القاعدة الرّابعة والثّلاثون [المشرف على الزّوال]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
هل المشرف على الزّوال يعطى حكم الزّائل (١)؟ وينظر قواعد حرف الميم القاعدة ٣٧٨.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة قريبة المعنى من قاعدة سابقة وهي (هل المتوقّع كالواقع. أو ما قارب الشّيء هل يعطى حكمه).
المشرف على الزّوال: هو الشّيء الذي دنا وقرب زواله، فهل يعتبر في حكم الزّائل ويعطى حكمه أو لا؟ خلاف في مسائل:
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: عبيدي أحرار - وفيهم مكاتب - فهل يعتق أوْ لا؟
ومنها: أفسد صومه الواجب بالجماع - ثم مات أو جُنَّ، فهل تسقط الكفّارة عنه؟ الصّحيح سقوطها.
ومنها: إذا قال: إن شرعت في صوم واجب أو صلاة واجبة، فزوجتي طالق. فشرع ثم مات. فهل يلزمه الطّلاق؟ قالوا: يلزمه الطّلاق لوجود شرطه.
ولكن هل تلزم زوجته عدّة طلاق أو عدّة وفاة؟ إذا قلنا: وقع طلاقه قبل موته فيلزمها عدّة طلاق، وإلا فعدّة وفاة.
стр. 4902
القاعدة الخامسة والثّلاثون [وقوع الأحكام]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
هل المعتبر في الأحكام يوم وقوعها أو يوم وقوع سبب الحكم (١)؟
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
موضوع هذه القاعدة هو متى تعتبر الأحكام نافذة. هل هو يوم وقوع الحكم - متأخّراً عن السّبب، أو يوم وجود سبب الحكم؟ خلاف.
وهذه تسمّى قاعدة الظّهور والانكشاف (٢).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أعتق عبداً في سفره. ثم قدم وأنكر العتق. فشهد عليه بعد ذلك شاهد أنّه أعتقه في سفره. فهل يعتبر العبد حرّاً يوم العتق المذكور، أو الآن أي وقت شهادة الشّاهد وهو يوم وقوعه مؤكّداً. خلاف.
ومنها: إذا اشترى بمال الزّكاة شيئاً وربح فيه، فهل يقدر الرّبح مع أصله في الحول، أو يقدر يوم الشّراء بالنّسبة للزّكاة.
أقول وبالله التّوفيق: إذا ظهر الرّبح قبل تمام الحول فيجب عليه
стр. 4903
أن يزكّي الأصل والرّبح. لكن إذا ظهر الرّبح بعد تمام الحول، فلا يزكّي إلا الأصل. والله أعلم.
ومنها: إذا باع بيع خيار، فهل يعتبر إمضاء البيع من يوم البيع، أو من يوم الإمضاء؟ أي عند إمضاء الخيار. خلاف كذلك. لكن الرّاجح والله أعلم أنّه يعتبر من يوم البيع لأنّ المشتري يستحقّ زوائد المبيع التي حصلت في زمن الخيار، وحتى لو كان الخيار للبائع.
стр. 4904
القاعدة السّادسة والثّلاثون [القصد واللفظ والواقع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
هل المعتبر ما قصده الشّخص أو ما في نفس الأمر (١)؟
وفي لفظ سبق: إذا تعارض القصد واللفظ أيّهما يقدم (٢)؟ وينظر القاعدة ٥٩ من قواعد حرف الهمزة.
ثانياً معنى هذه القاعدة ومدلولها:
قصد شخص أمراً ما، ولكن ما وقع كان مخالفاً لقصده وإرادته، فهل تعتبر نيَّتُهُ، أو ما حصل ووقع فعلاً؟ خلاف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا نذر صوم يوم يقدم فلان. فقدم فلان نهاراً - والنّذر يجب تبييت النّيَّة له ليلاً - فهل يقضى هذا اليوم؛ لأنّ المقصود صيام يوم شكراً - أو لا يقضي؛ لأنّه فات وقته؟ خلاف والمشهور عدم القضاء.
ومنها: إذا ظاهر من امرأته قاصداً طلاقها. ففي اللازم منهما قولان: أي هل يعتبر مظاهراً بناء على لفظه، أو يعتبر مطلِّقاً بناء على قصده ونيّته؟
стр. 4905
القاعدة السّابعة والثّلاثون [المعدوم شرعاً]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
هل المعدوم شرعاً كالمعدوم حِسّاً (١)؟
وفي لفظ سبق: المعدوم معنى هل هو كالمعدوم حقيقة (٢)؟ وينظر من قواعد حرف الميم القاعدة رقم ٤٥٨.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالعلم الشّرعي: عدم اعتبار الشّارع للفعل، لنهيه عنه وتحريمه، أو عدم الإذن فيه. فما حرّمه الشّرع، أو لم يأذن فيه، فهو غير معتبر فلا يبنى عليه حكم، وكأنّه غير موجود في الحقيقة والواقع.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قتل محرم صيداً فهو ميتة، ولا يجوز أكله ولا الانتفاع به.
ومنها: إذا حلف ليطأنّ زوجته فوطئها وهي حائض - فهل يبرّ في يمينه؟ فيها قولان والمشهور الحنث وعدم البر في اليمين؛ لأنّ الشّارع نهى عن وطء الحائض، فلا يحلّ وطء الحائض في المشهور. وإذا لم يحلّ وطؤها، فالفعل محرّم ولا يبرّ في يمينه بفعل محرّم.
стр. 4906
ومنها: إذا حلف ليتزوّجنّ فتزوّج زواجاً فاسداً. في المسألة قولان. والمشهور الحنث. لأنّ الزّواج الفاسد منهي عنه فكأنّه غير واقع.
ومنها: لا يُحلّ وطء الحائض (١)، ولا يُحصِّن خلافاً لابن الماجشون (٢). ومعنى الماجشون (المورَّد) ويقال: (الأبيض الأحمر).
стр. 4907
القاعدة الثّامنة والثّلاثون [الملحق بالعقد]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
هل الملحق بالعقد كهو أو حادث (١)؟
وفي لفظ سبق: الملحقات بالعقود هل تعتبر كجزئها أو إنشاء ثان (٢)؟ وينظر من قواعد حرف الميم القاعدة ٥٣٤.
ثانياً معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالملحق بالعقد: إثبات شروط أو أمور بعد تمام العقد.
إذا ألحق بالعقد بعد تمامه شروط فهل تعتبر جزءاً من العقد، أو لا تأخذ حكم العقد وتعتبر شيئاً حادثاً ومُنشأ بعده؟ خلاف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أسلم في مئة قفيز، فزاد مثلها قبل حلول الأجل. فيها قولان عند المالكيّة: مذهب المدونة يجوز إلحاقه بالعقد (٣). ومذهب سحنون (٤) لا يجوز لأنّه هدية مِديان. أي (مدين)، وهدية المدين قبل أداء الدّين
стр. 4908
تعتبر ربا.
ومنها: ابتياع خِلفة القصيل والثّمرة والزّرع بعد بيع الأصل. والمشهور في ذلك الجواز (١).
ومنها: الزّيادة في الصّرف وثمن السّلعة وصداق المرأة بعد العقد.
стр. 4909
القاعدة التّاسعة والثّلاثون [أوّل الكلام وآخره]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
هل النّظر إلى أوّل الكلام أو إلى آخره (١)؟
ثانياً معنى هذه القاعدة ومدلولها:
للكلام أثر في ترتّب الأحكام الشّرعيّة، وللكلام أوّل وآخر، فهل المعتبر أوّل الكلام أو آخره؟
لا يطلق الحكم، ولكن ينظر إلى أسلوب الكلام، فإن كان الكلام إخباراً كان النّظر إلى أوّل الكلام في الأظهر. وأمّا إن كان الكلام شرطاً أو استثناءً فإنّ المعتبر هو آخر الكلام لا أوّله.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا سمع المتيّمّم إنساناً يقول: عندي ماء، أودعنيه فلان. بطل تيمّم المتيمّم. لكن لو سمع القائل يقول: أودعني فإن ماءً. لا يبطل تيمّمه. فالنّظر هنا لأوّل الكلام.
ومنها: إذا قال: له عليَّ ألف من ثمن خمر. لزمه الألف في الأظهر، أمّا لو قدَّم الخمر فقال: من ثمن خمر له عليَّ ألف، لم يلزمه شيء قطعاً؛ لأن الخمر لا ثمن لها، وهي غير متقوّمة عند المسلم؛ لأنّها ليست مالاً. فهذا كلّه إخبار.
стр. 4910
ومنها: إذا قال لزوجته: أنت طالق إذا خرجت من الدّار. لا تطلق إلا إذا خرجت نظراً لآخر الكلام.
ومنها: إذا قال لزوجته: أنت طالق الطّلقة الرّابعة. ففي وقوع الطّلاق وجهان. وسبب الخلاف: هو أنّ الطّلقة الرّابعة غير معتبرة شرعاً.
ومنها: إذا قال: كلّ امرأة لي طالق إلا زينب - ولا امرأة له غيرها - طلقت؛ لأنّ الاستثناء هنا مستغرق. والاستثناء المستغرق باطل لا يعتدّ به.
ومنها: إذا قال: له عليَّ ألف إلا مئة: لم يلزمه الألف، وإنّما يلزمه التسعمئة نظراً إلى آخر الكلام.
стр. 4911
القاعدة الأربعون [حال التّعلّق - وجود الصّفة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
هل النّظر إلى حال التّعلّق أو حال وجود الصّفة (١)؟
وفي لفظ آت: هل يرفع العقد من أصله أو من حينه (٢)؟ وينظر من قواعد حرف الهمزة القاعدة ٩٤.
وفي لفظ سبق: الفسخ رفع للعقد من حينه لا من أصله. وينظر من قواعد حرف الفاء القاعدة ١٥.
وفي لفظ سبق قريباً: هل ردّ البيع الفاسد يعتبر نقضه من حين ردّه أو من حين أصله؟ القاعدة رقم ٢٥.
ثانياً معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق بيان معنى هذه القاعدة مع مثيلاتها ضمن قواعد حرف الهمزة رقم ٩٤، وقواعد حرف الرّاء رقم ٥، وقواعد حرف الفاء رقم ١٥.
والمراد بالنّظر هنا: هو الاعتبار والاعتداد وبناء الحكم بالفسخ
стр. 4912
ورفع العقد وبيان الثّمرة، هل هو عند عقد العقد وإنشائه، أو عند موجب الفسخ؟ خلاف. يترتّب عليه أحكام.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا تلف المبيع عند البائع قبل قبضه من قِبل المشتري، فالأصحّ الانفساخ من حين التّلف، فتكون زوائد المبيع من حق المشتري.
стр. 4913
القاعدة الحادية والأربعون [الموجود والمقصود]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
هل النّظر إلى الموجود أو المقصود (١)؟
ثانياً معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق مثال لهذه القاعدة قريباً بلفظ: (هل المعتبر ما قصده الشّخص أو ما في نفس الأمر) والمراد بالقصد: النّيَّة والإرادة. والموجود: هو الواقع فعلاً وفي نفس الأمر. فإذا اختلف الواقع مع القصد والإرادة فَبِمَ يعتدّ ويعتبر؟ هل بالقصد والإرادة أو بالواقع، خلاف. وهي قريبة المعنى من قاعدة (خطأ الظّنّ).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا رعف في صلاته فانصرف وغسل دم الرّعاف وتوضّأ، وظنّ أنّ الإمام لم يفرغ من الصّلاة - ومع ذلك صلّى مكانه ولم يلتحق بالإمام - ثم تبيّن أنّ الإِمام كان قد فرغ من صلاته. فما حكم صلاة هذا الرّاعف؟
ومنها: إذا أرسل المحرم كلبه المعلَّم على أسد - والأسد ليس صيداً يوجب الجزاء - فقتل الكلب صيداً. فهل على المحرم جزاء. إن نظرنا إلى القصد فليس عليه جزاء، وإن نظرنا إلى الواقع والموجود
стр. 4914
عليه الجزاء.
ومنها: إذا تزوّج امرأة وهو يظنّها ما زالت في العدّة من زوج سابق - وهذا عقد باطل - ثم تبيّن أنّها قد انتهت عدّتها؟ فهل العقد باطل نظراً للمقصود؟ أوْ لا نظراً للموجود.
ومنها: أفطر يوم الثّلاثين من رمضان متعمّداً، ثم تبيّن أنّ اليوم عيد. فهل عليه كفارة نظراً إلى قصده، أو لا كفّارة عليه باعتبار الواقع وما في نفس الأمر؟
стр. 4915
القاعدة الثّانية والأربعون [الاجتهاد والإصابة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
هل الواجب على الإنسان الاجتهاد أو الإصابة لما في نفس الأمر (١)؟
أم استفراغ الوسع المستلزم لهما غالباً (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة بمعنى القاعدة القائلة: الحكم بما ظاهره الصّواب والحقّ وباطنه خطأ وباطل. يجتهد المجتهد لإظهار حكم مسألة بعينها، فما الواجب عليه: هل هو مجرّد الاجتهاد الصّحيح سواء أصاب الحقّ أو لم يصبه؟ أو أنّ الواجب عليه هو الاجتهاد مع إصابة الحقّ في نفس الأمر والواقع؟ خلاف.
لكن أقول بناء على ظاهر الحديث: "إذا اجتهد المجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد".
فإنّ المطلوب والواجب على المجتهد هو الاجتهاد بقدر الوسع لمحاولة إصابة الحقّ والوصول إليه. والدّليل على ذلك أنّه إذا اجتهد اجتهاداً صحيحاً بقدر وسعه وطاقته ثم تبيّن خطؤه أنّه: أولاً: غير آثم. وثانياً: أنّه ليس عليه إعادة ولا قضاء - عند تبيّن الخطأ. إلا إذا كان
стр. 4916
الخطأ فاحشاً لا يجوز الوقوع في مثله، أو كان لأمر ليس في الوسع تحاشيه، على أنّ المطلوب استفراغ الوسع في الاجتهاد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا صلّى باجتهاد لجهة معتقداً أنّها القبلة - ثم تبيّن خطؤه - فالأصحّ عدم الإعادة، ولكن إن كان الوقت ما زال. فإنّ المستحبّ له الإعادة.
ومنها: إذا أعطى زكاته من ظنّه مسكيناً - باجتهاد - ثمّ تبيّن خلاف ذلك، فالأصحّ أنّه لا يخرج زكاته مرّة ثانية.
ومنها: إذا أوصى بوصايا، فنفذت بعد موته، ثم تبيّن أنّه مملوك. وحُكِم برِقَّه وعبوديّته، فهل تُردُّ وصاياه. أو لا ترد؟ قالوا: الصّحيح لا ترد بناء على الظّاهر.
ومنها: إذا حكم حاكم بموت مفقود بعد تقسيم تركته وتزويج امرأته ثم ظهر وجاء حيّاً (١).
رابعاً: ممّا استثني فحكم بالباطن ووجبت الإعادة أو القضاء:
إذا أعطى زكاته من ظنّه مسلماً باجتهاده، ثم تبيّن أنّه كافر. فإنّه لا يجزئه.
ومنها: إذا قسم التّركة باجتهاد، ثم تبيّن فيها خطأ فاحش، فإنّها تبطل.
стр. 4917
القاعدة الثّالثة والأربعون [الجزء الشّائع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
هل يتعيّن الجزء الشّائع (١)؟
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الشّيوع: معناه الانتشار وعدم التّعيُّن.
والمراد بتعيين الجزء الشّائع: أي تميّزه في الحكم.
فإذا قصد الجزء الشّائع بحكم فهل يتميّز ويتعيّن ويصحّ فيه الحكم أوْ لا؟ خلاف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حلف بعتق جزء له في عبد إن فعل كذا. ثم باع ذلك الجزء من غير شريكه، ثم اشترى جزء شريكه، ثم حنث، هل يعتق عليه ذلك العبد أو لا يعتق باعتبار أنّ الذي حلف عليه قد باعه قبل الحنث، وهذا ملك جديد لم يكن موجوداً حين الحلف.
ومنها: إذا اغتصب جزءاً مشاعاً، هل يتعيّن ذلك الجزء بالغصب، أو أنّ الغصب يسري في الجميع.
ومنها: إذا أصدق زوجته نصف أملاكه مشاعاً، ثم باع جزءاً منها. فهل يعتبر البيع شائعاً في الجميع، وعليه أن يعطي زوجته نصف
стр. 4918
المبيع مطلقاً؟ قيل: إن كان الذي باع على ملكه النّصف فأقل فلا كلام لها، وإن كان أكثر من النّصف، فلها الرّجوع في الزّائد على النّصف.
ومنها: من ارتهن جزءاً مشاعاً، أو وُهب له - على القول بصحّة الهبة في المشاع - أو تصدّق به عليه، ولم يرفع الواهب أو الرّاهن أو المتصدّق يده، هل يصحّ حوزه أو لا؟ خلاف.
стр. 4919
القاعدة الرّابعة والأربعون [ما في الذّمّة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
هل يتعيّن الذي في الذّمّة (١)؟ وينظر من قواعد حرف الميم القاعدة ٩٥.
ثانياً معنى هذه القاعدة ومدلولها:
عند المقري (٢) - كما سبق بيانه - (ما تقرّر في الذّمّة لا يكون معيّناً) فقد قطع المقرى ﵀ بعدم تعيّن ما في الذّمة، ولكن صاحب المنهج المنتخب (٣) وصاحب إيضاح المسالك (٤) نقلا عنه تساؤلاً عن تعيّن ما فيه وعدم تعيّنه، فهو عندهما في تعيّنه خلاف.
والمراد بما في الذّمّة: الدّيون وأمثالها:
стр. 4920
فإذا كان في ذمّة شخص ديون لآخر بأسباب مختلفة، أو كفّارات بأسباب مختلفة فهل يجوز أداء بعضها بدلاً من بعض آخر وفاء وأداءً أو لا يجوز - خلاف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كان في ذمّة رجل لرجل آخر ديناران: دينار ثمن ثوب ودينار ثمن طعام، فهل يصحّ أخذ دينار الطّعام عن دينار ثمن الثّوب، ويكون متميّزاً بشخصه كما تميّز بنوعه أم لا؟ أفتى ابن عرفة (١) بالجواز.
ومنها: إذا كان لشريكين دين في ذمّة رجل - وهو مقسوم عليهما - فقضى المدين جزء الدّين لأحدهما - فليس للآخر أن يقاسمه ما اقتضى. هذا إذا أخَّره أحدهما بحصّته من الدّين (٢).
ومنها: مدين عليه في ذمّته دين لرجل، فأخذ منه الدّين غصباً، فهل تبرأ ذمّته أو لا تبرأ، إذا قلنا: بعدم التّعيين تبرأ، وإذا قلنا بالتّعيين لا تبرأ، والرّاجح أنّها تبرأ.
стр. 4921
القاعدتان الخامسة والأربعون والسّادسة والأربعون [الفرع والأصل، المسبّب والسّبب]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
هل يثبت الفرع والأصل باطل، وهل يحصل المسبّب والسّبب غير حاصل (١)؟ وينظر قواعد حرف (لا) القاعدة ٩٤.
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
سبقت هاتان القاعدتان ضمن قواعد حرف (لا) بالصّيغة الخبرية التي تدلّ على عدم الخلاف في مضمون القاعدة، ولكن صاحب المنهج وشارحه أتيا بها بالصّيغة الإنشائية للدّلالة على وجود الخلاف. وهذه القاعدة تندرج تحت قاعدة (التّابع تابع).
الفرع والأصل متقابلان، والمسبّب والسّبب كذلك. فالمسبّب يقابل الفرع، والسّبب يقابل الأصل.
والأصل أنّ الفرع لا يثبت إلا إذا ثبت الأصل، ويسقط بسقوط الأصل - كما سيأتي ضمن قواعد حرف الياء - وكذلك لا يحصل مسبّب بدون سبب.
ولكن قد يحدث أن يثبت فرع مع سقوط أصله، ويظهر مسبّب مع
стр. 4922
نفي سببه وذلك استثناءً ونظراً إلى أسباب أخرى توجب اعتبار الفرع دون أصله.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا برئ الأصيل برئ الضّامن والكفيل لأنّهما فرعه.
ولكن إذا قال رجل: لزيد على عمرو ألف وأنا ضامن به، وأنكر عمرو - وهو الأصل والسّبب - لزم المبلغ الكفيل إذا ادّعى زيد ولم يلزم الأصيل شيء، وإنّما لزم الكفيل المبلغ لأنّ الإنسان مؤاخذ بإقراره. فهنا ثبت المبلغ على الكفيل لا باعتباره فرعاً للأصيل بل لأنّه أقرّ فأخذ بإقراره على نفسه.
ومنها: إذا ادّعى الزّوج الخلع، فأنكرت المرأة. بانت المرأة - أي طلقت طلقة بائنة - ولم يثبت المال الذي هو الأصل في الخلع. وذلك لأنّ الزّوج أقرّ بالخلع وادّعاه فأخذ بإقراره، ولمّا أنكرت المرأة الخلع لم يثبت المال في ذمّتها.
стр. 4923
القاعدة السّابعة والأربعون [الفرع والأصل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
هل يسقط الفرع بسقوط الأصل (١)؟ وينظر من قواعد حرف الهمزة القواعد من ١١٥ - ١١٧.
ثانياً معنى هدة القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة لها صلة بسابقتها، وهي مندرجة تحت قاعدة (التّابع تابع).
وإذا كان الأصل أساساً لفرعه، فإنّه إذا سقط هذا الأصل فسقوط الفرع مفروغ منه، كما إذا هدم أساس البيت هدم البيت وسقط.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الشّجرة أصل لفرعها، فإذا سقطت الشّجرة سقط فرعها.
ومنها: إذا برئ المدين الأصيل برئ الضّامن والكفيل.
ومنها: من فاتتها صلوات في أيّام حيضها أو نفاسها، لا تقضي سننها الرّواتب.
ومنها: الوكيل ينعزل بموت الموكّل أو جنونه.
стр. 4924
القاعدة الثّامنة والأربعون [الكتابة والخط]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
هل يجوز الاعتماد على الكتابة والخط (١)؟. وينظر أشباه ابن نجيم ص ٢١٧، ومن قواعد حرف الكاف القاعدة ٤. ومن قواعد حرف (لا) القاعدة ١٤٠.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الكتابة والخطّ وسيلتان للتّعبير عن المراد إذا لم يمكن اللفظ والكلام، ولكن هل يجوز اعتبار الكتابة والخطّ مطلقاً، أو لا يجوز؟
أو أنّ في الأمر تفصيلاً؟ اختلف الفقهاء في ذلك، فعند الحنفيّة - كما ذكر ابن نجيم - أنّه لا يعتمد على الخطّ ولا يعمل به مطلقاً، إلا ما استثني. وعند الشّافعيّة: لا يجوز اعتماد مجرّد الكتاب من غير إشهاد، ولا استفاضة، وكلّ ذلك لإمكان التّزوير. خلافاً لمالك ﵀ الذي أجاز ذلك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
لا يعمل بمكتوب الوقف - الذي عليه خطوط - أي توقيعات - القضاة الماضين؛ لأنّ القاضي لا يقضي إلا بالحجّة، أي البيِّنة والإشهاد.
стр. 4925
ومنها: إذا رأى القاضي ورقة فيها حكمه لرجل، وطالبه بإمضائه والعمل به ولم يتذكّره لم يعتمده قطعاً؛ لإمكان التّزوير. لكن لو تذكّره فعليه اعتماده.
ومنها: الشّاهد لا يشهد بمضمون خطّه إذا لم يتذكّر. لكن إذا تذكّر أنّ هذا خطّه فله أن يشهد.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
الرّواية: فإذا كتب الشّيخ بالحديث إلى حاضر أو غائب، أو أمر مَن كتب فإنّ قَرَن بذلك إجازة، جاز الاعتماد عليه والرّواية قطعاً.
ومنها: كتاب أهل الحرب بطلب الأمان إلى الإمام فإنّه يعمل به، ويثبت الأمان لحامله.
ومنها: العمل بدفتر السمسار والصّرّاف والبيّاع؛ لأنّه لا يكتب في دفتره إلا ما له وعليه.
стр. 4926
القاعدة التّاسعة والأربعون [اللفظ العام - السّبب الخاصّ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
هل يخصّ اللفظ العام بسببه الخاصّ إذا كان السّبب هو المقتضي له (١)؟ أصوليّة فقهيّة
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه قاعدة أصوليّة فقهيّة بمعنى القاعدة الأصوليّة (هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السّبب). ومعنى ذلك أنّه إذا سئل رسول الله ﷺ عن حكم حادثة خاصّة، فأجاب ﵊ بلفظ عام يشمل هذه الحادثة وغيرها، أو حلف شخص على أمر ما أن يفعله أو لا يفعله، ثم تغيّر الحال المحلوف عليها. فهل يعتبر ذلك السّبب الخاصّ تخصيصاً لذلك اللفظ العام، فلا يعمل به خارج ذلك السّبب الخاصّ؟ أو أنّ السّبب الخاص لا يخصّص ذلك اللفظ العام فيعمل باللفظ على عمومه في كلّ حادثة مشابهة؟
المشهور والرّاجح عند الأصوليّين والفقهاء إنّ (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السّبب)، فيعمل باللفظ العام على عمومه، ولا يخصصه السّبب الخاصّ، إلا إذا قام دليل على التّخصيص وإرادته دون
стр. 4927
العموم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
لو دعي إلى غداء فحلف لا يتغدّى. فهل يحنث بغداء غير ذلك المحلوف بسببه؟ على وجهين عند الحنابلة والمشهور عدم الحنث؛ لأنّه حلف على غداء مخصوص بنيّته.
ومنها: لو حلف: لا رأيت منكراً إلا رفعته إلى القاضي فلان. فعزل القاضي، فهل تنحلّ يمينه. على وجهين أيضاً.
ومنها: لو حلف على زوجته أن لا تخرج إلا بإذنه. ثم طلّقها، فهل تنحل يمينه.
стр. 4928
القاعدة الخمسون [المخاطب والخطاب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
هل يدخل المخاطِب في عموم متعلّق خطابه (١)؟ أو المتكلّم (٢). أصوليّة فقهيّة
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المخاطب هنا: اسم فاعل من خاطب يخاطب مخاطبة، وهو فاعل الخطاب.
فإذا تكلّم متكلّم بكلام وجّهه إلى غيره آمراً أو ناهياً، فهل يدخل هذا المتكلّم المخاطِب في مضمون ومتعلّق خطابه، فيجب عليه ما يجب على الآخرين المخاطَبين بالخطاب؟ خلاف، في مسائل، والرّاجح دخوله، وهو اختيار أكثر الأصوليّين.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ (٣). فإنّه يشمل العلم بذاته المقدّسة وصفاته العليّة.
стр. 4929
ومنها: قوله ﵊: "العينان وكاء السّه" (١). وقوله ﵊: "من مسّ فرجه فليتوضّأ" (٢) فالصّحيح أنّه ﵊ داخل في عموم خطابه.
ومنها: إذا قال: نساء العالمين طوالق. فهل تطلق زوجته؟ وجهان.
ومنها: إذا وقف على الفقراء وقفاً، ثم صار فقيراً. فيه وجهان والصّحيح أنّه يدخل في لفظه.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٣) عام في غير الله .
стр. 4930
القاعدة الحادية والخمسون [مراعاة الخلاف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
هل يراعى الخلاف أو لا (١)؟ وينظر من قواعد حرف الميم القاعدة ٣٤٣. ومن قواعد حرف الخاء رقم ١٥.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
مراعاة الخلاف من أصول المالكيّة، وقد اختلفوا فيه.
وممّا اختلف فيه: هل المراعى الخلاف المشهور أو القوي وحده أو كلّ خلاف، وهل يراعى الخلاف مطلقاً داخل المذهب وخارجه أو ما كان خلافاً في المذهب فقط.
والخلاف المشهور: هو ما كثر قائله، أو ما قوي دليله.
وعرَّف ابن عرفة ﵀ مراعاة الخلاف بأنّه (عبارة عن إعمال دليل في لازم مدلوله الذي أعمل في نقيضه دليل آخر) (٢).
ولمراعاة الخلاف عند الشّافعيّة شروط:
١ - أن لا توقع مراعاته في خلاف آخر.
стр. 4931
٢ - أن لا يخالف سنّة ثابتة.
٣ - أن يقوى مدركه بحيث لا يعدّ هفوة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
نكاح الشّغار اختلف فيه: هل يوجب التّوارث بين الزّوجين أو لا؟ فبناء على أنّه باطل لا يترتّب عليه حكم - وهذا مذهب مالك ﵀، وقال: إنّه نكاح يجب فسخه بطلاق أو بغير طلاق ومن خالف مالكاً يقول إنّه لا يجب فسخه.
وبناء على القول بفسخه بغير طلاق أنّه لا يلزم فيه طلاق إذا وقع ولا ميراث.
وقد ورد عن مالك ﵀ القول بأنّه يقع الفسخ بطلاق، ويلزم فيه الطّلاق ويقع الميراث بين الزّوجين إذا مات أحدهما. وهذا من مراعاة الخلاف؛ لأنّ الجاري على أصل دليل مالك ﵀ ولازم قوله: أنّه لا ميراث في ذلك، لكن لمّا قال بثبوت الميراث فقد أعمل دليل خصمه القائل بعدم فسخ نكاح الشّغار إذا وقع لدليل دلّ على ذلك - وهو عدم الفسخ - وعدم فسخ النّكاح لازمه ثبوت الميراث بين الزّوجين، فالنّكاح المختلف فيه قد يراعى فيه الخلاف (١).
ومنها: استيعاب الرّأس بالمسح عند الشّافعيّة مستحبّ خروجاً من خلاف من أوجبه.
стр. 4932
ومنها: غسل المني بالماء، وترك صلاة الأداء خلف القضاء وعكسه.
ومنها: ترك الجمع في السّفر.
ومنها: كراهة الحِيَل في باب الرّبا.
ومنها: نكاح المحلّل خروجاً من خلاف مَن حرَّمه.
ومنها: كراهة صلاة المنفرد خلف الصّف خروجاً من خلاف من أبطلها.
стр. 4933
القاعدة الثّانية والخمسون [المراعى الحكم أو الذّمّة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
هل يراعى ما يوجبه الحكم، أو المراعى ما يترتّب في الذّمّة (١)؟
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
ما يوجبه الحكم: المراد به ما يقضى به بحسب الظّاهر.
ما يترتّب في الذّمّة: المراد به ما هو في الباطن ونفس الأمر.
اختلفوا فيما يعتدّ به ويعتبر هل هو ما يترتّب في الذّمّة ويكون هو الواقع وفي نفس الأمر فيبنى عليه الحكم، أو أنّ المعتبر والمراعى هو ما يوجبه الظّاهر، والحكم بناء عليه؟ خلاف عند المالكيّة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا استسلف شخص من آخر نصف دينار ذهباً، فدفع إليه ديناراً على أن يردّ نصفه، - ولم يأمره بصرفه دراهم - فإن قلنا: إنّ المراعى ما ترتّب في الذّمّة فيكون ثمن الصّرف يوم السّلف، - أي قيمة الدّينار دراهم - وإن قلنا: يراعى ما يوجبه القضاء أو الحكم، فالمعتبر صرف يوم القضاء.
стр. 4934
ومنها: إذا ثبت في ذمّة أحد دينار ذهبي لآخر، فهل له أن يأخذ بعضه أي بجزء منه وَرِقاً - أي دراهم فضّة - أو ليس له ذلك؟ إن قيل: إنّ الباقي يكون ذهباً جاز وهو المشهور - وهذا على القول إنّ المراعى ما في الذّمّة. وإن قيل: إنّ الباقي يكون فضّة امتنع، وصار كأنّه صرف الجميع وانتقد البعض. ووجه الامتناع أنّ الصّرف يجب تسليم كلّ المبلغ يداً بيد.
стр. 4935
القاعدة الثّالثة والخمسون [المنهي عنه]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
هل يصير المنهي عنه باطلاً (١)؟ وينظر من قواعد حرف النّون القاعدة السّادسة والسّبعون. فقهيّة أصوليّة
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة لها صلة وثيقة بالقاعدة السّابقة القائلة: (النّهي يقتضي الفساد) فمدار هذه القاعدة على موجَب النّهي عن الأفعال. هل هو مبطل لها ومفسد أو لا؟ فعند الجميع أنّ النّهي إذا كان عن ذات المنهي عنه فهو مبطل ومفسد. ولكن إذا كان النّهي لوصف لازم للمنهي عنه، أو أمر خارج ففيه الخلاف. وإذا قلنا: إنّ النّهي مفسد ومبطل فمعنى ذلك أنّ المنهي عنه يكون معدوماً شرعاً ولا يترتّب عليه حكم. وفي كثير من المسائل خلاف بناء على هذه القاعدة وما شابهها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حلف ليتزوّجنّ. فنكح نكاحاً فاسداً، فهل يبرّ به أوْ لا؟ لأنّ النّكاح الفاسد - أي الباطل - منهي عنه.
ومنها: إذا قتل محرم صيد الحرم فهل يعتبر هذا الصّيد ميتة أو لا؟ والصّحيح أنّه ميتة.
стр. 4936
ومنها: إذا حلف ليطأنّ زوجته الليلة فوطئها وهي حائض، ففي بِرَّه خلاف.
ومنها: نكاح الشّغار، إذا وقع هل يفسخ؛ لأنّه منهي عنه، فوقع باطلاً، أو لا يفسخ؟ قال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة بوجوب فسخه؛ لوقوعه باطلاً.
وقال أبو حنيفة ﵀ لا يفسخ. وعند أحمد ﵀ رواية أنّه يصحّ العقد ويفسد الشّرط ولها مهر مثلها (١).
стр. 4937
القاعدة الرّابعة والخمسون [الظّاهر والباطن، الحقّ والصّواب والخطأ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
هل يعتبر الظّاهر أو الباطن، فيما ظاهره حقّ وصواب وتبيّن خطأ باطنه (١)؟
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة لها صلة بقاعدة: (لا عبرة بالظّنّ البيِّن خطؤه).
إذا كان ظاهر شيء حقّاً وصواباً وباطنه خطأ وباطلاً، فهل الاعتبار والاعتداد بالظّاهر أو بالباطن؟ خلاف في مسائل:
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أخرج زكاة ماله ودفعها إلى مَن ظنّه مصرفاً، فبان أنّه غني أو كافر أو عبد فهل تجزئ أو لا؟. بالنّسبة للغني هي مجزئة في الأصحّ.
وبالنّسبة للكافر والعبد لا تجزئ؛ لأنّ الكافر ليس مصرفاً قطعاً، وأمّا العبد فإنّ ما في يده لسيّده. والسّيّد ليس مصرفاً للزّكاة.
ومنها: إذا شَهِد عند القاضي بشيء فأمضاه لاعتقاده عدالة الشّاهد. ثم ظهر بعد الحكم أنّ الشّاهد مجروح، أي غير عدل. هل يمضي الحكم بناء على الظّاهر أو ينقض بناء على الباطن الذي ظهر خطؤه؟ خلاف.
стр. 4938
القاعدة الخامسة والخمسون [التّابع والمتبوع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
هل يعطى التّابع حكم متبوعه أو حكم نفسه (١)؟
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة بمعنى قاعدة (التّابع تابع) وإن جيء بها بلفظ الإنشاء.
فالتّابع والأتباع: هي ما ليست أصولاً قائمة بذاتها، بل هي تبع لغيرها في الوجود. فهذه الأتباع هل تتبع في الأحكام أصولها، أو تأخذ حكم نفسها ولو كان الحكم مغايراً لحكم متبوعاتها؟
وهذه القاعدة تخالف في الظّاهر القاعدة القائلة: (التّابع لا يفرد بالحكم).
وينظر من قواعد حرف التّاء القواعد ذوات الأرقام ١١، ١٢، ١٣, ١٥.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كان لشخص مالان: أحدهما للتّجارة، والآخر للقنية - وهما غير متساويين في المقدار - فهل يزكي الجميع أو لا؟ خلاف عند
стр. 4939
المالكيّة فيه ثلاثة أقوال.
ومنها: إذا كان عند شخص سيف محلَّى بذهب أو فضّة، وأراد بيعه نسيئة، فالمشهور عند المالكيّة منعه. واشتُرِط بيعه نقداً.
ومنها: الأجرة على الإمامة تُمنَع مفردة، وتجوز مع الأذان في مشهور مذهب مالك.
стр. 4940
القاعدة السّادسة والخمسون [القصد العرفي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
هل يقدم القصد العرفي على مقتضى اللفظ لغة (١)؟
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة بمعنى قواعد سابقة تتعلّق بالتّعارض بين القصد واللفظ، أو القصد والواقع.
القصد: المراد به النّيَّة.
فإذا تعارض مقصود المتكلّم مع معنى اللفظ اللغوي فأيّهما يقدّم ويعمل بموجبه؟ خلاف عند المالكيّة.
وقد سبق أنّ الأيمان مبناها على العرف لا على المعاني اللغوية، ما لم يكن للحالف نيّة اعتبار المعنى اللغوي.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حلف ليصومَنَّ يوم قدوم زيد. فقدم زيد نهاراً. هل عليه صوم يوم نظراً لقصد القُربة. أو لا شيء عليه لقصد اللفظ؛ لأنّ القدوم خلال النّهار حيث لا يمكنه صوم ذلك اليوم لعدم إمكان تبييت النّيَّة من الليل.
ومنها: إذا حلف لا يأكل لحماً ولا بيضاً. ففي حنثه بأكل لحم الحوت أو بيضه. قولان. والأرجح عدم الحنث.