← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14596

موسوعة القواعد الفقهية

محمد صدقي آل بورنو

Полный текст (5 326 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

القاعدة السّابعة والأربعون [نفي الوجوب والحرج] أولاً: لفظ ورود القاعدة: نفي الوجوب فيها لم يقم دليل على وجوبه، أصل في التّشريع (١). وارتفاع الحرج فيما لم يثبت فيه الحظر. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الأحكام الشّرعيّة من إيجاب وتحريم وغيرهما لا تثبت في حقّ المكلّفين ما لم يقم دليل عليها. فمفاد القاعدة: أنّه إذا لم يقم دليل شرعي على وجوب حكم فلا يكون ذلك الحكم واجباً، وإذا لم يثبت الحظر - أي التّحريم - بالدّليل المحرم فلا يكون ذلك الأمر محرّماً أو محظوراً، ولا إثم على فاعله. فإنّ الأحكام الشّرعيّة لا يجوز اعتبارها بدون الدّليل الشّرعي الدّال عليها. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا ادّعى إنسان أنّه يجب علينا ستّ صلوات في اليوم والّليلة. أو أنّ الحجّ يجب علينا كلّ سنة. فيقال له: هات الدّليل على صدق ما تقول، وإذا لم يأت بالدّليل على قوله فيقال له: ما تقوله ليس واجباً؛ لأنّه لم يقم دليل على وجوبه.

стр. 4762

ومنها: إذا قال: إنّ الرّجعة للمرأة المطلّقة الرّجعيّة تحرم إلا بإذن الزّوجة. فيقال له: هذا غير صحيح. ورجعة الزّوجة الرّجعيّة إلى زوجها لا يشترط له رضاها ولا إذنها بالنّصّ، فمن ادّعى تحريم الرّجعة إلا بإذنها، فعليه الدّليل، ولا دليل.

стр. 4763

القاعدة الثّامنة والأربعون [النّفي المطلق] أولاً: لفظ ورود القاعدة: النّفي على سبيل الإطلاق أبلغ وجوه البراءة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بالنّفي المطلق: النّفي العام غير المخصوص بشيء دون شيء، ولم يقيد بصفة خاصّة. فإذا نفى إنسان كلّ حق له، كان ذلك من أعلى وأبلغ وجوه براءة المدّعَى عليه، ولا حقّ للنّافي بعد ذلك في المطالبة بشيء ممّا نفاه، إلا بشيء حادث بعد النَّفي. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا ادّعى شخص على آخر ديناً، فأدّاه المدّعَى عليه، وقال المدّعِي بعد ذلك لا حقّ لي قبل المدّعَى عليه من هذا الدّين أو غيره، كان ذلك براءة عامّة للمدّعَى عليه، ولا حقَّ للمدّعِي بعدّ ذلك بالمطالبة. إلا بسبب جديد. ومنها: إذا قال: لا حقَّ لي قِبَل الكفيل من هذه الكفالة. كان ذلك براءة تامّة عامّة للكفيل. ومنها: إذا شجّ شخص آخر، فقال المشجوج: تنازلت عن حقّي، ولا حقّ لي قِبَل فلان. كان هذا إبراءً للجاني. وهكذا.

стр. 4764

ومنها: حديث: "الماء طهور لا ينجسه شيء (١) - أو لم ينجسه شيء" فهو نفي للنّجاسة عن الماء المطلق نفياً مطلقاً مفيداً بقاء الماء على طهوريته وبراءته من النّجاسة، إلا ما استثني ممّا غيّرت النّجاسة لونه أو طعمه أو ريحه (٢).

стр. 4765

القاعدة التّاسعة والأربعون [نقص الدّعوى] أولاً: لفظ ورود القاعدة: نقص الدّعوى عن الشّهادة في الزّمن أو في المقدار يبطل الشّهادة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة تبين سبباً مبطلاً للشّهادة - وإذا بطلت الشّهادة بطلت الدّعوى، إلا أن يأتي المدّعِي بشهود آخرين، وتبطل الشّهادة إذا نقصت الدّعوى عنها في الزّمن - بأن كانت الدّعوى تشتمل على تاريخ قريب ثم شهد الشّهود بتاريخ أبعد، وكذلك إذا كانت الدّعوى بمقدار والشّهادة بمقدار مخالف أكبر وأكثر لا أقلّ. فإنّ هذه الشّهادة باطلة؛ لأنّ الشّرط في قبول الشّهادة مطابقتها للدّعوى. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا ادّعى مدّع داراً في يد رجل أنّها له، وأنّه اشتراها منذ سنة - مثلاً - ثم شهد الشّهود أنّها له اشتراها منذ خمس سنوات. فهذه الشّهادة باطلة مردودة. لكن لو شهد الشّهود بتاريخ أقرب فإنّها تقبل. ومنها: إذا ادّعى شخص على آخر خمسة آلاف، فشهد الشّهود

стр. 4766

بسبعة آلاف، فلا تقبل هذه الشّهادة إلا إذا وفَّق المدّعي بين دعواه وبين الشّهادة بأن يقول - مثلاً - نعم كانت سبعة آلاف - كما شهد الشّهود - ولكنّي استوفيت منه ألفين.

стр. 4767

القاعدة الخمسون [نقص قيمة النّقد] أولاً: لفظ ورود القاعدة: نقص قيمة النّقد هل هو عيب أوْ لا؟ (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: إذا وقع عقد الصّرف أو البيع ثمّ وُجد في أحد البدلين عيب يوجب الرّدّ، وفي نفس الوقت نقص قيمة النّقد، فهل يجوز الرّدّ مع وجود العيب في النّقد أو لا يجوز؛ لأنّ نقص قيمة النّقد يعتبر عيباً يمنع الرّدّ؟ خلاف. وقد رجّح ابن قدامة عدم عيب النّقد إذا نقصت قيمته، فلذلك فالنّقص لا يمنع الرّدّ بالعيب القديم. مع أنّ ظاهر كلام أحمد والخرقي (٢) رحمهما الله تعالى أنّه لا يملك الرّدّ لأنّ المبيع تعيّب في يده لنقص قيمته.

стр. 4768

ولكنّ النّاظر إلى أحوال العصر الحاضر يرى أنّ نقص قيمة النّقد يعتبر عيباً، وقد يعتبر فاحشاً إذا كان النّقص كبيراً. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أخذ عشرة دراهم بدينار فوجد في بعض الدّراهم عيباً فأراد ردّها فصارت أحد عشر بدينار. فظاهر كلام أحمد والخرقي عدم جواز الرّدّ لنقص القيمة. ولكن عند ابن قدامة إنّ الرّدّ جائز قال: لأنّ تغيّر السّعر ليس بعيب. ولكن لو قلنا بجواز الرّدّ فهل له أن يأخذ أحد عشر درهماً بدلاً من عشرة، أفلا يكون الدّرهم الزّائد رباً. إذا نظرنا للعدد فاحتمال الرّبا قائم. لكن إذا نظرنا للقيمة فلا. والله أعلم. ومنها: إذا اشترى سلعة بعشرة آلاف، ثم وجد بها عيباً يوجب الرّدّ، وكان النّقد قد نقصت قيمته فأصبحت العشرة الآلاف التي أدّاها ثمن السّلعة بقيمة خمسة، فهل له الرّدّ؟ أقول وبالله التّوفيق، ليس له الرّدّ ولكن له أرش العيب - أي التّعويض عن العيب. ومنها: إذا اقترض ألفاً لأجَل - سنة مثلاً - ثم تغيّرت قيمة النّقد، فأصبحت الألف لا تساوي مئة، كما هو حاصل الآن في كثير من البلدان - فهل له الألف فقط، أو قيمتها يوم أقرضها؟ خلاف. والأرجح والله أعلم أنّ له قيمتها يوم أقرضها، حتى لا يتضرّر المقرض لو أخذ ألفاً - تساوي مئة - ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام.

стр. 4769

القاعدة الحادية والخمسون [نقض الاجتهاد] أولاً: لفظ ورود القاعدة: نقض الاجتهاد بالاجتهاد (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق لهذه القاعدة أمثال ضمن قواعد حرف الهمزة تحت الأرقام ٢٣، ٢٥، ٢٦٧، ٢٦٩. فلتنظر هناك وكذلك ينظر من قواعد حرف (لا) القاعدة رقم ١٦٨. ومثلها: (الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد أو بمثله، إنّما ينقض بالنّص). والعلّة في ذلك: أنّ الاجتهاد الثّاني ليس أولى من الاجتهاد الأوّل، وإنّ نقض الاجتهاد بالاجتهاد ينفي الثّقة عن الأحكام. وقد ينقض الاجتهاد إذا ظهر فيه خطأ فاحش.

стр. 4770

القاعدة الثّانية والخمسون [نقض القضاء] أولاً: لفظ ورود القاعدة: نقض القضاء بطريق محتمل لا يجوز (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: نقض القضاء: المراد به إلغاء الحكم الصّادر عن القاضي وإبطاله. ولمّا كان الحكم مسألة اجتهاديّة - وسبق أنّ الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد - فبالتّالي لا يجوز نقض حكم القاضي الصّادر عن اجتهاده يطريق محتمل - أي بسبب اجتهاد رأي لا يعتمد على نصّ صريح معارض للحكم، أو ظهور خطأ فاحش في القضاء. فما كان كذلك لا يجوز إلغاء القضاء به - أي بالطّريق المحتمل - وقد سبق مثل هذه القاعدة ضمن قواعد حرف القاف تحت الرّقم ٥٤. بلفظ (القضاء النّافذ لا يجوز إلغاؤه بدليل مشتبه). ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا ادّعي دابّة في يد إنسان أنّها له، ثم أقام البيّنة، فقضى القاضي له بها. ثم أقام ذو اليد البيّنة أنّها له. لم يقبل ذلك منه؛ لأنّ البيّنة الثّانية معارضة للأولى، وعند المعارضة ترجّح الأولى لاتّصال القضاء بها.

стр. 4771

ومنها: إذا أقام رجل البيّنة على نكاح امرأة بتاريخ. وقضى القاضي له بذلك النّكاح، ثم أقام آخر البيّنة على نكاحه بتلك المرأة بذلك التّاريخ لم تقبل. أمّا لو أقام الثّاني البيّنة على النّكاح بتاريخ سابق قبلت بيّنته وأبطل الحكم الأوّل. لكن أقول وبالله التّوفيق: إنّما تقبل بيّنة الثّاني إذا ذكر تاريخاً سابقاً للأوّل لا يحتمل أن يكون قد طلّقها فيه وانتهت عدّتها منه بعده، فيكون الأوّل قد تزوّجها بعد ذلك.

стр. 4772

القاعدة الثّالثة والخمسون [النّقض والإجازة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: النّقض يرد على الإجازة، والإجازة لا ترد على النّقض (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: النّقض: المراد إبطال العقد وإلغاؤه. والإجازة: هي موافقة صاحب العلاقة على مضمون العقد الذي عقده الفضولي - أي العقد الموقوف -. والعقد الموقوف: لا يتمّ ويصحّ إلا بإجازة وموافقة صاحب العلاقة، فإذا أبطل صاحب العلاقة العقد الموقوف - بعدم موافقته عليه - بطل وألغي، فلا يجوز إجازته بعد ذلك، لكن بعقد جديد. ولكن إذا أجاز صاحب العلاقة العقد فإنّه يجوز إلغاؤه من قِبَله أو من قِبَل العاقد الآخر بسبب من الأسباب الموجبة للنّقض والإبطال. ولكن إذا ألغي العقد بعدم إجازته فلا يقبل الإجازة بعد ذلك؛ لأنّ الإجازة لا ترد على النّقض - أي لا يجوز إجازة العقد بعد إلغائه وإبطاله، إلا بعقد جديد. وهذا عند من يجيزون العقد الموقوف على إجازة صاحب العلاقة.

стр. 4773

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا باع فضولي سيّارة لشخص آخر، وحينما علم صاحب السّيّارة بعقد الفضولي رفض الموافقة عليه، فيعتبر العقد في هذه الحالة باطلاً. فلو أراد صاحب السّيّارة إجازته لم يجز، لكن يعقد عقداً جديداً. لكن لو أجاز صاحب العلاقة العقد ثم بدا له إبطاله بسبب مشروع فله ذلك، بأنّ يعلم أنّ المشتري مفلس - مثلاً. ومنها: إذا زوّج فضولي امرأة من رجل آخر، وحينما علم الزّوج بذلك العقد وافق عليه ثم بدا له أن يُبطل العقد، فله ذلك بتطليق المرأة، لا بإلغاء عقد النّكاح.

стр. 4774

القاعدة الرّابعة والخمسون [نقل الثّقات] أولاً: لفظ ورود القاعدة: نقل الثّقات الأخبارَ حجّةٌ شرعيّةٌ في وجوب العمل بها (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الثّقات: جمع ثقة، وهو الإنسان العدل الضّابط لِمَا يخبر به. والمراد بالأخبار: ما يتعلّق بالأمور التي ينبني عليها حكم شرعي، سواء في ذلك الأحاديث، أو الإخبار بأمر يترتّب عليه أمر عبادي، أو خبر عن أمر ماض لم يوجد عليه أثر. فإذا أخبر الثّقات أو الثّقة بخبر فيصدَّق فيه ويجب العمل بموجب ذلك الخبر. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أخبر ثقة بطهارة الماء جاز التّطهّر به، وأمّا إذا أخبر بنجاسته فلا يجوز التّطهّر به. ومنها: إذا كان لأهل الذّمّة في مصر من أمصار المسلمين كنيسة قديمة، فأراد المسلمون هدمها، أو منعهم من الصّلاة فيها. فقالوا: نحن قوم من أهل الذّمّة صالحنا على بلادنا. وقال المسلمون: بل أخذنا بلادكم عنوة وحرباً، ثم جُعِلتم ذمّة. وهذا أمر تطاول - أي

стр. 4775

مضى عليه زمن طويل - فلم يدر كيف كان. فإنّ الإمام ينظر في ذلك هل يجد أثراً عن الفقهاء أو المؤرّخين، ويسأل أهل الأخبار عن أهل هذه الأرض فإن وَجَد فيه أثراً عمل به، (لأنّ نقل الثّقات للإخبار حجّة شرعيّة، في وجوب العمل بها). فإن لم يجد أثراً، أو اختلفت الآثار جعلها أرض صلح، وجعل القول فيها لأهلها؛ لأنّها في أيديهم وهم متمسّكون بالأصل (١).

стр. 4776

القاعدتان الخامسة والسّادسة والخمسون [النّقود] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: النّقد لا يتعيّن في المعاوضات (١). وفي لفظ: النّقود - عندنا - أي الحنفيّة - لا تتعيّن بالتّعيين (٢). وفي لفظ: النّقود لا تتعيّن في العقود بالتّعييّن (٣). وفي لفظ مقابل: النّقود تتعيّن بالتّعيين في العقود - في المشهور من المذهب الحنبلي - وعن أحمد ﵀ إنّها لا تتعين (٤). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: كانت النّقود سابقاً الدّنانير والدّراهم من الذّهب والفضّة، والآن هي من الأوراق التي تسمّى بالورق النّقدي. فهل هذه النّقود تتعيّن في عقود المعاوضات؟

стр. 4777

أي لا يجوز استبدالها بمثلها، أو لا تتعيّن؟ خلاف، وعند الشّافعي (١). ووجه عند أحمد رحمهما الله تتعيّن. والحجّة: أنّ العقد عقد تمليك، والثّمن قابل للتّمليك، فصحّت الإضافة إليه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا اشترى سلعة بهذه الألف الرّيال أو الدّينار الورقي، فهل يجوز له أن يعطي البائع ألفاً أخرى غيرها؟ الأصحّ: نعم. لأنّه لا فرق، ولا فائدة للبائع في اشتراط عينها. ومنها: إذا ادّعى على آخر مالاً. وأخذه، ثم أقرّ أنّه لم يكن له على خصمه حقّ. قالوا: فعلى المدّعي ردّ عين ما قبض ما دام قائماً - أي موجوداً في يده -. ولكن أقول: إذا كانت النّقود ورقيّة فلا تتعيّن. والأصحّ عدم التّعييّن، لأنّه إذا كانت القيمة واحدة فما فائدة التّعيين؟. لكن إذا كانت النّقود ذهبيّة أو فضيّة - وقد يقع فيها تفاوت ولو طفيف - فالتّعيين هنا واجب وبخاصّة في باب الصّرف. ومنها: إذا تصارفا - ولم يكن النّقد عندهما، أو كان فهلك أو استحق - فاستقرضا وأدّيا قبل التّفرّق جاز العقد. وهذا دليل على عدم تعيين النّقد حتى في الصّرف عند من يقول بذلك.

стр. 4778

ومنها: إذا غصب من زيد ألف درهم. وغصب آخر من زيد مئة دينار، والغاصبان تصارفا الدّراهم بالدّنانير، وأجاز المالك، صار ما غصبه كلّ منهما ديناً عليه، وملك كلّ منهما ما اشتراه.

стр. 4779

القواعد السّابعة والثّامنة والتّاسعة والخمسون [النّكاح والشّرط] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: النّكاح لا يبطل بالشّروط الفاسدة (١). وفي لفظ: النّكاح يهدم الشّرط ولا ينهدم به (٢). وفي لفظ: النّكاح يهدم الشّرط والشّرط يهدم البيع (٣). من قول إبراهيم النّخعي ﵀. ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: النّكاح: المراد به عقد الزّواج. إذا اشترط في عقد النّكاح شرط فاسد لا يُخِلّ بمقتضى وموجَب العقد فإنّ العقد صحيح والشّرط باطل؛ لأنّ عقد النّكاح لا تبطله الشّروط الفاسدة، وإنّما الذي يبطله ما كان شرطاً يضادّ مقصوده، فمع وجود الشّرط الفاسد يصحّ العقد ويبطل الشّرط. لكن البيع بخلاف النّكاح قد يبطله الشّرط الفاسد. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: إذا تزوّج امرأة على أن يحلّها لزوجها الأوّل واشترط ذلك في

стр. 4780

العقد - فعند محمَّد بن الحسن ﵀ إنّ النّكاح جائز والشّرط باطل (١). لأنّ النّكاح يهدم الشّرط ولا يبطل بالشّرط الفاسد. وعند أبي يوسف ﵀: هذا النّكاح فاسد؛ لأنّه في معنى التّوقيت للنّكاح، والتّوقيت مفسد للنّكاح، فلو دخل بها الزّوج الثّاني لا تحلّ للأوّل؛ لأنّ الدّخول بالنّكاح الفاسد لا يوجب الحلّ للزّوج الأوّل. وعند أبي حنيفة ﵀ يجوز النّكاح ويثبت الحلّ الأوّل بدخول الثّاني؛ لأنّ هذا النّهي لمعنى في غير النّكاح، فلا يمنع صحّة النّكاح - أي النّهي على زواج المحلّل. ومنها: إذا تزوّج مسلم مسلمة على خمر أو خنزير أو شيء ممّا لا يحلّ، كان النّكاح جائزاً والشّرط باطلاً، ولها مهر المثل.

стр. 4781

القواعد السّتّون والحادية والثّانية والثّالثة والسّتّون [النّكاح وأحكامه] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: النّكاح عقد خاصّ فلا ينعقد بغيره (١) عند الشّافعي ﵀. وفي لفظ: النّكاح لا يحتمل التّعليق. ولا يحتمل الاشتراك (٢). وفي لفظ: النّكاح مختصّ بمحلّ الحلّ ابتداءً (٣). وفي لفظ: النكاح الظّاهر لا يمنع السّبي والاسترقاق (٤). ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: هذه القواعد تتعلّق ببعض أحكام النّكاح، فمنها ما هو محلّ اتّفاق، ومنها ما هو موضع افتراق واختلاف. فالقاعدة الأولى - عند الإمام الشّافعي ﵀ والوجه الظّاهر عند أحمد ﵀ أن النّكاح عقد خاصّ يختلف عن غيره من

стр. 4782

العقود، فلا ينعقد إلا بلفظ النّكاح أو لفظ التّزويج فقط. فلا ينعقد بلفظ الهبة ولا الإجارة، أو التّمليك أو غيرها من الألفاظ التي يجيز الحنفيّة ومن معهم عقد النّكاح بها ما دامت قامت الأدلّة على إرادة النّكاح. والقاعدة الثّانية: أنّ النّكاح من العقود التي لا تحتمل التّعليق بالشّرط، كما أنّه لا يحتمل ولا يجوز فيه الاشتراك، فعقد النّكاح لا يقع إلا منجَّزاً، ولا يكون إلا لواحد. فلا يجوز عقد نكاح امرأة على رجلين معاً. ويجوز عقد نكاح امرأتين على رجل واحد معاً. والقاعدة الثّالثة مفادها: أنّ النّكاح مختصّ بمحلّ الحلّ من الابتداء، والمراد بمحلّ الحلّ: المرأة التي يحلّ عقد النّكاح عليها دون المحرّمة أصلاً، فإنّ المرأة المحرمة ابتداءً لا يصحّ عقد النّكاح عليها كالمرتدّة والوثنيّة وذات المحرّم المؤبد. والقاعدة الرّابعة مفادها: أنّ وجود النّكاح بين الزّوجين - الكافرين - لا يمنع استرقاقهما أو استرقاق أحدهما، ويجوز استرقاق المرأة الكافرة ذات الزّوج وتحلّ للسّابي المسترق ولو أسلمت بعد ذلك. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: عند الحنفيّة ومن معهم - وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنّ عقد النّكاح يصحّ بكلّ لفظ يدلّ ويتعارف عليه. فإذا قال: ملّكتك ابنتي بمهر قدره كذا. فقال: قبلت صحّ النّكاح. ومثله إذا قال: وهبتك ابنتي فلانة بمهر قدره كذا. صحّ كذلك. ومنها: إذا قالت: أزوّجك نفسي إذا رضي أبي، أو قال الولي:

стр. 4783

أزوّجك ابنتي إذا رضي إخوانها. فالعقد لا يصحّ. ولو قال الخاطب: قبلت. ومنها: إذا عقد اثنان عقد نكاح على امرأة واحدة، فلا يصحّ العقد لكليهما, لأنّ عقد النّكاح لا يحتمل ولا يقبل الاشتراك. ومثلها: إذا تشارك اثنان في شراء جارية تخدمهما، فلا يجوز لأحد منهما وطؤها, لأنّ الشّرط الوطء في ملك اليمين الملك الكامل. وملك الشّريكين للجارية ملك ناقص لكلّ منهما. ومنها: إذا عقد عقد نكاح على مرتدة أو وثنية، فلا يصحّ العقد؛ لأنّ المرتدة محرّمة، وكذلك عقد المرتدّ لا يصحّ؛ لأنّه مستحقّ للقتل فهو ميّت حكماً. وكذلك عند غير الحنفيّة. ومنها: إذا سبيت امرأة حربيّة كتابيّة دون زوجها - وهو حربي مثلها - فإنّ هذه المرأة يحلّ للسّابي وطؤها بعد استبرائها بحيضة. وإذا سبي الزّوجان معاً فإنّ السّبي يفرق بينهما، وتحلّ المسبيّة للسّابي وتحرم على زوجها السّابق للسّبي حتى لو أسلم بعد ذلك. ولكن إذا أراد المولى أن يزوّجها منه فله ذلك بعقد جديد. وإذا زوَّجت الأمَة حَرُم على المولى وطؤها، ولكن له خدمتها.

стр. 4784

القاعدة الرّابعة والسّتّون [النّكرة والمعرفة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: النّكرة إذا أعيدت معرفة كانت الثّانية عينَ الأولى، وإذا أعيدت نكرة كانت الثّانية غير الأولى. والمعرفة إذا أعيدت معرفة كانت الثّانية عين الأولى، وإذا أعيدت نكرة كانت الثّانية غير الأولى (١). لغويّة أصوليّة فقهيّة ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة لغويّة أصوليّة فقهيّة. والمراد بالنّكرة: اللفظ غير المعرَّف بإحدى أدوات التّعريف - أي الألف واللام أو الإضافة أو كان من المعارف - فإذا ورد لفظ نكرة في كلام، ثم عُطِف عليه لفظ آخر مثله بمعناه، فإمّا أن يكون الثّاني معرفة أو نكرة. فإن كان اللفظ الثّاني معرفة فهي عين ونفس النّكرة الأولى. وأمّا إذا أعيدت نكرة كانت الثّانية غير الأولى. وأمّا الكلمة المعرفَة إذا أعيدت معرفة كانت هي المعرفة الأولى. وأمّا إذا أعيدت نكرة كانت الثّانية غير الأولى.

стр. 4785

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قلت جاءني رجل وكلّمت رجلاً. كان الرّجل الثّاني غير الأوّل. وامّا إذا قلت: جاءني رجل فكلّمت الرّجل. كان الرّجل الثّاني عين الأوّل. ومنها: قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ (١). ومنها: قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ (٢) فالعسر أعيد معرفة فهو واحد، واليسر أعيد نكرة فكان غير الأوّل، ومن هنا قالوا: (لن يغلب عسر يسرين). ومنها: إذا أقرّ بألف مقيّدة بصكّ بحضرة شاهدين في مجلس. ثم بألف غير مقيّد بصكّ بحضرة شاهدين آخرين في مجلس آخر، يكون الثّاني غير الأوّل ويلزمه ألفان.

стр. 4786

القواعد الخامسة والسّادسة والسّابعة والسّتّون [النّكرة خصوصها وعمومها] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: النّكرة في موضع الإثبات تخصّ (١). وفي لفظ: النكرة في موضع النّفي تعمّ، وفي الإثبات تخصّ، لكنّها مطلقة (٢). وفي لفظ: النكرة الموصوفة بصفة عامّة تعمّ (٣). أصوليّة فقهيّة ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: إذا وردت النّكرة - أي اللفظ أو الكلمة المنكرة غير المعرفة - في كلام فلها حالات من حيث العموم والخصوص والإطلاق، وذلك بحسب موقعها. الحال الأولى: أن تقع في موقع الإثبات. الحال الثّانية: أن تقع في موضع النّفي. الحال الثّالثة: أن تقع موصوفة بصفة عامّة. فهذه ثلاث حالات يختلف حكم النّكرة فيها:

стр. 4787

ففي الحال الأولى: إذا وقعت النّكرة في موضع الإثبات فحكمها في هذه الحال الخصوص. أي أن تدلّ على خاصّ لا عامّ. ولكنّها مطلقة غير مقيّدة. وفي الحال الثّانية: أن تقع في موضع النّفي - أي تكون منفيّة - فحكمها العموم؛ لأنّ القاعدة الأصوليّة تقول: (النّكرة في النّفي تعمّ). وفي الحال الثّالثة: أن تقع موصوفة بصفة عامّة فحكمها في هذه الحالة العموم - أي أنّها تدلّ على معنى عامّ لا خاصّ. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: إذا قال: كُلّ تمرة، أو أعتق رقبة. فهذه نكرة جاءت في سياق الإثبات، ولكنّها مطلقة من حيث الأوصاف؛ لأنّ الواحدة من التّمر أو الرّقاب محتملة لأوصاف كثيرة. ومنها: إذا قال: لا تأكل تمراً، أو لا تقتل نفساً. فهذه نكرة جاءت في سياق النّفي، فهي تعمّ كلّ أنواع التّمر وكلّ الأنفس. ومنها: إذا قال: أكرم رجلاً صالحاً، فهذه نكرة موصوفة. أو قال: لا تقتل رجلاً دخل آمناً فهذه تعمّ كلّ من اتّصف بهذه الصّفة سواء كان ذلك في سياق النّفي أو سياق الإثبات. وسواء أكان الصّالح أو الدّاخل فرداً أو جماعة وصلوا معاً.

стр. 4788

القواعد الثّامنة والسّتّون والتّاسعة والسّتّون والقاعدة السّبعون [النّكول] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: النّكول في باب الأموال بمنزلة الإقرار شرعاً (١). وفي لفظ: النّكول قائم مقام الإقرار (٢). وفي لفظ: النّكول عن اليمين بمنزلة الإقرار (٣). وفي لفظ: نكول النّاكل كإقراره (٤). وفي لفظ: النّكول من المضطر بمنزلة البيِّنة (٥). وفي لفظ: النّكول بذل (٦). وفي لفظ: النّكول عن اليمين بذل (٧). ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: النّكول: هو الامتناع من حلف اليمين بعد توجّهها على المدّعَى عليه، فإذا ادّعى مُدَّعٍ على آخر مالاً، ولا بيِّنه للمدّعِي فإنّ القاضي

стр. 4789

يوجّه اليمين على المدّعَى عليه، ويطلب منه أن يحلف على كَذِب دعوى خصمه، فإن المدّعَى عليه قد يمتنع عن الحلف، ففي هذه الحالة يكون امتناعه على اليمين كإقرار بالمدّعَى، أو كإقامة البيّنة عليه، فيثبت عليه ما يدّعيه خصمه، ولا يكون ذلك؟ إلا بقضاء القاضي لكونه محتملاً في نفسه. ومن ناحية أخرى فإنّ ما يجب على النّاكل من الأداء هل يأخذ حكم من أقرَّ، كما هو منطوق القواعد الأربع الأولى. أو هو بمعنى البذل - أي الإعطاء على سبيل الصّلح كما هو منطوق القاعدتين الأخيرتين؟ قولان في هذه المسألة. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: إذا ادّعى رجل على آخر مالاً. فأنكر المدّعَى عليه، ولا بيِّنة للمدّعِي، فإنّ القاضي يوجه اليمين على المدّعَى عليه، فإن حلف سقطت الدّعوى، وإن نكل عن اليمين حكم عليه القاضي بالمدّعَى. كأنّه أقرّ بما أنكر. ومنها: إذا كان لرجل زوجات فطلّق إحداهن بعينها ثم نسيها. ثم ادّعت كلّ واحدة أنّها المطلّقة، فإنّ القاضي يستحلفه لكلّ واحدة منهنّ أنّها غير المطلّقة، فإن نكل عن اليمين لهنّ فرَّق بينه وبينهنّ، ولا يجوز له أن يطأ واحدة منهنّ؛ لأنّ النّكول في حقّ كلّ واحدة منهن بمنزلة الإقرار. وإنّ حلف لهنّ بقي حكم الحيلولة كما كان لأنّا نتيقّن أنّه كاذب في بعض هذه الأيمان. وإن نكل عن اليمين لواحدة منهنّ كانت هي المطلّقة كأنّه أقرّ بها.

стр. 4790

القاعدة الحادية والسّبعون [نماء الملك] أولاً: لفظ ورود القاعدة: نماء الملك لمالكه (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: مالك الشيء أحقّ به من غيره أياً كان، وبالتّالي، فإنّ نماء الملك وزيادته سواء كانت متّصلة أم منفصلة فهي ملك لمالك الأصل. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا ملك شخص ما نخلاً أو شجراً مثمراً، فإنّ ثمرته له بناء على ملكيّته لأصله. ومنها: إذا ملك شخص بقرة أو شاة أو ناقة حاملاً أو حائلاً ثم حملت وولدت، فإنّ أولادها لمالك أمّهاتها. ومنها: إذا دخل عسكر من المسلمين لهم منعة لا أرض الحرب فأقاموا فيها حيناً حتى زرع منهم ناس زروعاً فأدركت وحصدوها وأخرجوها إلى دار الإسلام، فإن كان البذر الذي بذروه من بذر لهم أدخلوه من دار الإسلام فذلك الزّرع كلّه لهم لأنّه تمام ملكهم. ولكن إذا كان البذر من دار الحرب فلهم ما عداه ويؤخذ منهم مقدار البذر فيجعل في الغنيمة.

стр. 4791

القاعدة الثّانية والسبعون [النّهي بصيغة الخبر] أولاً: لفظ ورود القاعدة: النّهي بصيغة الخبر أبلغ ما يكون من النّهي (١). أصوليّة فقهيّة ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: النّهي بصيغته المعروفة وهي (لا النّاهية) يفيد تحريم المنهي عنه أو كراهته إذا قامت القرينة على عدم إرادة التّحريم، ولكن قد ترد صيغة الخبر مفيدة للنّهي، فعند الأصوليّين: إنّ هذه الصّيغة - أي الصّيغة الخبريّة - في إفادتها للنّهي هي أبلغ وأقوى من صيغة النّهي ذاتها في الدّلالة على النّهي، وذلك كالأمر فإن أبلغ الأمر ما يكون بصيغة الخبر. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: قوله ﷺ : "لا يسومُ الرّجل على سوم أخيه ولا ينكحُ على خطبته" (٢) وفي لفظ لا يستام. على رواية رفع الميم والحاء واللفظ المتّقق عليه: "لا يخطبُ الرّجلُ على خطبة أخيه ولا يسومُ على سومه" (٣).

стр. 4792

ومن الأمثلة على الأمر بالخبر قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ (٣). فهذا نهي بصيغة الخبر يفيد تحريم الكتمان والنّهي عنه، وإن كان ظاهره إخباراً عن عدم حلّ الكتمان.

стр. 4793

القاعدة الثّالثة والسّبعون [النّهي - الإذن] أولاً: لفظ ورود القاعدة: النّهي بعد الإذن صحيح، والإذن بعد النّهي عامل (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: النّهي والإذن معنيان متقابلان، فالنّهي يفيد المنع من الفعل، والإذن يفيد إباحة الفعل، فورود أحدهما على الآخر يقتضي حكم الوارد على المورود عليه. فإذا أذن بعمل شيء ثم نهى عنه فإنّ النّهي عامل صحيح، وعلى العامل المنهى الانتهاء حيث لا يجوز العمل بعد النّهي وإن سبقه إذن. وإذا نهى عن شيء ثم أذن فيه كان الإذن عاملاً صحيحاً قاضياً على النّهي السّابق؛ لأنّ التّالي يكون ناسخاً للأوّل، والعمل بالنّاسخ واجب. وهذا إذا كان النّاهي أو الآذن صاحب العلاقة بالعمل. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: الإذن بمُتْعَة النّساء في فتح مكّة وخيبر ثم النّهي عنها بعد ذلك (٢).

стр. 4794

ومنها: النّهي عن زيارة القبور ثم الإذن فيها (١). ومنها: إذا قال العامل عنده: احفر هنا. ثم قال: لا تحفر. فلو حفر بعد النّهي يعاقب. ومنها: إذا قال الرّجل لامرأته: لا تخرجي من البيت، أو لا تذهبي لأهلك، ثم أذن لها في الخروج والذّهاب.

стр. 4795

القاعدة الرابعة والسّبعون [فساد بيع ما ليس عند الإنسان] أولاً: لفظ ورود القاعدة: النّهي عن بيع ما ليس عند الإنسان يوجب الفساد في كلّ مبيع ليس عند بائعه (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: النّهي عن بيع ما ليس عند الإنسان ورد عن رسول الله ﷺ في أكثر من حديث صحيح عن حكيم بن حزام ﵁. والنّهي يقتضي تحريم هذا البيع، وتحريم البيع يقتضي فساده وبطلانه إذا حصل، فكلّ من باع ما ليس عنده فإنّ عقد هذا البيع باطل من أصله غير صحيح. وإذا بطل البيع لم يحلّ للبائع الثّمن ولا للمشتري الانتفاع بالسّلعة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا أراد إنسان شراء سيّارة معيَّنة النّوع والأنموذج والصّفات. فقال له إنسان: أنا أبيعك هذه السّيّارة الموصوفة بمبلغ كذا - وهي ليست عنده ولا في ملكه - ورضي المشتري، فإنّ هذا العقد باطل من أساسه، ولا يحلّ للبائع الثّمن كما لا يحلّ للمشترى الانتفاع بالسّلعة وإن

стр. 4796

أتى بها البائع بعد ذلك. إذ لا بدّ من عقد جديد. وهذا بخلاف بيع المرابحة حيث يشتري التّاجر السّلعة الموصوفة لنفسه ثم يبيعها لمن أرادها بعقد آخر بعد حصولها في ملكيّة البائع. وهذا بخلاف عقد الاستصناع أيضاً حيث يتّفق مريد السّيّارة مع إحدى وكالات السّيّارات على شراء سيّارة بأوصاف خاصّة ويدفع للوكالة عربوناً. والوكالة تتّصل بالمصنع لينفّذ الاتّفاق، فإذا جيء بالسّيّارة بالأوصاف المطلوبة تلزم المشتري ويدفع باقي الثّمن المتّفق عليه وإذا لم يُرِدْها فقد العربون المدفوع، وأمّا إذا جيء بها مخالفة فلا يلزم المشتري قبولها، وله استرداد عربونه.

стр. 4797

القواعد الخامسة والسّادسة والسّابعة والثّامنة والتّاسعة والسّبعون [النّهي والفساد] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: النّهي عن الشّيء هل يقتضي فساده (١)؟. وفي لفظ جازم: النّهي يقتضي الفساد (٢). وفي لفظ مقابل: النّهي عن الأفعال الشّرعيّة يقرّر المشروعيّة (٣). وفي لفظ: النّهي لا يمنع صحّة الشّروع (٤). وفي لفظ: النّهي متى كان لمعنى في غير المنهي عنه لا يكون مفسداً (٥). أصوليّة فقهيّة ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: هذه القواعد تبيّن موضع اختلاف بين الحنفيّة وغيرهم في دلالة النّهي.

стр. 4798

فالنّهي - كما سبق بيانه - هو طلب ترك الفعل طالباً جازماً - والنّهي يفيد تحريم المنهي عنه إذا لم توجد قرينة تصرفه عن ذلك إلى الكراهة. والمنهي عنه إمّا أن يكون من الأفعال الحسّيّة كالزّنا والّلواط والسّفه وغيرها فالمقتضي للنّهي فيها إنّما هو القبح لعينه فهذه الأمور محرّمة لعينها، وقد يكون القبح لغيره، لكن ورد التّحريم فيه نصّاً، فلا خلاف في حرمته كالزّنا - مثلاً - حرام لعينه وقبيح لغيره لما فيه من تضييع النّسب وإسراف الماء. وإمّا أن يكون المنهي عنه من الأفعال الشّرعيّة وهي ما كان موضوعاً في الشّرع لحكم كالصّوم والصّلاة والعبادات والبيع من المعاملات وغيرها. فعند الحنفيّة أنّ النّهي عن الأفعال الشّرعيّة يعتمد مشروعيّة تلك الأفعال، ولا يمنع صحّة الشّروع فيها؛ باعتبار أنّ الشّارع الحكيم لا ينهى. عن شيء كان مشروعاً، وإنّما النّهي عن القبح لغير المشروع وصفاً، فيصحّ المنهي عنه بأصله وإن فسد بوصفه؛ لأنّ كون الفعل مشروعاً بأصله يمنع جريان النّهي عليه. والمنهي عنه لغيره أنواع: ١ - إمّا أن يكون المنهي عنه لأجل وصف فيه قبح. ٢ - وإمّا أن يكون النّهي لمجاور، كوطء الحائض، فإنّ النّهي عن قربانها لأجل المجاور وهو الأذى. ولذلك فعند الحنفيّة يثبت بوطء الحائض النّسب والحلّ للزّوج الأوّل.

стр. 4799

وعند الحنفيّة أنّ النّهي عن الشّيء لوصف أو لمجاور يدلّ على مشروعيّة المنهي عنه وتصوّره وإلا كان النّهي عنه عبثاً ولغو. وعند غير الحنفيّة: وهو ما تدلّ عليه القاعدتان الأوليان: أنّ النّهي عن الشّيء يدلّ على فساده وعدم مشروعيّته، سواء في ذلك ما كان مشروعاً بأصله ووصفه أم كان مشروعاً بأصله غير مشروع بوصفه. وقاعدة مذهب الشّافعي ﵀ أنّ النّهي عن الشّيء إن كان لعينه أو لوصفه اللازم له اقتضى الفساد - وثبت التّحريم - وأمّا إن كان الأمر لخارج عنه ينفكّ عنه في بعض موارده لم يقتض فساداً. سواء في ذلك العبادات أو العقود أو الإيقاعات. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: ١ - الصّلاة بغير وضوء، أو إلى غير القبلة - مع القدرة - صلاة باطلة غير مشروعة عند الجميع. ومنها: بيع الميتة والخمر والخنزير ونكاح المحارم. كذلك. ٢ - صوم يوم العيد، وبيع الملامسة والمنابذة، ونكاح المتعة والشّغار، وعقود الرّبويات. هذه وأمثالها النّهي عنها يقتضي فسادها وبطلانها وحرمتها عند غير الحنفيّة. وعند الحنفيّة، النّهي عنها لا يقتضي الفساد بمعنى التحريم؛ لأنّ الصّوم والبيع والنّكاح والعقود في أصلها مشروعة، وانّما النّهي كان لوصف ملازم ولذلك فالنّهي عنها يقتضي فساد الوصف، لا الأصل، فمن

стр. 4800

فعل شيئاً منها فعمله فاسد - والفاسد عند الحنفيّة غير الباطل - بمعنى أنّه إذا أزيل المفسد صحّ الفعل ولم يحتج إلى استئناف. ٣ - الصّلاة في الدّار المغصوبة، والوضوء بالماء المغصوب، والصّلاة في الأماكن المنهي عنها، والبيع وقت النّداء، هذه كلّها مكروهة، فالصّلاة صحيحة وكذلك الوضوء والبيع مع الكراهة. وعند أحمد ﵀ هذه كلّها باطلة.
следующие страницы →