القواعد الثّامنة والتّاسعة والتّسعون وتمام المئة [النّيّة المخصّصة والمعمّمة والمقيّدة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
النّيّة تعمّم الخاصّ وتخصّص العام بغير خلاف (١).
وفي لفظ: النّيّة تقيّد المطلق وتخصّص العموم وتعمّم الخصوص وتعيّن أحد مسمّيات المشتركات وتصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز (٢).
وفي لفظ: النّيَّة في اليمين تخصّص اللفظ العام ولا تعمّم الخاصّ (٣).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
هذه القواعد تفيد وتبيّن أثر النّيَّة وعملها في الألفاظ،
فالنّيّة
١ - تعمّم الخاصّ.
٢ - تخصّص العام.
٣ - تقيّد المطلق.
٤ - تعيّن أحد مسمّيات المشترك.
٥ - تصرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه.
وهذه الآثار والأعمال واضحة بيَّنة من خلال القاعدتين الأوليين. ويظهر بين القاعدة الأولى والقاعدة الثّالثة تناقض، فالقاعدة
стр. 4832
الأولى ذكرتَ أنّ النّيَّة تعمّم الخاصّ وتخصّص العام بغير خلاف. والقاعدة الثّالثة ذكرت أنّ النّيَّة تخصّص اللفظ العام ولكنّها لا تعمّم اللفظ الخاص. لكن إذا علمنا أنّ القاعدة الأولى تمثّل رأي المذهب الحنبلي، فقول ابن رجب ﵀: - بغير خلاف - أي في المذهب الحنبلي، وإن وجد الخلاف عند غيرهم.
والقاعدة الثّالثة: شافعيّة المصدر، علمنا أنّ الشّافعيّة لا يرون تعميم الخاصّ بالنّيَّة. وأمّا تقييد النّيَّة للمطلق فمحلّ خلاف بين الحنابلة. وتنظر القاعدة رقم ٦٢ من قواعد حرف (التّاء).
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا قال: والله لأكرمنَّ اليوم رجلاً. ونوى به زيداً. فلا يَبَرُّ بإكرام غيره، وهذا مثال لتقييد المطلق بالنّيّة؛ لأن "رجلاً" لفظ مطلق. والمطلق عام أيضاً، وقد قيّده بنيَّته بخصوص زيد فصار معنى اليمين: لأكرمنّ اليوم زيداً. وكذلك إذا قيّده بصفة في نيّته ولم يتلفّظ بها، كقوله: والله لأكرمنّ اليوم رجلاً. وينوي فقيهاً أو زاهداً. فلا يبرّ بإكرام غير الموصوف بهذه الصّفة
ومنها: في تخصيص العموم بالنّيّة:
إذا قال: والله لا لبست ثوباً، أو لا أكلت طعاماً، ونوى ثوباً معيّناً، وطعاماً مخصوصاً، صحّ ما نواه.
ومنها: في تعميم الخاصّ:
إذا قال: والله لا شربت عند فلان ماءً من عطش. ونوى أن لا
стр. 4833
ينتفع منه بشيء. حنث بأي شيء تناوله عنده ماءً كان أو غيره. خلافاً للحنفيّة والشّافعيّة الذين قالوا: إنّه لا يحنث بطعامه أو ثيابه؛ لأنّ اليمين عندهم تنعقد على الماء خاصّة.
ومنها: إذا حلف لا يدخل هذا البيت - وهو يريد وينوي هجران أهله - حنث بدخوله عليهم أي مكان هذا البيت أو غيره.
ومنها: في تعيين أحد مسمّيات المشترك: إذا حلف أو قال: لا أنظرنَّ اليوم عيناً. - والعين لفظ مشترك بين عدّة أشياء - ونوى عين الماء. فإنّه لا يحنث بالنّظر لغير عين الماء.
ومنها: في صرف اللفظ على حقيقته إلى مجازه. إذا قال: لأقتلن اليوم أسداً. ونوى رجلاً شجاعاً. صحّ ولا يحنث إذا قتل رجلاً شجاعاً. ويحنث لو قتل أسداً حقيقة.
стр. 4834
القاعدة الحادية بعد المئة [النّيّة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
النّيّة لا تعتبر حقيقتها في أثناء العبادة (١).
بل إنّ العبادات ذات الأفعال يكتفي بالنّيّة في أوّلها (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
النّيّة يجب اعتبارها في أوّل العبادة، لكن هل يجب اعتبارها وملاحظتها أثناء العبادة؟
فمفاد هذه القاعدة: أنّه لا يجب اعتبارها ولا ملاحظتها أثناء العبادة, لأنّ العبادات ذات الأفعال يكتفي بالنّيَّة في أوّلها. لما في ذلك من المشقّة والعسر لو وجب اعتبارها في كلّ فعل من أفعال العبادة الواحدة. فلذلك لا يحتاج للنّيّة في كلّ فعل اكتفاءً بانسحاب النّيَّة عليها؛ لأنّ نيَّة العبادة تنسحب على أركانها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الوضوء لا يشترط فيه نّيّة غسل كل عضو بل يكتفى بالنّيَّة في أوّله.
стр. 4835
ومنها: الصّلاة يكتفى بالنّيَّة المصاحبة لتكبيرة الإحرام، ولا يلزم النّيَّة للقراءة، ولا للرّكوع، ولا للرّفع منه، ولا للسّجود وغيره. فلا يجوز تفريق النّيَّة على أركان الصّلاة.
ومنها: الحجّ يجوز فيه تفريق النّيّة على الطّواف والسّعي والوقوف، وإن كان يكتفى بنيّة الحجّ على الأصحّ.
стр. 4836
القاعدة الثّانية بعد المئة [النّيّة الصّارفة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
النّيّة لا تصرف اللفظ إلى معنى إلا إذا كان يجوز الصّرف إليه لغة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق في قواعد متقدّمة أنّ النّيَّة تصرف اللفظ عن معناه الحقيقي إلى المجازي، وأنّها تخصّص اللفظ العامّ وتعمّم اللفظ الخاصّ.
لكن ذلك كلّه مشروط بشرط أفادته هذه القاعدة:
وهو أنّ النّيَّة لا يجوز أن تصرف لفظاً عن معناه الحقيقي إلى معنى آخر مجازي إلا إذا كان يجوز ذلك في اللغة
وأمّا إذا كان ذلك اللفظ لا يجوز صرفه إلى ذلك المعنى الآخر لغة فلا يجوز للنّيَّة أن تصرفه إليه؛ لأنّ عمل النّيَّة تابع لحقائق اللغة وما يجوز فيها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال لزوجته: أنت طالق. ثم قال: أردت من وثاق - أي قيد. وكانت هناك قرينة على ذلك فيجوز ديانة وقضاء؛ لأنّ لفظ "طالق" يصحّ لغة صرفه إلى الإطلاق من الوثاق.
стр. 4837
لكن إذا قال: أردت بقولي أنت طالق. أي امكثي في البيت، أو اصعدي على السّطح، فلا يقبل منه ذلك لعدم الاستعمال اللغوي؛ لأنّه سبق بيان (أنّ كلّ لفظ لا يجوز دخول المجاز فيه لا تؤثّر النّيّة في صرفه عن موضوعه) وينظر من قواعد حرف (الكاف) القاعدة ١٩٠.
ومنها: عند مالك ﵀ أنّ من قال: أنت حرام، أو ألبتّه، أو ما أشبه ذلك من الألفاظ أنّه يكون على طلاق ثلاث، لا أقل من ذلك؛ قال: لأنّ اللفظ نقل إلى العدد المعيّن - وهو الثّلاث - فصار من جملة أسماء الأعداد. وأسماء الأعداد لا يدخلها المجاز، ولذلك لا تسمع فيها النّيَّة بأقلّ من الثّلاث.
ومثله: إذا قال لزوجته أنت طالق ثلاثاً. وأراد اثنتين. لا تسمع نيّته في القضاء ولا في الفتوى. كما سبق.
стр. 4838
القاعدة الثّالثة بعد المئة [النّيّة بدون لفظ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
النّيّة متى تجرّدت عن لفظ يدلّ عليها كانت باطلة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة بيان صريح لما سبق من قواعد، وهو أنّ النّيَّة لا تعمل إلا مع لفظ يدلّ عليها. فإذا لم يوجد لفظ يدلّ عليها كانت باطلة غير معتبرة.
وقد سبق في قاعدة قريبة: (أنّ النّيّة تعمل بالمقتضى، وإن كان لا يدل عليها لفظ) فكأن ذلك استثناء من القاعدة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال الرّجل لامرأته: لا حاجة لي فيك. وأراد الطّلاق. لم تطلق - عند الحنفيّة - وحجّتهم في ذلك: أنّ قوله: لا حاجة لي فيك. بمنزلة قوله: لا أشتهيك، ولا أريدك، ولا أهواك، ولا أحبّك. وليس في شيء من هذه الألفاظ ما يدلّ على الطّلاق.
وعند ابن أبي ليلى تطلق ثلاثاً؛ لأنّ نفي حاجته يَدلّ على الطّلاق، وحقيقة ذلك إذا صارت محرّمة عليه، وأمّا ما دامت محلّلة في
стр. 4839
حقّه فله فيها حاجة طبعاً أو شرعاً؛ لأنّ النّساء خلقن لحوائج الرّجال إليهن، وكان هذا وقوله: أنت محرّمة عليَّ. سواءً.
ومنها: إذا قال الرّجل لآخر: بعتك هذا الجمل - وأراد اذبحه - لا تصحّ نيّته؛ لأنّ لفظ "بعتك" لا يدلّ على نيّة الذّبح. فالنّيّة لا يوجد لفظ عليها، ولذلك كانت باطلة.
стр. 4840
لِأوّل مرَّة في تَارِيخ الفِقهِ الإسلَامي
مُوْسُوعَة
القَواعِد الفِقْهِيَّة
جَمع وَترتيب وَبَيان
الشيخ الدكتور
محمد صدقي بن أحمَد البُورْنوُ أبو الحَارث الغزِّي عَفَا الله عَنه
الأستاذ المشارك في كليّة الشريعَة وأصُول الِدّين
بالقصيم - بريدَة
الجزء الثاني عشر
القسم الثاني عشر
ويشمل قواعد حرف الهاء والواو والياء
وعدد قواعده ٦٤ قاعدة
مؤسسة الرسالة
ناشرون
стр. 4841
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
غاية في كلمة
جميع الحقوق محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
ISBN ٩٩٥٣ - ٣٢ - ٠٠٠ - ٤
حقوق الطبع محفوظة C ٢٠٠٣ م. لا يُسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه. ولا يُسمح باقتباس أي جزء من الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر. ١
стр. 4842
القاعدة الأولى [الهبة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الهبة في المرض بمنزلة الوصية فلا تنفذ في أكثر من الثّلث (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الهبة: العطيّة. وهي في اللغة: إيصال النّفع إلى الغير (٢).
وهي عبارة عن عقد مجاني دون مقابل. وهي نوع من البر، كالهديّة وصدقة التّطوّع. يجمعها أنّها: تمليك عين بلا عوض (٣).
الوصيّة: من أوصى يوصي إيصاءً ووصيّة. والإيصاء لغة: طلب شيء من غيره ليفعله في غيبته حال حياته وبعد وفاته.
والوصيّة شرعاً: تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التّبرّع، سواء كان ذلك في الأعيان أم في المنافع (٤).
ومفاد القاعدة: إنّ من وهب شيئاً من ماله وهو في مرض الموت فيعتبر ذلك وصيّة، فلا تنفذ إلا في حدود ثلث ماله؛ لأنّ الشّرع أعطى للإنسان أن يوصي في حدود ثلث ماله، والدّليل على ذلك حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ حينما أراد أن يوصي - وهو
стр. 4843
مريض وقد خشي أن يموت في مرضه - فمّما قاله ﵊: "الثّلث والثّلث كثير" (١). وأمّا إذا كانت الهبة أو الوصيّة بأكثر من الثّلث فلا تنفذ فيما زاد إلا برضاء الورثة.
وينبني على ذلك أيضاً: أنّ الهبة في المرض إذا كانت بمنزلة الوصيّة أنّه لا يجوز للمريض أن يهب شيئاً لأحد ورثته؛ "لأنّه لا وصيّة لوارث" (٢).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
وهب مريض لأحد الأشخاص مئة ألف. فينظر إن كان هذا المبلغ يعادل ثلث مال المريض أو أقلّ، فإنّ الهبة تنفذ ويعطى الموهوب له تلك الهبة، وأمّا إن وجد أنّ هذا المبلغ يساوى نصف مال المريض- مثلاً - فإنّ الموهوب له لا يعطى إلا بمقدار ثلث التّركة فقط. لكن إذا رضي الورثة إعطاءه ما زاد على الثّلث فلهم ذلك وجازت الهبة.
ومنها: إذا وهب مريض لأحد أولاده هبة من ماله، فإنّ هذه الهبة لا تنفذ ولا يعطى الموهوب منها شيئاً، سواء كانت ثلث المال أو أقلّ؛ لأنّه إذا كانت الهبة في هذه الحالة بمنزلة الوصيّة، والوصيّة لا تجوز للوارث، فإنّ الموهوب له ما دام هو أحد الورثة فإنّه لا تنفذ هذه الهبة، إلا أن يجيز الورثة الآخرون (٣).
стр. 4844
القاعدة الثّانية [الجزء والكل]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
هلاك البعض معتبر بهلاك الكل (١).
وفي لفظ: إتلاف الجزء معتبر بإتلاف الكلّ (٢).
وفي لفظ سابق: البعض معتبر بالكلّ. وينظر القاعدة ٣٠ من قواعد حرف الباء.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة لها صلة بما سبق من قواعد في موضوعها، وسواء في الاعتبار بالهلاك أو بالتّعويض أو غيرهما. فالشّيء الذي أبعاض وأجزاء فإنّ حكم كلّ جزء منها حكم كلّه؛ لأنّ حكم جزء الشّيء إذا هلك مترتّب على حكم كلّه، فالحكم الذي يصدق على الكلّ يصدق على البعض والجزء بحسبه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا مرض إنسان أو سافر، أو كانت امرأة فنفست، فلم يصم أحدهما من رمضان شيئاً بسبب المرض أو السّفر أو النّفاس، ثم صحّ
стр. 4845
بعد رمضان أو أقام عشرة أيّام ثم مات أو ماتت، فيجب على كلّ منهم قضاء العشرة الأيّام التي عاشها فقط؛ لأنّها هي التي أدركها صحيحاً مقيماً أو طاهرة. ولا يجب على أحد منهم قضاء الباقي؛ لأنّه مات قبل أن يتمكّن من القضاء. والّذي مات لا يتصوّر منه القضاء، ولكن يطعم عنه وارثه عن كلّ يوم مسكيناً.
ومنها: إذا أتلف شخص لآخر نصف زرعه، فعليه ضمان ما أتلفه.
ومنها: لو أنّ رجلاً له ثلاثمئة درهم حال عليها ثلاثة أحوال، ثم ضاع نصفها فإنّه يجمع ما وجب عليه في الأحوال الثّلاثة ثم يسقط نصف ذلك بهلاك نصف المال، ويبقى النّصف لبقاء نصف المال.
ومنها: إذا كان لرجل مئتا درهم فضاع نصفها بعد كمال الحول، فعليه أداء درهمين ونصف اعتباراً للبعض بالكلّ؛ لأنّه لو ضاع الكلّ يسقط عنه جميع الزّكاة. وهو وجه عند الحنابلة، والوجه الآخر لا تسقط الزّكاة بتلف المال بعد الحول (١).
стр. 4846
القاعدة الثّالثة [المضمون - الضّامن - الضّمان]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
هلاك المضمون في يد الضّامن يقرّر عليه الضّمان (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المضمون: اسم مفعول من ضُمِن يُضمّن. وهي الشّيء أو السّلعة المقوّمة.
الضّامن: اسم فاعل من ضَمِن يضمن. وهو من يجب عليه الثّمن أو القيمة أو الغرامة.
الضّمان: مصدر وهو الثّمن أو القيمة أو الغرامة.
فمفاد القاعدة: أنّ من ضمن شيئاً - أي تكفّل بالأداء - ودخل هذا المضمون في ضمانه، ثم هلك أو تلف في يده، فإنّ الضّامن يثبت عليه الضّمان أو الغرم ويجب عليه الأداء للمضمون له.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
مَن جحد الوديعة، ثم أقام البيَّنة على هلاكها أو ضياعها، فهو ضامن لها بالجحود. لأنّه لو لم يجحدها وأقام البيِّنة على هلاكها أو ضياعها بغير تعدًّ منه أو تقصير في حفظها فإنّه لا يضمنها؛ لأنّه
стр. 4847
أمين، والأمين غير ضامن. لكن لمّا جحدها أولاً ثم أثبت هلاكها أو ضياعها فهو بجحوده اعتبر خائناً للأمانة، والخائن ضامن.
ومنها: إذا غصب شخص بقرة لآخر، ثم ماتت البقرة عنده فيجب عليه ضمان قيمتها للمغصوب منه؛ لأنّه الغاصب ضامن لما غصب.
стр. 4848
القاعدة الرّابعة [الظّنّ]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
هل الأصل إلغاء الظّنّ إلا ما قام الدّليل على إعماله، أو إعمال الظّنّ إلا ما قام الدّليل على إهماله (١)؟ خلاف مالك والشّافعي رحمهما الله تعالى.
وفي لفظ سابق: لا يعمل بالظّنّ عند الشّافعي إلا أن يقول دليل خاصّ على اعتباره إمّا في جنس الحكم أو نوعه. وعند مالك لا حاجة إلى ذلك (٢). وينظر من قواعد حرف (لا) القاعدة ١٤٢.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة ذات شقّين متقابلين يمثلان رأيين مختلفين لإمامين جليلين هما مالك والشّافعي رحمهما الله تعالى. ويدور الخلاف حول إعمال الظّنّ واعتباره، أو إلغائه وإهماله. والمراد بالظّنّ هنا: الإدراك الرّاجح مع عدم إهمال مقابله المرجوح. وهذه مرتبة فوق مرتبة الشّكّ الذي هو تساوي الأمرين دون مرجّح. فالإمام مالك رحمه الله تعالى: يرى أنّ إعمال الظّنّ أرجح من إهماله، ولا يجوز الإلغاء والإهمال إلا
стр. 4849
عند قيام الدّليل على ذلك.
وأمّا عند الإمام محمَّد بن إدريس الشّافعي رحمه الله تعالى: فهو يرى أنّه لا يجوز اعتبار الظّنّ إلا عند وجود الدّليل عليه، فما لم يوجد دليل يدلّ على اعتباره فهو ملغى؛ من حيث إنّ مجرّد الظّنّ إذا لم يعتضد بشاهد شرعي لا يعتبر.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
هل يكفي ظنّ الطّهارة عند اشتباه الإناء الطّاهر بالنّجس، أو لا بدّ من اجتهاد وظهور علامة؟ الصّحيح عند الشّافعيّة أنّه لا يكفي الظّنّ.
ومنها: إذا جاء من يدّعي اللقطة ووصفها - وظنّ الملتقط صدقه - هل يجب الدّفع إليه أو يجوز؟ قولان عند الشّافعيّة. الرّاجح الثّاني.
ومنها: لا يقبل قول الصّبي المميّز - وإن أثار ظنّاً - إذ لا انضباط لهذا الظّنّ.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة عند الشّافعيّة:
إذا وطئ الرّجل المرأة إذا زُفَّت إليه يظنّها زوجته، فلا حدّ عليه لو تبيّن أنّها غير زوجته.
ومنها: إذا وجد منحوراً - أي حيواناً مذبوحاً - في فلاة جاز أكله منه؛ لأنّ النّحر أو الذّبح دليل على الحلّ. هذا إذا كان الحيوان المنحور أو المذبوح ممّا يحلّ أكله.
стр. 4850
القاعدة الخامسة [أصل الأشياء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
هل الأصل في الأشياء الإباحة أو الحظر (١)؟
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه قاعدة فقهيّة أصوليّة ذكرها الأصوليّون تحت عنوان: (حكم الأشياء قبل البعثة). وذكرها الفقهاء تحت هذا العنوان، وتحت قولهم: (الأصل في الأشياء الإباحة أو الحظر أو الوقف). وقد شرحت هذه القاعدة مع الاستدلال لكلّ قول في كتابنا الوجيز ص ١٩١ فما بعدها. فلتنظر هناك. وتنظر ضمن قواعد حرف الهمزة تحت الرّقم ٤٤١.
والقاعدة المشهورة أنّ (الأصل في المنافع الإباحة وفي المضار التحريم).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
لو وجد حيوان لم ينصّ الشّارع فيه على تحليل ولا تحريم ولا أمر بقتله، ولا نهي عن قتله، ولا نصّ على نجاسته، ولا هو في معنى المنصوص عليه بتحريم أو تنجيس، ولا خالطته نجاسة، ولم تجر
стр. 4851
للعرب عادة باستطابته ولا باستخباثه ولا أشبه شيئاً منها. ففيه وجهان مشهوران أصحّهما الحلّ عملاً بهذه القاعدة (١).
стр. 4852
القاعدة السّادسة [اللفظ والمعنى]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
هل الاعتبار بألفاظ العقود أو بمعانيها (١)؟.
وفي لفظ: هل العبرة بصيغ العقود أو بمعانيها (٢)؟.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق أمثلة لهذه القاعدة ضمن قواعد حرف الهمزة تحت الأرقام من ٩٦ - ٩٨.
وقواعد حرف العين تحت الرّقم ٢٦.
وقواعد حرف الكاف تحت الرّقم ١٣٩.
وينظر الوجيز ص ١٤٧ فما بعدها شرحاً وبياناً وأمثلة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: وهبت منك هذا البيت بألف. فهل يعتبر عقد بيع نظراً للمعنى، أو هبة اعتباراً باللفظ، أو يبطل للتّناقض؟ والصّحيح الأوّل.
стр. 4853
القاعدة السّابعة [التّوكيل - التّصرّف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
هل الاعتبار بحال التّوكيل، أو بحال إنشاء التّصرّف (١)؟
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التّوكيل: تفويض غيره أن يقوم عنه بعمل ما. يقال: وكَّله توكيلاً. أي فوَّضه تفويضاً.
فإذا وكّل شخص آخر بعمل ما، ولم يقم الوكيل بالعمل إلا بعد تغيِّر حال في الموكّل تغيُّراً يكون فيه غير صالح للتّصرّف، فهل الاعتداد والاعتبار بحال التّوكيل - حينما كان الموكِّل صحيحاً قادراً على التّصرّف بنفسه لو أراد - أو يكون الاعتداد والاعتبار بحال وجود التّصرّف من الوكيل فعلاً. خلاف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
وكّل رجل آخر في أن يقبل له نكاح امرأة، ثمّ أحرم الموكّل قبل تصرّف الوكيل، ثم أراد الوكيل أن يتصرّف، فإذا اعتبرنا حال التّوكيل صحّ وإلا لم يصحّ.
стр. 4854
ومنها: إذا وكّله في طلاق امرأته، فلم يطلّقها الوكيل حتى مرض الموكِّل، فهل يكون كالطّلاق في المرض أولاً. فيه وجهان. إن اعتبرنا حال التّوكيل لا يكون كالطّلاق في المرض، وإلا إن اعتبرنا حال إنشاء التّصرّف فهو كالطّلاق في المرض.
стр. 4855
القاعدة الثّامنة [الحال والمآل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
هل الاعتبار بالحال أو بالمآل (١)؟
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة وردت بألفاظ متعدّدة تنظر في قواعد حرف الهمزة تحت الرّقم ١٦٣، وقواعد حرف التّاء تحت الرّقم ٥٠، وقواعد حرف الميم تحت الرّقم ٩٦، ٢٩١. وهي قاعدة (هل المتوقّع كالواقع). وهي قريبة المعنى من سابقتها.
ومفادها: أنّه قد يكون للشيء الواحد حالان: في الحال حين الواقعة، وفي المستقبل حين التّنفيذ، فهل المعتبر والمعتدّ به في الأحكام وبنائها هو الحال الأولى، أو الحال الثّانية وهي المآل. خلاف فيه مسائل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حلف ليأكلنَّ هذا الرّغيف غداً. فأتلفه قبل الغد، فهل يحنث في الحال حين إتلاف الرّغيف، أو حتى يجيء الغد - أي الوقت الذي حلف ليأكلنَّ الرّغيف فيه؟ وجهان: الأصحّ الثّاني.
стр. 4856
ومنها: من عليه عشرة أيّام من رمضان فلم يقضها حتى بقي من شعبان خمسة أيّام، فهل يجب عليه فدية ما لا يسعه الوقت في الحال، أو لا يجب حتى يدخل رمضان؟ فيه وجهان كذلك.
стр. 4857
القاعدة التّاسعة [إمكان الأداء]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
هل إمكان الأداء شرط وجوب أو شرط أداء (١)؟
وفي لفظ: إمكان الأداء ليس بشرط في استقرار الواجبات بالشّرع في الذّمّة على ظاهر المذهب (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأداء: هو فعل العبادة - المؤقّتة - في وقتها المقدّر لها شرعاً، أو هو فعل الواجب حين دخول وقته الذي قدّره الشّرع وحدّده له. فإذا كان الأداء ممكناً فهل يعتبر ذلك شرطاً لوجوب الفعل وتعلّقه في ذمّة المكلّف؟ أو أنّ ذلك الإمكان والقدرة على الأداء ليس شرطاً للوجوب بل هو شرط للأداء بالفعل؟ خلاف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حال الحول على مال الزّكاة ولكن قبل إمكان أداء الزّكاة وبعد الحول تلف المال، فهل يسقط ضمانه عن ربّه أو لا؟ أي هل يجب عليه إخراج زكاة المال المقدّرة قبل تلفه، أو يسقط عنه؟
بناء على أنّه يشترط لوجوب الزّكاة وتعلّقها بذمّة المكلّف ثلاثة
стр. 4858
شروط: الحول، النّصاب، التّمكّن من الأداء.
فعند المالكيّة خلاف، والمشهور أنّه لا ضمان عليه ولو أتلفه، وغير المشهور عليه ضمانه. وهو مذهب الحنابلة والشّافعيّة. وعند المالكيّة قول ثالث أنّ الزّكاة تتعلّق بالباقي منه بعد التّلف، ومذهب الحنفيّة: أنّه إن تلف بنفسه سقطت زكاته، وإن أتلفه لم تسقط (١).
ومنها: إذا باع زرعاً أفرك - أي نضج وحان حصاده - أو بُسراً أزهى - أي بلحاً تلوّن بالصّفرة أو الحمرة وأمكن جَنْيه، ولم يجنه المشتري، وقبل الجذاذ أفلس البائع، فهل يكون الزّرع للمشتري، أو هو أسوة الغرماء؟. خلاف بناء على هذه القاعدة.
ومنها: من لم يجد ماءً ولا تراباً. فهل يصلي؟ للمالكيّة في صلاته أربعة أقوال. ينظر حاشية الدّسوقي على الشّرح الكبير جـ ١ ص ١٦٢، وحاشية قواعد المقري ص ٥١٩.
стр. 4859
القاعدة العاشرة [الأملاك القابضة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
هل الأملاك قابضة على مالكها (١)؟
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأملاك: جمع مِلك أو مُلك. وهو كلّ ما يقع عليه التّملّك والاستحواذ من مالك أو مستحوذ.
فهل هذه الأملاك - وهي في الغالب جامدة أو غير عاقلة - هل يعتبر ما يصل إليها أو يتّصل بها مقبوضاً لمالكها؟ بناء على أنّ المملوك وما عليه لمالكه، أو لا يعتبر ذلك قبضاً. عند المالكيّة في الصّحيح أنّه يعتبر قبضاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اكترى دابّة ووضع عليها متاعه، ثم أفلس المكتري - قبل دفع الكراء - فهل يعتبر المكاري أحقّ بما على ظهر دابّته من متاع دون الغرماء، أو يكون أسوة الغرماء؟ خلاف. لكن أقول وبالله التّوفيق: إنّ كراء الدّابّة تعلّق بذمة المكتري لا بمتاعه، ولذلك فإنّ الرّاجح - والله أعلم - أن يكون المكاري أسوة الغرماء.
ومنها: إذا أعطى خيّاطاً قماشاً ليخيطه ثوباً فخاطه، ثم ضاع
стр. 4860
بعد أن ثبتت صناعته فيه، فهل له الأجرة أو لا أجرة له. وأقول وبالله التّوفيق له أجرة الثّوب وعليه غرم ثمن القماش؛ لأنّ الأجرة تعلّقت بذمّة صاحب الثّوب لا بقماشه.
ومنها: إذا اكترى أرضاً ليزرعها ثم مات الزّارع أو أفلس قبل دفع أجرة الأرض - فهل يكون مكري الأرض أحقّ بزرعها أو هو أسوة الغرماء؟ خلاف وهذه كالمسألة الأولى. وعند المالكيّة الرّاجح الأوّل.
стр. 4861
القاعدة الحادية عشرة [مبنى الأيمان]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
هل الأَيمان مبنيَّة على اللفظ أو على العرف (١)؟
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق لهذه القاعدة أمثال: ينظر من قواعد حرف الهمزة القاعدة ٦٣٣.
ومن قواعد حرف الباء القاعدة ٥٣. ومن قواعد حرف الميم القاعدة ٢٥٤. وتأتي من قواعد حرف الياء القاعدة تحت الرّقم ٢٥, ٢٦.
ومفاد هذه القاعدة: أنّ الأيمان - وهي جمع يمين - هل المعتبر فيها دلالة اللفظ اللغويّة أو الدّلالة العرفيّة؟ الأكثرون - وهو الرّاجح - أنّ المعتبر هو دلالة اللفظ العرفيّة. إلا إذا قامت قرينة على إرادة المعنى اللغوي.
ويمكن أن يقال: إنّ الأيمان مبناها على دلالة الألفاظ العرفيّة إذا كان العرف شائعاً معمولاً به غير مضطرب. لكن إذا لم يكن عرف، أو كان العرف غير شائع وغير معمول به فالرّجوع إلى اللغة.
стр. 4862
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حلف لا يأكل لحماً. فبناء على الدّلالة العرفيّة لا يحنث إلا بلحم الإبل أو البقر أو الغنم. ولا يحنث بأكل السّمك أو الدّجاج.
لكن لو حمل على المعنى اللغوي لحنث بكلّ ما يسمى في اللغة لحماً.
стр. 4863
القاعدة الثّانية عشرة [حكم الظّاهر والباطن]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
هل باطن الشّيء - في حكم القاضي - مُتَنَاوَل كتناول الظّاهر الجلي (١)؟
وفي لفظ: الحكم هل يتناول الظّاهر والباطن أم لا يتناول إلا الظّاهر فقط (٢)؟ وهو الصّحيح.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بباطن الشّيء: حكم الشّيء عند الله .
فإذا حكم القاضي في قضية بين شخصين فهل حكمه يتناول الظّاهر فقط، أو يتناول الظّاهر والباطن؟ خلاف.
والأرجح والله أعلم أنّ حكم القاضي إنّما يتناول الظّاهر الجلي دون الباطن الخفي، فحكم القاضي لا يحل حراماً في واقع الأمر. خلافاً لأبي حنيفة ﵀ الذي يرى أنّ حكم القاضي يشمل الظّاهر والباطن.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قضى قاضٍ للمطلّقة بنفقة على ظنّ الحمل، ثم تبيّن عدم
стр. 4864
الحمل، فهل يجب على المرأة ردّ النّفقة أوْ لا؟ إذا اعتبر الحكم متناولاً للظّاهر والباطن فلا ردّ.
ومنها: إذا شهد اثنان على امرأة أنّها زوجة لرجل وهي تنكر، وحكم القاضي بشهادتهما، فهل يحلّ للرّجل وطء هذه المرأة، وهو يعلم أنّ الشّاهدين كاذبان؟
ومنها: إذا شهد اثنان زوراً أنّ رجلاً طلّق امرأته هذه، وحكم القاضي بشهادتهما، فهل يحلّ لأحد الشّاهدين الزّواج منها.
ومنها: إذا أسلم عبد النّصراني - وسيّده بعيد الغيبة - فباعه السّلطان. ثم قَدِم النّصراني فأثبت أنّه أسلم قبله. فهل ينقض البيع، وإن عتق العبد هل ينقض عتقه؟
ومنها: إذا غَرِم قيمة زرع أتلفه، ثم عاد الزّرع، أو السّن يغرم عقلها ثم تنبت، والدّابّة يتعدّى بها المكتري فتضلّ فيغرم قيمتها ثم توجد. فهل في كلّ ذلك يجب ردّ الغرم أو لا يجب؟
стр. 4865
القاعدة الثّالثة عشرة [زوال الحكم بزوال علّته]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
هل بنفي علّة يزول الحكم (١)؟
وفي لفظ، هل يزول الحاكم بزوال علّته (١)؟
وفي لفظ سابق: العلّة إذا زالت هل يزول الحكم بزوالها (٢)؟ وينظر من قواعد حرف العين القاعدة ٦٢. أصوليّة فقهيّة
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه قاعدة أصوليّة فقهيّة سبقت ضمن قواعد حرف العين. وتفيد أنّ الأحكام إنّما تنبني على علل وأسباب، فإذا وجدت العلّة أو السّبب وجد الحكم، لكن إذا انتفت العلّة أو زال السّبب هل ينتفي الحكم ويزول بزوالها ويبطل؟
إذا قلنا في تعريف العلّة: "أنها الوصف الظّاهر المنضبط الذي يلزم من وجوده وجود الحكم، ويلزم من عدمه عدم الحكم" فيلزم من ذلك أنّه إذا زالت العلّة وانتفت زال الحكم وانتفى وبطل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الأحكام الشّرعيّة إنّما تجب على المكلّف إذا بلغ عاقلاً، فإذا جُنَّ
стр. 4866
بعد ذلك سقط عنه التّكاليف الشّرعيّة لزوال علّة وجوبها.
ومنها: إذا تزوّج وهو مريض - أي مرض الموت الذي يمنع التّصرّف فيما زاد على الثّلث - ففي هذه الحال لا يصحّ النّكاح ويجب فسخه، لكن إذا برئ من مرضه هذا قبل الفسخ فهل يصحّ النّكاح. بناء على القاعدة يصحّ؛ لأنّ علّة عدم الصّحّة المرض وقد زال.
ومنها: إذا وُجد ماء متغيّر بنجس ثم زال التّغيّر بدون زيادة الماء فهل يحكم بزوال النّجاسة وطهارة الماء لزوال التّغيّر؟.
ومنها: يجوز لسائق الهدي ركوبه إذا شقّ عليه المشي وتعب منه، لكن إذا زال التّعب وأحسّ بالرّاحة فهل يلزمه النّزول عنه؟ خلاف.
ومنها: إذا طلقت على الرّجل زوجته بسبب جنونه، أو جذام أو برص أصابه، ثم برئ - وهي في العدّة - فهل تعود إليه زوجته لزوال علّة التّفريق؟ خلاف.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة فلم يقع فيه خلاف .
إذا باع حيواناً، فوجد المشتري فيه عيباً يجيز الرّدّ، ثم قبل الرّد زال العيب. فلا ردّ لزوال سببه. وهذا إذا كان العيب غير قابل للعودة ثانية.
стр. 4867
القاعدة الرّابعة عشرة [الرّخصة والمعصية]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
هل تبطل الرّخصة بالمعصية (١)؟
وفي لفظ: لا تباح الرّخص في سفر المعصية (٢). وينظر من قواعد حرف (لا) القاعدة رقم ٩.
وفي لفظ سبق: الرّخص لا تناط بالمعاصي (٣). وينظر من قواعد حرف الرّاء القاعدة رقم ١٣.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الرّخصة إنّما شرعت تخفيفاً من الله على عباده، عند وجود المشقّة غير العاديّة الموجبة للرّخصة، ولمّا كانت كذلك، أي أنّها نعْمة من الله ؛ فإنّ العاصي بسفره هل يستحقّ التّرخّص أو لا يجوز له التّرخّص ولا يستحقّه؛ لأنّ المعصية تنافي النّعمة بوجود الرّخصة؟ خلاف.
لكن عند غير الحنفيّة فإنّ العاصي بسفره لا يجوز به التّرخّص
стр. 4868
لعصيانه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
العبد الآبق - أي الهارب من سيّده - هل يجوز له قصر الصّلاة والفطر في رمضان أو لا؟
ومنها: العاقّ لوالديه بسفره.
ومنها: إذا لبس العاصي بسفره خفّاً مغصوباً هل يجوز له المسح عليه أو لا؟
والأصحّ في كلّها عدم التّرخيص للعاصي ما لم يتب خلافاً للحنفيّة.
стр. 4869
القاعدة الخامسة عشرة [القياس على الرّخص]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
هل تتعدّى الرّخصة محلّها (١)؟. أصوليّة فقهيّة
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هل يجوز القياس على الرّخصة أو لا يجوز؟ الأصل - كما سبق - أنّ الرّخصة استثناء من القاعدة العامّة. وشرعت دفعاً للمشقّة، فهل يجوز أن تتعدّى محلّها، بمعنى هل يجوز قياس ما يشبهها على حكمها، أو لا يجوز للرّخصة أن يتعدّى محلّها؟ خلاف ذلك بين الأصوليّين وبين الفقهاء.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الظئر - أي المرضعة - إذا أصاب ثوبها نجاسة من الرّضيع يرخص لها في الصّلاة فيه مع النّجاسة للمشقّة، فهل يقاس عليها ثوب الأم؟
ومنها: ثوب الجزّار وما يصيبه من دم الذّبائح هل يقاس على ثوب المرضعة؟ خلاف.
ومنها: ذو السّلس - أي انفلات البول - أو الرّيح - هل يجوز له أن يؤمّ غيره؟ أو يصلّى غيرُه بثوبه؟ خلاف كذلك.
стр. 4870
القاعدة السّادسة عشرة [الحكم والسّبب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
هل تتقدّم الأحكام على أسبابها (١)؟
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تتساءل القاعدة عن تقدّم وجود الحكم على وجود سببه هل هو جائز وواقع أو لا؟ إذ الأصل أنّ الحكم مترتّب على سببه، فوجود السّبب أو لا ثم الحكم ناتج عنه ومترتّب عليه.
والأصل أنّ الأحكام مع أسبابها أربعة أنواع:
الأوّل: أن يقترن الحكم بسببه. الثّاني: أن يتقدّم الحكم على سببه. وهو موضوع هذه القاعدة. والثّالث: تأخّر الحكم عن سببه.
والرّابع: ما اختلف فيه هل يقع معه أو عقبه. ولكلّ منها أمثلة. ولكن الذي يهمنا هو موضوع القاعدة وهو النّوع الثّاني. وفي الواقع أنّ بعض المسائل يسبق الحكم فيها سببه ليصحّ. ولو تأخّر عن سببه لم يصحّ.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
توريث الدية للورثة. لما كانت الدية إنّما تجب بعد موت القتيل - ولو قلنا بذلك فلا يتصوّر نقلها إلى ورثته؛ إذ لا يورث عن الميت إلا ما