أتى بها البائع بعد ذلك. إذ لا بدّ من عقد جديد.
وهذا بخلاف بيع المرابحة حيث يشتري التّاجر السّلعة الموصوفة لنفسه ثم يبيعها لمن أرادها بعقد آخر بعد حصولها في ملكيّة البائع.
وهذا بخلاف عقد الاستصناع أيضاً حيث يتّفق مريد السّيّارة مع إحدى وكالات السّيّارات على شراء سيّارة بأوصاف خاصّة ويدفع للوكالة عربوناً. والوكالة تتّصل بالمصنع لينفّذ الاتّفاق، فإذا جيء بالسّيّارة بالأوصاف المطلوبة تلزم المشتري ويدفع باقي الثّمن المتّفق عليه وإذا لم يُرِدْها فقد العربون المدفوع، وأمّا إذا جيء بها مخالفة فلا يلزم المشتري قبولها، وله استرداد عربونه.
стр. 4797
القواعد الخامسة والسّادسة والسّابعة والثّامنة والتّاسعة والسّبعون [النّهي والفساد]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
النّهي عن الشّيء هل يقتضي فساده (١)؟.
وفي لفظ جازم: النّهي يقتضي الفساد (٢).
وفي لفظ مقابل: النّهي عن الأفعال الشّرعيّة يقرّر المشروعيّة (٣).
وفي لفظ: النّهي لا يمنع صحّة الشّروع (٤).
وفي لفظ: النّهي متى كان لمعنى في غير المنهي عنه لا يكون مفسداً (٥). أصوليّة فقهيّة
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
هذه القواعد تبيّن موضع اختلاف بين الحنفيّة وغيرهم في دلالة النّهي.
стр. 4798
فالنّهي - كما سبق بيانه - هو طلب ترك الفعل طالباً جازماً - والنّهي يفيد تحريم المنهي عنه إذا لم توجد قرينة تصرفه عن ذلك إلى الكراهة.
والمنهي عنه إمّا أن يكون من الأفعال الحسّيّة كالزّنا والّلواط والسّفه وغيرها فالمقتضي للنّهي فيها إنّما هو القبح لعينه فهذه الأمور محرّمة لعينها، وقد يكون القبح لغيره، لكن ورد التّحريم فيه نصّاً، فلا خلاف في حرمته كالزّنا - مثلاً - حرام لعينه وقبيح لغيره لما فيه من تضييع النّسب وإسراف الماء.
وإمّا أن يكون المنهي عنه من الأفعال الشّرعيّة وهي ما كان موضوعاً في الشّرع لحكم كالصّوم والصّلاة والعبادات والبيع من المعاملات وغيرها. فعند الحنفيّة أنّ النّهي عن الأفعال الشّرعيّة يعتمد مشروعيّة تلك الأفعال، ولا يمنع صحّة الشّروع فيها؛ باعتبار أنّ الشّارع الحكيم لا ينهى. عن شيء كان مشروعاً، وإنّما النّهي عن القبح لغير المشروع وصفاً، فيصحّ المنهي عنه بأصله وإن فسد بوصفه؛ لأنّ كون الفعل مشروعاً بأصله يمنع جريان النّهي عليه.
والمنهي عنه لغيره أنواع:
١ - إمّا أن يكون المنهي عنه لأجل وصف فيه قبح.
٢ - وإمّا أن يكون النّهي لمجاور، كوطء الحائض، فإنّ النّهي عن قربانها لأجل المجاور وهو الأذى. ولذلك فعند الحنفيّة يثبت بوطء الحائض النّسب والحلّ للزّوج الأوّل.
стр. 4799
وعند الحنفيّة أنّ النّهي عن الشّيء لوصف أو لمجاور يدلّ على مشروعيّة المنهي عنه وتصوّره وإلا كان النّهي عنه عبثاً ولغو.
وعند غير الحنفيّة: وهو ما تدلّ عليه القاعدتان الأوليان: أنّ النّهي عن الشّيء يدلّ على فساده وعدم مشروعيّته، سواء في ذلك ما كان مشروعاً بأصله ووصفه أم كان مشروعاً بأصله غير مشروع بوصفه.
وقاعدة مذهب الشّافعي ﵀ أنّ النّهي عن الشّيء إن كان لعينه أو لوصفه اللازم له اقتضى الفساد - وثبت التّحريم - وأمّا إن كان الأمر لخارج عنه ينفكّ عنه في بعض موارده لم يقتض فساداً. سواء في ذلك العبادات أو العقود أو الإيقاعات.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
١ - الصّلاة بغير وضوء، أو إلى غير القبلة - مع القدرة - صلاة باطلة غير مشروعة عند الجميع.
ومنها: بيع الميتة والخمر والخنزير ونكاح المحارم. كذلك.
٢ - صوم يوم العيد، وبيع الملامسة والمنابذة، ونكاح المتعة والشّغار، وعقود الرّبويات. هذه وأمثالها النّهي عنها يقتضي فسادها وبطلانها وحرمتها عند غير الحنفيّة.
وعند الحنفيّة، النّهي عنها لا يقتضي الفساد بمعنى التحريم؛ لأنّ الصّوم والبيع والنّكاح والعقود في أصلها مشروعة، وانّما النّهي كان لوصف ملازم ولذلك فالنّهي عنها يقتضي فساد الوصف، لا الأصل، فمن
стр. 4800
فعل شيئاً منها فعمله فاسد - والفاسد عند الحنفيّة غير الباطل - بمعنى أنّه إذا أزيل المفسد صحّ الفعل ولم يحتج إلى استئناف.
٣ - الصّلاة في الدّار المغصوبة، والوضوء بالماء المغصوب، والصّلاة في الأماكن المنهي عنها، والبيع وقت النّداء، هذه كلّها مكروهة، فالصّلاة صحيحة وكذلك الوضوء والبيع مع الكراهة. وعند أحمد ﵀ هذه كلّها باطلة.
стр. 4801
القاعدة الثّمانون [النّهي عن المشترك]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
النّهي متى تعلّق بمشترك حَرمت أفراده كلّها (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالمشترك: اللفظ الذي تحته أفراد كثيرة كلفظ العين.
وعلّة تحريم كلّ الأفراد أنّه لو دخل فرد من أفراد المشترك في الوجود لدخل في ضمنه المشترك، فيلزم المحذور. فلذلك يلزم من تحريم المشترك تحريم جميع الأفراد؛ لأنّه لا يخرج عن عهدة التّحريم إلا بترك كلّ فرد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٢) التّحريم يشمل كلّ الميتات الحيوانيّة - عدا ما استثني - فمن تناول ميتة حصان، لم يكن منتهياً.
ومنها: حرَّم الله لحم الخنزير، فيحرم كلّ خنزير أهلي أو وحشي. إلا خنزير الماء.
стр. 4802
ومنها: حرَّم الله الخمر فيحرم كلّ مسكر مخمِّر ومغطٍّ للعقل، سواء أكان من العنب أم من غيره؛ لأنّ لفظ الخمر مشترك بين كلّ ما غطّى العقل وخمَّره.
стр. 4803
القاعدة الحادية والثّمانون [النّوم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
النّوم يمنع توجّه خطاب الأداء، ولكن لا يمنع الوجوب (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
النّوم من عوارض الأهليّة - والمراد بعوارض الأهليّة: الطّوارئ التي تطرأ على الإنسان فتخرجه عن حالته السّويَّة كالمرض.
والمراد بكون النّوم من عوارض الأهليّة - أي أهليّة الأداء لا أهليّة الوجوب -.
والأهليّة نوعان: أهليّة وجوب. وهي توجد إذا بلغ الإنسان عاقلاً صحيحاً فتجب عليه التّكاليف الشّرعيّة والدّنيويّة.
والثّانية أهليّة أداء: وهي القدرة على فعل ما وجب عليه ومدارها على القدرة الممكنة.
فالنّائم يجب عليه من التّكاليف ما تجب على المستيقظ؛ لأنّه بالغ عاقل مكلّف، ولكن إذا كان نائماً لا يمكنه فعل ولا أداء ما كلِّف به، فلا يجب عليه أداء ما كلّف به أثناء نومه؛ فمن دخل عليه وقت الصّلاة وهو نائم، وجبت عليه وتعلّق أداؤها بذمّته، ولكنّه لا يخاطب بأدائها ما
стр. 4804
دام نائماً؛ لأنّه لا يمكنه فهم الخطاب، وإنّما يتوجّه عليه حكم خطاب الأداء عند استيقاظه.
والدّليل قوله ﷺ : "إذا رقد أحدكم عن الصّلاة أو غفل عنها، فليصلّها إذا ذكرها، فإنّ الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ " (١)(٢) وفي رواية: "لا كفّارة لها إلا ذلك" (٣) والمغمى عليه كالنّائم. فالنّوم والإغماء القصير لا يمنعان الوجوب، ولكن يمنعان صحّة توجّه خطاب الأداء.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
نام بعد صلاة العشاء، أو عند الضّحى، وبقي نائماً إلى ما بعد طلوع الشّمس أو قرب وقت العصر فيجب عليه أداء الصّلاة عند تيقّظه؛ لأنّ الوجوب تعلّق بذمّته بدخول وقت الصّلاة، ولكن لمّا كان نائماً لم يتوجّه إليه خطاب الأداء.
стр. 4805
القاعدتان الثّانية والثّالثة والثّمانون [النّيابة - الحلف - الاستحلاف]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
النّيابة في الاستحلاف تجزئ، وفي الحلف لا تجزئ (١).
وفي لفظ: النّيابة في الأيمان لا تجزئ (٢).
وفي لفظ: النّيابة تجزئ في الاستحلاف لا الحلف (٣).
وفي لفظ: النّيابة لا تجزئ في الاستحلاف - المراد بالاستحلاف هنا طلب الحلف من الوكيل - وهو لا يجزئ أي حَلف الوكيل - وما سبق المراد به التّوكيل في طلب الحلف من المدّعَى عليه وذلك جائز - وتجزئ في قبول البيّنة (٤).
وفي لفظ: النّيابة لا تجزئ في الأيمان (٥).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
الاستحلاف: استفعال من الحلف - والسّين والتّاء للطّلب فالاستحلاف طلب الحلف من غير المدّعَى عليه الأصلي - أي من وكيله
стр. 4806
وذلك لا يجوز.
والحَلِف: هو القَسَم واليمين بالله تعالى.
ولا يكون الحلف إلا عند القاضي بشرط عدم وجود البيّنة - أي شهود المدّعِي.
فمفاد هذه القواعد:
١ - أنّه لا يجوز أن يحلف أحد عن أحد؛ لأنّ المقصود بالحَلِف إثبات كذب دعوى المدّعِي بتعظيم المحلوف به وهو الله ، ولا يكون ذلك صدقاً إلا ممّن وجّهت إليه اليمين وكان هو المدّعَى عليه أصالة.
٢ - يجوز النّيابة والتّوكيل في طلب تحليف المدّعَى عليه. وهذا معنى قولهم: تجوز النّيابة في الاستحلاف، فإذا وكّل المدّعِي وكيلاً ليطلب من القاضي توجيه اليمين على المدّعَى عليه فذلك جائز.
٣ - وإذا كانت النّيابة في حلف اليمين لا تجزئ فإنّ النّيابة تجزئ في قبول الشّهادة، حينما يوكّل الشّاهدان الأصليّان شاهدين آخرين عنهما في أداء الشّهادة أمام القاضي نيابة عنهما. فالحلف لا يجوز النّيابة ولا التّوكيل في أدائه، وإذا حلف النّائب أو الوكيل لا يسقط ذلك طلب يمين الأصيل - المدّعَى عليه أصلاً - ولكنّ الشّهادة يجوز أداؤها من النّائب وقبولها, لأنّ الحالف إنّما يحلف على فعل نفسه، وغيره لا يعلم حقيقة ما عنده إن كان صادقاً أو كاذباً.
وأمّا البيّنة أو الإشهاد فتجوز النّيابة والتّوكيل فيها، لأنّ النّائب أو الوكيل إنّما ينقل شهادة الشّاهد ولا ينسبها لنفسه.
стр. 4807
وأمّا الاستحلاف فيجوز النّيابة فيه؛ لأنّه مجرّد طلب يمين المدّعَى عليه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا ادّعى قاتل مستحقّ القصاص عفو أحد الوليّين - أو الأولياء - وكان غائباً، ولم يكن للقاتل بيِّنة، فأراد أن يستحلف الحاضر عن الغائب. فلا يجوز؛ لأنّه لو استحلف الحاضر على ذلك كان بطريق النّيابة، والنّيابة لا تجري في الأيمان. فإنّ على القاضي أن يؤخّر الاستحلاف حتى يحضر الغائب. وليس للحاضر استيفاء القصاص ما لم يقدم الغائب قبل دعوى العفو. فبعد دعوى العفو أولى. لأنّه لم يتمّ القصاص إلا بحضور جميع الأولياء.
ومنها: ادّعى رجل على شريكي المفاوضة مالاً - ولم يكن له بيِّنة - فحلف أحدهما ونكل الآخر، لزمهما جميعاً المال؛ لأنّ نكول أحدهما كإقراره - كما سبق قريباً - وإقرار أحد شريكي المفاوضة يلزم الشّركة.
بخلاف ما إذا كانت الدّعوى لهما على إنسان فاستحلف أحدهما المطلوب، لم يكن للآخر أن يستحلفه مرّة أخرى.
стр. 4808
القاعدة الرّابعة والثّمانون [النّيّة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
النّيّة إذا قبلت في رفع الكلّ أولى أن تقبل في رفع البعض (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة أولى عدد القواعد تتعلّق ببعض أحكام النّيَّة - عدا ما ذكر ضمن قاعدة (الأعمال بالنّيّات) في مفتتح هذه الموسوعة.
النّيّة: فِعْلة من نوي ينوي إذا قصد وعزم. إذ أن أصلها "نِوْية" فاجتمعت الواو والياء في كلمة واحدة، فقلبت الواو ياء لتناسب الكسرة قبلها، ثم أدغمت الياء في الياء فصارت "نيَّة".
فالنّيّة: هي القصد والعزم المؤكّد. وهي أعلى وأقوى درجات حديث النّفس، والعبد إنّما يحاسب على نيّته، فيثاب أو يعاقب تبعاً لما نواه.
فمفاد القاعدة: أنّ النّيَّة إذا أثّرت في العمل ككل، وقُبلت في رفع وإلغاء العمل كلّه فمن باب أولى أن تعمل وتقبل في إلغاء وإبطال ورفع بعض العمل.
стр. 4809
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال لزوجته: أنت حرام. أو أنت بتَّة. فهذه الألفاظ وما شابهها يقع بها طلاق ثلاث - عند مالك ﵀ وآخرين - ولا يجوز صرفها إلى أقلّ من ذلك؛ لأنّ اللفظ نُقل إلى العدد المعيَّن وهو الثّلاث، فصار من جملة أسماء الأعداد التي لا يدخلها المجاز، فلا تسمع فيها النّيَّة. فهذه مثل قول القائل: أنت طالق ثلاثاً. ويريد اثنتين. فلا تسمع نيَّته لا في القضاء ولا في الفتوى.
وأمّا عند الحنفيّة: فإنّما يسأل عن نيَّته؛ لأنّه تكلّم بكلام مبهم محتمل لمعان، (وكلام المتكلّم محمول على مراده)، ومراده إنّما يعرف من جهته. فإن نوى الطّلاق فهو طلاق. وإن نوى ثلاثاً فهو ثلاثاً. وإن نوى واحدة بائنة فهي واحدة بائنة (١). ومن هنا دخل هذا المثال تحت هذه القاعدة.
ومنها إذا قال: أنت طالق ثلاثاً. وأراد طلقت من الولد ثلاث مرّات. فتقبل نيّته في الفتيا لا في القضاء؛ لأنّه أدخل النّيَّة في اسم جنس الطّلاق فحوله لطلق الولد فدخل المجاز في الجنس لا في العدد. وذلك جائز.
стр. 4810
القاعدة الخامسة والثّمانون [نيّة الإقامة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
نيّة الإقامة في غير موضع الإقامة هدْر (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تختصّ ببعض أحكام المسافر.
فالمسافر خارج مصره له أحكام تختلف عن أحكام المقيم، منها: جواز فطره. ومنها: جواز قصره للصّلاة. ومنها: مسحه على الخفّ ثلاثة أيّام. ومنها: عدم وجوب الجمعة عليه. ومنها: جواز جمعه بين الصّلاتين.
فإذا سافر إنسان من بلده، ثم في مكان لا يصلح للإقامة المستقرّة - كلجَّة الماء - أي في سفينة أو قارب وسط بحر - أو في الصّحراء، أو كان سائراً ماشياً، فإن نوى الإقامة في مثل هذه الأماكن حيث لا يمكنه الاستقرار، فإنّ نيّته هذه لا قيمة لها، وهي باطلة، ولا يخرج عن كونه مسافراً تلزمه أحكام المسافر. بخلاف ما إذا نوى الإقامة في قرية أو مدينة صالحة للإقامة فيها.
стр. 4811
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا سافر بحراً، ورأى جزيرة صخريّة - لا ناس فيها ولا ماء ولا شجر، ونوى الإقامة فيها، لا تصحّ نيّته؛ لأنّها لا تصلح للمعيشة والحياة فيها.
ومنها: إذا دخل المسلمون أرض الحرب، فانتهوا إلى حصن ووطنوا أنفسهم على أن يقيموا عليه شهراً، إلا أن يفتحوه قبل ذلك. فإنّهم يقصرون الصّلاة للتّردّد في الإقامة، ولكن إذا أخبرهم الأمير أو القائد أنّه لا يقيم بهم في ذلك المكان، فإنّهم يقصرون الصّلاة؛ لأنّهم في دار حرب محاربون لأهلها، بين أن يظهروا على عدوهم أو يظهر عليهم عدوهم فلا يتمكنّون من المقام. فنيّة الإقامة في مثل هذا الموضع هدر.
ومنها: إذا أسر الكفّار مسلماً فانفلت منهم، وهو مسافر، فوطن نفسه على إقامة شهر أو أكثر في غار أو غيره، قصر الصّلاة؛ لأنّه محارب لهم، ودار الحرب في حقّه ليست دار إقامة، حتى ينتهي إلى دار الإسلام.
стр. 4812
القواعد: السّادسة والسّابعة والثّامنة والتّاسعة والثّمانون [عمل النّيّة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
النّيّة إنّما تعمل في الملفوظ (١).
وفي لفظ: النّيّة إذا لم تكن من محتملات اللفظ لا تعمل (٢).
وفي لفظ: النّيّة تعمل إذا كانت من محتملات اللفظ، لا فيما كان من ضدّه (٣).
وفي لفظ: النّيّة في الكلام المحتمل صحيحة في القضاء (٤).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
هذه القواعد تشير إلى قاعدة مهمّة تتعلّق بتأثير النّيّة وعملها.
وذلك أنّ النّيّة إنّما تعمل إذا دلّ اللفظ عليها، فإذا لم يوجد لفظ فلا عمل للنّيَّة؛ لأنّها عمل قلبي. وشرط أعمال النّيَّة في الملفوظ إذا كان
стр. 4813
اللفظ محتملاً لها، أي ان يكون اللفظ له احتمالات وليس نصّاً في المراد منه، وإذا لم يكن اللفظ محتملاً للمنوي فلا أثر للنّيَّة فيه.
فإذا كان اللفظ المنطوق به محتملاً لما نواه عملت نيّته في أحد محتملاته، وذلك أنّه لا عموم لغير الملفوظ، فغير الملفوظ لا تعمل فيه نيَّة التّخصيص.
ويترتّب على هذه القواعد أمور:
أولها: أنّ النّيَّة لا تعمل فيما كان ضدّاً للفظ المنطوق به، أو كان نصّاً في المراد، وليس عامّاً محتملاً للتّخصيص.
ثانيها: أنّ النّيَّة إذا وجدت في الكلام المحتمل كانت صحيحة أمام القضاء.
ثالثها: أنّ النّيَّة إنّما تصحّ في الملفوظ لا فيما لا لفظ له، وذلك إذا أريد بالنّيَّة التّخصيص.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا حلف على زوجته وقال: إن أكلت فأنت طالق. ونوى طعاماً دون طعام لا يعتبر قضاءً؛ لأنّه لم يدلّ على نوع الطّعام بلفظ. بخلاف ما لو قال. إن أكلت طعاماً.
ومنها: إذا قال إن خرجت. ونوى السّفر المتنوّع، فهو معتبر.
ومنها: إذا حلف أن لا يتزوّج. ونوى من امرأة روميّة أو عربيّة - مثلاً - فنيّته معتبرة.
ومنها: إذا قال: أنت طالق إن أكلت أو شربت أو لبست.
стр. 4814
ونوى معيَّناً، لم يصدق أصلاً. إلا إذا قال: إن أكلت طعاماً أو شربت شراباً أو لبست ثوباً.
ومنها: إذا قال الرّجل لامرأته: أنت عليّ حرام. إن نوى اثنتين فهي واحدة بائنة - عند جمهور الحنفيّة - وأمّا عند زفر بن الهذيل ﵀ فتقع اثنتان تبعاً لنيّته؛ لأنّ (الأعمال بالنّيّات)؛ ولأن الثنتين بعض الثّلاث، فإن كانت نيّته تسع الثّلاث فنيَّة الثنتين أولى. وعند جمهور الحنفية واحدة بائنة؛ لأنّ نيَّة الثنتين فيها عدد، وهذا اللفظ - أي أنت حرام - لا يحتمل العدد؛ لأنّها كلمة واحدة، وليس فيها احتمال التّعدّد، وأمّا صحّة نيَّة الثّلاث فليس باعتبار العدد بل باعتبار أنّه نوى حرمة وهي الحرمة الغليظة.
ومنها: إذا قال أنت عليّ حرام. إذا نوى الطّلاق ولم ينوي عدداً كان طلقة واحدة بائنة، وإن لم ينو الطّلاق ونوي يميناً كان يميناً. وإن لم تكن له نيَّة فهو يمين، لأنّ الحرمة الثّابتة باليمين دون الحرمة التي تثبت بالطّلاق، (وعند الاحتمال لا يثبت إلا القدر المتيقّن).
ومنها: إذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً للسّنّة، ونوى ثلاثاً في الحال، تطلق ثلاثاً في الحال، عند المشائِخ, لأنّ وقوع الثّلاث جملة من مذهب أهل السّنّة.
وعند زفر لا يقع الطّلاق؛ لأنّ الطّلاق الثّلاث في الحال مخالفة للسّنّة، (والنّيَّة إنّما تعمل إذا كانت من محتملات اللفظ لا فيما كان من ضدّه).
стр. 4815
ومنها: إذا قال: أنت طالق غداً. تطلق كما طلع الفجر؛ لوجود الوقت المضاف إليه الطّلاق. وأمّا إن قال: عنيت به آخر النّهار لم يدَّين في القضاء - أي لا يصدق قضاءً - ويدَّيَّن فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنّه نوى التّخصيص في لفظ العموم، ونيَّة التّخصيص في العموم صحيحة فيما بينه وبين الله تعالى، ويترتّب على ذلك أنّه لو جامعها أثناء النّهار لا يأثم بينه وبين الله تعالى.
ولكن إذا قال: أنت طالق في غدٍ طلقت كما طلع الفجر. فإن قال عنيت به آخر النّهار. صدِّق في القضاء عند أبي حنيفة ﵀. (والنّيَّة في الكلام المحتمل صحيحة في القضاء). وعندهما لم يصدق.
стр. 4816
القاعدة التّسعون [نيّة الإيجاد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
نيّة الإيجاد في الموجود لغو (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الإيجاد: أصلها الإوجاد، مِن وُجد يوجد، أو وَجد يجد، أي حصل. فنيَّة حصول الحاصل لغو باطلة لا اعتبار لها؛ لأنّ إيجاد الموجود مستحيل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا نوى إنسان إيجاد صلاة يصلّيها، فلا اعتبار لنيَّته لأنّ ما نواه موجود فعلاً.
ومنها: إذا نوى صوماً وهو صائم. لا اعتبار لنيّته كذلك.
ومنها: إذا نوى أن يقتل هذا القتيل. فلا اعتبار لنيَّته, لأنّ القتيل لا يقتل إلا مرّة واحدة.
ومنها: إذا افتتح رجل صلاة المغرب، فصلّى ركعة منها ثم ظنّ أنّه لم يكن افتتح صلاته، فجدّد التّكبير وصلّى ثلاث ركعات مستقبلات. قال بعضهم: يجزئه؛ لأنّه بقي في صلاته الأولى؛ لأنّه نوى إيجاد الموجود، ونيَّة الإيجاد في الموجود لغو.
стр. 4817
فلمّا صلّى ركعتين فقد تمّت فريضته، ثم كانت الرّكعة الثّالثة نفلاً له؛ لأنّه اشتغل بها بعد إكمال الفريضة.
وأقول وبالله التّوفيق: أنّه لمّا جدّد التّكبير - وهو في صلاته - فقد أبطل نيّته الأولى، ولم يدخل في صلاة أخرى, لأنّ تكبيره كان خروجاً من الصّلاة. وكان الواجب أن يأتي بتكبيرة أخرى ليدخل في الصلاة من جديد، ولم يفعل، فكانت صلاته باطلة؛ لأنّه صلّى بغير نيّة ولا افتتاح. وأيضاً لو سلّمنا جدلاً أنّه بقي في صلاته الأولى لكنّه خالف ترتيب صلاته فأتى بركعتين قبل التّشهّد الأوّل بعد تلك الرّكعة الأولى التي ظنّ أنّها باطلة، فقد صلّى ثلاث ركعات متواليات بدون تشهّد. والرّكعة الأخيرة التي أتي بها بعد التّشهّد الذي جاء في غير محلّه تعتبر رابعة لا نفلاً؛ لأنّه لم يشتغل بها بعد إكمال الفريضة بل اشتغل بها على أنّها إكمال للفريضة. والله أعلم.
стр. 4818
القاعدة الحادية والتّسعون [النّيّة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
النّيّة بمنزلة الرّكن في العبادات (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
مكانة النّيَّة في العبادات بمنزلة الرّكن - أي في قوّته - وإن لم تكن ركناً عند الحنفيّة، بل هي شرط صحّة العبادة. ولكن لقوّتها ولزومها في العبادات - حيث لا تصحّ العبادة - أي عبادة - إلا بالنّيّة، كانت في منزلة الرّكن وقوَّته.
والفرق بين الرّكن والشّرط: أنّ الرّكن هو جزء من حقيقة الشّيء، والشّرط خارج عن حقيقة الشّيء. وقد سبق بيان كلّ منهما.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الصّلاة لا تصحّ إلا بنيّتها، ولا بدّ من نيَّة تعيَّن الصّلاة المراد أداؤها، إن فرضاً وإن نفلاً، وتعيين وقتها كذلك.
ومنها: الصّيام لا يصحّ عبادة إلا بالنّيّة.
وكذلك الحجّ والزّكاة والتّيمّم والوضوء والغسل، كلّ عبادة مفروضة أو مندوبة.
ومنها: رجل أمره رجلان أن يحجّ عن كلّ واحد منهما، فأهلّ
стр. 4819
بحجّة على أحدهما - لا ينويه بعينه - فعند أبي يوسف ﵀ حجّه ذلك عن نفسه، وهو ضامن لنفقتهما؛ لأنّه مأمور بتعيين النّيَّة له، فإذا لم يفعل صار مخالفاً، كما لو نوى عنهما جميعاً.
ولأنّه لو نوى عنهما جميعاً لم تصحّ نيَّته عن أي واحد منهما، والحجّ عن اثنين في زمن واحد لا يقع، فكان حجّه ذلك عن نفسه لا عَن أي منهما.
стр. 4820
القاعدة الثّانية والتّسعون [نيّة التّخصيص]
أولاً: لفظ ورود هذه القاعدة:
نيّة التّخصيص تصحّ في الملفوظ دون ما لا لفظ له (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة لها ارتباط بما سبق من القواعد.
فنيَّة تخصيص العام من أحكامها أنّها إنّما تصحّ فيما له لفظ، لا فيما لا لفظ له - كما سبق بيانه.
ومعنى تخصيص العام قصره على بعض أفراده. والعام هو ما كانت محتملاً لأكثر من معنى.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: لا أركب. وعنى الخيل وحدها. لم يدّين في القضاء، ولا فيما بينه وبين الله تعالى - أي لم يصدق ولم تعمل نيَّته وإن كان حَالفاً حنث في يمينه لو ركب أيّاً كان؛ لأنّ في لفظه فعل الرّكوب، والخيل ليس بمذكور.
стр. 4821
القاعدة الثّالثة والتّسعون [نيّة التّخصيص]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
نيّة تخصيص العام تصحّ ديانة لا قضاء خلافاً للخصاف (١)(٢) وغيره من الأئمة.
وفي لفظ: نيّة التّخصيص في العموم صحيحة فيما بينه وبين الله تعالى، غير صحيحة في القضاء (٣).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق بيان هذه القاعدة ضمن شرحنا لقاعدة (الأعمال بالنّيّات).
ومفادها: أنّ تخصيص العام بالنّيَّة - بعد أن يكون العموم ملفوظاً به - صحيح ديانة - أي بين العبد وربّه ولا يصحّ - أي لا يصدق في القضاء - أي عند القاضي؛ لأنّ القاضي إنّما يحكم بحسب ظواهر النّصوص والألفاظ المنطوق بها لا بمجرّد النّيّات.
стр. 4822
وهذا عند جمهور الحنفيّة.
وأمّا عند الخصاف من الحنفيّة وجمهور المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إنّ تخصيص العام بالنّيَّة صحيح قضاء وديانة. ولكن لمّا كانت النّيَّة قلبيّة كان لا بدّ من دليل يدلّ عليها قبل تصديق المدّعِي، وإن لم يكن فيمينه على صدق نيّته.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حلف لا يأكل طعاماً. وخصَّ طعاماً دون طعام بنيّته. يصدق ديانة لا قضاءً عند جمهور الحنفيّة، وعند الخصاف وغير الحنفيّة يصدق ديانة وقضاءً.
ومنها: إذا حلف لا يكلّم أحداً. ثم قال: نويت زيداً فقط. فعند جمهور الفقهاء - غير الحنفيّة - إنّه لا يحنث لو كلّم غير زيد. وهو كذلك عند الخصاف؛ لأنّ لفظ "أحد" نكرة في سياق النّفي فهي عامّة تشمل كلّ أحد. ولكن لمّا قال: نويت زيداً فقط. أعلمت نيّته فَخُصّ عدم التّكلّم به. وجاز أن يكلّم غير زيد.
ومنها: إذا قال: كلّ امرأة أتزوّجها فهي طالق. ثم قال: نويت من بلدة كذا أو محلّة كذا. صحّ له أن يتزوّج امرأة من غير البلدة التي عيَّنها، أو المحلّة التي ذكرها. وذلك عند جمهور الفقاء غير الحنفيّة.
стр. 4823
القاعدة الرّابعة والتّسعون [نيّة التّخصيص]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
نيّة التّخصيص فيما ثبت بمقتضى الكلام صحيحة كما تصحّ في الملفوظ. عند الخصاف (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق بيان أنّ النّيَّة تخصّص اللفظ العام وتقصره على بعض أفراده، وذلك إذا كان هذا العام ملفوظاً ومنطوقاً به.
لكن هل النّيَّة تخصّص ما ثبت بمقتض الكلام لا بلفظه؟ ومقتضى الكلام فحواه ومعناه لا لفظه.
عند جمهور الحنفيّة - كما سبق بيانه - أنّ التّخصيص إنّما يكون في الملفوظ لا غير. ولكن هذه القاعدة تفيد أنّه يجوز ويصحّ نيَّة تخصيص عموم ثبت بمقتضى الكلام وفحواه لا بلفظه، وهذا ممّا خالف فيه الخصاف ﵀ جمهور الحنفيّة؛ لأنّ المقتضى عنده كالمنصوص في أنّ له عموماً فتجوز نيّة التّخصيص فيه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أراد قاضٍ أن يستحلفَ وصيّاً على المال: أنه ما قضى ديناً، وأنّه ما وصل إليه تَرِكَةٌ، ولا أمر بشيء منها يباع، ولا وَكَّل به -
стр. 4824
وكان الوصي قد فعل ذلك - فعند جمهور الحنفيّة أنّ للوصي أن يحلف وينوي غير ما استحلف عليه؛ لأنّه كان مظلوماً. (واليمين على نيَّة الحالف إن كان مظلوماً). وعند الخصاف يحلف وينوي أنّه ما فعل شيئاً من ذلك. في وقت غير الوقت الذي فعل فيه، أو في مكان كذا لغير المكان الذي فعل فيه، أو مع إنسان غير الذي عامله. وذلك لأنّ الحنفيّة يرون أنّه لا يجوز للقاضي أن يسأل الوصي عمّا وصله إليه من تركة الميّت وعمّا فعل فيها؛ لأنّ الوصي أمين، (والقول في المحتمل قول الأمين)، وهو متبرّع في قبول الوصاية، فاستحلافه يكون ظلماً له.
ومنها: إذا حلف لا يساكن فلاناً - وهو ينوي مساكنته في بيت - فيعمل بنيّته، وإن لم يكن المكان من لفظه، ولكن بمقتضى الكلام أنّ المساكنة لا تكون إلا في مكان، ولذلك صحّ نيَّة التّخصيص فيه.
ومنها: إذا حلف لا يخرج ونوى السّفر صحّت نيّته كذلك.
ومنها: إذا أقرّ بنسب غلام صغير، فجاءت أمّ الصّغير بعد موته تطلب ميراث الزّوجات فإنّها تستحقّ ذلك؛ لأنّ إقراره بالنّسب يقتضي الفراش بين المقرّ وبين أمّ الصّغير، فجعل الثّابت بمقتضى الكلام كالثّابت بالنّصّ.
وهي تستحقّ الميراث إذا لم تقم بيِّنة على أنّه طلّقها قبل موته وانقضت عدّتها. ولم يكن الطّلاق طلاق الفارّ. والله أعلم.
стр. 4825
القاعدة الخامسة والتّسعون [النّيّة في المحتملات]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
النّيّة تعمل في المحتملات لا في الموضوعات (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المحتملات: هي الألفاظ التي تحتمل دلالتها معان كأسماء الأجناس.
والموضوعات: هي الألفاظ التي لا يدخل دلالتها احتمال غيرها كأسماء الأعداد فهي نصّ فيما تدلّ عليه.
فالنّيَّة - كما سبق - إنّما تعمل ويظهر عملها في لفظ محتمل، لا لفظ منصوص الدلالة على شيء واحد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا طلّق زوجته ثلاثاً بلفظة واحدة، ثم قال: نويت اثنتين أو واحدة، لا يصدق ديانة ولا قضاءً؛ لأنّ لفظ الثّلاث لا يحتمل غير دلالته اللغويّة.
ومنها: إذا قال لامرأته: أنت طالق. ثم قال: أردت من وثاق - ولا قرينة - لم يقبل في القضاء؛ لأنّه لفظ الطّلاق صريح في إرادة حلّ عقدة الزّوجيّة.
стр. 4826
ومنها: إذا حلف ليعتقنّ ثلاثة أعبد اليوم. فأعتق عبدين. وقال: أردت بلفظ الثّلاثة الاثنين. لم تفده نيّته، وحنث، إن خرج اليوم ولم يعتق الثّالث؛ لأنّ استعمال لفظ الثّلاثة في الاثنين مجاز، وهو لا يدخل في أسماء الأعداد.
بخلاف ما لو قال: والله لأعتقنّ عبيدي. وقال: أردت بعضهم على سبيل التّخصيص. أو أردت بعبيدي دوابّي، وأردت بالعتق بيعها، أفاده ذلك؛ لأنّه يجوز استعمال لفظ العبيد مجازاً في الدّواب، والعلاقة الملك في الجميع (١).
стр. 4827
القاعدة السّادسة والتّسعون [نيّة التّعيين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
نيّة التّعيين شرط في صحّة الصّلاة المكتوبة والنّوافل المعيَّنة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تمثّل جانباً من جوانب أحكام النّيَّة. وهي إن كانت بمنطوقها خاصّة بما يتعلّق بالصّلاة لكن معناها شامل لكلّ العبادات، فكلّ عبادة يشترط فيها نيَّة التّعيين وبخاصّة الفرائض وكثير من النّوافل.
فتعيين المنوي شرط في صحّة الصّلاة المفروضة. وهذا عند الجميع. وكذلك يشترط تعيين نيّة الصّوم المفروض والواجب عند الجميع - إلا رمضان عند الحنفيّة - فيجوز صيامه بنيّة مطلقة لأنّه معيَّن بوقته. وكذلك يشترط تعيين ما يؤدّيه من حجّ أو عمرة عند بدء الفعل. وهكذا.
وأمّا النّوافل فإن كانت راتبة معينة فيجب تعيينها بالنّيَّة - عند غير الحنفيّة - ولا تصحّ بنيّةَ مطلقة - كما هي عند الحنفيّة.
ملحوظة: ويترتّب على اشتراط التّعيين أو عدمه: أنّ ما يشترط فيه التّعيين يضرّ الخطأ فيه، فلا تصحّ العبادة مع الخطأ في النّيَّة. وأن
стр. 4828
ما لا يشترط فيه التّعيين لا يضرّ الخطأ فيه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
يجب تعيين نيَّة الصّلاة المفروضة عند إرادتها. فمن أراد صلاة الظّهر مثلاً - يجب عليه تعيينها، فلو أراد الظّهر ونوى العصر لا تصحّ صلاته لا ظهراً ولا عصراً.
ومنها: إذا أراد صلاة نافلة الفجر - أو غيرها من النّوافل الرّاتبة - وجب عليه تعيينها - عند غير الحنفيّة - أمّا عند الحنفيّة فيجوز بمطلق نيَّة النّفل أو التّطوّع.
ومنها: إذا أراد أن يخرج زكاة واجبة وجب عليه نيّتها وتعيينها عند العزل.
стр. 4829
القاعدة السّابعة والتّسعون [نيّة التّعيين]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
نيّة التّمييز غير معتبرة في الجنس الواحد (١).
وفي لفظ: نيّة التّعيين في الجنس الواحد لغو (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التّمييز والتّعيين: بمعنى واحد هنا. ويراد بهما اعتبار شيء دون آخر، ففي الجنس الواحد لا اعتبار لهذه النّيَّة؛ لأنّ الجنس الواحد لا يمكن التّمييز ولا التّعيين فيه لأنّه لا يمكن الفصل بين أجزائه، أو لأنّه لا تفاضل بين أفراده.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الكفّارات تعتبر جنساً واحداً. فإذا كان عليه كفاّرات متعدّدة فكفَّر بعضاً منها جاز وإن لم يعيّن، كما لو كان عليه كفّارة يمين وكفّارة قتل خطأ، وكفّارة ظهار، فأعتق رقبة. كانت كفّارة عن أي منها دون تحديد أو تعيين.
وأقول وبالله التّوفيق: هذا إذا كانت الكفارات من جنس واحد كعتق الرّقبة، لكن إذا كان عليه كفّارة يمين وكفّارة قتل خطأ، ولم
стр. 4830
يقدر على الرّقبة ولا الإطعام ولا الكسوة، وأراد صيام ثلاثة أيّام ككفارة عن اليمين التي حنث فيها ألا يجب عليه أن يعيّن ويميّز هذه الأيّام عن صيام الشّهرين عن كفّارة القتل الخطأ؟.
أو أراد أن يطعم أو يكسو عن اليمين ألا يجب عليه. التّعيين، ثم يصوم عن كفّارة القتل الخطأ؟.
ومنها: إذا ظاهر من أربع نسوة له، فأعتق رقبة ليس له غيرها، ثم صام أربعة أشهر متتابعة ثم مرض، فأطعم ستّين مسكيناً، ولم ينو مع ذلك واحدة بعينها أجزأ عنهن استحساناً. لأنّ ما يريد أن يكفّر عنه جنس واحد وهو الظّهار.
ومنها: إذا حلف أيماناً متعدّدة وحنث فيها، وجبت عليه كفّارات إيمان متفرّقة، فأعتق رقاباً بعددهن، أو أطعم مساكين أو كساهم أو صام أيّاماً بعددهن، ولا ينوي لكلّ كفّارة بعينها، أو نوى في كلّ كفّارة عنهن أجزأ عنه استحساناً.
ومنها: لو أعتق على إحدى هذه الأيمان، وأطعم عن الأخرى، وكسا عن الثّالثة، وصام عن الرّابعة - عند عدم القدرة - جاز ذلك وتأدّت به كفّارات تلك الأيمان، وإن لم يعيّن لكلّ يمين كفّارة.
ومنها: التّيمّم. لا يجب التّمييز بين التّيمّم للحدث والتّيمم للجنابة؛ لوقوع التّيمّم طهارة فجاز أن يؤدّي به ما شاء.
ومنها: إذا كان عليه قضاء يوم بعينه أو يومين فصام بنيّة يوم آخر جاز ما دام ذلك من رمضان واحد.
стр. 4831
القواعد الثّامنة والتّاسعة والتّسعون وتمام المئة [النّيّة المخصّصة والمعمّمة والمقيّدة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
النّيّة تعمّم الخاصّ وتخصّص العام بغير خلاف (١).
وفي لفظ: النّيّة تقيّد المطلق وتخصّص العموم وتعمّم الخصوص وتعيّن أحد مسمّيات المشتركات وتصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز (٢).
وفي لفظ: النّيَّة في اليمين تخصّص اللفظ العام ولا تعمّم الخاصّ (٣).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
هذه القواعد تفيد وتبيّن أثر النّيَّة وعملها في الألفاظ،
فالنّيّة
١ - تعمّم الخاصّ.
٢ - تخصّص العام.
٣ - تقيّد المطلق.
٤ - تعيّن أحد مسمّيات المشترك.
٥ - تصرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه.
وهذه الآثار والأعمال واضحة بيَّنة من خلال القاعدتين الأوليين. ويظهر بين القاعدة الأولى والقاعدة الثّالثة تناقض، فالقاعدة
стр. 4832
الأولى ذكرتَ أنّ النّيَّة تعمّم الخاصّ وتخصّص العام بغير خلاف. والقاعدة الثّالثة ذكرت أنّ النّيَّة تخصّص اللفظ العام ولكنّها لا تعمّم اللفظ الخاص. لكن إذا علمنا أنّ القاعدة الأولى تمثّل رأي المذهب الحنبلي، فقول ابن رجب ﵀: - بغير خلاف - أي في المذهب الحنبلي، وإن وجد الخلاف عند غيرهم.
والقاعدة الثّالثة: شافعيّة المصدر، علمنا أنّ الشّافعيّة لا يرون تعميم الخاصّ بالنّيَّة. وأمّا تقييد النّيَّة للمطلق فمحلّ خلاف بين الحنابلة. وتنظر القاعدة رقم ٦٢ من قواعد حرف (التّاء).
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا قال: والله لأكرمنَّ اليوم رجلاً. ونوى به زيداً. فلا يَبَرُّ بإكرام غيره، وهذا مثال لتقييد المطلق بالنّيّة؛ لأن "رجلاً" لفظ مطلق. والمطلق عام أيضاً، وقد قيّده بنيَّته بخصوص زيد فصار معنى اليمين: لأكرمنّ اليوم زيداً. وكذلك إذا قيّده بصفة في نيّته ولم يتلفّظ بها، كقوله: والله لأكرمنّ اليوم رجلاً. وينوي فقيهاً أو زاهداً. فلا يبرّ بإكرام غير الموصوف بهذه الصّفة
ومنها: في تخصيص العموم بالنّيّة:
إذا قال: والله لا لبست ثوباً، أو لا أكلت طعاماً، ونوى ثوباً معيّناً، وطعاماً مخصوصاً، صحّ ما نواه.
ومنها: في تعميم الخاصّ:
إذا قال: والله لا شربت عند فلان ماءً من عطش. ونوى أن لا
стр. 4833
ينتفع منه بشيء. حنث بأي شيء تناوله عنده ماءً كان أو غيره. خلافاً للحنفيّة والشّافعيّة الذين قالوا: إنّه لا يحنث بطعامه أو ثيابه؛ لأنّ اليمين عندهم تنعقد على الماء خاصّة.
ومنها: إذا حلف لا يدخل هذا البيت - وهو يريد وينوي هجران أهله - حنث بدخوله عليهم أي مكان هذا البيت أو غيره.
ومنها: في تعيين أحد مسمّيات المشترك: إذا حلف أو قال: لا أنظرنَّ اليوم عيناً. - والعين لفظ مشترك بين عدّة أشياء - ونوى عين الماء. فإنّه لا يحنث بالنّظر لغير عين الماء.
ومنها: في صرف اللفظ على حقيقته إلى مجازه. إذا قال: لأقتلن اليوم أسداً. ونوى رجلاً شجاعاً. صحّ ولا يحنث إذا قتل رجلاً شجاعاً. ويحنث لو قتل أسداً حقيقة.
стр. 4834
القاعدة الحادية بعد المئة [النّيّة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
النّيّة لا تعتبر حقيقتها في أثناء العبادة (١).
بل إنّ العبادات ذات الأفعال يكتفي بالنّيّة في أوّلها (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
النّيّة يجب اعتبارها في أوّل العبادة، لكن هل يجب اعتبارها وملاحظتها أثناء العبادة؟
فمفاد هذه القاعدة: أنّه لا يجب اعتبارها ولا ملاحظتها أثناء العبادة, لأنّ العبادات ذات الأفعال يكتفي بالنّيَّة في أوّلها. لما في ذلك من المشقّة والعسر لو وجب اعتبارها في كلّ فعل من أفعال العبادة الواحدة. فلذلك لا يحتاج للنّيّة في كلّ فعل اكتفاءً بانسحاب النّيَّة عليها؛ لأنّ نيَّة العبادة تنسحب على أركانها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الوضوء لا يشترط فيه نّيّة غسل كل عضو بل يكتفى بالنّيَّة في أوّله.
стр. 4835
ومنها: الصّلاة يكتفى بالنّيَّة المصاحبة لتكبيرة الإحرام، ولا يلزم النّيَّة للقراءة، ولا للرّكوع، ولا للرّفع منه، ولا للسّجود وغيره. فلا يجوز تفريق النّيَّة على أركان الصّلاة.
ومنها: الحجّ يجوز فيه تفريق النّيّة على الطّواف والسّعي والوقوف، وإن كان يكتفى بنيّة الحجّ على الأصحّ.