← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14596

موسوعة القواعد الفقهية

محمد صدقي آل بورنو

Полный текст (5 326 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

المنجنيق في شوال واستمر الحصار أربعين يوماً، وعلى كلّ حال فذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم كلّها أشهر حرم. وينظر أيضاً: البداية جـ ٤ ص ٣٤٤. وعند الشّوكاني: ترجيح عدم نسخ القتال في الأشهر الحرم، وبدء حصار الطّائف كان في شوال وهو ليس شهراً حراماً، والمحرّم هو ابتداء القتال في الأشهر الحرم لا إتمامه. فتح القدير جـ ٢ ص ٥٢٢. وهذا الخبر مشهور تلقّاه علماء الأمّة بالقبول فدلّ ذلك على نسخ منع القتال في الأشهر الحرم. لكن يمكن أن يقال: إنّ ناسخ المنع من القتال في الأشهر الحرم قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (١). ومنها: قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ (٢). نسخت باتّفاق الصّحابة على ما روي عن ابن عمر وعائشة ﵃ أنّهما قالا: ما خرج رسول الله ﷺ من الدّنيا حتى أبيح له النساء (٣) (٤) وفيه أيضاً عن أمّ سلمة ﵂.

стр. 4727

القواعد الخامسة والسّادسة والسّابعة والعشرون [النّسيان وأحكامه] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: النّسيان عذر في المنهيات دون المأمورات (١). وفي لفظ: النّسيان متى يكون عذراً ومتى لا يكون (٢). أو قد يكون عذراً. وفي لفظ: النّسيان وأحكامه ومسائله (٣). ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: دليل هذه القواعد قوله ﷺ : "إنّ الله وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه" (٤). وورد هذا الخبر بروايات مختلفة. النّسيان: هو ترك الشّيء على ذهول وغفلة. خلاف الذّكر له (٥).

стр. 4728

وللنّسيان في الشّرع أحكام: فمتى يكون النّسيان عذراً في رفع الإثم ومتى لا يكون؟. فالقاعدة الأولى: تفيد أنّ النّسيان إنّما يكون عذراً رافعاً للإثم في المنهيات - أي في الأمور التي نهى الشّارع عنها - دون المأمورات - أي ما أمر الشّارع بفعله فنسيه المكلّف. والمنهيّات إنّما تكون عذراً في رفع الإثم دون الضّمان إذا وقع الإتلاف. وتعليل ذلك: أنّ الأمر يقتضي إيجاد الفعل، فما لم يفعل المكلّف ما أمر به لم يخرج عن العهدة. وأمّا النّهي فإنّه يقتضي الكفّ عن الفعل، فإذا فعل ما نهي عنه من غير قصد فكأنّه ما فعله؛ لأنّ ترتّب الإثم على فعل المنهي عنه إذا كان فعله مقصوداً. ولكن إذا كان ما نهي متعلّقاً بحقوق العباد فإنّ الضّمان يجب على النّاسي كما هو على العامد، لأنّ حقوق العباد لا تسقط بالنّسيان. والمخطئ والجاهل حكمهما حكم النّاسي في كثير من المسائل. ومن ناحية ثانية: فإنّ تارك المأمور يمكنه تلافيه بإيجاد الفعل - ولو خارج وقته - إذ يلزمه إيجاده ولا يعذر فيه. وأمّا المنهي إذا ارتكبه، فإنّه لا يمكنه تلافيه؛ إذ ليس في مقدور الإنسان نفي فعل حصل في الوجود. فلذلك يعذر فيه. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: إذا تكلّم في الصّلاة ناسياً لم تبطل صلاته، عند غير الحنفيّة. ومنها: إذا أكل ناسياً أثناء صومه لم يبطل صومه. وعند مالك

стр. 4729

عليه القضاء. ومنها: إذا تطيب المحرم أو لبس أو جامع ناسياً لا يلزمه كفّارة ولا يفسد حجّه بالجماع. عند غير الحنفيّة. ومنها: إذا طلّق ناسياً لم يقع طلاقه. عند الشّافعيّة. ومنها: إذا نسي المديون الدّين حتى مات، فإن كان ثمن مبيع أو قرض لم يؤاخذ به. وأمّا إن كان غصباً يؤاخذ به. ومنها: إذا نسي النّيَّة في العبادات لم تصحّ عبادته، وعليه إعادة العبادة مع النّيَّة. ومنها: إذا نسي الفاتحة في الصّلاة لزمه الإعادة. إذا كان إماماً أو منفرداً. ومنها: إذا تيمّم وفي رحله ماء نسيه، وصلّى ثمّ تذكّر وجب عليه إعادة صلاته بالوضوء (١). رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة ولم يكن النّسيان عذراً: عند الحنفيّة النّاسي والعامد في اليمين سواء. ومنها: إذا قال: زوجتي طالق. ناسياً أنّ له زوجة. يقع طلاقه.

стр. 4730

ومنها: إذا قال: عبدي حرّ. ناسياً أنّ له عبداً عتق عليه. ومنها: تجب الدّية في قتل الخطأ، ويجب الجزاء في قتل الصّيد في الإحرام والحرم ناسياً. ومنها: لو وقف بغير عرفة خطأ وجب القضاء.

стр. 4731

القاعدة الثّامنة والعشرون [النّصّ والعرف] أولاً: لفظ ورود القاعدة: النّصّ أقوى من العرف، فلا يترك الأقوى بالأدنى (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: النّصّ: المراد به ألفاظ الكتاب العزيز والسّنّة المطهّرة. العرف: هو العادة الشّائعة. فنصوص الكتاب الكريم والسّنّة المطهّرة أقوى من العرف، فعند تعارض العرف مع نصّ شرعي فالمغلَّب هو النّصّ قطعاً؛ لأنّ النّص لا يحتمل الخطأ ولا البطلان، والعرف والعادة قد يقومان على أمر باطل وإن شاع بين النّاس. ولأنّنا متعبّدون بالنّصوص فهي الأصل في التّشريع، ولا اعتبار ولا اعتداد بأيّ عرف أو عادة تخالف نصّاً ثابتاً قطعيّاً. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: ما نصّ الشّارع على كونه كيليّاً - كالبرّ والتّمر - أو وزنيّاً - كالذّهب والفضّة - فهو كذلك لا يتغيّر أبداً، فلا يصحّ بيع كيلي بكيلي وزناً، أو موزون بموزون كيلاً وإن تساويا، لأنّ النّصّ أقوى من

стр. 4732

العرف. وهذا عند جمهور الفقهاء، خلافاً لأبي يوسف من الحنفيّة ولابن تيميه من الحنابلة حيث أجازا بيع الكيلي وزناً والموزون عدداً وَكَيلاً إذا جرى العرف بذلك، واستدلا بأنّ اعتبار الكيل في المكيلات والوزن في الوزنيّات إنّما نُصَّ عليه لأنّه كان العرف السّائد في زمنه ﷺ . فالنّصّ إنّما بني على العرف السّائد في وقته، لا أنّه لا يجوز غيره إذا تغيّر العرف. ومنها: لا يجوز إباحة خروج النّساء سافرات مختلطات بالرّجال الأجانب وإن جرى العرف في كثير من بلاد المسلمين على ذلك - مع الأسف؛ لأنّ هذا مخالف للنّصوص الآمرة بتستّر المرأة وعدم اختلاطها بالأجانب. ومنها: لا يجوز إباحة فوائد البنوك بدعوى الحاجة إليها لمخالفة ذلك للنّصوص المحرّمة للرّبا وإن أباح ذلك بعض من لا ورع ولا تقوى في قلوبهم.

стр. 4733

القاعدة التّاسعة والعشرون [نصب الأبدال] أولاً: لفظ ورود القاعدة: نصب الأبدال بالآحاد من الأخبار لا يجوز (١). عند أبي حنيفة ﵀. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الأبدال: جمع بدل، وهو ما يقام مقام غيره عند فقده، كالتّيمّم عند فقد الماء أو عدم القدرة على استعماله. فإنّ وضع بدل لشيء لم يضع الشّارع له بدلاً لا يجوز بالرّأي، عند الجميع، كما أنّ نصب المقادير الشّرعيّة بالرّأي لا يجوز، كما سيأتي. ولكن هذه القاعدة تمثّل رأياً لأبي حنيفة ﵀ يرى أنّ نصب البدل عند فقد الأصل لا بدّ أن يقوم عليه دليل أقوى من خبر الآحاد، كالخبر المشهور أو المتواتر أو آي الكتاب الكريم. وأمّا عند صاحبيه والجمهور يجوز أن ينصب البدل بخبر الآحاد إذا كان ثابتاً. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا سقط الغسل عن العضو بسبب وجود جبيرة، فإن كان المسح لا يضرّه يجب عليه أن يمسح على الجبيرة؛ لأنّ الطّاعة بحسب

стр. 4734

الطّاقة. لكن إذا ترك المسح وهو لا يضرّه، فإنّ عند صاحبي أبي حنيفة لا تجوز طهارته؛ لأنّ المسح بدل عن الأصل وهو الغسل، فلو ترك الغسل لا يجزئه فكذلك المسح. وأمّا عند أبي حنيفة فإنّ ذلك يجوز له ويجزئه، وحجّته في ذلك أنّنا لو ألزمناه المسح كان بدلاً عن الغسل، وجعل المسح بدلاً عن الأصل ثبت بأخبار الآحاد، وذلك طريق لا يجوز. وقول الصّاحبين أقوى دليلاً، وهو قول الجمهور وقيل: إنّ أبا حنيفة رجع إلى قولهما.

стр. 4735

القاعدة الثّلاثون [نصب المقدرات] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: نصب المقادير بالرّأي لا يكون (١). وفي لفظ: نصب المقدّرات الشّرعية لا يكون بالرّأي (٢). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المقدّرات الشّرعيّة أو المقادير الشّرعيّة: هي تلك المقادير التي حدّد الشّرع عددها وكميّتها أو وزنها. ونصب أو وضع مثل تلك التّقديرات هو من خصائص الشّرع، فلا يثبت قدر إلا بنصّ، وما لم يرد نصّ فلا يجوز تقدير أمر أو تحديد عدد أو كميّة بالرّأي والاجتهاد. وقد سبق مثل هذه القاعدة ضمن قواعد الميم تحت الرّقم ٥١٢، ٥١٤. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: تقدير سبعة أيّام بعد الولادة يجوز فيها للزّوج نفي الولد. غير

стр. 4736

جائز، خلافاً لرواية الحسن (١) عن أبي حنيفة وهو قول ضعيف، وكذلك تقدير الصّاحبين المدّة بأربعين يوماً. ومنها: جُعل رَدِّ العبد الآبق - الهارب - أربعين درهماً بقول عبد الله بن مسعود ﵁ وإجماع الصّحابة (٢). ومنها: من بنى قصراً في الصّحراء لا يستحق لقصره حريماً. وإن كان يحتاج إلى ذلك لإلقاء الكناسة فيه.

стр. 4737

القاعدة الحادية والثّلاثون [النّصّ - خلاف القياس] أولاً: لفظ ورود القاعدة: النّص على خلاف القياس يقتصر على مورده (١). أصوليّة فقهيّة ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: النّصّ: المراد به التّصريح باستثناء مسألة من القاعدة العامة أو من الحكم العام. فما استُثْنِيَ من القواعد العامّة، ونُصَّ صراحة على استثنائه يقتصر به على مورده الذي ورد فيه، ولا يجوز أن يقاس عليه غيره. وقد سبق مثال لها ضمن قواعد حرف الميم تحت الرّقم ٥٥ بلفظ: (ما ثبت على خلاف القياس فغيره لا يقاس عليه). ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: العرايا أبيحت على خلاف قاعدة الرّبا واستثناءً منها للحاجة، فلا يقاس عليها غيرها. ومنها: عقد السَّلَم أجيز على خلاف قاعدة البيع للحاجة كذلك؛ لأنّه بيع آجل بعاجل.

стр. 4738

القاعدة الثّانية والثّلاثون [التّعارض والتّرجيح، النّصّ، الظّاهر، المفسّر، المحكم] أولاً: لفظ ورود القاعدة: النّصّ من وجوه البيان يترجّح على الظّاهر. ويترجّح المفسَّر عليهما، والمُحْكَم على الكلّ. فعند التّعارض يترجّح القويّ على الأدنى (١). أصوليّة فقهيّة ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: النّص: معنى النّصّ هنا مخالف لمعناه في القاعدة السّابقة، حيث إنّ المراد به هنا هو وجه من وجوه البيان التي منها الظّاهر والمفسّر والمحكم والمجمل الخ. فالنّصّ هو: كلّ لفظ دلّ على مقصوده ومضمونه قطعاً بدون احتمال تأويل. فهو اللفظ المقطوع بدلالته، وقد يطلق على مظنون الدّلالة، وهو بالمقطوع أحرى (٢). والظّاهر: هو اللفظ الذي يغلب على الظّنّ فهم معنى منه، مع تجويز غيره (٣). والمفسّر: هو اللفظ الذي ازداد وضوحاً على النّصّ، على وجه

стр. 4739

لا يبقى فيه احتمال التّخصيص إن كان عامّاً، والتّأويل إن كان خاصّاً (١). وضدّه المجمل. والمحكم: ما أحكم المراد به عن التّبديل والتّغيير والنّسخ. أو هو اللفظ الذي لا يحتمل النّسخ والتّبديل (٢) وضدّه المتشابه. فهذه الألفاظ بعضها أقوى من بعض فعند التّعارض يترجح القويّ على الأدنى. فالنّصّ إذا تعارض مع الظّاهر، ترجّح النّصّ لأنّه أقوى. وإذا تعارض النّصّ أو الظّاهر مع المفسّر. ترجّح المفسّر عليهما لأنّه أقوى منهما. وإذا تعارض أي منها مع المحكم، فالمحكم هو الرّاجح لأنّه أقوى منها كلّها. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (٣). فهذه الآية نصّ في العدد المطلوب صيامه لمن لم يجد الهدي. ومنها: قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ (٤).

стр. 4740

القاعدة الثّالثة والثّلاثون [النّصّ والتّعليل] أولاً: لفظ ورود القاعدة: النّص يحتاج إلى التّعليل بحكم غيره لا بحكم نفسه (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: النّصّ: المراد به هنا لفظ الكتاب الكريم أو السّنّة المطهّرة الذي ورد بحكم شرعي. فالنّصوص الشّرعيّة الدّالة على الأحكام لا ينظر فيها إلى علّة الحكم، بل النّظر إلى النّصّ ذاته الآمر أو النّاهي. سواء أكان هذا الحكم قابلاً للتّعليل أم غير قابل له. فالنّصّ إنّما يعلّل بسبب الحاجة إلى بيان حكم غيره، إذا كان ثمّة حاجة إلى تعليله. ولا يعلّل بحكم نفسه؛ لأنّه إنّما ينظر إلى النّصّ من حيث اشتماله على الحكم الشّرعي المطلوب ودرجة اعتباره، من حيث الوجوب أو التّحريم أو النّدب أو الكراهة أو الإباحة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: تحريم الرّبا في الأصناف السّتّة التي وردت في الحديث، ثابت بعين النّصّ لا بالمعنى أو العلّة. ولكن غيرها من سائر المكيلات والموزونات إنّما يثبت فيها تحريم الرّبا بالمعنى أو العلّة وهي القدر مع

стр. 4741

الجنس. ومنها: السّفر علّة القصر وحكمته المشقّة، والسّفر ثبت رخصة للقصر والفطر بالنّصّ، وإن لم يلحقه مشقّة. وعدم الحكمة لا يوجب عدم الحكم، ووجود العلّة أوجب وجود الحكم. ومنها: علّة وجوب استبراء المرأة استحداث ملك الواطئ بملك اليمين، وحكمته صيانة النّسب والتّحرّز من اختلاط المياه. ومع ذلك إذا اشترى بكراً، أو جارية من امرأة أو صبي - لا يتصوّر منهما الجماع - وجب الاستبراء مع التّيقّن من فراغ الرحم. فعدم الحكمة لم يوجب عدم الوجوب.

стр. 4742

القاعدة الرّابعة والثلاثون [النّصّ، الاجتهاد] أولاً: لفظ ورود القاعدة: النّصّ يُقَدَّم على الاجتهاد (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة بمعنى القاعدة السّابقة القائلة: (لا مساغ لاجتهاد في مورد النّص) القاعدة ذات الرّقم ٦١ من قواعد حرف (لا). ولمّا كان النّصّ هو الأقوى فإن الاجتهاد لا وجود له معه؛ لأنّ الحاجة إلى الاجتهاد إنّما تكون عند فقدان النّصّ وعدم وجوده. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: نصّ الشّرع الحكيم على قواعد التّوريث، وأعطى كلّ ذي حقّ حقّه، فمع وجود تلك النّصوص لا يجوز الإقدام على الاجتهاد في إعطاء الوارثين غير ما أعطاه الشّرع لهم. ولذلك فمن يعطون الأنثى مثل حظّ الذكر اجتهاداً منهم هم خارجون عن الإسلام ومعارضون لحكم الله الّذي أعطى الذّكر مثل حظّ الأنثيين، وهم محادّون لله ورسوله. ومنها: أباح الشّرع للرّجل الجمع بين أربع نسوة، ولم يشترط لذلك غير شرط العدل بين الزّوجات، فإذا اجتهد حاكم فمنع أن يتزوّج

стр. 4743

الرّجل المسلم غير امرأة واحدة وقيّد حقّ الرّجل في الطّلاق بقيود تخالف شرع الله، فهو أيضاً خارج عن الملّة؛ لمخالفته النّصوص الشّرعيّة القطعيّة، ولمضاهاته لأحكام النّصارى، ولِمَا سبّبه ذلك من إباحة الزّنا، والمعاشرة المحرّمة بدلاً من الزّواج المباح المشروع.

стр. 4744

القاعدة الخامسة والثّلاثون [الظّاهر - الواقع] أولاً: لفظ ورود القاعدة: النّظر إلى الظّاهر أو إلى ما في نفس الأمر (١). وفي لفظ آخر سبق: العبرة بالحال أو المآل (٢). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بالظّاهر: الأمر الذي يصدر على حال أو صفة بارزة ظاهرة. والمراد بنفس الأمر: حقيقة الأمر وواقعه. وينظر القاعدة رقم ١٦٣ من قواعد حرف الهمزة، والقاعدة ٢٤ من قواعد حرف العين. فالأمور التي تصدر عن المكلّفين بناء على حال أو صفة ظاهرة، ثم ظهر مخالفها لواقع الأمر وحقيقته، فهل يبنى حكمها على ظاهر الحال أو على الحقيقة والواقع؟ مسائل اختلف فيها النّظر. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا تصرّف المريض مرضاً مخوفاً ثم برئ. فهل يوقف تصرّفه بناء على ظاهر حاله، أو ينفذ بناء على الواقع؟ قالوا: إنّ تصرّفه نافذ قطعاً بناء على نفس الأمر وواقعه وحقيقته، وأنّه تصرّف وهو صحيح

стр. 4745

بريء، ولا ينظر إلى مرضه. ومنها: المعضوب - وهو الذي لا يقدر على ركوب الرّاحلة للحجّ - وهو لا يرجى برؤه، فأناب من يحجّ عنه، ثمّ بعد حجّ الأجير برئ. فهل يجزئ حجّ الأجير عنه؟ خلاف. والأصح عند الشّافعيّة عدم إجزاء حجّ الأجير عنه. وأقول وبالله التّوفيق: لِمَ لا يجزئ حجّ الأجير عنه، ويكون كمن لم يقدر على استعمال الماء فتيمّم وصلّى، ثم وجد الماء، فبالاتّفاق لا يعيد صلاته، فهذا مثله. والله أعلم. ومنها: أعتق مَن لا يجزئ عن الكفّارة - كما لو أعتق رقبة كافرة في كفّارة يشترط فيها إيمان المعتَق، ثم صار المعتَق بصفة الإجزاء، كما لو أسلم بعد عتقه، خلاف. والأصحّ الصّحّة عند الإمام (١). فالنّظر هنا إلى ما في نفس الأمر. ومنها: إذا رأوا سواداً فظنّوه عدواً، وصلّوا صلاة الخوف، ثم تبيّن أنّه ليس عدواً. قضوا الصّلاة في الأصحّ. ومنها: إذا أطعم الهرم أو المريض الذي لا يرجى برؤه على الصّوم، ثم تبيّن أنّ الهَرم عارض وبرئ المريض، فلا يلزمهما القضاء. فالنّظر هنا إلى ظاهر الأمر. ومنها: إذا زنى مريض مرضاً لا يرجى برؤه، فحُدَّ بعِثْكال فيه مئة شمراخ، ثم برئ، لم يُعَد عليه الحدّ. فالنّظر هنا إلى الظّاهر أيضاً.

стр. 4746

القاعدة السّادسة والثّلاثون [المقصود والموجود] أولاً: لفظ ورود القاعدة: النّظر إلى المقصود أو إلى الموجود (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المقصود: المراد بالفعل أو التّصرّف. الموجود: الكائن والواقع مخالفاً للمقصود. هذه القاعدة قريبة المعنى من القاعدة السّابقة من حيث إنّ الشّيء يدور بين أمرين: المقصود والمنوي من الفعل أو التّصرّف، والواقع في نفس الأمر، فهل النّظر وبناء الحكم يكون تبعاً للمقصود أو تبعاً للموجود؟ خلاف في مسائل. وهي أيضاً بمعنى قاعدة: (الواجب الاجتهاد أو الإصابة) الآتية في قواعد حرف الواو. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا رَعُف في صلاته وانصرف فتوضّأ، فظنّ عدم فراغ الإمام فصلّى مكانه، ثم أخطأ ظنّه، - أي كان الإمام قد فرغ من صلاته - فهل صلاته صحيحة في مكانه بناءً على الموجود والواقع، أو غير صحيحة بناءً على ظنه؟.

стр. 4747

ومنها: أرسل وهو محرم كلبه المعلَّم على أسد، فقتل صيداً. ففي الجزاء قولان. بناءً على قصده والواقع. فمن نظر إلى المقصود أسقط الجزاء، ومن نظر إلى الموجود - وهو الإرسال وقتل الصّيد أوجب. ومنها: تزوّج من يظنّها معتدّة فإذا هي بريئة. فهل يمضي النّكاح لمّا صادف محلّه، أو لا يمضي ويعتبر العقد باطلاً بناءً على ظنّه؟.

стр. 4748

القاعدة السّابعة والثّلاثون [النّعمة والنِّقمة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: النّعمة بقدر النّقمة، والنّقمة بقدر النّعمة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة بمعنى القاعدة السّابقة ضمن قواعد الخاء تحت الرّقم ١٣ ولفظها: (الخراج بالضّمان). وقواعد حرف الغين تحت الرّقم ٨ بلفظ: (الغُرم بالغنم). ومفادها: أنّ من يتحمّل الخسارة - لو حصلت - فيجب أن يحصل على الرّبح، وأنّ من يضمن شيئاً إذا تلف يكون نفع ذلك الشّيء له في مقابلة ضمانه حال التّلف. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أعتق الرّاهن العبد المرهون نفذ عتقه، فإن كان الرّاهن غنيّاً فلا سعاية على العبد، لإمكان المرتهن أخذ حقّه من الرّاهن، وهو الأداء إن كان الدّين حالاً. أو قيمة الرّهن إن كان مؤجّلاً. وأمّا إذا كان الرّاهن فقيراً فيسعى العبد للمرتهن في الأقلّ من قيمته ومن الدّين؛ لتعذّر أخذ الحقّ من الرّاهن فيؤخذ ممّن حصلت له فائدة العتق وهو العبد؛ لأنّ الخراج بالضّمان، والغرم بالغنم.

стр. 4749

القواعد الثّامنة والتّاسعة والثّلاثون والأربعون والحادية والأربعون [النّفقة] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: نفقة الأقارب استحقاقها بطريق الصلة (١). وفي لفظ: النّفقة صلة فلا يستحكم الوجوب فيها إلا بالقضاء (٢). وفي لفظ: النّفقة صلة من وجه وعوض من وجه (٣). وفي لفظ: نفقة القريب إمتاع (٤). ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: نفقة القريب. المراد بها النّفقة الواجبة على الشّخص لقريبه. والقريب: هو مَن تجب له النّفقة من زوجة وابن قاصر أو عاجز وبنت أو أخت غير متزوّجة ووالدين غير كسوبين ونفقة العبد. ومفاد هذه القواعد: أنّ ما يجب من نفقة إنّما هو صلة من المنفق وإمتاع، وليس تمليكاً، والنّفقة في غالب وجوهها تكون عن

стр. 4750

طريق الصّلة والاستمتاع، وقد تكون عوضاً عن التّفرّغ لخدمة المنفق وجزاء الاحتباس، وذلك للزّوجة والخادم والمفتي والقاضي والمضارب والعامل والمقاتل الخ؛ لأنّ (كلّ مَن كان محبوساً بحقّ مقصود لغيره كانت نفقته عليه). ومن أسباب النّفقة: النّسب، والزّوجيّة، والملك، والاحتباس. ومعنى الإمتاع: أي الانتفاع المجرّد. ويترتّب على كونها صلة وإمتاع أنّها لا تملك إلا بالقبض. ولا يستحكم وجوبها إلا بالقضاء بها أو الاصطلاح عليها. ويترتّب على كونها صله أيضاً: أنّها تسقط إذا مضت مدّة من غير قضاء أو اصطلاح. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: نفقة الزّوجة إنّما تجب وتتعلّق بذمّة الزوج إذا فرضها القاضي، أو اصطلح الزّوجان عليها، ويترتّب على ذلك أنّه إذا مضت مدّة ولم ينفق الزّوج على زوجته - ولم يكن ثمّة فرض بالقضاء أو اصطلاح على مقدار النّفقة - فإنّ النّفقة عن المدّة الماضية تسقط، ولا يحقّ للزّوجة المطالبة بها. ومنها: نفقة الأولاد الصّغار كذلك، ونفقة الوالدين غير الكسوبين أو العاجزين؛ لأنّ من خصائص نفقة القريب أنّها تسقط بمضي الزّمان - إذا لم يكن قضاء أو رضاء. ومنها: نفقة المضارب - خارج مصره - على مال المضاربة.

стр. 4751

فإن لم ينفق منه، لا يكون ما أنفقه ديناً على مال المضاربة. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القواعد. وكانت النّفقة تمليكاً: إذا أعف الابن أباه بجارية ثم استغنى الأب، لم يرجع الولد في الجارية. ومنها: إذا أعطى أباه نفقة فلم ينفقها واستغنى لم يكن له أن يرجع فيها. ومنها: إذا أنفقت المنفي ولدها باللعان على الولد ثم استلحقه النّافي فإنّها ترجع عليه بما أنفقت في الصّحيح. ولو كانت إمتاعاً لكانت لا ترجع فيها (١).

стр. 4752

القاعدة الثّانية والأربعون [النّفقة] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: النّفقة تجب بطريق الكفاية (١). وفي لفظ: النّفقة مشروعة للكفاية (٢). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة لها صلة بسابقاتها، وهي تدلّ على حكم مشروعيّة النّفقة، وأنّها إنّما شرعت لكفاية المنفق عليه، ولذلك فإنّ معيار الإنفاق يحدّده قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ (٣). وقوله ﵊ لهند زوجة أبي سفيان ﵄: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (٤). فإذا كانت القواعد السّابقة تدلّ على مكانة النّفقة وحكمها فإنّ هذه القاعدة تدلّ على الحكمة من مشروعيتها.

стр. 4753

ولكن هل للكفاية تقدير معيّن في الشّرع؟ الجواب لا؛ لأنّ هذا يختلف باختلاف الإعصار والأمصار والأشخاص والأحوال، والغلاء والرّخص، فما وجب كفاية لا يتقدّر شرعاً. والكفاية كما تكون في المأكل تكون في الملبس وما تحتاجه الزّوجة كالخادم ونحوه (١). ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا كان الزّوجان موسرين فإنّ على الزّوج لزوجته نفقة الموسرين. وإذا كانا فقيرين فإنّ عليه نفقة الفقراء أمثاله. وأمّا إذا كان الزّوج غنيّاً موسراً وهو من وسط فقير، فهل عليه نفقة الموسرين أو الفقراء؟ خلاف، والأصحّ نفقة متوسّطة دون نفقة الموسرات، وفوق نفقة المعسرات، وقيل يعتبر حال الزّوجين. وإن كان الزّوج معسراً وهي موسرة فعليه نفقة المعسرين، وهكذا.

стр. 4754

القاعدة الثّالثة والأربعون [النّفل، الفرض] أولاً: لفظ ورود القاعدة: النّفل أوسع من الفرض (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: النّفل: غير الفرض، وهو التّطوّع، سواءً أكان صلاة أم زكاة أم صياماً. وأمّا الحجّ فلا فرق بين فرضه ونفله. والمراد بسعة النّفل: قبوله من الرّخص والتّوسعة ما لا يقبله الفرض. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: ١ - في الصّلاة: لا يجب القيام في نفلها مع القدرة عليه. كما لا يجب استقبال القبلة في السّفر. ٢ - في الزّكاة: الصّدقة التّطوعيّة تجوز للغني، ولغير أصناف الزّكاة الثّمانية، وتجوز لمن عليه نفقتهم، بخلاف الزّكاة الواجبة. ٣ - في الصّيام: لا يجب تبييت نيّة صوم النّفل بخلاف الفرض والواجب عند غير الحنفيّة وللمتنفّل بالصّوم الإفطار، ولا يجب عليه القضاء على قول. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: فضاق النّفل عن الفرض: لا تجزئ النّيابة عن المعضوب في حجّ التّطوّع في قول.

стр. 4755

القاعدة الرّابعة والأربعون [النّفل، الواجب] أولاً: لفظ ورود القاعدة: النّفل لا يقتضي واجباً، أو النّفل لا ينقلب واجباً (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: النّفل صلاة أو غيرها لا يترتّب عليه ولا ينشأ عنه واجب، كما أنّه لا ينقلب فيصبح واجباً، لكن لا يمتنع أن يشترط في النّفل ما يشترط في الواجب أي الفرض. كالطّهارة لصلاة النّافلة واجبة كوجوبها لصلاة الفرض. لكن مع ذلك قد يترتّب على غير الواجب واجب بل واجبات. ويترتب على ذلك أنّه إذا شرع في صلاة تطوّع أو صوم هل يجب عليه الإتمام؟ وهذا ما يذكره الأصوليّون تحت عنوان: التّطوّع هل يلزم بالشّروع؟ خلاف. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: ركعتي طواف التّطوّع ليستا واجبتين بل هما سنَّة. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: النّكاح غير واجب ويقتضي ويوجب النّفقة والمهر. ومنها: الصّلاة على النّبيّ ﷺ في النّافلة. قالوا: إنّها واجبة.

стр. 4756

ومنها: عند الحنفيّة إذا شرع في صلاة تطوّع أو صوم تطوّع يلزم، وإذا أبطل الصّلاة أو الصّيام وجب القضاء. ومنها: إذا دخل الصّلاة وهو غير بالغ فبلغ وهو فيها أجزأت عن الفرض. ومنها: إذا صام وهو غير بالغ فبلغ أثناء النّهار - أجزأه عن الفرض. لأنّ الصّلاة والصّوم من غير البالغ تعتبر نفلاً في حقّه. ومنها: الابتداء بالسّلام سُنَّة ومستحبّ، والرّدّ واجب.

стр. 4757

القاعدة الخامسة والأربعون [نفوذ التّصرّف، الإذن الشّرعي] أولاً: لفظ ورود القاعدة: نفوذ التّصرّف منوط بالإذن الشّرعي (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: منوط: معناه مرتبط ومعلّق. فتصرّف العبد إمّا أن يكون نافذاً وجائزاً ومشروعاً، إذا وجد الإذن الشّرعي بذلك التّصرّف. ومفهوم ذلك أنّ التّصرّف المنهي عنه شرعاً أنّه غير مأذون فيه؛ لأنّ النّهي ينافي الإذن، وإذا كان غير مأذون فيه فلا يكون نافذاً ولا صحيحاً، ويعتبر باطلاً غير واقع. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: عند الشّيعة الزّيديّة: الطّلاق البدعي - وهو أن يطلّقها في طهر مسَّها فيه - لا يقع. والطّلاق الثّلاث بلفظ واحد أو ألفاظ متعدّدة لا يقع كذلك، لأنّه غير مأذون فيه، فإذا صدر عن المكلّف كان غير نافذ وغير معتدّ به (٢).

стр. 4758

وعند جمهور أهل السّنّة كلّ ذلك واقع. ولكن في الطّلاق البدعي يجب عليه إرجاعها. والمأذون فيه هو الطّلاق للسنة واحدة في طُهر لم يَمَسَّها فيه عند الشّيعة الزّيديّة. ومنها: من باع شيئاً ملك غيره وسلَّمه لمشتريه، فالعقد باطل - ويأخذ حكم الغصب - لأنّ هذا تصرّف غير مأذون فيه. بخلاف ما إذا باعه ولم يسلّمه فيأخذ حكم العقد الموقوف.

стр. 4759

القاعدة السادسة والأربعون: [موجب العقد، موجب الشّرط] أولاً: لفظ ورود القاعدة: نفي موجب العقد لا يجوز، ونفي موجب الشّرط يجوز (١) عند أبي حنيفة ﵀. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: موجب العقد: هو ما يوجبه العقد وما شرع لأجله، كحلّ الاستمتاع بين الزّوجين بعقد النّكاح. وموجَب الشّرط: هو ما يوجبه الشّرط لأحد المتعاقدين أو كليهما كأن يكون الثّمن مؤجّلاً أو حالاً، وقد سبقت هذه القاعدة ضمن قواعد حرف الهمزة تحت الرّقم ٤٨٦. فمفاد القاعدة: أنّ إلغاء ونفي ما يوجبه العقد، وما شرع العقد لأجله غير جائز؛ لأنّ ذلك يجعل العقد غير مفيد ويفرغه من مضمونه. ولكن إلغاء ما يوجبه الشّرط يجوز؛ لأنّ ما يوجبه الشّرط هو حقّ لأحد المتعاقدين أو كليهما، ولكلّ موجِب شرط التّنازل عن شرطه وإلغاؤه.

стр. 4760

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا تزوّج امرأة على أن لا يطأها فهذا باطل؛ لأنّه يلغي المصلحة من وراء عقد النّكاح، ولكن أن كان شرط لها نصف المهر مؤجلاً، أو شرطت عليه أن لا ينقلها من دارها - فيجوز له أن يُحِل ما اشترط تأجيله، كما يجوز لها أن تتنازل عن شرطها وتوافق على نقلها من بلدها.

стр. 4761

القاعدة السّابعة والأربعون [نفي الوجوب والحرج] أولاً: لفظ ورود القاعدة: نفي الوجوب فيها لم يقم دليل على وجوبه، أصل في التّشريع (١). وارتفاع الحرج فيما لم يثبت فيه الحظر. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الأحكام الشّرعيّة من إيجاب وتحريم وغيرهما لا تثبت في حقّ المكلّفين ما لم يقم دليل عليها. فمفاد القاعدة: أنّه إذا لم يقم دليل شرعي على وجوب حكم فلا يكون ذلك الحكم واجباً، وإذا لم يثبت الحظر - أي التّحريم - بالدّليل المحرم فلا يكون ذلك الأمر محرّماً أو محظوراً، ولا إثم على فاعله. فإنّ الأحكام الشّرعيّة لا يجوز اعتبارها بدون الدّليل الشّرعي الدّال عليها. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا ادّعى إنسان أنّه يجب علينا ستّ صلوات في اليوم والّليلة. أو أنّ الحجّ يجب علينا كلّ سنة. فيقال له: هات الدّليل على صدق ما تقول، وإذا لم يأت بالدّليل على قوله فيقال له: ما تقوله ليس واجباً؛ لأنّه لم يقم دليل على وجوبه.

стр. 4762

ومنها: إذا قال: إنّ الرّجعة للمرأة المطلّقة الرّجعيّة تحرم إلا بإذن الزّوجة. فيقال له: هذا غير صحيح. ورجعة الزّوجة الرّجعيّة إلى زوجها لا يشترط له رضاها ولا إذنها بالنّصّ، فمن ادّعى تحريم الرّجعة إلا بإذنها، فعليه الدّليل، ولا دليل.

стр. 4763

القاعدة الثّامنة والأربعون [النّفي المطلق] أولاً: لفظ ورود القاعدة: النّفي على سبيل الإطلاق أبلغ وجوه البراءة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بالنّفي المطلق: النّفي العام غير المخصوص بشيء دون شيء، ولم يقيد بصفة خاصّة. فإذا نفى إنسان كلّ حق له، كان ذلك من أعلى وأبلغ وجوه براءة المدّعَى عليه، ولا حقّ للنّافي بعد ذلك في المطالبة بشيء ممّا نفاه، إلا بشيء حادث بعد النَّفي. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا ادّعى شخص على آخر ديناً، فأدّاه المدّعَى عليه، وقال المدّعِي بعد ذلك لا حقّ لي قبل المدّعَى عليه من هذا الدّين أو غيره، كان ذلك براءة عامّة للمدّعَى عليه، ولا حقَّ للمدّعِي بعدّ ذلك بالمطالبة. إلا بسبب جديد. ومنها: إذا قال: لا حقَّ لي قِبَل الكفيل من هذه الكفالة. كان ذلك براءة تامّة عامّة للكفيل. ومنها: إذا شجّ شخص آخر، فقال المشجوج: تنازلت عن حقّي، ولا حقّ لي قِبَل فلان. كان هذا إبراءً للجاني. وهكذا.

стр. 4764

ومنها: حديث: "الماء طهور لا ينجسه شيء (١) - أو لم ينجسه شيء" فهو نفي للنّجاسة عن الماء المطلق نفياً مطلقاً مفيداً بقاء الماء على طهوريته وبراءته من النّجاسة، إلا ما استثني ممّا غيّرت النّجاسة لونه أو طعمه أو ريحه (٢).

стр. 4765

القاعدة التّاسعة والأربعون [نقص الدّعوى] أولاً: لفظ ورود القاعدة: نقص الدّعوى عن الشّهادة في الزّمن أو في المقدار يبطل الشّهادة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة تبين سبباً مبطلاً للشّهادة - وإذا بطلت الشّهادة بطلت الدّعوى، إلا أن يأتي المدّعِي بشهود آخرين، وتبطل الشّهادة إذا نقصت الدّعوى عنها في الزّمن - بأن كانت الدّعوى تشتمل على تاريخ قريب ثم شهد الشّهود بتاريخ أبعد، وكذلك إذا كانت الدّعوى بمقدار والشّهادة بمقدار مخالف أكبر وأكثر لا أقلّ. فإنّ هذه الشّهادة باطلة؛ لأنّ الشّرط في قبول الشّهادة مطابقتها للدّعوى. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا ادّعى مدّع داراً في يد رجل أنّها له، وأنّه اشتراها منذ سنة - مثلاً - ثم شهد الشّهود أنّها له اشتراها منذ خمس سنوات. فهذه الشّهادة باطلة مردودة. لكن لو شهد الشّهود بتاريخ أقرب فإنّها تقبل. ومنها: إذا ادّعى شخص على آخر خمسة آلاف، فشهد الشّهود
следующие страницы →