥.
وكذلك سبق بيان معنى الخاصّ والعام. والمراد بموجَب العام: ما يجب بدلالته على العموم. فعند الحنفيّة: أنّ اللفظ العام يوجب الحكم في كلّ ما يتناوله على سبيل الإحاطة والشّمول، - وهذا قبل ثبوت تخصيصه - وذلك بمنزلة اللفظ الخاصّ الذي يشمل حكمه كلّ ما يندرج تحته وجوباً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: أكرِم مَن جاءك من العلماء. فالواجب عليه إكرام كلّ عالم يجيئه؛ لأنّ لفظ العلماء لفظ عامّ لم يخصّ فيوجب تناول كلّ ما يندرج تحته.
ومنها: إذا أوصى لشخص بخاتم. فللموصى الخاتم والفصّ جميعاً. وكذلك لو أوصى بجارية لرجل وهي حامل، فهي له وما في بطنها.
стр. 4664
القاعدة الثّانية بعد السّبعمئة [موجَب العقد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
موجَب العقد لا يجوز أن يثبت بغير العاقد (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
موجَب العقد - بفتح الجيم - اسم مفعول وهو الأحكام التي تجب وتنشأ عن العقد. فأحكام العقد لا يجوز أن تثبت إذا لم يوجد عاقل، من أصيل أو وكيل أو فضولي؛ لأنّ العاقد هو الذي يتحمّل مسؤوليّة العقد وما يترتّب عليه من أحكام وواجبات وحقوق.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قبض العدل الرّهن من الرّاهن فهل يعتبر قبضه كقبض المرتهن فتترتّب عليه أحكامه؟ عند ابن أبي ليلى ﵀ (٢): لا يتمّ الرّهن بقبض العدل (٣). حتى إذا هلك الرّهن في يده لم يسقط الدّين؛ لأنّ موجَب عقد الرّهن إنّما يكون بثبوت يد الاستيفاء - وهي يد المرتهن - وبوضع الرّهن تحت يد العدل لم يثبت ذلك للمرتهن؛ لأنّه لا يتمكّن من
стр. 4665
إثبات يده على العين، فلا يثبت في حقّه موجَب عقد الرّهن. خلافاً لجمهور الحنفيّة.
ومنها: إذا تسلّم المبيع غير العاقد - بغير أمره - فلا يثبت الملك للعاقد؛ لأنّ إثبات الملك للمشتري العاقد إنّما يتمّ بتسلّمه المبيع من البائع ولم يتسلّمه هنا.
стр. 4666
القاعدة الثّالثة بعد السّبعمئة [موجب اللفظ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
موجَب اللفظ العموم عند الإطلاق (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
موجَب اللفظ: هو ما يجب باللفظ ويترتّب عليه إنّما هو دلالته على العموم عند الإطلاق عن التّقييد.
ولكن في كثير من الأحيان يقيّد اللفظ المطلق بالعرف والعادة أو بالنّيَّة أو بدلالة الحال، فلا يبقى اللفظ على عمومه.
ولكن إذا لم يكن عرف ولا نيَّة ولا دلالة حال فيجب حمل اللفظ على عموم معناه ودلالته.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حلف لا يركب دابّة. فإنّ لفظ الدّابّة عن الإطلاق يتناول كلّ ما يدبّ على الأرض من إنسان وحيوان.
ومنها: إذا حلف لا يأكل خبزاً. فإنّ الخبز هو ما يخبز في التّنّور. فكلّ ما يخبز في التّنّور يعتبر خبزاً عند الإطلاق. ولكن هذا الإطلاق يقيّده العرف في أكثر أحواله أو نيَّة الحالف.
ومنها: لو أنّ سريَّة من المسلمين صالحوا أهل حصن على مبلغ
стр. 4667
من المال على أن يؤمّنوهم لسنة - مثلاً -. صحّ ذلك. ويعتبر هذا أماناً عامّاً لجميعهم ولجميع المسلمين، فلا يجوز لأحد من المسلمين أن يعرض لأهل هذا الحصن مدّة السّنة.
стр. 4668
القاعدة الرّابعة بعد السّبعمئة [موجَب اللفظ ومحتملهُ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
موجَب اللفظ يثبت باللفظ، ولا يفتقر إلى النّيَّة. ومحتمل اللفظ لا يثبت إلا بالنّيَّة، وما لا يحتمل لا يثبت وإن نوى (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق لهذه القاعدة مثيلات: ينظر من قواعد حرف اللام القاعدتان رقم ٢٤، ٣١.
ومفادها: أنّ ما يدلّ عليه اللفظ صراحة فلا يحتاج إلى النّيَّة لإثباته؛ لأنّه دالّ بنفسه ولفظه، باعتبار أنّ كلّ لفظ موضوع للدّلالة على معناه ومقتضاه وما يجب به لغة أو شرعاً أو عرفاً.
لكن إذا كان اللفظ محتملاً في دلالته فإنّه لا يثبت المراد منه إلا بالنّيَّة المميّزة.
وإذا كان اللفظ لا يحتمل فلا يثبت مدلوله ولو نواه اللافظ.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال لزوجته: أنت طالق. أو مطلّقة. فهذا لفظ يدلّ صراحة على حلّ عقد الزّوجيّة، وتحريم ما حَلَّ بالعقد. ولا يحتاج إلى النّيَّة؛
стр. 4669
لأنّه يدلّ على موجبه ومقتضاه بلفظه.
ومنها: إذا قال لزوجته: اذهبي إلى أهلك، أو حبلك على غاربك، أو لا أرينّك في بيت لي. فهذا لفظ محتمل لا يثبت به إرادة الطّلاق المحرّم إلا بالنّيَّة المميّزة.
ومنها: إذا قال: له عندي عشرة. وأراد بلفظ العشرة خمسة - مثلاً - ونوى ذلك، فلا يثبت ما نواه ولا يعتدّ بنيّته لأنّ لفظ العشرة لا يحتمل إلا عشرة لا غير.
стр. 4670
القاعدة الخامسة بعد السّبعمئة [موجب النّذر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
موجَب النّذر الوفاء (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
مَن نذر نذراً لله ، فإنّ الواجب على النّاذر الوفاء بنذره، ولا يجوز له عدم الوفاء به؛ لأنّ ما يجب بالنّذر هو الوفاء بالمنذور إذا كان طاعة غير مفروضة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا نذر أن يصوم يوماً لله أو شهراً، أو عدداً من الأيّام، فيجب عليه الوفاء بنذره؛ لأنّ الله قال في محكم كتاب: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (٢) وقال سبحانه مادحاً ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ (٣).
وفي وجوب الوفاء بالنّذر أحاديث كثيرة. ينظر منتقى الأخبار الأحاديث من ٤٨٩٣ - ٤٩٠٧.
стр. 4671
القاعدتان السّادسة والسّابعة بعد السّبعمئة [الموجب والمسقط]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الموجِب والمسقِط إذا تعارضا يقدّم الموجب ويؤخّر المسقط (١).
وفي لفظ: إذا اجتمع الموجب والمسقط غُلِّب الإسقاط (٢).
ثم قال: ويُغَلَّب الإيجاب احتياطاً (٣).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
بين القاعدتين الأوليين تعارض وتضادّ، فأولاهما توجب تقديم الموجب وتأخير المسقط، وثانيتهما على العكس منها توجب تغليب المسقط - أي تقديمه على الموجب عند التّعارض. وثالثة القاعدتين تفيد ما أفادته القاعدة الأولى من تقديم الموجب وتأخير المسقط لكن ليس على سبيل الإيجاب بل من باب الأخذ بالاحتياط.
والمراد بالموجب ما يثبت حكماً، والمسقط ما ينفيه.
ولكن إذا علمنا أنّ موضوع القاعدتين مختلف زال ظنّ التّعارض
стр. 4672
والتّضادّ.
فأولى القاعدتين موضوعها الدّعاوى والخصومات فهي تتعلّق ببعض الدّعاوى بين يدي القاضي أو الحاكم. وموضوع الثّانية بعض العبادات كالزّكاة وهي تمثّل أحد الآراء في وجوب زكاة السّائمة المعلوفة، وهي رأي الإمام الشّافعي ﵁.
وثالثة القاعدتين كذلك تتعلّق بالزّكاة وأمثالها.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
١ - أمثلة للقاعدة الأولى: ادّعى شخص على آخر مالاً أو عيناً، فأقام خصمه - أي المدّعَى عليه - البيِّنة على إقراره أنه لا دعوى ولا خصومة لي عليك. قالوا: تسمع الدّعوى لاحتمال أنّه يدّعي عليه سبباً بعد إقراره.
ومنها: إذا قال المدّعَى عليه: أبرأني المدّعِي عن هذه الدّعوى. يسأل المدّعِي ألك بيَّنة على المال. فلو بَرهن، يحلَّف المدّعِي على البراءة؛ لأنه منكر للبراءة. وإن لم يبرهن يحلف المدّعَى عليه أولاً على دعوى المدّعِي المال. فلو حلف المدَعَى عليه ترك. ولو نكل يحلّف على البراءة؛ وذلك لأنّ دعوى البراءة إقرار بالمال.
٢ - من أمثلة القاعدة الثّانية:
إذا كان عنده ماشية أسامها أكثر السّنة وعَلَفها الأقلّ، فعند الشّافعي رحمه الله تعالى لا زكاة فيها؛ لأنّ وجوب الزّكاة مشروط بالإسامة، وما لم تكن سائمة كلّ العام لا يقع عليها الاسم، ولذلك فلا
стр. 4673
زكاة فيها؛ لأنّه إذا تعارض الموجب والمسقط غلب المسقط. وجمهور الفقهاء وعلى خلاف ذلك إذ يوجبون الزّكاة ما دامت الإسامة أكثر العام.
٣ - ومن أمثلة القاعدة الثّالثة:
زكاة الحلي المختلف في وجوبها فَيُستحبّ إخراجها احتياطاً.
ومنها: إذا نوى بمال القنية التّجارة ففي رواية للإمام أحمد ﵀ يخرج زكاتها بمجرّد النّيَّة. وقال بعض الحنابلة هذا على أصحّ الرّوايتين، ولأنّ الإيجاب يغلب على الإسقاط احتياطاً.
стр. 4674
القاعدة الثّامنة بعد السّبعمئة [انعقاد السّبب وابتداؤه]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الموجود بعد انعقاد السّبب قبل تمامه يجعل كالموجود عند ابتداء السّبب (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بأصل السّبب: أي سبب الحكم المبني عليه؛ لأن كلّ حكم له سبب يبنى عليه، فإذا وجد سبب لحكم ما، فإنّ ما يوجد من الأحكام بعد انعقاد السّبب - وإن كان لم يتمّ - يجعل كالموجود عند ابتداء السّبب في استحقاقه الحكم المبني على السّبب.
فالسّبب له أصل وبدء، ولكن لا بدّ من وجود شرط لتمامه، ولكن الأحكام إنّما تبنى في الغالب على أصل السّبب وابتدائه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الصّدقة - مثلاً - إنّما يستحقّها المتصدَّق عليه بتصريح المتصدِّق بالصّدقة، ولكن لا يتمّ ملكيّة الصّدقة للمتصدَّق عليه إلا بقبضها. فإذا تصدّق ببقرة حامل فولدت قبل قبضها من قبل المتصدَّق عليه، فإنّ ابنها يتبعها في حكمها، وإن كان لم يتمّ حكمها ولم يملكها المتصدَّق عليه. فللمتصدّق عليه البقرة وابنها.
стр. 4675
ومنها: إذا لحق مرتد - والعياذ بالله تعالى - بدار الحرب، وله امرأة مسلمة وأولاد مسلمون، فإنّ ميراثه - عند الحنفيّة - يستحقّه ورثته المسلمون، ممّنَ كان منهم وارثاً يوم لحاقه بدار الحرب مرتدّاً. وقيل: مَن كان وارثاً يوم ردّته. وقيل: من كان يعتبر وارثاً يوم يقضي القاضي بلحاقه بدار الحرب. والأصحّ الأوّل؛ لأنّ أصل السّبب وهو استحقاق الميراث ينعقد بردّته، ولكن تمامه يكون بلحاقه بدار الحرب. والموجود بعد انعقاد السّبب قبل تمامه يجعل كالموجود عند ابتداء السّبب.
ومنها: إذا اشترى بقرة وبعد العقد وقبل تسلّمها وقبضها من البائع ولدت فإنّ ولدها للمشتري ويجعل كالموجود في وقت العقد في حكم انقسام الثّمن.
ومنها: إذا مات مكاتب عن مال كثير - قبل أن يؤدّي بدل الكتابة - ثم أسلم ابن له كافر أو عتق ابن له كان عبداً. ثم يؤدّي بدل كتابته، فإنّ ما يفضل عن بدل الكتابة يكون ميراثاً لورثته الذين كانوا من أهل الإرث عند موته، ولا ميراث لمن كان عبداً أو كافراً يومئذ.
стр. 4676
القاعدة التّاسعة بعد السّبعمئة [التّوقّف، الأصل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الموجود في حالة التّوقّف كالموجود في أصله (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبقت ضمن قواعد حرف الهمزة تحت لفظ (الأصل) برقم ٤٨٠.
ومفادها: أنّ ما كان موجوداً في حال توقّف العقد الموقوف عن النّفاذ يعتبر كالموجود في أصل العقد من حيث إنّه يسري عليه حكم العقد عند إجازة المالك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا باع فضولي بستاناً بيعاً موقوفاً على إجازة المالك، وفي حال توقّف العقد قبل إجازة المالك أثمر شجر البستان، فإنّ ثمرة البستان تكون ملكاً للمشتري إذا أجاز المالك العقد، كأنّها كانت موجودة عند إجراء العقد.
стр. 4677
القاعدة العاشرة بعد السّبعمئة [المانع الحسّيّ والشّرعيّ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الموجود المقترن بالمانع الحسّيّ أو الشّرعيّ كالعدم (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا وُجد شيء ممّا يحتاج إليه لأمر شرعي ولكن اقترن بهذا الشّيء مانع حسّي أو شرعي منع من الاستفادة منه فإنّه يعتبر كالعدم، أي لا يحكم بوجوده؛ بل يعتبر كأنّه غير موجود، وينتقل إلى البدل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أراد شخص الطّهارة ووجد الماء ولكن حال دون القدرة على استعماله حائل يعجز عن دفعه - كوجود سبع في طريقه - أو كان البرد شديداً ولم يجد ما يسخّنه به. أو احتيج هذا الماء لشرب حيوان محترم، أو كان بالمكلّف مرض يمنعه من استعمال الماء، فإنّ هذا الماء يعتبر كالمفقود، وينتقل الحكم إلى البدل وهو التّيمّم.
ومنها: إذا أعتق المسلم عبداً كافراً، أو أعتق الكافر عبداً مسلماً، ثبت الولاء للمعتِق عند الحنفيّة والشّافعيّة ولكن لا يتوارثان لاختلاف الدّين، حيث وجد المانع من التّوارث. وعند مالك ﵀:
стр. 4678
لا يثبت الولاء ولا يتوارثان لاختلاف الدّين (١). وعند أحمد ﵀: يثبت الولاء، ويتوارثان في الرّواية الرّاجحة (٢).
ومنها: الشّيخ الهرم الذي لا يستطيع الصّيام يجب عليه الفدية.
стр. 4679
القاعدة الحادية عشرة بعد السّبعمئة [دار الإسلام ودار الحرب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الموضع الذي لا يأمن فيه المسلمون يعتبر من جملة دار الحرب.
أو دار الإسلام اسم للموضع الذي يكون تحت يد المسلمين وفيه يأمنون (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تتعلّق ببيان دار الإسلام، ومتى تعتبر الدّار دار إسلام، ومتى تعتبر الدّار دار حرب.
فالمكان والموضع والبلاد التي لا يأمن فيها المسلمون على إقامة شعائر دينهم وعلى أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، ولا يقام فيها شرع الله هو دار الحرب، والمكان الذي يكون تحت يد المسلمين، وفيه يأمنون، ويحكم فيه بشرع الله هو دار الإسلام.
لكن متى تعتبر الدّار دار حرب أو دار إسلام؟
فعند أبي حنيفة ﵀: إنّ الدّار تعتبر دار حرب - ولو كان أهلها مسلمين - إذا لم يحكم فيها بشرع الله. لكن بشرط أن لا يكون بينها وبين دار الإسلام حدود.
стр. 4680
وعند الصّاحبين: إن الدّار تعتبر دار حرب - ولو كان سكانها مسلمين - إذا لم يحكم فيها بشرع الله، ولا يأمن فيها المسلم بإيمانه، ولا الذّميّ بأمانه - ولو كانت بينها وبين دار الإسلام حدود.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
بناء على ما سبق من تعريف دار الحرب ودار الإسلام نستطيع القول بأنّ الدّول التي تسمّى اليوم إسلاميّة هي دار حرب لعدم الحكم فيها بشرع الله - حيث تحكم كلّها بالقوانين الوضعيّة الكافرة - وحيث يحارب فيها المسلم الذي يجهر بالدّعوة إلى الله، وحيث عطّلت شريعة الله، ووسم كلّ من يدعو إليها بأنّه رجعي أو إرهابي.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 4681
القاعدة الثّانية عشرة بعد السّبعمئة [موضع الضّرورة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
موضع الضّرورة مستثنى عن موجب الأمر (١). أو من لزوم الطّاعة شرعاً.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة بمعنى قاعدة (الضّرورات تبيح المحظورات) وقاعدة (المشّقة تجلب التّيسير) وقد سبق مثال لها بلفظ (لا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة) ضمن قواعد حرف (لا) تحت الرّقم ٧٤.
ودليل هذه القاعدة: قوله : ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٢) وقوله : ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٣) وغيرها من الآيات.
فإذا أوجب الله أو رسوله ﷺ علينا أمراً فإنّما ينفذ الأمر الواجب مع القدرة والاستطاعة، ومع العجز ينتفي
стр. 4682
الوجوب، (وموضع الضّرورة يستثنى من الواجب): فإذا وجدت الضّرورة وجدت الرّخصة، وانتفت العزيمة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الميتة محرّمة الأكل بالنّصوص القطعيّة، لكن إذا اضطر إنسان في مجاعة أو إكراه على أكل الميتة أبيح له ذلك، بل يصل الأمر إلى درجة الوجوب إذا غلب على ظنّه أنّه لو لم يأكل الميتة سيموت، فإنّه يجب عليه الأكل منها للضّرورة.
ومنها: إذا نهى القائد جنده عن الخروج من المعسكر وأمرهم بالبقاء فيه، فأصابتهم ضرورة من الطّعام أو من العلف لدوابّهم، وخافوا على أنفسهم وعلى دوابّهم فلا بأس أن يخرجوا في طلب الطّعام والعلف.
ومنها: خروج العبد والمرأة للقتال إذا كان النّفير عامّاً والضّرورة ماسّة فلا بأس أن يخرج العبد بغير إذن المولى، والمرأة بغير إذن الزّوج، والولد بغير إذن الوالدين.
ومنها: القيام في الفريضة واجب على القادر فمن عجز عن القيام صلّى قاعداً أو مضطجعاً أو على جنب أو يومئ إيماءً.
стр. 4683
القاعدة الثّالثة عشرة بعد السّبعمئة [الدّين الموعود]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الموعود من الدّين كالمستحقّ (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا اتّفق شخصان على أن يعطي أحدهما الآخر شيئاً مقابل شيء، فإنّ على الواعد الوفاء بذلك الدّين, لأنّ الدّين إذا كان متعلّقاً بوعد بناءً على مقابل فهو يكون كالمستحقّ الأداء حالاً، فعلى من التزمه أداؤه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ارتهن شخص عند آخر شيئاً له قيمة مقابل أن يقرضه مالاً محدّد المقدار، ثم هلك الرّهن قبل قبض المال. فإنّ على المرتهن أداء المال الذي اتّفقا عليه؛ لأنّه أصبح مستحقّاً عليه.
ومنها: إذا رهنه سيفاً بدراهم، وقبل قبض الدّراهم هلك السّيف عند المرتهن فيجب على المرتهن أن يعطيه ثلاثة دراهم؛ لأنّ أدنى الجمع المتّفق عليه ثلاثة.
стр. 4684
القاعدة الرّابعة عشرة بعد السّبعمئة [المولَّى عليه وتصرّفه]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
المُوَلّى عليه في التّصرّف لا يتعلّق بتصرّفه حكم (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المولَّى عليه: هو شخص لا يقدر على التّصرّف القولي بنفسه لحال فيه، أو لا يقدر لمنع الشّرع له. ففي هذه الأحوال يجب أن يولَّى عليه شخص يقوم بتدبير شؤونه، والتّصرّف بما فيه مصلحة له.
فإذا تصرّف المولَّى عليه بغير إذن الولي، فإنّ تصرّفه باطل لا يتعلّق به حكم، والمراد هنا: التّصرّفات القوليّة كالبيع والشراء. ولكن التّصرّفات الفعليّة تتعلّق بها الأحكام ولو صدرت عن محجور.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
المحجور عليه لسفه إذا تصرّف بالبيع أو الشراء أو الهبة أو غير ذلك من العقود فإنّ تصرّفه باطل لا يتعلّق به حكم. لكن لو أتلف شيئاً وجب عليه ضمانه في ماله.
ومنها: الصّغير - غير المأذون - إذا تصرّف بهبة ماله، أو شراء شيء، فتصرّفه باطل لا يبنى عليه حكم.
ومنها: إذا قرأ رجل آية سجدة في الصّلاة خلف الإمام فسمعها الإمام والقوم الذين يصلّون معه فليس على أحد منهم أن يسجدها، لا في الحال ولا بعد الفراغ من الصّلاة؛ لأنّ المقتدي مولّى عليه.
стр. 4685
القاعدتان الخامسة عشرة والسّادسة عشرة بعد السّبعمئة [الموهوم، المتحقّق]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الموهوم لا يعارض المتحقّق (١) , أو المعلوم (٢).
وفي لفظ: الموهوم فيما يبنى على الاحتياط كالمتحقّق (٣).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هاتان القاعدتان سبق لهما أمثال، وثانيتهما تعتبر كاستثناء من أولاهما.
الموهوم: المبني على الوهم، والوهم أضعف درجات الإدراك العقلي، وهو مقابل لليقين. الوهم: ما لا يتصوّر له حقيقة.
والمعلوم: هو المتحقّق المتيقّن. ولمّا كان اليقين أقوى من الوهم فلا يعارض الوهم اليقين؛ لأنّه (لا معارضة بين الضّعيف والقوي).
لكن إذا كان هذا الوهم فيما يبنى أمره على الاحتياط والتّورّع فإنّه
стр. 4686
يعتبر كالمعلوم المتحقّق ويبنى عليه الحكم.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
من التقط لقطة وجاء مَن يدَّعيها، وشهد شاهدان كافران أنّها له - واللقطة في يد كافر - جازت شهادتهما استحساناً؛ لأن شهادتهما له يغلب على الظّنّ صدقها، ولا يؤخّر تسليم اللقطة له لتوهّم طالب آخر مسلم أو كافر.
ومنها: إذا كان الأب عبداً مفقوداً، وله ولد حرّ - لا يحبس له شيء من ميراث ولده الحرّ الميّت؛ لأنّ الرّق الذي يحرم الميراث معلوم. والعتق بعد ذلك موهوم.
ومنها: إذا مات رجل وله أولاد، منهم ولد مرتدّ مفقود، فيقسّم ميراثه بين ورثته المسلمين، ولا يحبس للمفقود شيء؛ لأنّه محروم من الميراث لردّته، وإسلامه بعد الرّدة موهوم.
ومنها: إذا حفر بئراً في الطّريق فتلف فيه مال إنسان، فإنّ الضّمان على الحافر، حيث يصرف جميع ماله إلى صاحب المال التّالف - إن لم يف إلا جميعه - وإن كان من الجائز أن يتلف في البئرِ مال لآخر فيكون شريكاً مع الأوّل. لكن ذلك موهوم.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل القاعدة الأولى ويندرج تحت القاعدة الثّانية:
إذا باع صبرة طعام بصبرة طعام من جنسه بدون كيل لم يجز
стр. 4687
لاحتمال الرّبا ولو كان هذا الاحتمال متوهّماً ضعيفاً؛ لأنّ باب الرّبا مبني على الاحتياط.
ومنها: إذا أراد أن يتزوّج امرأة فأُخبِر أنّها أرضعت معه، فلا يتزوّجها ولو كان المخبر امرأة أو رجلاً لا يغلب على الظّنّ صدقه؛ لأنّ أمر الفروج مبني على الاحتياط كذلك.
стр. 4688
القاعدة السّابعة عشرة بعد السّبعمئة [الميّت]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الميّت لا يملك بعد الموت (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الموت ينهي الحياة، وإذا غادر الإنسان الحياة عُدِم الملكيّة. وتحوّل ما يملكه إلى ورثته، ولأنّ الملكيّة تحتاج إلى تصرّف وقبول، والميّت لا يقبل شيئاً ولا يُقبل منه شيء، ولذلك كان الميّت لا يملك شيئاً بعد الموت.
ومن ناحية أخرى فإنّ ما كان يملكه الشّخص في حياته قبل موته انتقل ملكه إلى وارثه، فيقال: هذا الشّيء ملك فلان - أي الوارث - ولا يقال: ملك فلان الميّت، بل يقال: كان ملك فلان الميّت.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى شخص في حال حياته سيّارة أو داراً أو أرضاً أو سلعة، وقبل أن يتسلّمها مات. فإنّ وارثه أصبح مالكاً لها، لأنّ المورّث الميّت لا يملك بعد الموت شيئاً.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا نصب إنسان شبكة صيد ثم مات. فوقع فيها صيد بعد موته،
стр. 4689
فإنّه يملكه حكماً ويورّث عنه؛ لأنّه إذا لم يملكه لا يجوز أن يأخذه الوارث، لكن لمّا كانَ الملك الفعلي لا يقع من الميّت، كان ملكه للصّيد حكميّاً.
стр. 4690
القاعدة الثّامنة عشرة بعد السّبعمئة [الميسور والمعسور]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الميسور لا يسقط بالمعسور (١).
وفي لفظ سبق: من قدر على بعض الشّيء لزمه (٢).
وفي لفظ سبق أيضاً: من قدر على بعض العبادة وعجز عن باقيها (٣).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
دليل هذه القاعدة قوله ﵊: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" الحديث أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسّنّة باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ : فتح الباري جـ ١٣ ص ٢٥١ حديث رقم ٧٢٨٨.
كما أخرجه مسلم في كتاب الحجّ باب فرض الحجّ مرّة في العمر، النّووي على مسلم جـ ٢ ص ٩٧٥. ونصّ الحديث عندهما:
стр. 4691
"إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم".
كما أخرجه ابن ماجه في المقدمة ص ٣. والنسائي في كتاب مناسك الحجّ جـ ٥ ص ١١١.
ومفاد القاعدة: أنّ ما تيسّر فعله على المكلّف يجب عليه، وما تعسّر يسقط عنه، ولكن لا يسقط ما تيسّر بسبب سقوط ما تعسّر. بل لكل حكم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كان مقطوع بعض أطراف الوضوء يجب غسل الباقي جزماً.
ومنها: العاري إذا قدر على بعض السّترة في الصّلاة وجب عليه ستر القدر الممكن.
ومنها: القادر على بعض الفاتحة يأتي به بلا خلاف.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
واجد بعض الرّقبة في الكفّارة لا يعتقها، بل ينتقل إلى البدل بلا خلاف.
стр. 4692
القاعدة التّاسعة عشرة بعد السّبعمئة [الميتات]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الميتات أصلها على النّجاسة (١).
وفي لفظ: الميتات نجسة إلا السّمك والجراد بالإجماع. والآدمي على الأصحّ (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق مثل هذه القاعدة ضمن قواعد حرف الكاف تحت الرّقم ٢٥٧.
ومفادها: أنّ الموت إذا حلَّ في حيوان نجَّسهُ، ولذلك فكلّ ميّت نجس، ومن هنا حرمت الميتة لنجاستها. وسبب النّجاسة - والله أعلم - أنّ الموت حينما يصيب الحيوان إنّما يصيبه لبلاء في جسمه يمنعه من الاستمرار في حالته السّويّة التي كان عليها، وحتى لا يصيب آكله بالأمراض والأضرار حرّم الشّارع الحكيم أكله رحمة بالعباد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا مات جمل حتف أنفه حَرُم تناوله؛ لأنّه أصبح بالموت نجساً، بخلاف ما لو نُحر فإنّه يحلّ وكذلك كلّ حيوان مأكول اللحم.
стр. 4693
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
السّمك والجراد طاهران بالإجماع، للحديث.
ومنها: ميتة الآدمي، الأصحّ عند الشّافعيّة أنّ الآدمي الميّت طاهر غير نجس.
ومنها: الجنين الذي يوجد ميتاً بعد ذكاة أمّه. وقيل إنّه ليس ميتاً لأنّه ذكّي بذكاة أمّه.
ومنها: الصّيد الذي لا تدرك ذكاته الاختيارية، وقد أصابه سهم الصّياد فأثبته.
ومنها: دود الطّعام والدّود المتولّد من الماء فميتته ظاهرة ولم يتنجّس الماء ولا الطعام.
стр. 4694
قواعد حرف
النّون
وعدد قواعده ١٠٣ قاعدة
стр. 4695
القاعدة الأولى [النّائب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
النّائب لا يجوز له التّصرّف إلا على وجه الحظّ والاحتياط (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
النّائب: اسم فاعل من ناب عنه ينوب إذا قام مقام غيره في أداء واجب أو تصرّف ما.
فالنّائب عن غيره في أمر ما مقيد بالتّصرّف بما فيه مصلحة المنوب عنه وحظّه، والعمل بما فيه الاحتياط لمصلحة المنوب عنه عند التباس المصلحة.
ثالثاً: من أمثلة لهذه القاعدة ومسائلها:
إذا أطلق ربّ رأس المال للمضارب التّصرّف، فهل له التّصرّف بالبيع نسيئة؟ - أي بالدّين - خلاف. فعند مالك وابن أبي ليلى والشّافعي ﵏ ليس له ذلك؛ لأنّه نائب في البيع، فلم يجز له البيع نسيئة بغير إذن صريح.
خلافاً لأبي حنيفة ﵀، والرّأى الرّاجح عند الحنابلة، وهو الذي رجّحه ابن قدامة ﵀.