القاعدة: الخامسة والأربعون بعد الثلاثمئة [عارض العقد الموقوف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند أبي حنيفة ومحمد أن العارض في العقد الموقوف قبل تمامه كالموجود لدى العقد" خلافاً لأبي يوسف (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
العقد الموقوف: هو العقد الذي تولاه غير صاحب العلاقة فيتوقف نفوذه ولزومه على موافقة ورضا صاحب العلاقة، فإذا وجد عقد موقوف ثم اعترض عارض قبل نفاذه ولزومه فيعتبر هذا العارض أو الطاريء كالموجود حين انعقاد العقد فيبطله. ويمنع نفاذه ولزومه. وعند أبي يوسف لا يمنع.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من تزوج امرأة بغير إذنها فاعترضها عدة (٢) قبل أن تجيز العقد بطل العقد فلا تعمل إجازتها بعد ذلك في تصحيحه. ومنها: إذا باع مال ولده الصغير على أنه بالخيار ثلاثة أيام فأدرك الابن - أي بلغ - قبل الثلاثة الأيام فالإجازة للابن الذي بلغ - عند محمَّد - ويجعل العارض كالموجود لدى العقد فصار كأنه باع ملك ولد بالغ فيتوقف على إجازته وكذلك هذه. وعند أبي يوسف يسقط خيار الأب ويتم البيع لأنه سقطت ولايته فأشبه موت الأب. والعقد الموقوف عند الشافعي ﵀ في الجديد أنه عقد باطل. وفي القديم ينعقد موقوفاً على إجازة المالك فإن أجاز نفذ وإلا لغا (٣).
стр. 527
القاعدة: السادسة والأربعون بعد الثلاثمئة [تعلق الحكم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ﵏ أن العبرة بما يتعلق به الحكم لا بما يظهر به الحكم. وعند زُفر: الذي يتعلق به الحكم كالذي يظهر به الحكم (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
في نسبة هذه القاعدة ارتباك حيث إن الموجود في الطبعتين: محمَّد بن الحسن والحسن بن زياد وزُفر.
والمخالف زُفر. فكيف يكون الموافق زُفر والمخالف زُفر؟ وفي كلا الطبعتين لم يلاحظ المحقق ولا الناشر هذا الخلط. ولكن لعل الصواب أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وأبو يوسف. لأن قولهم هو المعمول به في هذه المسائل (٢).
وتفيد هذه القاعدة أن المعتد به في الأحكام هو الشرط الذي يتعلق به الحكم ويبنى عليه ولا اعتداد بما يظهر به الحكم. وأما عند زُفر فهما سواء.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا شهد شاهدان أنه قال لعبده: إن دخلت هذه الدار فأنت حر. فهذان شاهدا يمين، وقد شهدا بما يتعلق به الحكم وهو الشرط. وشهد آخران أنه قد دخل الدار - وهذان شاهدان بما يظهر الحكم - فحكم
стр. 528
الحاكم بعتق العبد. ثم رجع الشهود جميعاً عن شهادتهم، فضمان قيمة العبد على شهود اليمين أو الشرط؛ لأنهم أثبتوا العلة - وهو قوله: أنت حر. ولا يضمن شهود تحقق الشرط لأن الشرط كان مانعاً، وهم أثبتوا زوال المانع (١).
وعند زُفر يضمن الفريقان لأن وجوب العتق ظهر بشهادتهم.
ومنها: إذا رجع شهود شهدوا بإحصان زان فرجم. لا يضمنون عند الأئمة الثلاثة قالوا: لأن الإحصان شرط محض والشهود شهود الشرط والشرط لا يضاف إليه الحكم.
وعند زُفر يضمنون, لأن وجوب الرجم ظهر بشهادتهم.
стр. 529
القاعدة: السابعة والأربعون بعدالثلاثمئة [ثبوت النسب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند الحنفية أن العبرة في ثبوت النسب بصحة الفراش وكون الزوج من أهله لا بالتمكن من الوطء.
وعند أبي عبد الله الشافعي ﵁: العبرة في النسب للتمكن من الوطء حقيقة (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تعبر عن مسألة من مسائل الخلاف بين الحنفية وغيرهم الشافعي وغيره. فعند الحنفية: أن الاعتداد بثبوت النسب بشرطين:
الأول: صحة الفراش بنكاح صحيح أو ملك يمين.
والثاني: أن يكون الزوج من أهل النكاح، سواء تمكن الزوج من الوطء أم لم يتمكن, لأن التمكن من الوطء لا يعتد به في ثبوت النسب عندهم. وأما عند الإمام الشافعي ﵁، وعند غيره من الأئمة (٢) فالعبرة والاعتداد في ثبوت النسب بالتمكن من الوطء حقيقة لا بمجرد صحة الفراش، وهو المعقول.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من تزوج امرأة زواجاً صحيحاً وغاب سنين ثم جاءت بولد ثبت النسب منه - إلا أن ينفيه - لأن الفراش له وهو من أهل ثبوت النسب. وأما غير الحنفية فلا يثبت النسب منه، إذ لا يتمكن من حقيقة الوطء.
стр. 530
القاعدة: الثامنة والأربعون بعد الثلاثمائة [الجزاء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند الشافعي أن العبرة في وجوب الجزاء للمحل دون الفعل (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
يشير هذا الأصل عند الشافعي رحمه الله تعالى أن المعتد به في وجوب جزاء الصيد من الحرم أو حالة الإحرام هو محل الجزاء لا الفعل الموجب للجزاء وهو قتل الصيد في الحرم أو حالة الإحرام، والمراد بمحل الجزاء هو الصيد المقتول.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
محرم أراد رفض إحرامه - وظن أن فعل المحظور يبطل إحرامه - فقتل صيداً كثيراً فعند الشافعي رحمه الله تعالى عليه جزاءٌ لكل صيد صاده، ولا عبرة بنيته, لأنه - أي الجزاء - بدل متلفٍ فتكرر بتكرر الإتلاف.
وعند الحنفية عليه جزاء واحد فقط اعتداداً بنيته، وإن كان لا يبطل إحرامه عند الجميع لأن الإحرام لازم لا يخرج منه إلا بأداء الأعمال. وعند أحمد ﵀ يتعدد الجزاء في الراجح (٢).
стр. 531
القاعدتان: التاسعة والأربعون بعد الثلاثمئة والخمسون بعد الثلاثمئة [الأعمال - الإلغاء]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
" الأصل - عند الشافعي ﵀ عَدْمُ العمل إلا ما قام الدليل على إعماله. وأصلها قوله ﵀: الظن ملغى إلا ما قام الدليل على إعماله (١) ".
وأما عند مالك ﵀: الأصل العمل إلا ما قام الدليل على إلغائه.
وأصلها قوله ﵀: الظن معمول به إلا ما قام الدليل على إلغائه (٢) ".
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هذان الأصلان أو القاعدتان متقابلتان تفيد إحداهما خلاف ما تفيده الأخرى والحكم المترتب على إحداهما ضد الحكم المترتب على الأخرى.
فقد اختلف هذان الإمامان الجليلان والحبران العظيمان رحمهما الله تعالى ورضي عنهما في موجب العمل، فعند مالك الأصل والقاعدة المستمرة وجوب العمل بما يغلب على ظن المكلف ولا يترك العمل إلا إذا قام ووجد دليل على عدم جواز العمل.
وأما عند الشافعي فالأصل والقاعدة المستمرة والراجح عدم جواز العمل بالظن ما لم يقم الدليل على ذلك.
стр. 532
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلها:
إذا اشتبهت على مريد الطهارة أوانٍ طاهرة بنجسة فإذا ظن طهارة إناء منها فهل يكفي ذلك في جواز التطهر بهذا الماء أو لا بد من التيقن من الطهارة؟.
عند الشافعي ﵁ لا يجوز إذ لا يكفي الظن بل لا بد من اجتهاد وظهور علامة، إذ مجرد الظن إن لم يعضد بشاهد شرعي لا يعتبر.
وأما عند مالك ﵁ فإذا كان مع مريد الطهارة إناءان أحدهما نجس ولا يعرفه بعينه فإن توضأ بالواحد وصلى ثم غسل أعضاءه من الثاني وتوضأ به وصلى فقد قبل ذلك. وقيل إنه يهرق الإناء الواحد ثم يحصل الثاني ماءً مشكوكاً فيه فلا يؤثر فيه الشك لأنه على طهارته فيتوضأ به ولا شيء عليه، إذا كان الماء لا أثر فيه للنجاسة (١).
بهذا تم المجلد الأول: ويليه المجلد الثاني وأوله: القاعدة الحادية والخمسون بعد الثلاثمئة والحمد لله
стр. 533
اعتذار واستدراك
قلت في المقدمة إن العمل الموسوعي يحتاج إلى تضافر جهود وتعاون عدة أفراد، ويعسر أن يقوم به فرد واحد، ومهما يكن فكل عمل بشري يدخله النقص والتقصير مهما حاول صاحبه الوصول به إلى درجة الكمال إذ يأبى الله أن يكون الكمال إلا لكتابه - ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (١). وقديماً قال العماد الأصبهاني محمَّد بن محمَّد البيساني المتوفي سنة ٥٩٧ هـ، أو القاضي الفاضل: عبد الرحيم بن علي المتوفى سنة ٥٩٦ هـ: "إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتاباً في يومه إلا قال في غده لو غُيِّر هذا لكان أحسن، ولو زيد لكان يستحسن، ولو قدَّم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر".
وخلال مراجعاتي لتصحيح هذا القسم من الموسوعة وتبييضي له اتضح لي أن هناك أخطاء وقعت ذهولاً وسهواً في بعض المواطن خلافاً لما اشترطته على نفسي في المقدمة في أن لا أُرَقِّم إلا قاعدة مبدوءَة بالهمزة وما عدا ذلك يرقم كل في موضعه، فقد رقمت قاعدتان لم تُبدءا بالهمزة، ورقمت بضع قواعد اختلفت ألفاظها ولم يختلف مدلولها. كما لم ترقم بضع قواعد أخرى وإن اختلف مدلولها بعض اختلاف، ولما كان هذا والحمد لله قليلاً جداً لم أغيره لتعسر التغيير بعد الطبع، وأرجو أن لا يخل ذلك بالجهد المبذول في هذه الموسوعة ورحم الله امرءاً غفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه والحمد لله رب العالمين.
стр. 534
لِأوّل مرَّة في تَارِيخ الفِقهِ الإسلَامي
مُوْسُوعَة
القَواعِد الفِقْهِيَّة
جَمع وَترتيب وَبَيان
الشيخ الدكتور
محمد صدقي بن أحمَد البُورْنوُ أبو الحَارث الغزِّي عَفَا الله عَنه
الأستَاذ المشارك بجامِعَة الإمَام محَمّد بن سُعود الإسلامِيّة
القِسْمُ الأوّل
حَرْفْ الهَمْزة
المجَلّدْ الثاني
стр. 535
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 536
القاعدة الحادية والخمسون بعد الثلاثمئة [الاستصحاب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عدم المسقط والأصل بقاء ما وجب (١) ". [تحت الاستصحاب]
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تفيد هذه القاعدة أن ما وجب على إنسان فعله أن الأصل بقاؤه لأنه ثابت بيقين، وأن ما ثبت يقيناً يستصحب حكمه حتى يقوم الدليل على خلافه.
فالقاعدة المستمرة استصحاب المتيقن حتى يقوم الدليل على المزيل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اختلف الزوجان في التمكين فقالت الزوجة اسلمت نفسي إليك من وقت كذا. وأنكر الزوج، فإن قلنا: إن النفقة تجب بالتمكين فالقول قوله مع اليمين, لأن الأصل براءَة ذمته من النفقة. وعليها البيِّنة، وإن قلنا: إن النفقة تجب بالعقد فالقول قولها مع اليمين وعليه البيِّنة لأن الأصل بقاء ما وجب والأصل عدم المسقط.
стр. 537
القاعدة الثانية والخمسون بعد الثلاثمئة [العزم والنية]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الأصل عند الإمام مالك بن أنس ﵁: أن العزم على الشيء بمنزلة المباشرة لذلك الشيء. وليس العزم على الشيء بمنزلة المباشرة لذلك الشيء عند غير مالك (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
العزم هو العقد المؤكد والنيِّة الجازمة على فعل الشيء.
المباشرة: إخراج الشيء من حيز القوة إلى الفعل، وعند المعتزلة المباشرة هي الفعل الصادر بلا وسط (٢).
فتفيد هذه القاعدة أن الراجح عند مالك ﵁ أن قصد فعل الشيء قصداً مؤكداً حكمه حكم الفعل المباشر قولاً أو فعلاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إن الرجل إذا عزم أن يطلق امرأته - ولم يتلفظ بلسانه - لا يقع عليها شيء ما لم يوقع الطلاق لفظاً، وأما عند الإمام مالك ﵁ يقع الطلاق بنفس العزم. بناءً على هذه القاعدة، ولكن الرجوع إلى ما في كتب المالكية يخالف هذا نوع مخالفة. قال في أسهل المدارك نقلاً عن الباجي: لو عقد الطلاق بقلبه جازماً من غير تردد ففي وقوع الطلاق عليه بمجرد ذلك روايتان (٣).
وقال في جواهر الإكليل: من أركان الطلاق: ولفظ دال على
стр. 538
حل العصمة وضعاً أو عرفاً - إلى أن قال: ولا يقع بمجرد نية وكلام نفسي على أحد القولين (١).
ومنها: إذا حلف إنسان ليفعلن كذا في المستقبل لم يحنث ما دام يرجى منه ذلك الفعل.
وعند الإمام مالك ﵁: إذا عزم بقلبه أن لا يفعل ذلك الفعل أو على أن يفعل ذلك الفعل يحنث في يمينه (٢).
وقال سعيد بن المسيِّب: إذا مضى شهر ولم يفعل حنث في يمينه.
стр. 539
القاعدة الثالثة والخمسون بعد الثلاثمائة [الفساد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند أبي حنيفة رحمة الله تعالى: أن العقد إذا دخله فساد قوي مُجمَعٌ عليه أوجب فساده شاع في الكل (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
العقد المشتمل على أشياء إذا دخله فساد في أحد أجزائه فإنه يوجب فساد العقد كله بشرط أن يكون الفساد مجمعاً عليه، وأما إذا كان الفساد مختلفاً فيه فلا يفسد الكل إنما يفسد ما دخله الفساد فقط، وهذا عند أبي حنيفة، وأما عند صاحبيه فلا يفسد إلا الجزء الذي دخله الفساد ولا يشيع الفساد في كل العقد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا باع رجل من آخر سيارتين أو دابتين ثم ظهر أن إحدى السيارتين أو الدابتين مسروقة أو مستحقة فعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى يظهر الفساد في الكل فيبطل العقد في الجميع وعند الصاحبين يبطل العقد فيما دخله الفساد فقط فيبطل بحصته من الثمن.
ومما خرج عنها: إذا باع عبدين صفقة واحدة فإذا أحدهما مدبر أو أم ولد جاز البيع في العبد وفسد في المدبر أو أم الولد خاصة - إذا سمّي لكل واحد منهما ثمناً أو لم يسم, لأن بيع المدبر وأم الولد ليس مجمعاً على منعه، فلم يقارن العقد فساد قوي مجمع عليه لأنه مختلف فيه.
стр. 540
القاعدة الرابعة والخمسون بعد الثلاثمئة [الفسخ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند ابن أبي ليلى في باب المعاملات: أن العقد إذا ورد الفسخ على بعضه انفسخ كله (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تفيد هذه القاعدة أن عند ابن أبي ليلى لا يجوز تفريق الصفقة فمن اشترى شيئاً ثم استحق الفسخ بعض المبيع لظهور استحقاقه أو وجود عيب فيه فإن العقد ينفسخ كله ولا يصح في الباقي. وعند الآخرين في المسألة خلاف وقد سبق بعضه في القاعدة السابقة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
عند ابن أبي ليلى قال: إن المُسْلِم إذا ترك بعض رأس المال وأخذ بعض السلم لم يجز، ويفسخ ذلك السلم, لأنه انفسخ فيما أخذه فينفسخ فيما بقي، وعند الحنفية لا ينفسخ فيما بقي.
ومنها: إذا اشترى بقرتين صفقة واحدة ثم ظهر في إحداهما عيبٌ يوجب الفسخ فيها فهل ينفسخ العقد في الثانية أيضاً؟ عند ابن أبي ليلى نعم، وعند الحنفية غير أبي حنيفة لا، وعند الشافعية قولان (٢).
стр. 541
القاعدة: الخامسة والخمسون بعد الثلاثمئة [اجتماع الحقوق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أنه عند اجتماع الحقوق يبدأ بالأهم (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تفيد هذه القاعدة أنه عندما تجتمع حقوق متعددة في مال واحد أو على شخص واحد فيبدأ بأداء الأهم منها ثم الأقل أهمية وهكذا، وهذه القاعدة متفق على مضمونها ولكن قد يقع الخلاف فيما هو الأهم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا استدان إنسان مالاً وأراد أن يخرج لسفر التجارة والحج أو أراد أن يغزو مع بقاء الدين عليه، فإن لم يكن عنده وفاء بالدين فالأولى له أن يقيم ويسعى لقضاء دينه, لأن قضاء الدين مستحق عليه بعينه، والغزو - إن لم يكن النفير عاماً - غير مستحق عليه بعينه, لأن عند اجتماع الحقوق يبدأ بالأهم، وقضاء الدين أهم من الغزو, لأن حقوق العباد مقدمة، وكذلك من خرج للحج وترك عياله ليس لديهم ما يكفيهم فإن ذلك مكروه له، وقد يكون حراماً لأن في تركهم وليس لديهم ما يكفيهم ضياعهم.
стр. 542
القاعدة: السادسة والخمسون بعد الثلاثمئة [تعليل الأحكام]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل في الأحكام المعقولية لا التعبد, لأنه أقرب إلى القبول وأبعد عن الحرج (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأحكام الشرعية هل مبناها على التعبد أي أن المراد بها إظهار الخضوع والطاعة لله بفعل ما أمرنا بفعله دون نظر إلى علة أو سبب أو حكمة لذلك الحكم؟ بهذا يقول الظاهرية، أو أن الأحكام الشرعية مبناها على المعقولية أي على التعليل بالعلل والأسباب والحكم التي يدركها العقل، فتفيد هذه القاعدة أن الراجح عند المالكية أن الأحكام الشرعية مبناها على المعقولية بمعنى أن كل حكم شرعي يمكن أن تعرف علة مشروعيته والحكمة والمصلحة من وراء الأمر به, لأن القول بالمعقولية يجعل الأحكام أقرب إلى القبول من المكلفين وأبعد عن الحرج. والله أعلم.
وأقول: ولكن إن صح ذلك في بعض الأحكام فلا يصح في كلها، لأن هناك أموراً متفق على أنها تعبدية كأعداد الصلوات وهيئاتها وتحديد صوم رمضان دون غيره وتحديد الزكاة بربع العشر إلخ ما هنالك من أحكام لا تدرك عللها, فالتعميم على الرأيين غير سديد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
أمر الرسول ﷺ بغسل اليدين قبل إدخالها الإناء
стр. 543
لمن استيقظ من نومه (١).
فهل يعتبر هذا الحكم تعبدياً، بمعنى أننا لا ندرك علته ولكن يجب علينا فعله ولو تيقنا بطهارة اليدين ونظافتهما, ولو كان النائم حريصاً على نظافة يديه وطهارتهما أثناء نومه؟
أو أن هذا الحكم معقول المعنى يمكن أن يعلل بأن الغسل مقصود به النظافة لأنه لا تخلو اليد عن الثلوث غالباً، ثم طلب عند أمن ذلك طرداً للباب؟ كما شرع الرَّمل في الثلاثة الأشواط الأولى (٢) من الطواف بالبيت لنكاية العدو ثم ثبت عند عدمها طرداً للباب؟.
стр. 544
القاعدتان: السابعة والخمسون بعد الثلاثمئة والثامنة والخمسون بعد الثلاثمئة [أسباب الأحكام]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
" الأصل في أسباب الأحكام أن تتقدم على الأحكام (١) ".
وفي لفظ: "الأسباب المطلقة أحكامها تتعقبها, ولا تسقط بالإسقاط (٢) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تقدم معنى السبب في اللغة وفي الاصطلاح الشرعي، والمراد بالأسباب هنا ما كان وجوده سبباً وعلة لوجود غيره، وإذا كانت الأسباب عبارة عن الطرق التي توصل إلى الأحكام والعلل هي ما يتوقف عليه وجود الشيء ويكون خارجاً مؤثراً فيه (٣) فلا بد من سبق الأسباب والعلل في الوجود وتقدمها على مسبباتها ومعلولاتها. فأسباب الأحكام تتقدم على الأحكام لأن الأحكام ناتجة عن الأسباب، وإذا تعقب حكم سبباً مطلقاً فهذا الحكم لا يسقط إذا أراد المكلف إسقاطه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
سبب حل المرأة عقد النكاح، فلا بد من تقدم عقد النكاح الصحيح ليحكم بحل المرأة لزوجها.
كذلك حل البيع للمشتري والثمن للبائع مسبب عن عقد البيع فلا يحل المبيع للمشتري ولا الثمن للبائع إلا بعد تمام عقد البيع الصحيح.
стр. 545
القاعدة: التاسعة والخمسون بعد الثلاثمئة [الرخصة والعزيمة والقصر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل في التخفيف في العبادة إذا علِّق بالمشقة أن يكون رخصة بخلاف الجمعة.
وقال مالك والشافعي رحمهم الله تعالى: القصر رخصة. وهو كذلك عند أحمد".
وقال أبو حنيفة النعمان رحمه الله تعالى: إنه عزيمة (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
العبادات بحسب كيفية أدائها تنقسم إلى قسمين: عزيمة ورخصة.
فالعزيمة: ما شرع أولاً بدون دليل معارض، وعُرِّفت في الاصطلاح الفقهي بأنها: اسم لما هو أصل المشروعات غير متعلق بالعوارض (٢).
والرخصة هي: ما شرع بناءً على الأعذار، أو ما استبيح بعذر مع قيام الدليل المحرم (٣).
فتفيد القاعدة أن تخفيف العبادة إذا كان بسبب المشقة ودفع الحرج عن المكلف فهو الرخصة، وأما إذا كان التخفيف لغير ذلك فلا يكون رخصة كصلاة الجمعة.
وهذا مذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد ﵃.
стр. 546
خلافاً لأبي حنيفة ﵀ في قصر الصلاة في السفر.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الفطر في السفر أو المرض رخصة لأنه شرع تخفيفاً عن المسافر والمريض.
وقصر الصلاة في السفر رخصة عند الأئمة الثلاثة, لأنه شرع تخفيفاً، وأما عند أبي حنيفة فقصر الصلاة في السفر عزيمة, لأنه الأصل كما في حديث عائشة ﵂ المتفق عليه.
стр. 547
القواعد: الستون بعد الثلاثمئة والحادية والستون بعد الثلاثمئة والثانية والستون بعد الثلاثمئة [الحيوانات]
أولاً: ألفاظ ورود القواعد:
١ - " الأصل في الحيوانات الطهارة إلا الكلب والخنزير وفروعهما وفروع أحدهما (١) "أي في حال الحياة (٢) ".
٢ - "الأصل في الحيوانات التحريم (٣) ". "أي ذبحها"
٣ - "الأصل في الصيد التحريم (٤) " إلا بشروطه.
٤ - وأورد الحصني "الأصل في الحيوان الإباحة (٥) ". بناء على أن الأصل في المنافع الإباحة
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
هذه القواعد الأربع تختص بأحكام الحيوانات من حيث الطهارة والنجاسة ومن حيث الحل والحرمة، فتفيد القاعدة الأولى أن الأصل في الحيوانات كلها الطهارة في حال الحياة عدا الكلب والخنزير وما تفرع منهما. وتفيد القاعدة الثانية والثالثة أن الأصل في الذبائح والصيد.
стр. 548
التحريم، ولذلك لا تجوز الذبيحة ولا الصيد - أي الحيوان الوحشي - ولا يحل واحد منهما إلا بشروط في الذبيحة والصيد والذابح والصائد وآلة الذبح والصيد، وكيفية كل منهما، أو يقال إلى أن يستباح بطريق الاستباحة، ولكن خالف الحصني في رابعة هذه القواعد نقلاً عن المجموع للعلائي لوحة ٧٦/ ب.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
جلد كل حيوان عدا الكلب والخنزير يطهر بالدباغ - ولو كان جلد ميتة على الراجح - لطهارة أصله.
ومنها حل ذبيحة المسلم والكتابي بشروطها، وحرمة ذبيحة الوثني وغير الكتابي.
ومنها: حل صيد أرسل عليه كلب مُعلم أو سهم بشروطه.
стр. 549
القاعدة: الثالثة والستون بعد الثلاثمئة [الصدقات]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن في الصدقات يعتبر عين المنصوص عليه (١) عند الشافعي ﵀.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
عند الشافعي رحمه الله تعالى أن ما ورد النص به في الصدقات والزكاة الواجبة وزكاة الفطر وأشباه ذلك فهو المعتبر وإذا تبدل أو تغير إلى اسم آخر أو صفة أخرى لا يجوز أن يقع عن الصدقة أو زكاة الفطر. وبناءً على هذا الأصل لم يُجز الشافعي ومالك رحمهما الله تعالى وفي رواية عن أحمد إخراج القيمة في شيء من الزكوات (٢).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا وجب على إنسان زكاة الفطر فيجب إخراجها مما ورد به النص من البر أي الحنطة أو الشعير أو التمر وأشباه ذلك مما يقتات كالأرز والذرة، ولا يجوز من الدقيق سواء أكان دقيق حنطة أم دقيق شعير, ولا يجوز إخراج قيمتها بطريق الأولى.
стр. 550
ي القاعدة الرابعة والستون بعد الثلاثمئة [تحمل العبادات]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل في العبادات ألاَّ تُتَحمَّل (١). أي لا يتحملها غير المطالب بها.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
القاعدة المستمرة أن العبادات إنما يقوم بها ويؤديها المطالب بها دون غيره, لأن كل إنسان مكلف بفعل نفسه وخلاصها وبراءة ذمته من المطالبة، ولا يقوم غيره مقامه في ذلك, لأن المقصود من العبادة تعظيم الرب ﷻ بإظهار الطاعة والخضوع وهذا لا يظهر إلا في فعل العبد نفسه. إلا ما استثني.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولا يزكي أحد عن أحد ولا يحج أحد عن أحد إلا ما ورد النص فيه.
وذكر بعضهم أن فطرة الزوجة عليها لا على الزوج, لأنه إنما يجب صدقة الفطر بالولاية ولا ولاية للزوج على مال زوجته.
والحديث بخلاف ذلك وهو قوله ﷺ : "أدوا صدقة الفطر عمن تمونون (٢) ".
стр. 551
القاعدة: الخامسة والستون بعد الثلاثمئة [الأداء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل في العبادات التي تشتمل على أركان ينفصل بعضها عن بعض أن الأداء لا يتصل بالشروع فيها كما في الحج. وفيما يكون متصل الأركان يتصل الأداء بالشروع كالصلاة (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأداء: هو دفع الحق وتأديته (٢). وأداء الصلاة: الإتيان بها في وقتها المحدد لها شرعاً. والعبادات نوعان: نوع يشتمل على أركان ينفصل بعضها عن بعض كالحج، ونوع يشتمل على أركان لا ينفصل بعضها عن بعض كالصلاة. فالعبادة ذات الأركان المنفصل بعضها عن بعض لا يتصل أداؤها بالشروع والبدء فيها.
والعبادة ذات الأركان المتصلة يتصل أداؤها ببدئها والشروع فيها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الصلاة ذات أركان متصلة فيتصل أداؤها بالشروع فيها، والعدة بالأشهر متصلة الأركان فيتصل الأداء بالشروع فيها.
والحج عبادة ذات أركان منفصلة فلا يتصل الأداء بالشروع فيها، وكذلك العدة بالأقراء - بمعنى الحيضات - عبادة ذات أركان منفصلة فلا يتصل الأداء بالشروع فيها لأنه يطلقها وهي طاهرة فتبدأ عدتها من أول حيضة بعد الطهر الذي طلقها فيه.
стр. 552
القاعدتان: السادسة والستون بعد الثلاثمئة والسابعة والستون بعد الثلاثمئة [التعليل والتعبد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل في العبادات ملازمة أعيانها وترك التعليل (١) عند الشافعي ﵀.
وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى: "الأصل التعليل حتى يتعذر (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الراجح عند الشافعي رحمه الله تعالى في العبادات التعبد وعدم التعليل وفعل العبادة كما أمر الله وكما أمر أو فعل رسول الله ﷺ ، وأن يترك التماس العلل لها، لأن ذلك. يؤدي إلى الإخلال بها.
وأما عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى فالراجح عنده في العبادات التعليل إلا إذا تعذَّر التعليل فتجب الملازمة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الترتيب بين أعضاء الوضوء فرض عند الشافعي ﵀ لا يصح وضوء المتوضيء إذا أخل به (٢) اتباعاً لقوله سبحانه ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٣).
خلافاً لأبي حنيفة الذي لا يرى فرضية الترتيب فيجيز تقديم بعض أعضاء الوضوء على بعض.
стр. 553
القاعدة: الثامنة والستون بعد الثلاثمئة [بناء العقود]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل في العقود بناؤها على قول أربابها (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
العقد هو ارتباط الإيجاب بالقبول، والقاعدة المستمرة في بناء العقود وإتمامها إنما هو بناؤها على قول أصحابها من العاقدين حتى لا ينسد باب المعاش على الناس لو طلب من كل بائع أو عاقد بينة على ملك ما يريد بيعه أو بينة على الشراء ممن يدعَي أنه كان له.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أحضر إنسان ثماراً أو متاعاً ليبيعه، وقال اشتريته من فلان، فإنه يجوز الشراء منه مع أنه أقر بالملك لغيره وأدعى حصوله له.
وكذلك لو قال إنسان: أنا وكيل في بيع أو نكاح فصدقه من يعامله صح العقد.
стр. 554
القواعد: التاسعة والستون بعد الثلاثمئة والسبعون بعد الثلاثمئة والحادية والسبعون بعد الثلاثمئة [الحقيقة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
" الأصل في الكلام الحقيقة (١) ". وفي لفظ: "الأصل في الألفاظ الحقيقة عند الإطلاق (٢) - فلا يحمل على المجاز إلا بدليل (٣). وفي لفظ: "الأصل في الإطلاق الحقيقة، وقد يصرف إلى المجاز بالنيَّة (٤). [فقهية أصولية]
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
معنى الأصل هنا: الراجح عند السامع.
الألفاظ التي يستعملها الناس لها حالان:
الحال الأولى: أن تكون الكلمة مستعملة في معناها الذي وضعت له في أصل الوضع اللغوي، وهذا يسمى حقيقة، ولذلك عرَّفوا الحقيقة بأنها اسم أُريد به ما وضع له، أو هي الكلمة المستعملة فيما وضعت له في اصطلاح التخاطب (٥) كلفظ الأسد في الحيوان المفترس.
стр. 555
والحال الثانية: أن تستعمل الكلمة في غير المعنى الأصلي الذي وضعت له فهذه تسمى مجازاً، فهي نقلت عن معناها الأصلي إلى معنى أخر له علاقة بالأول.
فتفيد هذه القاعدة أننا إذا سمعنا إنساناً يتكلم مخاطباً لنا فإننا نحمل كلامه على معناه الحقيقي - لأنه المتبادر إلى الأذهان - حتى يقوم الدليل على إرادة ما سواه.
فمعنى القاعدة: أن الراجح عند السامع حمل كلام المتكلم على حقيقته لا على مجازه، إلا إذا قام دليل على إرادة المجاز.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا سمعنا إنساناً يقول لآخر وهبتك السيارة. فيترجح لدينا أنه أراد بها التبرع المجاني - أي بدون مقابل - وهذه هي دلالة لفظ الهبة الحقيقي. ولكنا إذا سمعناه يقول: وهبتك هذه السيارة بعشرة آلاف ريال - مثلاً - فنعلم أنه ما أراد حقيقة الهبة وإنما أراد البيع واستعمل لفظ الهبة في غير معناه الحقيقي، بدليل قوله: بعشرة آلاف. فذكر العوض قرينة على إرادة المجاز.
стр. 556
القاعدة الثانية والسبعون بعد الثلاثمئة [الارتباط بالغير]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل في المحبوس لغيره الكفُّ أو القول المناسب للمحل، فمن ادعى غير ذلك فعليه الدليل (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالمحبوس لغيره: من يقوم بالعمل أو العبادة مرتبطاً بآخرين، فهذا الأصل فيه الامتناع عن الزيادة أو المخالفة، وعليه الالتزام بالقول المناسب لمحل الحبس، ومَن يدعي غير ذلك أي من ادعى أن هذا القائم بالعمل المرتبط بغيره له الإطالة أو المخالفة فعليه الدليل وإلا كان عمله باطلاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الإمام في الصلاة محبوس ومرتبط بالمصلين فليس له أن يطيل بهم الصلاة بحيث يشق عليهم، ولا أن يطيل الركوع انتظاراً للداخل ليدرك الركعة.
وقد أجاز ذلك بعض المالكية وهو الإمام سحنون (٢).
كما في مواهب الجليل جـ ٢ صـ ٨٨.
стр. 557
القاعدة: الثالثة والسبعون بعد الثلاثمئة [المنافع والمضار]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل في المنافع الإباحة وفي المضار التحريم (١) ". [فقهية أصولية]
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة أصل عظيم في بيان ما اُحِل وما حُرِّم، فالله برحمته بعباده أباح لهم أشياء وحَرَّم عليهم أشياء، فما أباحه سبحانه فإنما أباحه لمصلحة عباده ومنفعتهم، وما حرَّمه فإنما حرمه لدرء مفسدة عن عباده ودفع المضار عنهم. فما أحله الله فهو الحلال وما حرَّمه فهو الحرام، وهناك أشياء سكت عنها فما حكمها؟ فبناء على هذه القاعدة ما ثبت نفعه منها فهو المباح، وما ثبت ضرره منها فهو الحرام. فكل منفعة الأصل فيها الإباحة وكل مضرة أو مفسدة الأصل فيها التحريم والمنع.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ما لم يذكر حكمه من الحيوانات والمأكولات والمشروبات والمشمومات والآلات والتصرفات إذا ثبتت منفعته كان حلالاً، وإذا ثبت ضرره كان حراماً.
فمثلاً: عصائر الفواكه غير المسكرة، قد ثبت نفعها فهي مباحة وحلال، والدخان وقد ثبت ضرره فهو حرام وإن لم يرد دليل يحرمه بخصوصه.
стр. 558
القاعدة: الرابعة والسبعون بعد الثلاثمئة [شعار الإسلام]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل فيما شرع لإظهار شعار الإِسلام وإقامة اُبَّهتهِ أن يجب على الكفاية (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تفيد هذه القاعدة أن الأحكام الشرعية التي شرعت لإظهار وإعلان شعار الإِسلام وإظهار عظمته وسلطانه أن الراجح فيها أنها فروض كفاية إذا قام بها بعض المكلفين سقطت المطالبة بها عن بقية الجماعة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من هذه الأحكام الأذان وصلاة الجماعة وصلاة العيد على القول بأنها من فروض الكفاية، وإلا فهناك قول بأنها سنن مؤكدة بخلاف صلاة الجمعة فهي واجبة على الأعيان عند الجميع بشروطها، وفي حكم الأذان وصلاة الجماعة وصلاة العيد خلاف في المذاهب وتفصيل ليس هذا محله.
стр. 559
القاعدة: الخامسة والسبعون بعد الثلاثمئة [التعبد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن فيما لا يعقل المعنى فيه إنما يحصل الامتثال بعين المنصوص (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تشير هذه القاعدة إلى الأحكام التعبدية التي لا يعقل فيها المعنى ولا تدرك الحكمة ولا العلة لفرضيتها فهذه لا يحصل الامتثال ولا تبرأ الذمة إلا بأدائها بعينها كما وجبت.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الصلوات تؤدى كما وجبت في أوقاتها المحددة وهيئاتها المسنونة وشروطها المعتبرة ولا يجوز الإخلال بشيء من ذلك، وكذلك الصوم فلا يعتبر ممتثلاً من لم يصم رمضان بغير عذر - ولو صام السنة كلها غيره، كما لا يعتبر ممتثلاً من وقف على كل جبال الدنيا ولم يقف على عرفات، فلا حج له.
وعند الشافعي ﵀ لو رمى الجمرات بطين يابس لم يصح لأن عنده لا يجوز إلا بالحجر اتباعاً لما ورد به الأثر وهو كذلك عند أحمد ﵀ (٢).
стр. 560
القاعدة: السادسة والسبعون بعد الثلاثمئة [النسك]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن فيما هو نسك تكره الضِنَّة فيه بالمال والنفس (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
النسك العبادة والضِّنَّة: البخل.
تفيد هذه القاعدة الحث على عدم البخل فيما هو نسك لله ، فالنسك المطلوب شرعاً يكره أن يبخل فيه بالمال أو النفس.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من أراد أن يضحي فالأفضل له أن يتخير أضحيته ولكن بدون مغالاة في ثمنها، وكذلك من أراد التحلل فليتحلل بالحلق فهو أفضل من التقصير. والحلق نسك.
стр. 561
القاعدة: السابعة والسبعون بعد الثلاثمئة [تعلق الصلاة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند جمهور الحنفية: أن صلاة المقتدي متعلقة بصلاة الإِمام، ومعنى تعلقها: أنها أي صلاة المقتدي - تفسد بفساد صلاة إمامة وتجوز بجوازها.
ويدل عليه قول الرسول ﷺ : "الإِمام ضامن والمؤذن مؤتمن (١) ".
والأصل عند الإمام القرشي أبي عبد الله الشافعي ﵀: إن صلاة المقتدي غير متعلقة بصلاة الإِمام (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تبين هذه القاعدة أصلاً مهماً من الأصول التي اختلفت فيها الحنفية عن الشافعية، وغيرهم: فعند الحنفية: أن صلاة المقتدي - أي المأموم - متعلقة ومرتبطة بصلاة إمامة صحة وفساداً، فإذا صحت صلاة الإمام صحت صلاة المقتدي وإذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة المقتدي مستندين في ذلك إلي قول الرسول ﷺ : "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن".
وأما عند جمهور الفقهاء غير الحنفية فإن صلاة المقتدي غير متعلقة
стр. 562
بصلاة إمامه، فتصح صلاة المقتدي مع فساد صلاة إمامه.
وأساس الخلاف في هذه المسألة - إلى جانب الأخبار في تحمل الإمام - قراءةُ الفاتحة خلف الإمام حيث منعها الحنفية واعتبروا أن قراءة الإمام قراءة للمؤتم. وأوجبها الشافعي ﵀ حيث أبطل صلاة من لم يقرأ بفاتحة الكتاب من إمام ومأموم ومنفرد، وأجازها أحمد ﵀ للمأموم في رواية (١) ومنع مالك المأموم من القراءة في الجهرية، ورجح قراءتها في السرية (٢).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اقتدى مؤتم طاهر بإمام محدث أو جنب وهو لا يشعر - أي لم يعلم يحدث إمامه - فإن صلاة المأموم باطلة عند الحنفية، صحيحة عند الآخرين (٣).
ومنها: إذا خرج المؤتم من صلاة إمامه ونوى الانفراد بنفسه فيما بقي من صلاته فإن صلاته تفسد عند الحنفية، ولا تفسد عند غيرهم.
стр. 563
القاعدة: الثامنة والسبعون بعد الثلاثمئة [الإباحة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن صورة المبيح إذا وجدت منعت وجود ما يندريء بالشبهات وإن لم يبح (١).
ثانياً: معني هذه القاعدة ومدلولها:
المبيح للمحرمات قد يكون حقيقة وقد يكون صورة لا حقيقة وراءها.
والمراد بما يندريء بالشبهات: الحدود الواجبة بناءً على ارتكاب محرمات.
فتفيد هذه القاعدة أن صورة المبيح إذا وجدت في مسألة منعت وجود الحد الذي يندريء ويندفع بالشبهة وإن لم يبح في واقع الأمر، لأن وجود الصورة شبهة دارئة للحد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أبصر إنسان هلال رمضان وحده، ثم شهد عند القاضي بذلك، فرد القاضي شهادته، فهذا هل يجب عليه الصوم ويلزمه، لأنه مكلف برؤية نفسه؟.
فإذا أفطر هذا عامداً فهل عليه كفارة؟ فعند الحنفية - الذين يوجبون الكفارة بالأكل والشرب عامداً - أنه لا كفارة عليه حتى ولو جامع، لأن صورة المبيح - وهي هنا عدم قبول شهادته عند القاضي، وعدم صيام الناس لأنهم لم يروا الهلال - قد وجدت هنا، وإن لم يبح الفطر لهذا الشخص، لأنه مكلف برؤية نفسه.
стр. 564
وأما عند غير الحنفية فيلزمه صومه وعليه الكفارة إذا جامع (١) وكذلك عليه القضاء والكفارة بالأكل والشرب المتعمد عند مالك ﵁ (٢).
стр. 565
القاعدة: التاسعة والسبعون بعد الثلاثمئة [النقود]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل ضم النقود بعضها إلى بعض في تكميل النصاب باعتبار معنى المالية (١) ". [ضابط]
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
النقود وإن اختلفت أنواعها - من ذهب - أو فضة - باعتبار ماليتها يضم بعضها إلي بعض عند إرادة تكميل النصاب لأنها ثمن الأشياء وقيمها (٢).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كان لرجل عشرة مثاقيل من الذهب ومئة درهم من الفضة فيضم أحد المالين إلى الآخر ليكمل النصاب فتجب فيه الزكاة؟